خريطة المجلة الثلاثاء 23 سبتمبر 2014م

Unified Approach To Negotiating With Iran  «^»  وما أدراك!! /   «^»  الاستيطان والكذب على شعب فلسطين  «^»  الرياضة أفضل علاج للتيبس والتهابات الوتر  «^»  If they fail, peace talks will only deepen crisis for Palestinians  «^»  الموجة الاستيطانيّة الجديدة في الضفّة الغربيّة: حكومة مستوطنين تستبيح أراضي الشّعب الفلسطينيّ  «^»  مفاوضات في خدمة الاستيطان والتوسع الإسرائيلي  «^»  خطوات الاتحاد الأوروبي ضدّ الاستيطان الإسرائيلي  «^»  في أنّ الثورة ثورة والانقلاب انقلاب  «^»  أحداث 30 يونيو تعيد مصر إلى المربع الأول جديد الأبواب الثابتة
عدد خاص بُعَيْدَ الذكرى الثانية لرحيل الشاعر طلعت سقيرق / هدى الخطيب  «^»  طلعت سقيرق.. أمل راحل وحب مقيم.. سيف الدين الخطيب  «^»  الشاعر طلعت سقيرق والارتقاء بالاحتراق ما بين المادة والروح / هدى الخطيب  «^»  دراسة سيميونفسية في قصيدة ( غدا تعرفين ) للشاعر طلعت سقيرق/ بقلم الشاعر ياسين عرعار  «^»  سأنام طويلا - شعر - طلعت سقيرق  «^»  طلعت سقيرق.. حضورك بيننا ظلاًّ وفيئاً.. / حنان درويش  «^»  ارتباط الهوية بالمكان عند الشاعر طلعت سقيرق / عادل سلطاني   «^»  الأسير...ونبض المشاعل / د. أحمد الريماوي   «^»  سبقنا إلى السماوات العليا هكذا، نكاية بالزمن / خيري حمدان  «^»  طلعت سقيرق، نزوح نحو الفردوس / فهد عنتر الدوخي جديد مجلة نورالأدب

الأبواب الثابتة
نقد أدبي
دراسات أدبية
أنواع شعر المديح ومعانيه في فجر الدولة العلوية في المغرب

سعاد الفحصي

أدب مغربي قديم:

أنواع شعر المديح ومعانيه
في فجر الدولة العلوية

تمهيد:
لقد اكتسح فن المديح مساحة كبيرة في خريطة الشعر العربي عبر عصوره المتلاحقة، كما أجمع أغلب الدارسين على أن هذا الفن نشأ في شعر العرب إعجابا بالفضيلة وثناء على صاحبها، وأن الغاية منه لم تكن في البدء سوى غاية خلقية، تتمثل في توق الإنسان إلى الحياة الفضلى، وبلوغ ما ارتسمته من مثل أعلى له، وحث الآخرين على التحلي بما يراه صفات خيرة . وقد لمس أرسطو عظمة هذا الفن، ذاكرا أن "الشعر انقسم وفقا لطباع الشعراء، فذوو النفوس النبيلة حاكوا الفعال النبيلة وأعمال الفضلاء، وذوو النفوس الخسيسة، حاكوا فعال الأدنياء، فأنشأوا الأهاجي، بينما أنشأ الآخرون الأناشيد والأماديح" .
وقد استطاع قدامة ابن جعفر، وانطلاقا من الواقع الحضاري والاجتماعي أن يجعل القصيدة المادحة تتحرك عبر مستويات متفاوتة بحسب الممدوحين من أصناف الناس في الارتفاع والاتضاع، وضروب الصناعات، والتبدي والتحضر، وأنه يحتاج إلى الوقوف على المعنى بمدح كل قسم من هذه الأقسام ، كما عمل قدامة أيضا على تأصيل ووضع الخصائص التي تشترط في القصيدة المادحة وهي "العقل والشجاعة والعدل والعفة، فكان القاصد لمدح الرجال بهذه الأربع الخصال مصيبا، والمادح بغيرها مخطئا" .
لذا فالحياة العربية بتطوراتها أفلحت في تغيير مجرى القصيدة المادحة من مجالها المثالي إلى فلك التكسب، فأصبح المدح تكسبا بدافع الرغبة في الاستمناح والعطاء، وبذلك حاد بعض هذا المدح عن تلك الفضائل لحرص الشعراء على الظفر برضا الممدوحين على حد قول الدكتور عبد الله بنصر العلوي.
وإن عدنا إلى شعراء الفترة المدروسة، وجدنا أن المديح يتنوع عندهم بتنوع أصناف الممدوحين، إذ تختص كل فئة بما يناسبها، وما يعتبر عندها من قيم. ففيما يمكن أن يمدح به العالم الرباني من وصف صلاحه والتنويه بزهده وورعه، هو غير ما يمدح به قائد أو ملك أو أمير مطلبه قائم على متاع الدنيا. ومن ثم فقد تنوعت أغراض المديح على هذا العهد، وكان لها حضور متميز في أعمال شعرائها، وسنعمل على عرض بعض هذه الأغراض والبواعث الخاصة التي فجرت بواعث القول فيها، والمعاني التي وظفها الشعراء للثناء على ممدوحيهم. ويمكننا أن نقسم أغراض المديح في هاته الفترة إلى مديح ديني ويضم المديح النبوي والمديح السلوكي أو الولوي، ثم مديح دنيوي ويضم المديح الإخواني والمديح الرسمي.
أ-المديح النبوي:
إن فن المديح النبوي ـ كما يقول الدكتور زكي مبارك ـ "لم يكن فنا ظاهرا في الفنون الشعرية، كالرثاء والوصف والنسيب… وإنما هو فن نشأ في البيئات الصوفية ولم يهتم به من غير الصوفية إلا القليل" . وما أشار إليه زكي مبارك هو من الحقائق التاريخية التي تواترت صورها واطردت، والبوصيري والصرصري في المشرق، واليوسي وأبو زيد عبد الرحمان الفاسي وأبو سالم العياشي وغيرهم كثير في المغرب، إنما كانوا من المتصوفة الفقهاء أو الفقهاء الصوفيين .
فقد كانت ظاهرة المديح النبوي إفرازا للبيئة الصوفية الدينية، ولتلك الهزات الروحية التي تنتاب الشاعر تحت وقع الحياة وظروفها، ما دام الفن الأصيل تعبيرا عن هذه الهزات، وما دام هذا التعبير يعد إسهاما في إشباع رغبة الإنسان في التطلع إلى عالم آخر أرقى من الواقع. فكان اهتمام الشعراء المغاربة بهذه الظاهرة ليس فقط تقديرا لمكانة الرسول صلى الله عليه وسلم في النفوس، أو تفانيا للقلوب في محبته والتغني بشمائله أو تسليا عن بعد المزار، أو تقوية للحنين إلى أرض وطنه، أو شوقا إلى الصفاء والنقاء، بل لما يمثله الرسول عليه السلام من قيم إسلامية عليا تتيح للمبدع استلهاما للقدوة وتأثرا بالشخصية، ومن ثم اصطبغت هذه الظاهرة بالأثر الإسلامي.
وبنظرة تأملية جامعة بين الأغراض والموضوعات لدى الشعراء المتصوفة في هاته الفترة، يمكننا القول "إن قصيدة المديح المغربية تناولت الموضوعات التالية: النبويات والحجازيات، المديح الصوفي، التوسل بالأولياء والصالحين، المراجعات الإخوانية، الحنين إلى المدن والديار" .
وإذا كانت العناصر التي بنى عليها البوصيري بردته لا تخرج عن النسيب ويليه التحذير من هوى النفس، ثم مدح النبي صلى الله عليه وسلم، والكلام عن مولده ومعجزاته، ثم القرآن الكريم، والإسراء والمعراج والجهاد ثم التوسل والمناجاة ، فإن شعراء العصر العلوي في مدائحهم النبوية سعوا سعي أسلافهم في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم والثناء عليه، وذكر شمائله الخلقية والخلقية، واستعراض جوانب من سيرته، ثم الكلام عن مولده وبعض معجزاته ومدح آل بيته، وأخيرا التوسل والشكوى والتشوق إليه والصلاة عليه، ومن ثم كانت قصيدة المديح النبوي مسارا فنيا للقصيدة المادحة. وقد كان إقبال شعراء هاته الفترة على طرق المدائح النبوية كبيرا، ويتجلى في وفرة ما نجده لهم فيه، وأيضا في كثرة الذين تناولوه منهم، لكننا في هاته الدراسة سنقتصر على ذكر بعض الشعراء المشهورين وعلى ذكر بعض مدائحهم أو بعض أشعارهم التي تضمنت هذا الفن المدحي.
وكما بات التنوع في أشعار المديح النبوي السمة المميزة لممارسيه والعاملين على إنتاجه فهو من حيث مضامينه يشمل:
قصائد المديح الخالصة: وهي النبويات التي تصاغ من بدايتها لمدح الرسول صلى الله عليه وسلم وتحقيق الثناء عليه، وتستغل في تحقيق هذا المدح أحداث السيرة النبوية، فتناول ذكر صفاته عليه السلام وأخلاقه وشمائله ومواقفه ومعجزاته وغزواته وغير ذلك، وغالبا ما تقف عند الولادة والبعثة النبوية لتمنح للكلام فرصة للحديث عن الحقيقة المحمدية، وأصل النور المحمدي وسريانه في الكون قبل آدم. وأكثر القصائد النبوية تجري على هذه الصفة، فلا يترك الشاعر مجالا دون أن يخصص بعضا من أبياتها لذلك، فنجد الشاعر أبا سالم العياشي يشير في مدائحه النبوية إلى آيات مولده، فتدلي الشهب، وخفة حمل الأم، ورؤيتها النور وإحساسها بالطمأنينة والراحة، وارتجاج إيوان كسرى ، وخمود نيران فارس، تلك إرهاصات المولد مما حفلت به كتب السيرة النبوية، التي أتاحت للعياشي رافدا هاما استقى منه إبداعه، يقول: (البسيط).

كم آية ظهرت ليلة مولـده
كرؤية الشهب تدنو منه بالمقل

وخفة الحمل حتى لم يحس به
ولم تجد أمه أذى من الحبـل

وشاهدت أمه نورا أضاء لها
فعاد منه ظلام الليل كالطفـل

وفارس خمدت نيرانهم وهوت
من صرحهم شرفات عد من سيل

وفي نفس السياق يقول الشاعر محمد المرابط الدلائي(ت 1089): (الكامل)

وأبان نهج الحق بعد دثـوره
وجلا البصائر من ركام الـران

وغدى به الإيوان منتقض العرى
متضعضعا متداعي البنيان

فارتاع كسرى وانتحاه تحير
وتحسر أسفا على الإيوان

لهفان ملتهب الحشى قلقا أسى
متوقعا لبواعث الحدثان

فمما لا شك فيه أن الشعراء وهم يتناولون موضوع السيرة النبوية، إنما يؤكدون ما اشتهر به المغاربة في هذا المجال، حيث أن تمسكهم بالإسلام وتشبتهم به وتعلقهم بالرسول وتفانيهم في حبه وحب آل بيته، كل ذلك شحذ قريحة العلماء وعاطفة الأدباء فنجدهم تتبعوا مراحل السيرة النبوية الزاخرة، بدءا من الحديث عن نسب الرسول ومولده إلى الحديث عن وفاته وآل بيته، ملحين داخل هذا الإطار على شمائله ومعجزاته ومواقفه وغزواته .
وقد كان الشعراء يمدحون أخلاق الرسول وشمائله، فهو إمام المرسلين، وسيد الأنبياء وصاحب النور الأسنى والمجد الأسمى. قال محمد المرابط الدلائي: (الكامل)

طه إمام الأنبياء وخير من
في موقف الحشر البرايا ترمق

من نور طلعة أحمد البدر استمى
وله التضاؤل بالنوى وتشوق

ولأحمد المجد الذي لا يستمي
ولأحمد الشأو الذي لا يلحق

فالرسول خير البرية كلها وشفيعها يوم القيامة، فهو بدر الهدى وبحر الندى، ومأوى الأمان ومنبع الإيمان. يقول أبو علي الحسن اليوسي: (الرجز)

خير البرية كلها وصميمها
وشفيعها يوما تهي بزحـام

بدر الهدى بحر الندى غيث الصدى
ليث العدا ماحي الردى المظـلام

مأوى الأمان ومنبع الإيمان من
لاوى الزمان حمى وحصن حام

وفي نفس المعنى مدحه الشاعر أحمد بن عبد القادر التستاوتي(ت1167م)، فكان الرسول هو الغوث والحياة، وهو قطب الوجود وغاية الآمال، يقصده الناس ولا يرجون الإنجاد من أحد سواه: ( الخفيف)

هو عين الصفا، وينبوع أسرا
ر الجمال، وخير كل العبـاد

هو قطب الوجود، هو حياة الـ
ـخلق طرا، ومنتهى القصـاد

هو غوث النهى، وغاية آما
ال العقول، ورغبة الأنجـاد

ولم ينس الشعراء أن يمدحوه بالعلم والفصاحة والبلاغة، يقول محمد المرابط الدلائي: (الكامل)
بهر القلوب بلاغة وبراعـة ونصاعة اللفظ الجزيل تألـــق
ونفس المعاني نجدها في قول أبي سالم العياشي: (الطويل)

له العلم والحكم القويم وحلمـه
عظيم فما أذى ولو ضره شخصـا

عليما حليما عاقلا متثبتــا
فلا يقبل الإخبار ممن بها وشـى

كما نجد الشاعر ابن زاكور الفاسي(ت 1120) يمدح الرسول صلى الله عليه وسلم ذاكرا بعض شمائله، يقول: (الكامل)
جم الفضائل-لا يحاول حصرها- غمر المزايا، عوض لا تتناهـى
* * *
شمس العوالم كلهـا وممدهـا في النشأة الأولى، وفي عقباها
ونجد الشاعر المهدي الغزال أيضا يمدح الرسول صلى الله عليه وسلم ويذكر بعض صفاته، كعلو شأنه، ورفعة قدره، وطيبة نفسه، وكرم طبعه، وجمال صبره ووضوح علمه، وغيرها من الشمائل. يقول فيه: (الطويل)

أجل الورى جاها وأرفعهم قدرا
وأعلاهم شأنا وأشمخهم ذكرا

وأطيبهم نفسا وأرجحهم حجى
وأكرمهم طبعا وأجملهم صبرا

وأوضحهم علما وأشهرهم تقى
وأكملهم حمدا وأوفرهم شكرا

وأزكاهم حلما وأسماهم علا
وأسناهم فخرا وأعظمهم أمرا

وأوفاهم عهدا وأنداهم يدا
وأصدقهم وعدا وأنماهم خيرا

ولا يكاد يخلو ديوان أبي العباس أحمد بن عبد العزيز الهلالي السجلماسي (ت1175هـ) من مدحه للنبي صلى الله عليه وسلم وذكر شمائله، يقول:(مخلع البسيط)
خير الورى، سيد البرايـا، سامي الذرى، باهر الفعال
بدر الهدى، ظاهر المزايـا بحر الندى، وافر النـوال
وليس غريبا أمام هذه المزايا التي تجمعت في شخصية لا نظير لها، أن يقتنع بعض الشعراء من أهل التصوف بأن الرسول صلى الله عليه وسلم مصدر الكون وأهل الوجود، وأن كيان الحياة ما كان ليكون لولاه، وما كان للوجود أن يستمر بدونه، فهذا أبو العباس الدغوغي يقول: (الكامل)

لولاه ما حصل الوجود لواحد لولاه سبل رشادنا لم تعقل
لولاه ما عرف الإله ولم يدن بتبتل لله حلف تبتــــل
ولم ينس الشعراء ذكر نسبه الشريف، فنسبوه إلى الهاشمي، يقول الدغوغي: (الكامل)
الهاشمي الأبطحي محمــد هادي الأنام وسيلة المتوسل
فقد أشار الشعراء إلى بعض آباء الرسول الأشراف، اعتبارا لمحتدهم المنيف، كعبد المطلب، الذي يقول فيه ابن الطيب العلمي: (المنسرح المطوي العروض والضرب)
إلا النبي الذي يلاذ بــــــه خير الأنام ابن عبد مطلب
إني استجرت من العقاب غــدا بسيد العجم سيد العـرب
فأصل النبي أصل طاهر شريف، يقول عبد القادر بن شقرون (ت بعد1140): (الكامل)
سر الوجود محمد خير الورى والمنتقى من كل أصل طاهـر
من قد تجلت طيبة الزهرا بـه وزهت ففاقت كل روض زاهر
ثم وقف الشعراء على ذكر معجزات الرسول، باعتبارها تعد أكبر دليل على صدق نبوته ودعوته، فبالإفاضة في تحليلها وسرد ظروفها استرجاع للماضي واستحضار لواقع الدين الإسلامي في بداياته الأولى لإنقاذ البشرية من حياة الظلم والفساد إلى حياة الطمأنينة والعدل والإخاء، وهذه المعجزات في جوهرها تلعب دورا هاما في صحة الاعتقاد، وتجعل النفس تصبو إلى صاحبها للإحساس بعظمتة وقوة رسالته، وقد حاول الشعراء ذكر معجزاته، واستعرضوا جملة وافرة منها وعددوها واستخلصوا العبرة منها في الدلالة على صدق نبوته ورسالته، يقول أبو سالم العياشي: (المديد)
كم له معجزات لم يطــق حصرها نظما ونثرا مقول
ودلائل النبوة كثيرة ذكرها أغلب شعراء هذه الفترة، يقول أبو العباس الدغوغي: (الكامل)
خير الأوائل والأواخر من له
نطق الجماد ـ رضا ـ بأفصح مقول
وكذا إليه الجذع حن وأن من
شوق لوطأته بمحضر محفل

ومن الزلال العذب عل محافظـا
من بين أنمله جرى بمسلسل

وَشَكَا البَعيِرُ إِلَيْهِ فَرْطَ عَنَائِهِ
وشكا الغزال إليه خيفة موجل

والضب أفصح معلنا بثنائه
والذئب سلم جهرة بتذلـل

وأرى انشقاق البدر أوضح آيـة
لذوي الشقاق لو اهتدوا بتأمل

وبكفه صم الحصا لأخي الحصا
ة مسبحا أبدى العجاب لو اجتلي

ولم ينس الشعراء ذكر أهم معجزة للرسول صلى الله عليه وسلم وهي القرآن الكريم الذي يعتبر من أعظم المعجزات، وصفه الشعراء المغاربة بأنه معجز قولي ونزول منجم وعبرة للمومنين. يقول ابن الطيب العلمي: (المنسرح المطوي العروض والضرب)
من جاءنا بالكتاب معجـزة فقام ينسخ سائر الكتــــب
وقد خص الشعراء معجزة الإسراء والمعراج بمقاطع فيها كثير من التفصيل والتكرار والتأمل لما لها من تأثير على الدعوة الإسلامية، ولما اتسم به الرسول صلى الله عليه وسلم من صدق وأمانة، يقول التستاوتي: (الرجز)

أسرى به سبحانه من مكة
للمسجد الأقصى المنير الأوقد

صلى به بالأنبياء يؤمهـم
ثم ارتقى لأجل مأوى أصعـد


فرحت به الأملاك والأفلاك و إلأ
رواح إذ بلغ المدى في المصعـد

والأرض موحشة لفقد سنائــه
أكرم بها مما أتى بادي بــدي

وقال ابن الطيب العلمي في نفس السياق: (الطويل)
نبي به أسرى الإله إلى السمـا فأكرم بمن أسري وسبحان من أسرى
ويتعرض الشعراء خلال حديثهم عن المعجزات النبوية لبعض المسائل التي شاعت في المديح النبوي منذ عصر البوصيري إلى عصرنا، وهي مسائل تتسم بقدر من الغلو، ربما كان ناتجا عن تأثر شعراء المديح النبوي ببعض المذاهب الصوفية والفلسفية كالقول بالحقيقة المحمدية، باعتبارها العماد الذي قامت عليه قبة الوجود كما عبر ابن عربي "هي صلة الوصل بين الله والناس وهي القوة المدبرة التي يصدر عنها كل شيء" . فقد تسربت الأفكار الصوفية في شرايين هذا الفن، حتى أصبحت الحقيقة المحمدية أو النور المحمدي من أكبر القضايا الصوفية التي تمحورت حولها الأمداح النبوية.
فمن نور الحقيقة المحمدية بدا الكون مشعا، منه استمد العرش والقلم، ومنه حافظ اللوح على كل شيء في الوجود من الضياع، ومنه أحيت الروح الجسم، ومنه أدرك العقل كل شيء، يقول أبو سالم العياشي: (الوافر)

هو النور المبين، فكم ضيـاء
له في العالمين ، وكم شعـاع

فأول ما بدا في الكون نـور
لأحمد فهو عبد لاختـراع

فمنه العرش والقلم استمـدا
فصارا مظهرين لابتـــداع

ومنه اللوح حافظ كل شـيء
تفرق في الوجود على الضياع!

ومنه الروح يحيا الجسم منــه
فتحميه الحياة من الصداع

ومنه العقل مدرك كل علـم
بجزئي تفرد أو مشـــــاع


و

وإن عدنا إلى أبي زيد عبد الرحمان الفاسي (ت 1096هـ) في قصيدته الرائية الطويلة نجده يؤكد في أبيات منها إلى أسبقية الحقيقة المحمدية في الوجود إذ أنها العلة في الإيجاد والتكوين، يقول: (الطويل)

زخرف منك الأرض والأفق والسما
وجنات عدن والنجوم العلا والزهرا

أولى بك الحسنى، وهد بك الردى
وأذهب منك الضيم والبأس والضرا

فلولاك ما كانت جحيم وجنة
ولا كان عرش، لا ولا وطئت غبرا

أما أبو علي اليوسي فتصوره للحقيقة المحمدية قائم على ثنائية ضدية، يقصد إبراز المقام الوجودي لها، داخل الكون وفي الحياة البشرية على السواء، فالوجود إنما كان قبله ـ عليه السلام ـ في ظلام، فانبثق النور الأزلي من تلك الحقيقة، ليعم الأرجاء والأكوان، والحياة كانت غارقة في بحار من الآثام، فسطعت من تلك الحقيقة شمس الخير والهداية، وإذا بالبشرية تهتدي فتهدى إلى سواء السبيل… ذلك هو تصور اليوسي من أبيات نقرأها في قصيدته النبوية الرائية: (الطويل)

محمد المهدى إلى الناس رحمة
وسر الوجود الطاهر المتخير

نبي أتى والكون أسود مظلم
فأصبح منه، وهو أبلـج نير

وجاء ورسم الدين أسحم دارس
فها هو مأهول بـه ومعمر

هو الغرة البيضاء والكون أدهم
هو الذرة العصماء والكون جوهر

هو الروح فيه والحياة، وكلمـا
سواه من الأكوان جسم وصـور

فالنور النبوي يعد أصل الوجود عند اليوسي، يقول في قصيدة أخرى: (الكامل)
من نوره كل البريـة كونت وبه بدا للدين حسن تمام
وبنوره الرسل الكرام تأيدت بدلائل للعالمين جسـام
وللشاعر التستاوتي في داليته إشارات مكثفة، استوحت النور المحمدي وما كان له من انبثاق كوني، وقد تجسد في مقامه على الأرض وفي مقامه بين الخلائق كلها:(الكامل)

والعالم العلـوي يشرف فاخـرا
بمحمد فليشكـرن وليحمد

بدر وبحر، بل سراج نير
غوث الكئيب وغنية المسترفــد

من نوره نار الوجود بأسره
وبهديه قد ساد كل مسـود

ولقد تشابه ليلنا بنهارنا
فالكل مغمور بنور محمــد

وشاعرنا ابن زاكور الفاسي أيضا تحدث عن النور الأزلي الذي تلألأت منه الكواكب والنجوم والعرش والكرسي، والذي يعد أصل الوجود: (الكامل)

شمس العوالم كلها وممدهـا
في النشأة الأولى وفي عقباهــا

قبل الوجود تلألأت أنـواره
فالعرش والكرسي بعض سناهـا

أصل الأصول وفرعها وملاذهـا
وسراج غيهبها وفجر دجاها

ومن باب إضفاء الجمال المطلق على تلك الحقيقة المحمدية، نجد الشاعر الطيب ابن مسعود المريني يربط بين النور الأزلي وبين الحسن الجسدي لتكتمل الصورة في بعديها الجمالي والروحي: (البسيط)
وجل في حسنه عن كل ما شبـه فمن سناه استضاء الشمس والقمـر
لو حاول الخلق والأكوان قاطبـة أن يقدروا قدره في المجد ما قدروا
ولم يقف الشعراء في مديحهم النبوي عند الشمائل المحمدية لأنها تتضمن الفضائل النفسية، بل تجاوزوها إلى مدح الصفات البدنية التي اعتبرها قدامة خروجا عن صفات المديح الحقة ، على عكس ابن رشيق الذي أقر رأي قدامة لكنه لم ينكر ما عداها من الصفات . فالشعراء لم يذكروا صفات الرسول البدنية مجردة عن معناها المدحي بل لم يأتوا على ذكر جميعها كما ذكرتها السيرة النبوية، إنما اكتفوا بذكر ما يتصل بالصفات المادحة التي تزخر بعطاء مدحي كبير، فتحدثوا عن إشراق الوجه وجماله، يقول أبو سالم العياشي: (الخيف)
مشرق الوجه لا يرى سائل إن جاء في وجهه الكريم سهومـا
وشبه وجهه بشمس الضحى يقول:
شمس الضحى إذا بدا وجهه ينير فوق الفرس الورد
وقال محمد بن محمد المرابط الدلائي في نفس المعنى: (الخفيف)
أنبيا سما النبيئين قــدرا وبهاء وبهجة وجمـــالا

كما وقف الشعراء على وصف كفه عليه السلام: (المجتث)
وكفه فاق لينـــــــا ثياب خز وقطـــــن
إن الصفات البدنية لما لها من معاني مدحية، "يجعلها الشعراء من الفضائل النفسية فبهاء البدر وضياء الشمس معنى للكمال، وفصاحة اللسان إشارة للبلاغة والبيان، ووقوفهم عند ريقه قصد اللذة والشفاء، والكف عطاء للجود والكرم…"
أما قصائد الشوق والتطلع لزيارة البقاع المقدسة: والمثول في حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم، فتحمل من سمات الحنين الصادق إلى المحبوب، وتكشف عن العاطفة المتأججة إلى تحقيق رغبة الوصول وتحقيق الأمل. فتغنيهم بذكر هذه البقاع وإظهار الشوق والحنين إليها هو مظهر من مظاهر حبهم للجناب النبوي الشريف الذي سعت إلى التعبير عنه تلك المدائح. فقد شهدت هذه البقاع ولادته ونشأته وقيام دعوته وهجرته وغزواته. ومن هذه القصائد مثلا تلك التي نظمها ابن الطيب العلمي في تشوقه إلى البقاع المطهرة. فهو يرفع طلبه الذي لم يحد عنه طيلة حياته، والذي وافاه الأجل وهو في الطريق يحث الخطى لتحقيقه، إنه زيارة البقاع المقدسة. يقول: (المنسرح المطوي العروض والضرب)

ويا رسول الله مسألة
أصبحت من أجلها أخ كـرب

رفعتها لا أحول عنك بها
وأنت تجبرها من العطب

بزورة البيت بت ذا شغف
فامنن فهذي نهاية الطلب

والله غيرك لا رجوت لها
ومن يرج النبي لم يخب

فقد ظل تحقيق هذا الأمل يراوده طيلة حياته، وفي السنوات العشر الأخيرة منها، ملك عليه مشاعره وتفكيره وأصبح هدفا من أجله يعيش وفي سبيله يسترخص كل غال ونفيس، وكان من نتائج هذه الفترة كما ذكر القادري:"أنظام أخر منها القصائد المعشرة في التشوق للبقاع المطهرة" .
يقول في إحدى قصائده يفصح فيها عن تشوقه ويستبطئ طوافه بالبيت العتيق الذي كانت ملائكة الرحمان تؤسس دعائمه، وإرواءه لعطشه من ماء زمزم وتقبيله للحجر الأسود والجلوس تجاه قبر الرسول لمدارسة العلم: (الكامل)
متى أطوف ببيت الله في جـرم
كانت ملائكة المولى تؤسسـه

ويرتوي عطشي من زمزم وأرى
أقبل الحجر الأسنى وألمسه

يا من إليه نفوس العالم انقطعت
جبرا وأعناقه ذلت وأرؤسه

هيئ لعبدك عند المصطفى سكنا
حتى يكون تجاه القبر مجلسه

وارزقه فهما وعلمـا منك ينفعه
واجعله في روضة المختار يدرسه

والشاعر محمد المرابط الدلائي من الشعراء الذين أظهروا مكنونات أفئدتهم من الشوق والتحرق لزيارة بيته وتقبيل جدران مقامه، يقول: (الكامل)

قد فاز عني بازديارك عصبـة
حلو بجدهم ذرى السرطان

فازوا بزورة خير من وطئ الثرى
وبقيت ملتهب الجوانح عان

أعزز علي بأن أرى متنائيا
شحط الديار مؤرق الأشجان!

هل بين هاتيك العراص معرس
يندى به كبدي ويشمخ شاني؟

لو تعتق الوجناء بي في مهمه
رقراق آل نافح القيعان!

أنى ومن لي أن أحل بطيبة
وأتابع التقبيل للجدران؟

وفي نفس المعنى يقول الشاعر محمد بن محمد المرابط الدلائي: (الرمل)

يا أهيل الشرق من آل الرسول
وولاة الغرب أشراف الأصول

وحماة الجوف والقبلة يـا
ذادة الأطراف أرباب الوصـول

وبدور الكون أقمار الورى
وهداة الخلق في كل الفصول

حلف نعماكم ومضنى وجدكم
من له نحو احتماكم النصول

صارخ: يا آل غوثاه عسى
نفحة تسخو لديكم بالوصـول

بينما قصائد المولد والتهاني: فهي الأعمال التي اعتاد الشعراء إنجازها بمناسبة الاحتفال بالمولد النبوي من كل سنة، فيتم إبراز الابتهاج بهذه الذكرى، وإعادة إحياء ما تميز به مولد الرسول صلى الله عليه وسلم، وما ارتبط به من أحداث في مصير الكون وما رافقها من علامات، وهي تجمع مع هذا مطلق المديح النبوي بالثناء عليه صلى الله عليه وسلم، وتمجيد صفاته ومواقفه، ثم التوسل به للخلاص من المشاكل والأزمات، ويتمثل هذا في أعمال الشاعر عبد الرحمان الفاسي، فقد اعتاد أن يصنع مولدياته في ربيع الأول من كل سنة، إلى أن استقام له ديوان في ذلك.
فقد جرت العادة عند العلويين على حد تعبير ابن زيدان، أن تقيم الجلالة السلطانية حفلات شائعة ومهرجانات فائقة في ليلة عيد المولد وستة أيام من يوم العيد . كما ذكر الوزير الغساني أن الشيخ محمد بن أبي بكر الدلائي "كان يحتفل بعيد المولد غاية الاحتفال، وكان يأتيه الناس لحضور موسمه الشريف عنده بزاوية من حواضر البلاد وبواديها ما بين شرفاء وعلماء، وأولياء وشعراء، وأغنياء وفقراء، وسوقة ورؤساء… وكان يرفع إليه الشعراء الأمداح النبوية فتقرأ بين يديه، ويجيزهم عليها بالجوائز السنية" .
وقد أبدى شعراء هذه الفترة في مدائحهم النبوية اهتماما بالغا بالمولد الشريف فمدحوا شهره، وليلته ونهاره، ودعوا إلى إجلاله والاحتفال به، يقول ابن الطيب العلمي: (الطويل)
ولله شهر زانه يوم وضعـه فأحبب به يوما وأحسن به شهــرا
بمولده الآيات بانت وأعجزت فأصبح ماء الفرس من جريه غورا
وأكثر الشعراء من مدح ليلة المولد وأثنوا عليها، فهي ليلة رائعة، كثرت فيها المكارم والمفاخر، وفيها ائتلفت الذات مع النور، يقول المرابط الدلائي: (الكامل)

يا ليلة الميلاد ما أبهاك من
غراء! جادك صيب يتدفق

فيك المكارم والمآثر والمفـا
خر والمحامد للبرايا تنسق

فيك ائتلاف الذات والنور الذي
ما زال في غرر الهدى يتألق

وإذا كان زمان ولادته عليه السلام على هذا القدر من العظمة والرفعة، فإن الشاعر لا يفوته أن يشير إلى الحفاوة الكبرى التي قوبل بها هذا المولد، وكيف أن كل شيء هش لميلاده صلى الله عليه وسلم وسر لقدومه يقول: (الكامل)

وملائك الرحمان في أفق السما
رفعت أباريقا تروق وتبـرق

حقت بها خير الأنام وقد غدا
ما بين بصرى والحطيم يخفق

* * *
والجن تهتف والغوادي وكف
والزهر من أكمامه يتفتـق

هذي تود لو أنها كفلت، وذي
ودت لو أن الأرض فيها معذق

كلفا بخير الأنبياء محمد
أعظم به فخرا لمن يتشـوق

وقال أيضا الشاعر الدغوغي في عيد ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم: (الوافر)
ألا من كان يبهج أو يسر
بأعياد وأزمنة تمــر

فمولد خير خلق الله أبهى
لمبتهج فسابعه الأغـر

* * *
وعيد لا نراك به وعيد
وما احلولى وكنت سواه مر

فلا فقدت بك الدنيا سرورا
وأنت لأوجها شمس وبدر

ولا زالت بك الأيام تزهو
على روض أزهار وحكاه ثغر

ولا زال الزمان أتم عيد
بكم - حتى القيامة- تستمر

ولم ينس الشاعر ابن زاكور الفاسي أن يدلي بدلوه في هذا المجال، ويقول قوله في هاته الليلة التي طربت بها الأرواح، وبنشرها طابت الأرواح، وأصبحت بنوره صلى الله عليه وسلم إصباحا. يقول: (الكامل)

يا ليلة طربت به الأرواح
وبنشرها قد طابت الأرواح

لاحت بها الأنوار واضحة السنا
فغدت بها ظلم الأسى تنزاح

قد عمها نور النبي محمد
فبنوره هي كلها إصباح

صلى عليه الله ما أهدت لنا
أيام مولده سنى يلتـاح

فقد شاع الاحتفال بهذا المولد الذي كانت ليلته من أعظم الليالي التي تكاد تفوق ليلة القدر، وليلة العيدين، بل وليالي العام والشهر، يقول العياشي: (الهزج)
تناهت في معاليهــــا
ففاقت ليلة القــــدر

وقد زادت على معنى
ليال كمل عشـــــر

وفاقت ليلة العيـديـ
ـن مع أيامها الزهــر

بخير الخلق قد فاقت
ليالي العام والشهــر

وينتهي بنا المطاف إلى العنصر الأخير الذي أدار الشعراء عليه مديحهم النبوي وهو التوسل والشكوى إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وطلب شفاعته يوم القيامة. وقد حرك عملية التوسل بالرسول الكريم عاملان:
العامل الأول: ما يأتي نتيجة الإحساس بالقلق تجاه المصير المجهول، وانعدام القدرة على مواجهته، والإحساس بالضعف أمامه.
العامل الثاني: ما يأتي نتيجة الإحساس بالذنب والقصور على المواجهة، وهو ما ورثه الإنسان في هذه الفترة بفعل الأحداث القوية التي عرفتها بيئته آنذاك، وبخاصة ما داهمها من أحداث كبرى في الهزائم التي حاصرت الإسلام في الغرب الإسلامي، ويتجلى ذلك في ضياع الأندلس، وفي احتلال النصارى لبعض الثغور المغربية، الأمر الذي أدى إلى خلق شرخ في حياة الإنسان، فولد في نفسه إحساسا بالضعف والهزيمة والإحساس بالمسؤولية، فخلق في نفسه الشعور بالذنب، فأصبح يرنو إلى الخلاص من هاته العقدة متوسلا بالرسول صلى الله عليه وسلم.
لقد كان الشعراء يلتمسون الفرج بعد الشدة النفسية والحياتية التي تغيبهم عن الواقع المنهار، فإن عدنا إلى أبي سالم العياشي وجدناه عزوفا عن ملذات الدنيا مستخفا بمباهجها، إلى حد دفعه "إلى الإعراض عن منصب القضاء في مراكش حين عرضه عليه سلطان الوقت" . يقول وهو يمهد لرحلته "ماء الموائد": »… وفي سنة تسع وستين دبت في مغربنا عقارب الفتن، وهاجت بين الخاصة والعامة مضمرات المحن.. فكربت أيأس من بلوغ المرام، ولم يخمد مع ذلك متأجج نار الغرام، فعدت إلى طريقتي المثلى في أمداح الرسول التي في مولده تتلى…« إلى أن يقول: »فاستروحت من ذلك العناء والألم إلى مدح النبي صلى الله عليه وسلم، فأنشأت منها عدة قصائد في أيام مولده الشريف« . يقول أبو سالم العياشي متوسلا بالرسول الكريم: (الطويل)

ألا يا خليل الله جئتك زائرا
أجول الجبال السود نحوك سائرا

يقود بي التوفيق والشوق سائـق
إليك فلو أستطيع جئتك طائرا

وقد كنت قدما أرتجي الوصل ها أنا
بذاك بحمد الله أصبحت ظافرا

وقفت بباب الجود بابك خاضعـا
ذليلا منيبا حامد الله شاكـرا

مددت أكف الفقر نحوك، حاش يا
أبا الرسل عنك أن ترد حواسرا

أجرني وإخواني وكل أحبتي
وأهلي وأبنائي العبيد الأصاغـرا

فإني عبد مستجير بكم ولا
يضام لكم جار وإن كان جائـرا

وبالباب عبد الله ضيفك فالتفت
إليه التفاتا للمواهب غامرا

ونفس الخطاب التوسلي نجده عند الشاعر أحمد بن عبد القادر التستاوتي، فالرسول الكريم مصدر العفو والشفاعة وهو الذي اتصف بدوام الجود واتساع الفضل، وأوصى لربه بالبر والإحسان. يقول: (البسيط)

يا أحمد المجتبى، إني أؤمل أن
أنال في القرب فضلا منك، رحماكا

حاشاك والجود وصف لازم لك أن
ترد سائلك المسكيـن، حاشاكا

اعطف عليه، فإن الفضل أوسع من
جرمي، وربك بالإحسان أوصاكا

وفي خطاب توسلي يرجو التستاوتي التوبة والإنابة، وتحقيق السعادة، يقول: (الكامل)
يرجو بوجهك عفو رب قادر إن جاد يدني كل عبد أبعد
متمنيا نيل السعادة والعــلا وحلوله كرما بوطن المجد
وتنتهي داليته بأبيات يحتد فيها إيقاع الاستغاثة والتوسل، عبر ضمير المخاطب أنت، تأكيدا للحالة النفسية التي تلتمس التطهير والفرج القريب: (الكامل)
أنت المؤمل في الشدائد كلها
أنت الجواد الغيث للمسترفد

أنت الذي من أم بابك راغبا
ولو اقتضى أمرا عظيما يسعد

أنت الذي سعدت بك الأشياء قا
طبة، ومن يقصد سعيدا يسعد

ونفس الشيء نجده في مولديات الشاعر أبي العباس الدغوغي، يقول متجها بالخطاب إلى الرسول الكريم: (الكامل)

يا مصطفى الرحمان أنت حبيبـه
ها أنت أنجح مأمل لمؤمـل

ها أنت أمتع من يلاذ به حمى
ها أنت في الدارين أكرم موئل

ها أنت أوثق شافع لذوي الخطا
والخلق في كرب تجل وهول

كن لي – بحقك- منقذا مما دهى
من آجل متوقــع ومعجـل

وأدم لوارث سرك السـر الذي
أورثته أبدا يزيــد وخول

أما اليوسي فيستثمر الأوصاف المعروفة عن النبي صلى الله عليه وسلم والرائجة في كتب السيرة من كونه خير البرية، صاحب المجد ونور الوجود والمصروف عن المعايب يقول: (الطويل)
توسل إلى الرحمان في كل نائب
ملم بخير المرسلين الأطايب

وخير عباد الله شرقا ومغربا
وبرا وبحرا من ذؤابة غالب

من اختصه الله العظيم بسورة
من المجد تسمو فوق هام الكواكب

ومن ملأ الله الوجود بنوره
وطهره من كل رجس وعائـب

ومحمد بن زاكور الفاسي هو أيضا يبحث عن السعادة ويترجاها من الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد سئم هموم الدنيا وأحزانها فتوسل إلى الرسول الكريم يطلب منه المناجاة: (الطويل)
حنانيك قدنا للسعادة واهدنـا
فذاك الذي نرجو وذاك الذي نبغـي

لقينا من الدنيا وأنياب بؤسها
نظير الذي يلقى الهشيش من المضغ

وغيرنا فيها قبيح ذنوبنا
كما غيرت بيض الثياب حلى الصبغ

فانقد نهانا من هوانا فإنه
شجاها كما يشجو الفتى ورم الرفع

ففي توسلاته جانب يعود فيه إلى مشاكل الدنيا حيث يتحدث عن ضعفه وفقره ومعاناته لألوان من الشقاء. ومن ثم نراه لم يكن من المترفين والموسرين في المجتمع، بل يعد نفسه من الضعفاء وهو يتجه بالخطاب إلى النبي ويتحدث عن معضلات زمانه وأثرها في إنهاكه . يقول: (الكامل)

عذرا رسول الله جئتك طالبا
لا مادحا حاشـاك عندك جاها

* * *
ها عبدك المضطر أم جنابكم
يرجو من أسباب الهدى أقواها

ها عبدك الملهوف لاذ ببابكم
يرجو من أدوية الضنى أشفاها

قد غله الإيغال في شهواته
إذ أوثقته ذنوبه إكراها

وتناوشته معضلات زمانه
حتى براه الوجد من جراهـا

قابل ضرورته بممكن طبكم
فدوام ذلك مطلق شكواهـا

واعطف هداك على محل ضلاله
عطفا ينجي النفس من غماها

وفي نفس المعنى يقول ابن الطيب العلمي: (الكامل)
يا مصطفى يا من لديه شفاعة يصبو، غدا من في دناه لها، لهـا
ربي إليك أنالهـا يوم الحسـا ب لذا تنادي في العصاة: أنا لهـا
والشاعر محمد بن المرابط الدلائي يتوسل بالرسول ويستعطفه ويطلب شفاعته بقوله: (الكامل)

يا خير من هدي الأنام به
وله غدا في الموقف الومق

عطفا على عبد خطا حقبا
وامنن عليه فوعدك الحق

وأنله عتقا من أوار لظى
عفوا، فنعم المحتدى العتـق

وهكذا يبدو أن باب التوسل واسع في المديح النبوي في فجر الدولة العلوية، وهو توسل يمتاز بالتذلل والخضوع، واعتراف الشعراء بما اقترفت يداهم من ذنوب وآثام لا مفر من العقاب عليها، إذا لم ينل الرحمة من الرسول صلى الله عليه وسلم وعفوه. وإذا كان الشعراء يقرون بالذنب ويخشون العقاب، فهم لا ينطلقون من هاجس فردي بل يعبرون عن موقف المجتمع بأكمله في الفترة المدروسة.
كانت هذه هي أبرز مضامين المديح النبوي في الفترة المدروسة، أما من حيث صيغه وأشكاله فسنعرج عليها باختصار شديد:
*الوتريات: وهي القصائد التي تبنى غالبا على رقم فردي، فيكون مجموعها تسعا وعشرين وترية مرتبة على حسب حروف المعجم، تشكل كل وترية منها قصيدة أو مقطعة تنتهي قافيتها بحرف من حروف المعجم، وتشتهر في هذا المجال وتريات البغدادي المعروفة بالقصيدة البغدادية في مدح أشرف البرية، وتعرف في عصر المولى إسماعيل وتريات أبي سالم العياشي.
*التوجيهات: وهي القصائد التي تكون وحدة شكلية يجمع بينها قيام كل قصيدة منها على بحر من بحور الشعر العروضية، فترتب هذه القصائد حسب البحور الشعرية الخليلية، كما هو الشأن في القصائد التوجيهية لأبي سالم العياشي، أو ترتب حسب الأوزان القديمة والمستحدثة، كما هو الشأن في القسم الثاني من ديوان عبد الرحمان الفاسي. وقد نظم أبو سالم العياشي على اثني عشر بحرا ذكر اسمها إلا الطويل والمتقارب والمتدارك، أما البحر المجتث فلم يضمنه توجيها.
*المعشرات: وهي القصائد التي تبنى على وحدة شكلية، يبلغ مجموعها تسعا وعشرين قصيدة حسب عدد حروف المعجم، فتلتزم كل قصيدة منها بأبيات عشرة تنتهي قافيتها بأحد حروف الهجاء، هذا ما يجعل من المعشرات أشكالا شعرية شبيهة بالوتريات في مجموع قصائدها. وقد اشتهر في هذا النوع وعلى هذا العهد ابن الطيب العلمي في أعماله المسماة: "القصائد المعشرة في التشوق إلى البقاع المطهرة".
*الموشحات: من أنماط الخطاب الشعري عرفه عباس الجراري بقوله: "إنها مصطلح على فن مستحدث من فنون الشعر لا يتقيد بالشكل التقليدي الذي التزمته القصيدة العربية لبنائها العضوي، يحاول التحرر منه إلى شكل جديد يعتمد تقسيم الهيكل إلى أجزاء يتنوع فيها الوزن وتتعدد القافية" .
وللعياشي قطعة موشحة واحدة يقول: (مجزوء الرجز)
أقسمت بالخلاق
المالك الرزاق
إنك في الآفاق
كغرة الأصباح
ويقول ابن زاكور الفاسي في موشحة له:
يا ليلة الميلاد
ما كان أحلى سمرك

شفيت ذا أنكاد
بات يشيــم غررك

ويقول من المسمطات: (مجزوء الرجز)

صل على محمـد
صل عليه تحمــــد

صل عليه تنجـد
صل عليه تمجــــد

يا بغيتي في المقصـد
ومنجدي في المجهـــد

علي على محمد
بهـا يطيب المشهد

صل على المصطفى
شمس الصفا والوفـا

حسبي بها وكفـى
يوم العنا والمجهـد

خلاصة القول إن فن المديح النبوي عرف ازدهارا كبيرا في فجر الدولة العلوية ولعل من أهم أسباب ازدهاره:
 شيوع ظاهرة الزوايا ومدى تأثيرها في نفوس الشعراء.
 ازدهار المديح النبوي خلال العصور القريبة أي المريني والسعدي.
 الأحداث التاريخية المشابهة والتي فرضت على الشعراء التعلق بالنموذج المثال، والتوسل به.
 ظاهرة التأثير والتأثر بين المشارقة والمغاربة.
ولعل الشاعر أبا العباس أحمد بن عبد الحي الحلبي (ت 1120) يعد من الشخصيات المشرقية الوافدة على المغرب، فقد أشار القادري في ترجمته إلى مكانته داخل القصر الإسماعيلي حيث كان يقرأ بباب دار السلطان قصائد الأمداح، وكان له صوت حسن ويحسن تلك الصنائع، وكان السلطان وأولاده وموالي الدار والأتباع يعظمونه ويكرمونه بالعطاء المخصوص ويقبض ما يقبض الشرفاء والعلماء، ويوقرونه ويعظمونه غاية التعظيم. وقال عنه ابن الطيب العلمي "… ولما رسب فكره في بحر المعاني وطفا، أنفق بضاعة عمره على المصطفى وجنح إليه كما جنح إلى الحمام ابن الخطفا، فعلا قدره وامتلأ بالأنوار صدره حتى عد الناس خواصه، وانتهى بهم إلى مقام الخاصة" .
فقد كان للحلبي من الأصداء ما كان ومن التأثير ما لم يستطع أحد إنكاره، ولا شك أن شهادات أهل العصر في حقه يعد تتويجا لدوره الأدبي والثقافي ومساهماته الكبرى خاصة في المديح النبوي، فالحلبي مشرقي وافد لا يعد مغربيا، لذلك لا يعنينا في الدراسة، لكننا نعتبره فاعلا في عملية الخلق والإبداع والشيوع، لما له من يد طولى في بروز فن المديح النبوي وازدهاره، ويكفي أن نذكر ديوانه "عرائس الأفكار ورياض الأزهار" - الذي نظمه في المديح النبوي ـ كشاهد عن شاعريته ونبوغه في هذا المجال، ولا بد هنا أن نقتطف بعض الثمار من شجرة الحلبي النبوية، يقول في إحدى قصائده: (البسيط)

على الحقيقة أولى عند ذي رشـد
لمدح خير الورى أن تصرف الهمم

محمد المصطفى الهادي الشفيع ومن
عليه أمته في الحشر تزدحم

قطب النبيئين من لولا كرامتـه
ما كان بدر الدجى نصفين ينقسم

ويقول أيضا في قصيدة نبوية أخرى: (الوافر)

جمالك والذي خلق الجمالا
أعار الشمس حسنا والغزالا

سلبت ذوي العقول برمح قد
نضير مايس كالغصن مالا

جمعت مكارم الأخلاق طرا
وفقت الخلق شكلا واعتدالا

* * *
فضائله البهية ليس تحصى
ومن يحصي الحجارة والرمالا

حبيب قد أتاني في ربيع
بمولده وقد كسي الجمالا

به خلع الإله عليه نورا
فضاء الكون واشتعل اشتعالا

فقد عمل الشاعر على الثناء على الرسول الكريم وذكر شمائله دون أن ينسى جوانب مهمة من سيرته، كذكر معجزاته ثم التوسل إليه وإلى زيارة قبره. ومن هنا كانت قصيدة المديح النبوي مسارا فنيا للقصيدة المادحة، حيث أصبح النسيب رمزا، والممدوح ساميا، والغرض التماسا .
ب-المديح الولوي:
وينصرف إلى مدح شيوخ الصلاح والأولياء ممن هم في محل القدوة للإتباع، وكان لهذه الظاهرة عند القوم جذور في أدب الفقهاء والعلماء موقفا وإبداعا، كما أن هؤلاء لا يحيدون عن التصور الإسلامي للفنون والآداب. وكان الشعر عامة مما شمله هذا التعديل على مستويات الموضوعات والأغراض. ويمثل هذا المديح ما يمثله المديح النبوي، وبخاصة عند الإحساس بالضعف، فيتم الالتجاء إلى الأولياء طلبا للحماية والتوسل بهم طلبا للخلاص لاعتقاد الناس أنهم أصحاب التصرف في الكون، وأنه ما تزال أسرار وهبيتهم سارية ينتفع بها من يفتقد إليهم، ويتخذ منهم محل القدوة.
وقد شكل هذا الغرض حيزا كبيرا في هاته الفترة، حيث لا نكاد نجد شاعرا دون أن يكون له شعر في ولي من أولياء بلده.
ففي ديوان اليوسي قصائد وقف فيها الشاعر بأضرحة أبي يعزى، وعبد السلام ابن مشيش وغيرهما. يقول في داليته المطولة في الولي الشهير سيدي أبي يعزى يمدحه بمجموعة من الصفات: (البسيط)

هذا ضريح الولي البالغ الهادي
شمسا على كل أغوار وأنجاد

أبو يعزى يلنور الذي ظهرت
آياته كالصباح الساطع الباد

أبو المواهب من يرتاد روضته
وبحره الصافي الغرقان والصاد

من كان للضارع الملهوف مستندا
عند الصروف وللعاني بمرصاد

من جاء مستسقيا وافاه ريقه
قبل انتجاع كصوب المزنة الغاد

* * *
بحر من الجود والعرفان ملتطـم
عذب الموارد مبذول لوراد

غوث البلاد وقطب السالكين على
مر الزمان ومن فيهم بإمراد

المحرز السبق في ميدان كل على
والفائز القدح في رشد وإرشاد

وبعدما يعدد اليوسي خصال ممدوحه القطب الشهير، يقدم لنا مقارنة ينتزعها من مدينة الأولياء الفاضلة ـ عن مقامه في التصرف والولاية والعرفان، فأبو يعزى بالمغرب، مثل الجيلي في بلاد المشرق: (البسيط)
بذكره المغرب الأقصا استنار كما بالجيلي استنار أفق بغـداد
ما زال في حلبات الدين مرتكضا جواده بين زهاد وعبــاد
فقد تعرض اليوسي في حياته لهزات ونكبات بفعل الترحيل والتهجير، فعرف ما يسمى بانهزام الذات، لذلك أتت أشعاره كمتنفس للصعداء في وجه المحن والأقدار، فهو: (البسيط)
عبد ترامت به الأقدار من شـرف عال إلى منزل في بطن أوهاد
كان له الدهر سلما والورى خدما ثم غدا رهن أغلال وأصفـاد
* * *
وجاء مستصرخا لباب تحملـه على نجيب إمام الركب وخاد
فقصيدة اليوسي في مدح الولي أبي يعزى تميز فيها بالإبداع الشعري المعتمد على الصور رسمها الشاعر للممدوح... وهذا ما جعل القصيدة تعتمد على إيراد المواهب الربانية لهذا القطب من كرامات وأفعال تقاربه الخوارق مما يمكننا من لمس سمات وصفات "البطل الولوي" في الشعر عند اليوسي، وبالتالي في الشعر المغربي باعتباره ظاهرة شديدة البروز في أدبنا المغربي القديم خاصة .
ويقول اليوسي أيضا مادحا الولي أبا محمد عبد السلام بن مشيش الشريف الحسني: (الكامل)

يا قطب هذا القطر بل قطب الورى
ومواصل الإدلاج والإشاد

ومسابق الوراد حتى بدها
لمنافع تنبو عن الرواد

ومغادي الغيث المحلل فارتحى
بخمائل حظرت عن الوراد

وبعدما يسير في تعداد مزايا وخصال الولي الممدوح يتوسل به فيقول: (الكامل)
وامنح جميع القاصدين قصودهم وجميع أهل مودة القصـاد
واجمع جماعتنا بظــل وارف متمنح في بادخ الأطـواد
وفي قصيدة توسلية أخرى ـ استغاث فيها بأولياء الأرض والسماء، يحتد فيها الخطاب إلى أعلى مستويات الانفجار النفسي، وفي لغة الاستنهاض ترتفع حدة ياء النداء، حيث يستحضر الشاعر أرواح الأنبياء والمرسلين وأطياف الأولياء والصالحين يقول: (الخفيف)
يا لغوثاه يا لغوثاه عاثـت
في الزوايا غواشم الإشــاد!؟

يا لغوثاه يا لغوثاه أزرت
بالمزايا مقاول الفســــاد!؟

يا لغوثاه يا لغوثاه خاضت
في الركايا الحمير وهي صواد!؟

يا لغوثاه يا لغوثاه جاشت
بالبلايا جموع أهل العنـــاد!

شتت الله شملهم عن قريب
إنه سامع نداء المنـــادي

وكان من الأولياء الذين مدحهم اليوسي أيضا الولي محمد الشرقي يقول فيه متوسلا إليه: (الطويل)
وقوفا بأبواب الكـرام ولا فتـى
يقيني مما اشتكى الدهـر أو يرق

وطفت بأهل الله في الغرب كلهـم
ولم يبق لي بعد الطواف سوى الشرق

وقد جئت باب البدر ذي النور والسنا
محمد الشرقي مصباح ذي الأفق

أما إن عدنا إلى الشاعر التستاوتي، فنجده أيضا يرتمي في أحضان أولياء الشرق وصلحاء الغرب بفعل حالات المد والجزر التي كان يتعرض لها في هاته الفترة، فقد مدح جده محمد بن مبارك الزعري، وتوسل إليه باختلاجات حارة على ضريحه، وقد حملها شكواه يقول: (الطويل)

يا أيها الغوث الذي بزمانه
كان المصير لقوله والمرجــع

كم أزمة فرجتها عند الكريــ
ـم بجاهكم، ومذلة تتقشــع

و ما علمت بما جرى بمكانكـم
مما به أهل الوفا تتقطــع

حرق جرى ملأ البسيطة حـره
من تلقه من هوله يتفجـــع

يا ابن المبارك هل لكم من غيره
فإلى متى-أرجوك-شملي يجمع

والتستاوتي في خطابه التوسلي يلجأ أحيانا إلى أسلوب العتاب وكأن الولي تباطأ في إنقاد الموقف، نجده اتجه للشيخ أبي يعزى مستغيثا منددا بما آلت إليه الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية آنذاك، يقول له: (السريع)

انهض أبا يعزى نهوض الكرام
واضرب بسيف العز هام اللئام

إن لم يكن عز بأرضك ما
في الغرب عز يرتجى للأنام

والضيم إن يلحق بينك فلا
غرو إذا ما قيل: شبل يضام

كما لم يخل ديوان ابن زاكور الفاسي من مدح الأولياء والصالحين في مختلف مناطق المغرب وزيارة أضرحتهم والتوسل بهم، ويبلغ مجموع قصائد هذا الباب أربعا وثلاثين قصيدة أي بنسبة 8.87% من مجموع شعره و 28.33% من شعر المدح عنده .
فقد حبب إليه السفر والترحال حتى عد "جوابة أقطار وحلف أسفار" . وكانت أغلب أسفاره ورحلاته لزيارة أضرحة الصالحين ومشاهدة العارفين ، وهكذا خلد هاته الزيارات في قصائده، فكان التجاؤه للأولياء والصالحين نوعا من الاحتجاج على واقعه، فقد اعترضت حياته عدة متاعب وأحاطت به المصائب والكروب، فأصبح في حاجة إلى من يحميه وينقذه، وهكذا اعتبر التجاؤه إلى أضرحة الأولياء والصالحين نوعا من التعويض أو العزاء الذي يحقق به الاطمئنان النفسي وغذاء حياته الروحية كلما ضاقت به السبل، وناءت المخاوف بكلكلها على قلبه .
قال يمدح أحد الأولياء يدعى سيدي طلحة: (الخفيف)
يا وليا قد أمد بالمكرمــات وامتطى باذخ الدرجــات
عجل الأمر لي وعالج فـؤادي بسميكم طلحة الطلحــات
ومن قصيدة أخرى يقول مادحا الولي أبا يعزى: (الطويل)

إلى بحر جود ماؤه ليس آسنـا
ولا طعمه مزا ولا ربه جبزا

إلى حيث نوار المنى متـأرج
وحيث الندى ثاو، وحيث أبو يعزى

همام إذا ناداه من ضاق صدره
بحادث دهر كان في غوثه وجزا

فقد كان يحس بثقل الذنوب عليه لذلك توجه للأولياء والصالحين للاحتماء بهم وللحصول على العفو والغفران منهم، فهذا الإحساس هو الذي سبب له الكثير من الكروب النفسية يقول: (الخفيف)
يا أبا يعزى يا عزيز الصفات فلتفدني من أنضح النفحـــات
ولتجرني من الشفاء فذنبــي قد رماني من ذاك في الدركـات
* * *
إنني قد سلكت سبل الطغــاة بارتفاعي على ذرى شهواتـي
وقد اشتهر الأولياء الذين مدحهم ابن زاكور بالكرامات الظاهرة وهو ما جعله يلتجئ إليهم أملا في التفريج عن كربه وهذا ما نجده في أغلب مدائحه الولوية، يقول: (الطويل)
نزلت على أسخى الأفاضل عافيا وإني على أهل السماح لنزال
وسار يمدح صفاته قائلا: (الطويل)
أمولاي، أنت الشمس نورك واضح أمولاي، أنت البحر عذبك سلسـال
أمولاي، أنت البدر والناس أنجـم أمولاي، أنت التبر والناس صلصال
فالولي حصن يلتجأ إليه كلما ادلهمت الخطوب وضاقت بالنفس السبل، قال في الولي سيدي أبي الحسن سيدي علي بن حرزهم: (الوافر)
ضريح لابن حرز الناس حـرزي وموئل بغيتي وملاذ عزي
ألوذ به إذا الأهوال جاشــــت بلابلها التي أبدين عجزي
وقال في ولي آخر يدعى أبا زيد الهزميري: (الطويل)
أنخت همومي عند باب أبي زيد فقد أثقلت ظهري وزادت على الأيدي
عسى ما أتاه الله من مذهب العنا يصافح آمالي بناعشة الأيــــدي
ونفس الشيء نجده في ديوان الرافعي، حيث خصص عددا كبيرا من أشعاره للتوسل بأولياء مدينة تطوان ونواحيها، والقصد إلى أضرحتها والاحتماء بها في المشاكل والملمات، يقول في إحدى قصائده وهو يمدح الولي عبد السلام بن مشيش: (المتقارب)
إمام له رتبة قد علت على كل قطب وكل مقام
وتوالت خصال المديح، واستخلاص ما اتصف به ابن مشيش من مزايا خلال التقديم لمطلبه وما أتى إليه: (المتقارب)

فها أنا جئت إلى باب من
له الفخر، أصلا، وراعي الذمام

فقيرا حقيرا أنا، لائذا
ذليلا، حزينا، أنا المستهام

مقـــرا بذنبـــي وكثرته
وجيلا (؟) مجيرا، ببدر التمام

لأنــه كهـــف حصين لمن
يلوذ ببـــاب لـــه والتزام


ثم ينتقل إلى مخاطبة وليه ويتوسل إليه: (المتقارب)

أمولاي، امنن على مذنب
بعطفة جود، ونيل المرام

بهــذا الولــي ومنبعه
بذروة مجد، سمت في الأنام

أنلني منائي، وكن منقذي
من كل مخوف، وكل الألم

فها أنا أبكي على زلتي
وأرجو رضاك، يا من لا ينام

فالرافعي التطواني كان مكثرا في توسلاته لكنه اعترف بقصور عارضته يقول: "… وجعلت أردد نظم قصائدي على كثير من الحروف… وإن كانت خالية من فنون الإعراب والبيان، ولا شك أن نظمي غير حسن" .
وكان الشيخ الحلبي واحدا ممن زين ضريحه بالدر النفيس. ورغم أنه زائر وافد لا بأس أن نقتبس ولو إشراقة من مديحه في المقام الإدريسي. يقول فيه: (الطويل)
مناقب إدريس بن إدريس جمـة وما بعضها يحصى لواع وحاسب
ومن رام يحصيها تجده مقصرا أيدرك إحصاء الحصى والكواكب
وقد تصوره الشاعر قمرا في سماء الولاية، وبدرا منيرا على الأئمة والصلحاء يقول: (الطويل)
غدا قمرا فوق الأئمة ساطعا رفيع العلا، الأعلى شريف المناقب
وإذا كان "الدر النفيس" للحلبي يعد المصدر الوافر فيما قيل عن المولى إدريس ابن إدريس، فإننا نجد له قصائد توسلية أخرى أثبتها محمد بن جعفر الكتاني في "الأزهار العاطرة الأنفاس".
وإن عدنا إلى مدينة مكناس نجد الشاعر عبد القادر بن شقرون مدح الولي الصالح محمد الشرقي يقول متغنيا بعلو مقامه الروحي والديني، مشيدا بعلمه وورعه وتقواه وبصدقه وجوده: (الطويل)
فتقت شآبيب الصلاح بهمـة
وكانت قبيل الفتح محكمة الرتــق

بك الله أحيا الأرض بعد إماتة
فصارت بلا صدع يعاب ولا شـق

جمعت علو القدر والعلم والتقى
إلى الورع المحمود والجود والصدق

إلى أن يقول: (الطويل)
فلا زلت غوثا يا بن معـط مؤمـلا وغيثا سريعا شامـلا جملـة الخلق
أما الشاعر ابن الطيب العلمي فقد مدح الولي سيدي حبيب بالصفات الجسدية، يقول فيه: (الوافر)

وإن ير حسنه العباد هاموا
وسبحان المقلب للقلـوب

غزال رائع عني غدا مـن
ربيع القلب في مرعى خصيب

نحيل خصره الواهي وكم لي
على ذاك النحيل من النحيـب

* * *
ويكسر خفية جفنا سقيمــا
وقد يفتر عن ثغر شنيــب

أراني من محاسنه عجيبــا
هلالا في قضيب في كثيب

وقال في مدح ولي صالح هو أبو زيد سيدي عبد الرحمان اليازغي المعروف بالشبر: (الكامل)
أبشر ففي كفيك روض مخضب الشرق يشكر فضله والمغـرب
أوصافك الحسناء في الدنيا لهـا سحر صحيح للعقول مجـرب
ثم يبث له شكواه قائلا: (الكامل)
ولقد أتيتك حين أعيت حيــلتـي وعجزت عن أمري وضاق المذهب
وهربت من دار الكروب وليس لي إلا لربي أو إليــك المهــرب
ولا ننس الشعراء الدلائيين الذين اتجهت قرائحهم أيضا نحو بعض الأقطاب والأولياء والصالحين، حيث نظموا فيهم قصائد تفيض إكبارا وتكريما وتوسلا واستعطافا، وسنذكر في هذا المجال محمد بن أحمد المسناوي الدلائي الذي مدح الولي عبد السلام بن مشيش، فقد كان الشاعر غارقا في ظلام الحياة والمادة، فحضر إلى جبل العلم حيث تشرق "شمس الغرب" على النفوس الحائرة : (الطويل)
إليك أشمس الغرب قد جئتك لائذا من اللذ من الأوزار حملته ظهري
وخضت به بحر المهالك مزبـدا أطاوع نفسي في الذي جالب خسري
فانتقل إلى الحديث عن مكانة وليه ومقامه، فمدح كرمه وفضله: (الطويل)

ومقدار هذا الشيخ عند إلهنـــا
عظيم فحدث ما تشاء عن البحر

* * *
ففضلكم يغشى المطيع وغيــره
كما تمطر الأمطار بالترب والصخر

* * *
وأنتم لباب اللب من كرمائهــا
فحاشاكم أن تهملوا حق معتــر

* * *
وقد جئت باب الفضل وهو مقامكم
وحاشى لربي أن يضيع لي سيري

فقدركم أعلى وأنزه أن يـــرى
وسيلة محروم من النائل الغمــر

وبيتكم خير البيوت وكيــف لا؟
وأنتم بنو خير العباد بلا نكــر

ولعل قصيدة المسناوي في الاستصراخ بمقام جبل العلم هي أجمع للشاعرية من سابقاتها ولاحقاتها… لأنها زاوجت بين الصدق الذاتي والصدق الفني في التعبير عن حالة نفسية متلهفة، تستمطر شآبيب التوبة النصوح بين يدي مقام مشهود .
وبنفس المعاني مدح سيدي المرابط الدلائي الولي عبد السلام بن مشيش يقول: (الوافر)
فيا لك من عظيــم القــدر ضخم المكانة عند مخترع الأسامــي
رضيع لبان ثـدي الوحـي بحر المعارف، منهل الغـر العـظــام
* * *
همام ما له في المجد ثـان يعبر عــن عــلاه بانفخــام
* * *
أمولاي المرجى ذا المزايـا ومن ساد البرايـا خيــر نــام
ففي باب الحمى ألقيت رحلي مقبلا البسـاط أخــا استــلام
عسى تنهل راحتك التي قـد تفوق السحب في حـال انسجـام
كما توجه الشاعر أحمد بن عبد الله الدلائي إلى الولي الصالح أبي مدين الغوث مادحا متوسلا إليه باكيا متضرعا، يوم كان رفيق الغربة بتلمسان، بعيدا عن موطن أهله وخلانه: (الخفيف)
يا إماما أفنى الزمان عبــاده وبه الله قد أغاث عبــاده
يا ملاذ الغريب في كل هـول يذهل اللب خوفه، يا عماده
فعليــك معولي يا أبــا مد ين ياغوث خائف يا عماده
يا منيل المطلوب يا جابرا كسر طريد ألقـى لــه بالمقـــاده
بذمام الجوار أرجـو اعتزازا فأنل جارك الغريــب مــراده
ولا يخلو ديوان أبي العباس أحمد بن عبد العزيز السجلماسي من هذا الغرض، يقول في إحدى قصائده مادحا الولي عبد السلام بن مشيش ومتوسلا إليه: (الخفيف)

زائر القطب أهد أزكى سلام
لإمام الكمال عبد السلام

من عبيد يرجو بخالص ود
لعلاه فوزا، بدار السلام

وأمانا من كل هول، وقربا
للسلام، يا حب قرب السلام

وقال في موضع آخر مادحا الولي سيدي أبي وكيل الزيزي: (الكامل)

يا ناظرا سرح سروح الناظر
في رائق الزهر الأريج الناضر

في حلة قد أصبحت تزهى على
شهب العلا، من كل زاه زاهر

قد أحكمت نقشا وذا تاريخها،
فسمت على الروض المجود العاطر

لم لا، وقد جعلت غطاء ضريح من حاز المفاخر دون كل مفــاخر

ذاك الولي أبو وكيل المرتضى
المنتمـي للهاشمـــي الطاهـر

من خلال تتبعنا لشعر التوسل بالأولياء والصالحين، نستنتج أن هذه الظاهرة ذات ارتباط جدلي بإحباطات الإنسان وعجزه عن مقاومة العواصف التي تهب عليه والنكبات التي يتعرض لها، فاللجوء للأولياء والصالحين وجه من أوجه الاحتجاج على الواقع السائد آنذاك، فلا يخفى علينا ما ساد في حواضر المغرب وبواديه من كوارث طبيعية، كانتشار الوباء، والجوع الذي أضرم في سائر الأرجاء ناره، كما ذكر أبو سالم العياشي، فتولد من الفتك والخرابة ما أعلى تفريق الكلمة مناره، وتطاير في كل أفق شراره، وأهان خيار كل قطر شراره .
ولقد ساد هذا اللون الشعري في المغرب كما ساد في الشرق، وفي أرجاء العالم الإسلامي، وخاصة في العصور المتأخرة، وذلك نتيجة عدة عوامل ثقافية، وبفعل جدليتها مع واقع يتطلب التغيير ولو بلغة الاحتجاج المعبر عنه بخطاب التوسل وهكذا يتحول الولي ومزاره مكانا لبث الرسالة الاحتجاجية وإرسالها عبر هواء الغيب . فالولي عندهم أعلى مقاما من الرسول باعتبار الرسول صلى الله عليه سلم كلف بالتبليغ أما الولي فلم يكلف بشيء وإنما مواهبه من الله مباشرة .
ونحن نعلم أن هذه الفترة ومنذ انحصار القوة الدلائية على يد السلطان المولى الرشيد واكبتها ثورات متمردة بين المد والجزر، كما تخللتها كوارث بيئية، وهذا ما دفع بالشاعر الصوفي إلى التوجه للأولياء والصالحين مستصرخا متوسلا، يقول اليوسي مخاطبا صديقه التستاوتي في إحدى رسائله: "… فتضرعوا واستصرخوا بالمشايخ، ولا تكفوا حتى يشرح لكم الحال، فتعلمونا به على الفور" .
وإذا كان اليوسي قد سجل بشعر التوسل والتضرع بين يدي أولياء الله الصالحين، انهزام النفس وارتجاجها تحت الوطأة الشديدة التي كان يصارع حالتها من حين لآخر من ترحيل وتهجير أو متابعة مطردة على الدوام . فإننا نجد الشاعر أبا سالم العياشي رغم أنه كان يمثل نفس مرحلة اليوسي، إلا أن شعره كان يفتقد للأولياء والتوسل بهم، وهذا طبعي بفعل الاختلاف الحاصل في المكونات الشخصية والثقافية للرجلين، فأبو سالم العياشي رحالة، مشدود إلى الديار المقدسة وقد كان يلتمس في النبويات الفرج بعد الشدة النفسية والحياتية التي تغيبه عن الواقع المتأزم، وهذا هو التفسير نفسه الذي نقرأ به الظاهرة الأخرى المتجلية في الوقوف والتضرع والتوسل بين يدي الأولياء والصالحين، في شعر اليوسي وغيره من الشعراء. فتجربة الحياة التي خاضها اليوسي كانت محاطة بالعواصف والغيوم وبالهزات والكوارث… مما جعله يستجدي ويتضرع ويقف بباب الله وأولياءه.
ج- المديح الإخواني:
وينصرف فيه المديح إلى شيوخ العلم والأصحاب من العلماء وممارسي الأدب والثقافة، وهو يقوم أساسا على المجاملة أولا، ثم على الاعتراف بفضل الشيوخ في العلم ثانيا، لذلك كان عنصرا من عناصر الخطاب الأدبي الذي تتحد فيها العلاقة بين شيخ من شيوخ العلم وبين غيره من طلبته وأصدقائه، ومدح شيوخ العلم ظاهرة أدبية ازدادت مع الأيام بروزا، وقد انتهت إلى مدح الطريقة فيما بعد . وقد تحركت الأعراف لتصنع كثيرا من خصائص هذا المدح وقواعده، فكانت أعراف ختم المؤلفات في مجالس الشيوخ والاحتفال بها، مناسبة يتسابق الطلبة فيها إلى صنع المدائح في شيوخهم مشاركة منهم حدث الاحتفال واعترافا منهم بفضل الأشياخ.
ولا يكاد يخلو مجموع من مجاميع الأشعار مما عرفته هذه الفترة من أعمال شعرية متعددة في مدح الشيوخ، أما المعاني التي وظفها الشعراء في هذا المدح، فهي لا تكاد تخرج عن المعاني التي حددها قدامة وهي العقل والشجاعة والعدل والعفة .
فبالنسبة للشاعرين أبي علي اليوسي وأبي سالم العياشي، كلاهما تخرجا من الزاوية الصوفية، أيام كانت للزوايا الدولة والسلطان، فالتكوين الصوفي لأبي سالم العياشي في الزاوية العياشية مكنه من الطريقة الشاذلية، كما أن رحلته إلى المشرق واتصاله بشيوخ الطرقية خول له ربط علاقة صوفية مع شيوخه، فقدر فيهم حسن سلوكهم وأطاع فيهم تقوى القلب، وآمل في ولايتهم بركة الامتثال . فالعياشي في مدحه لشيوخه المتصوفة ينزع إلى التعبير عن واقعه النفسي مبرزا شعوره بالذنب وآملا في إصلاح النفس، ولعل من أبرز ممدوحيه الشاعر الصوفي الكبير محمد بن ناصر الدرعي الذي لهجت بذكره القرائح في المغرب فشاعت فيه عدة مدائح من بينها قصائد العياشي واليوسي والحلبي. يقول فيه العياشي: (الكامل)

حصني إذا خان الزمان ناصر
شيخ الشيوخ محمد بن ناصر

محيي طريق العلم بعد دروسها
ومعيد رسم للعبادة داثر

بحر الشريعة والحقيقة من له
بعدد التردد دان كل معاصر

محيي طريقا للجنيد وصحبه
والشادي والشيخ عبد القادر

كم بدعة بعد الحياة أماتها
وأبادها بدليل حق طاهر

فالشاعر يختار لممدوحيه، أبرز الصفات النفسية التي ذكرها قدامة، فقد مدح شيخه عبد الرحمان بن عبد القادر الفاسي بعلمه وعلو قدره ومكانته، يقول فيه: (البسيط)

وقد سبرت الورى فلم أجد أحدا
ممن يروم العلا منهم يوازيكا

شرقا وغربا فلم يطرق مسامعنا
من في سنين الصبا يجري مجاريكا

من ألف الكتب في سن البلوغ ومن
روض الولاية قد جلت معاليكا

رقيت في رتب المجد الأثيل فما
في عصرنا أحد يرقى مراقيكا

فقد اهتم العياشي في مديحه لشيوخه العلماء بالجوانب العلمية التي يتسم بها تدريسهم، وتدور هذه الجوانب على طريقة الفهم والنقل، يقول مادحا عبد القادر الفاسي: (البسيط)
إن رمت فهما دقيقا زانـه أدب أو رمت نقلا صحيحا غير مفتعل
عليك بالصدر فرد الغرب قاطبة خير المشايخ عبد القادر بن علي
كما مدح الطيب بن محمد المسناوي بالجود قائلا: (البسيط)
لا زال دأبي كذا ودأبكم أبدا فالجود صنعتكم والمدح من حرفي
أما عمر الفكرون فقد جمع كمالات المشايخ وحاز أنوار الفضائل كلها، يقول العياشي: (الطويل)

فكل كمالات المشايخ جمعت
له فهو واحد الفضائل بالشخص

فأنوار أهل الفضل في سمته بدت
يمد الجميع وهو للكل كالغرص

سبرت بلاد الغرب والشرق كلها
وأعملت فيها غاية السبر والفحص

لئن حاز قوم بالقياس فضائلا
فقد حزتها يا سيدي أنت بالنص

هو البحر والأخلاق فيه جواهر
وما كنت في إخراجها محسن الغوص

وإذا كان العياشي مدح الشيوخ والعلماء بأبرز الصفات النفسية، فإن المدح بالصفات الجسمية قلما ذهب إليه، نظرا لإحساسه بتدنيها، لذلك يحاول أن ينشد من ورائها معنى ساميا، حيث تجانس الصفات النفسية التي تحقق للقصيدة المادحة إبداعها في رأي فقيه شاعر يلتمس الجمال في النفوس ويستبشر بحسن الوجوه . يقول في محمد بن محمد بن أبي بكر الدلائي: (البسيط)

يَا بَدْرَ مالك في الأفق السماوي
مثل محيا إمامنـا الهمامي

إن غبت لم تنظر وإن طلعت فما
قابلته بسوى وجه طفيلي

هب من سنا وعلو القدر بينكما
من شبه عند بعض الناس لفظي

أنى يكون لك الفضل الذي شهدت
به الخلائق من إنس وجني

وجه كشمس الضحى ومنطق كنفيـ ـس الدر أكرم بمسموع ومرئـي

وهمة كالثريا في العلوم وكــــ ـف مثل بحر من الإحسان لجـي
وقال أيضا مادحا أحدهم بالصفات الجسمية: (الطويل)

تبدى كغصن البان يخطر هكذا
ووجه كبدر التم يشرق هكذا

غزال ضعيف الجفن يغزو وإن رنا
تراه بفتح الطرف يغمز هكذا

يصيد بصاد العين أعين من غدا
إليه وكم باللمح يعمل هكذا

إن مديح الفقهاء والعلماء عند العياشي لم يكن بالنظر الذي تفرضه المناسبات أو المجاملات، بل كان يصدر عن اتصال وثيق بهؤلاء وعن خبرة بشخصياتهم، فلم ينهج فيها نهج المكتسب بالشعر، وإنما نظرته الوافية كفقيه جعلته ينشد العلم ويقدر العلماء . فالشاعر العياشي لم يقف عند مدح شيوخه فحسب، بل تجاوزهم إلى مدح بعض أصدقائه من العلماء، مثل البيت المشهور الذي قاله في الحسن اليوسي: (البسيط)
من فاته الحسن البصري يصحبه فليصحب الحسن اليوسي يكفيه
فمديحه في شيوخه من العلماء والفقهاء كثير، لكننا عرجنا على ذكر بعض منها محاولين إظهار ما اتسم بها. ونظرا لوجود شعراء آخرين على هذا العهد، كانت لهم يد طولى في هذا النوع من المديح، فسأعمل على ذكر بعضهم ونماذج من شعرهم. فالشاعر اليوسي مثلا، نجده اشتهر بداليته التي نظمها في شيخه ابن ناصر الدرعي، وكان لها من الشيوع والذيوع ما لم يتيسر لأمثالها في عصره، فقد حضيت بالقبول والإعجاب وجارى قوافيها عدد من شعراء العصر وعلمائه ومتصوفيه، منهم من جاء معارضا بقوة الند للند (دالية التستاوتي) ومنهم من لم يبلغ شأوها وعلو مكانتها الأدبية . فلابد إذن من الوقوف على هذه الدالية، والتي تعد بمثابة رسالة شعرية في باب الإرشاد، رغم أن المخصوص فيها شخص واحد هو ابن ناصر الدرعي كنموذج ومثال وقدوة، لكنها في المقام الصوفي خطاب هام الهدف منه الإصلاح التربوي.
يقول اليوسي في داليته بعدما يمضي في سرد بعض فضائل الممدوح ابن ناصر الدرعي، وهو يصفه بالكمال الذي لا يثنى ولا يجمع: (الكامل)
فهو الوحيد ومن يكن في دهره لم يلقه فكأنه لم يوجـد
فرد فليس له نظير فانتفــى جمع وتثنية لهذا المفرد
إن الممدوح واحد وقته المنفرد فيه بفضله، فمن لم يلقه ويأخذ عنه وينتفع به من أهل زمانه فكأنه لم يوجد، وهو فرد لا يوجد له نظير في فضله، ومثل هذا لا يثنى ولا يجمع .
وهو شمس مشرقة ترحل من الغرب إلى المشرق لتحل في البقاع الطاهرة، فقد أشرقت من سماء درعة وفي الأقصى من بلاد الإسلام: (الكامل)

شرفا لدرعة إذ تسمى باسمها
نسبا وإذ وافته أول مولد

ولغربنا إذ كان منه أرضها
ولسائر الدنيا بهذا المقصد

بل للسماوات العلى إذ كان منهـ
ـــ ـا روحه، فلتعل منه وتمجد

شمس الزمان وسعده وملاذه
وجدى المحيل وغنية المسترفد

* * *
زم الركاب مشرقا فعجبت من
شمس تشرق فوق ظهر الفذفذ

حتى بدا لي أنها شمس الضحى
ذهبت لمطلعها الأجل الأصعد

كما مدحه بالكرم والجود والحلم: (الكامل)
جود لدى جود وطود شامخ حلما وعود في الخطوب سمهدد
وأضفى عليه أيضا صفة العلم وكثرة المعارف، يقول: (الكامل)
بمعارف منه غزار لو غدت ماء لكان النيل منها كالمدي
ويقول واصفا هيبته وجلالته وقد علاهما الحلم والوقار: (الكامل)

أخلاق هش للوفود حلاحل
متواطئ الأكناف ليس بمسمد

لو رئته ناجتك عنه لوائح
صادفت ما تهوى فلا تتألد

عين الجواد فراره فمتى رأى
عينيه معربه يهل ويسجد

أو رعته فبشير بشر قائل
لا بأس فابسط من رجائك وامـدد

أو جئته وافتك ضمة والد
حان رفيق بالوليـد ممهد

ويظل يرعد منه هيبة منظر
وجلالة قلب المليك الأصيد

إن هذه الأخلاق هي أخلاق رجل هش أي مرتاح إلى الوفود وكل من يأتيه عظيم المروءة سهل الجانب متواضع متى رأيته عرفته. ومتى جئته لقيتك ضمة الوالد الحاني على ولده الرفيق به الممهد له حجره، وهذا مع عظيم ما عليه من الهيبة والوقار حتى إنه لو لقيه الملك الأصيد لظل يرعد منه من أجل هيبة منظره وجلاله .
وقال فيه يمدحه في قصيدة أخرى: (الكامل)
الماجد الشيخ ابن ناصر الذي ملك القلوب بطوله المتسلسل
أحيا السيادة بعدما قد عطلت وأقام رسم الدين بعد تخلخل
وقال في أبي عبد الله الدلائي: (الوافر)

إمام طبق الآفاق علما
فقاص يستنير به ودان

كغيث وابل من بعد بأس
وامحال تهاطل في مكان

فأحياه بأزهار حياة
وعمم من عمائمه الحسان

ولم ينس اليوسي أصدقاءه، فقد مدح أبا العباس أحمد بن إبراهيم العطار المراكشي معترفا له فيها بسمو مكانته الأدبية ورسوخ قدمه في مجال الشعر: (البسيط)

وما كلام أبي العباس يبرزه
لفظ ولكن ثمين الدر في الجيد

تنافست فيه لبات السطور كما
تنافس الدر ربات المناجيد

لله درك من غواص أبحره
بلا جسر بنضح الموج مكرود

أما بالنسبة للشاعر ابن زاكور الفاسي، فديوانه يحبل بمجموعة وافية من القصائد يمدح فيها شيوخه: الحسن اليوسي، وأحمد بن الحاج، ومحمد بن عبد القادر الفاسي، وعلي بركة، وعمر بن محمد المانجلاتي، وسعيد الحاج، والشيخ العطار، وأبا عبد الله القسمطيني وغيرهم من شيوخ الجزائر والمغرب ممن جلس إلى حلقاتهم العلمية واستفاذ منها.
ويحتل مدح الشيوخ عند ابن زاكور المساحة الكبرى من بين الأغراض المدحية الأخرى حيث بلغ عدد قصائد هذا الباب إحدى وخمسين قصيدة، على حد قول الدكتور المفضل الكنوني . بل يعد الصنف الأكثر ظهورا بعد أشعار التوسل.
أما المعاني التي مدح بها شيوخه، فهي لا تكاد تخرج عن المعاني الأربع للقصيدة المادحة، والتي حددها قدامة بن جعفر في العقل والشجاعة والعدل والعفة . وإن كانت هذا المعاني تختلف من شيخ لآخر، لكنه في مدحهم لا يستوحي غير حبه إياهم وتقديره لهم ووفاءه بحق الشيوخ، فهو طريقة من طرق الوفاء. وفي هذا الصدد نشير إلى شيخ كانت له مكانة خاصة في حياة ابن زاكور وتكوينه واتجاهه، إنه الحسن اليوسي الذي قال فيه مشيدا بعلمه وحلمه وفضله: (مجزوء الكامل)

والفضـل منشـور اللوا
ء لمن تصوب أو تصعد

والحلـم راس طــوده
وقصائد الإرشاد تنشد

والعلــم مــاج عبابــه
يروي ويشبع من تورد

فقد مدح الشاعر شيخه وأطال في مديحه، نظرا للعلاقة التي كانت تربطهما، علاقة المريد بالشيخ، يقول فيه مركزا على ما حلاه به الله من العلم والمعارف: (البسيط)

وبعرى عصمة الإسلام سيـدنا
محض السنا الحسن اليوسي أمتسك

ذاك الإمام الذي أمسى يعالج من
أودت به العلتان: الجهل والعفـك

* * *
حبر سبحنا ببحر من معارفه
كما ببحر خضم، سبح السمك

بحر طمى من معان، موجه نكت
أصدافه رشد، دررها نسك

* * *
زين الحلى حسن ومن؟ ومن حسن؟
علامة مرشد به الهدى سدك

لقد مدحه بمجمل الصفات وأشاد بعلمه وشمائله وأخلاقه يقول: (الخفيف)
حسن العلم والشمائل والأخـلاق، حسن الزمان منه اشتقـاقــه
كما نجده يمدح العالم أبا حفص عمر بن محمد المانجلاتي بنفس المعاني التي مدح بها شيوخه، يقول فيه: (البسيط)

حبر الجزائر والدنيا برمتها
من عالج العلم حتى ذاع وانتشرا

بدر الجلال ومصباح الكمـ
ال ومقياس الجمال الذي كل الورى بهرا

شيخ أحاط بأنواع المديح فما
أبقى لمن بعده شيئا وما وذرا

إن تنم أهل العلا إلى محاسنه
تجد جميعهم من بحره نهرا

ذو همة شغفت بالمجد عالية
حم بها أحد النسرين فانكدرا

إلى شمائل أزرت بالنسيم ضحى
وخلق كالخلوق قد هفــا سحرا

* * *
قاضي القضاة الذي لا شيء يعدله في عدله اللذ فشا في الناس واشتهرا

مدح الشاعر شيخه بالعلم، فهو الذي عالجه ونقحه حتى انتشر بين الناس، وهو المصباح الذي ينير طريق العلم والذي نهل جميعهم من بحره، ثم أثنى عليه بحسن خلقه وشمائله، دون أن ينس صفة المجد والعدل.
وقال في شيخه محمد بن سعيد قدورة الجزائري يمدحه بالعلم والمجد والرشاد: (البسيط).
ومن حوى العلم والمجد الصراح معا ومن روى عن أبيه البر والرشدا
كما قال في شيخه أبي الحسن علي بركة: (الوافر).

وبالمولى أبي الحسن المعلى
علي ذي المناقب والخصـــال

ألست من بني تطوان من قد
عنيت بحبهم منذ الفصال

* * *
خصوصا شيخنـــا رب الكمال أبا حسن عليــا ذا المعالــي
ومدح شيخه أحمد بن الحاج مضفيا عليه صفة العلم والحلم والدين والورع والتقوى، يقول: (من مجزوء الكامل)

شمس المفاخر في الأوا
خر فيه سائر من تقدم

فالعلــم حشــو بروده
والحلم رائده المقدم

والديــن والتوفيــق من
لفظ الثناء عليه يعلم

وابن زاكور لم يقف عند مدح شيوخه فقط، بل تجاوزهم أيضا إلى مدح أصدقائه فمدح صديقه صالح بن المعطي، والحاج علي منضوصة التطواني، وأبا العباس أحمد بن عبد القادر التستاوتي، وحمزة بن عبد الله العياشي، وأبا يعقوب التطواني وغيرهم. قال في صالح بن المولى المعطي: (الخفيف)

يا أخي الصالح الكثير السباق
في مدى حائزي المعاني الرقـاق

أطربتني ألفاظكم وقديما
أطربتني نفائـس الأغلاق

أعجبتني أبياتكم وقديما
أعجبتني جواهر الأطواق

وقال في حمزة بن عبد الله العياشي يمدحه بحسن الخلق وبكمال خصاله وأوصافه: (الطويل)
لخلي ابن عبد الله من بكماله وأوصافه برد المعالي محبر
وأقواله در لدينا منظـــم وأخلاقه مسك أحم وعنبـر
إن أغلب مدائح ابن زاكور في أصدقائه جاء على شكل مقطوعات شعرية لكنها تعبر عن عواطفه تجاه الممدوح، بل إننا نجده يغفل في بعض مدائحه تعيين أسماء ممدوحيه، وفي هذا إشارة إلى أهمية الصفات النفسية التي يأمل تحقيقها في واقعه المتأزم، فهو يمدح في الشيخ صفات الكمال، ويمدح في الصديق علامات النباهة . وخلاصة القول فإن علاقته بالعلماء شيوخا وأصدقاء، كانت استجابة للتربية التي تلقاها في بيئته الفاسية، والتي تفرض على الطالب نوعا من التقدير والتبجيل لشيوخه وأساتذته، وأن لا ينسى ما لهم عليه من دين .
كما ترد في أشعار ابن الطيب العلمي كثير من القصائد، مما قاله في تمجيد شيوخه في العلم، مثل أبى عبد الله المسناوي، ومحمد المشاط، وأبي الحسن الشدادي، والجرندي، وأحمد الوجاري، وابن ناجي وغيرهم. فقد بلغ عدد أبيات المديح الإخواني عند الشاعر ابن الطيب العلمي مائة وتسعة وثلاثين بيتا، أما مدح الشيوخ فبلغ عدد أبيات القصائد مائة وخمسة وثمانين بيتا، وهذا ما ذكره الدكتور أحمد الطريبق اليدري من خلال إحصائه لهذا النوع من المديح. أما المعاني التي وظفها الشاعر في مديحه فهي نفسها التي وظفها جل شعراء هاته المرحلة والتي ذكرها قدامة، فنجده مدح شيخه بالجود والكرم والعلم والرفعة والمجد والشجاعة، يقول في شيخه محمد بن أحمد المسناوي: (الطويل)

أماثله في السهد لا في مكارم
وما سيد الأقوام مثل مسودها

فكم ذاد عن أجفانه سنة الكرى
لكسب علوم وابتغاء مزيدها

وما زال يرقى في العلوم مراتبا
ويصعدها، والكل دون صعودها

* * *
فلذ بحمى المسناوي والزمه إنه
إمام الورى علما وليث أسودها

فلا انفك يسمو في الأنام مكانة
ويسكن من دور العلا بمشيدها

ودام طويل الباع كامل رفعة
بسيط علوم فائــزا بمديدها

وقال يمدح شيخه محمد المشاط: (الرمل)
بدر تم وجنتاه جنـــــة غير أني من هواه في سقــر
بشر من خالص النور انتشى هل رأيت النور في شكل البشر
* * *
عالم حبر إمام عامـــل عبس الحاسد منه وبســــر
غاص في بحر المعاني فكره فأرانا كيف إخراج الـــدرر
كما مدح شيخه أبا الحسن عليا الشدادي وأضفى عليه صفة العلم، فهو جمع عدة علوم من نحو وتوحيد وفقه وحديث وسيرة: (الكامل)
العالم الشدادي النحرير من لم يبق علما ما دراه، ولم يذر
نحو وتوحيد وفقه واعتنـا ء بالحديث وبالشمائل والسير
وقال يمدح شيخه أبا العباس أحمد الجرندي بمناسبة ختمه لمختصر الإمام خليل: (المنسرح)

مثل الجرندي يبين مختصرا
وددت لو لم يكن بمختصر

العالم العلم الذي ظهـرت
منه العلوم لكل ذي بصر

* * *
لو لم يكن في العلوم بحر هدى
لما رمى السامعين بالدرر

ولم ينس صديقه الأديب محمد بن سليمان، فقد مدحه بالكرم والفضل والشجاعة، يقول فيه: (الطويل)

فجئنا إلى عين البلاد ونورها
إلى ابن سليمان الرضى، البطل الوتر

إلى الكاتب الأعلى الذي شاع فضله
إلى مالك الإنشاء في النظم والنثر

أيا سيدا مد المكارم في الورى
ومن قبل كانت ليس تخلو عن القصر

ومدح نجله أيضا بكل صفات المدح، من كرم وجود وشجاعة وسماحة وعقل وعلوم ورفعة، يقول فيه: (الرمل)
راح روحي ابن سليمان الـذي
هو من كأس المعالي شــارب

سيد غوث كريم فاضـــل
فارس ليث شجاع غالــب

كامل سمح جواد عاقـــل
ماجد فظ غليظ ضــارب





وكان أيضا للشاعر التستاوتي باع طويل في هذا الغرض المدحي، نجده قد زاوج بين التعبير عن الذات وبين المعاني المادحة الخالصة، يقول واصفا ممدوحه ابن ناصر الدرعي: (الطويل)
أتيتك يا بحر المعارف أشتكي
خطوبا أقامت، ما لها من تنقل

وجئتك يا غوث الزمان مجردا
من الأنس مكسوا رداء التبلبل

الماجد الشيخ ابن ناصر الذي
ملك القلوب بطوله المتسلسل

أحيا السيادة بعدما قد عطلت
وأقام رسم الدين بعد تخلخل

ويقول أيضا في مديحه الإخواني: (الكامل)
ويقول أيضا في مديحه الإخواني: (الكامل)
من كل شيخ في المعارف عدتي
ذي نجدة في سيره المتسدد

وسميدع كهل يبيت كأنه
متوسد جمر الفضا لتعبد

ما شئت من حلم وعلم باهر
ونباهــة ونزاهــة وتفرد

وفتى له عقل رشيد فائق
متحفظ في سيره من معتد

كما ظهر شاعر آخر في هاته الفترة كانت له يد طولى في هذا الصنف من المديح، إنه أبو الحسن علي مصباح الزرويلي أديب من البادية وافد على حاضرة فاس طلبا للعلم وتشوقا إلى ما يطمح إليه كل طالب علم، فأصبح من أكبر شعراء العصر. أما إن تصفحنا ديوانه، فنجده أكثر من قول الشعر في مدح شيوخه في العلم، وبخاصة في حفلات ختم المصنفات التي شارك في الحضور إلى درسها، وشارك في مجمع حفل ختامها، حتى جعل لها معلما خاصا في باب المدح، قدمه بقوله: "ومن باب المدح قصائد مدحت بها بعض أشياخنا العلماء…" .
نجده يقول في مدح أحد الأدباء وهو يجيبه على قصيدة كان قد مدحه بها: (الطويل)
ألاح سناها شاعر متأدب
بسيط ذكاء وافر العقل كامل

وماذا عسى أثني عليه وإنه
لسحبان هذا العصر والغير باقل

أقرت له العذال بالفضل والنهى
وما الفضل إلا ما تراه العواذل

وقال أيضا في مدح المشاط وهو يمدحه بالبلاغة والإجادة: (مجزوء الكامل)
أمحمد أهديت ما لو را م ذو النقد انتقــــاده
ولى نجيبتـــه ولـم يدرك وقد أعيـا مـراده
أنت البليغ وسوف تبدو بعد هذا في زيــــاده
أنت الذي لــو أدرك النعمـان لم يختــــر زيــاده
وقال في مدح أبي عبد الله محمد بن الشاذلي البكري الدلائي، وهو يضفي عليه صفة المجد والسؤدد والشجاعة والعلم والحلم: (الطويل)
هو الهضبة الشماء مجدا وسؤددا
همام أثير القدر وابن أثير

ولوج بهيجاء العلوم بصارم
قضوم من التحقيق غير حصير

غدا العلم هجيراه وهو مؤيد
بفهم على أقصى المرام ظهير

كساه الحيا حسنا بديعا وهيبة
فما بطرت نفس له بسرور

فصحت له نفس الملوك وحالة الـ
مساكين في جـاه وعز وقـور

وقال فيه أيضا وهو يمدحه بنفس المعاني: (الخفيف)
إنما الشادلي في الأدباء والـــعلماء مثل الورد فــي الأزهـار
ضم بالجد كل فخر ومجـد مثل ما ضم الزند تحت السـوار
وقال يمدح الشيخ ابن زكري بالكرم والجود والفضل ويشبهه في ذلك بإبراهيم الخليل عليه السلام: (الكامل)
يا فاضلا يمشي إلى الأضياف في
وجه بأنوار السخا متبلج

أورثت إبراهيم في بذل القرى
وسلكت من آثاره في المنهج

فلو استضافك كل من فوق الثرى
لوسعتهم كرما ولم تتحرج

أنت الجواد إذا البلاد تقشفت
واشتد كرب كنت خير مفـرج

وإذا دعيت إلى القرى قلت ادخلوا
فالباب ليس بمرتج عن مرتجي

ولا يخلو ديوان أبي العباس أحمد بن عبد العزيز الهلالي السجلماسي من هذا النوع من المديح، فقد مدح شيخه أحمد بن يوسف بالعلم والحلم والمجد: (الوافر)

ألا يا أيها البدر المهدى
بنور حجاه، والصدر المبدا

ويا بحر الفهوم العذب وردا،
ومن بالعلم، والحلم استبـدا



ومفترعا هضاب المجد فردا،
فليس نرى له في العصر ندا

وقال في عبد الله العياشي يمدحه بصفات الفضل والعلم والشجاعة، وبعلو قدره وهمته: (الطويل)
أبو سالم، من شاع في الناس ذكره،
وسار مسير الشمس بالمدح والحمد
مجلي جياد السبق منفردا، إذا
تسابق نحو الفضل صافنة الجرد

مطوف أقطار البلاد بهمة
نفوذ، علا منها على هيكل نهد

فشرقا وغربا جال في ذات ربه،
فأحرز أشتات المعالي بلا جحد

وأصبح للبحرين ملقى، ومجمعا،
فمن باطن يدني، ومن ظاهر يهدي

فكم فك من أسر الجهالة جانبا
ونور بالإمداد باطن مستهد

فعمم بالإرشاد كل الورى معا،
وأعطى كثيرا من أتاه فلم يكد

وكان ممن حظي بأمداحه الكثيرة الإمام سيدي أحمد الحبيب الذي يقول فيه: (البسيط)

يا أيها البحر، بحر العلم، والعمل
ويا منيل الوفود غاية الأمــل

إنا وفدنا ظماء مرملين إلــى
نوالك، المستهل المسبل الهطل

وقال فيه من قصيدة أخرى يمدحه بالشجاعة، ويضفي عليه صفة الهمة والمجد: (الوافر)
إمام حاز سبقا دون ثان همام فاز بالمجد الصفي
ويستمر في مدحه قائلا: (الوافر)
هو البدر المنير لكل سار،
ملأ الآفاق من نور جلي

هو الصدر المبدا في المعالي، بتصدير من الله العلي

هو القرم المجلي في المعالي،
محلي جيدها أبهى حلي

هو المسمى الحبيب لأجل حب
له في جانب الأعلى السني

ثم مدح عبد الله بن حمزة بن عبد الله العياشي بحسن الخلق وبالجود والكرم، والعدل والإحسان: (الطويل)

هو الحبر عبد الله ذو الخلق الذي،
هو الأري بل أحلى لمن هو ذائق

موطأ أكناف لطلاب علمه،
ممدهم جودا بما هو لائـق

معمر آناء الزمان إفـادة،
وأعمال بر، لم تعقه العلائق

وبنفس المعاني مدح شيخه يوسف الحفناوي قائلا: (الوافر)
إمام قد حوى علما، وفهما،
وتحقيقا، وأخلاقا أحاسـن

إلى أدب، أريج العرف منه
رياض الحسن، تكتسب المحاسن

فأبقاه الذي أرقـاه صدرا،
ينبه بالمعارف كل واســـن

أما إن عدنا إلى الشعراء الدلائيين وجدنا معظمهم اهتموا بمدح الشيوخ والعلماء، يقول الطيب بن المسناوي بن محمد بن أبي بكر الدلائي يمدح أبا عبد الله محمد المرابط الدلائي بقوله: (الكامل)

روض المحاسن من بيانك نـورا
ودجى المعارف من علومك أقمرا

وكواهل الشرف اغتدت مرقومة
لما سموت من المراتب منبرا

حزت الفخار فما لغيرك مثله
ولأنت خير من انتدى وتصدرا


نشر بتاريخ 21-12-2012  


أضف تقييمك

التقييم: 6.04/10 (743 صوت)


 

أقسام مجلة نورالأدب


جديد مجلة نور الأدب

التقويــم

رابط مجلة نور الأدب على الفيس بوك http://www.facebook.com/pages/%D9%85...194197?sk=wall


الشاعر والأديب الراحل نورالدين الخطيب الأب الروحي لنور الأدب

المسجد الأقصى بتاريخ 15/ 7 / 1891

جانب من مدينة حيفا - فلسطين

خارطة فلسطين الحبيبة



مكتبة الصور | الأبواب الثابتة | شعر | القصة القصيرة | مجلة نورالأدب | مرئيات | صوتيات | المنتديات | الرئيسية

دعم وتطوير : أبو نواف
تصميم شبكة الصقر

Powered byبرنامج الموقع الشامل انفنتيv2.0.5
Copyright © dciwww.com
Copyright © 2008 www.nooreladab.com - All rights reserved