خريطة الموقع الجمعة 12 مارس 2010م

وطني الذي الجنّات بعض صفاته جديد مقالات
غلاف نور الأدب ..  «^»  صباحات أيلول / هنادة الحصري   «^»  لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي/ شعر : محمود درويش   «^»  عبد الحليم حافظ وفلسطين / أحمد بوبس   «^»  عبد الحليم حافظ وفلسطين / أحمد بوبس   «^»  الشعر الفلسطيني المعاصر / محمود حامد   «^»  عبد الحليم حافظ وفلسطين / أحمد بوبس   «^»  عبد الحليم حافظ وفلسطين / أحمد بوبس   «^»  عيد ميلاد ليلى / محمد عبيدو   «^»  العنصرية بألف وجه فانتبهوا / هدى الخطيب جديد أدب

مكتبة الأخبار
العدد الأول من مجلة نور الأدب
يوم في حياة موظف / قصة : لبنى ياسين

يوم في حياة موظف / قصة : لبنى ياسين
يوم في حياة موظف / قصة : لبنى ياسين
منذ صباح هذا اليوم و أنا أحاول ألا أكون متشائماً , بدا ذلك في البداية ضربا من ضروب المستحيل , إلا أني قررت ألا أجمع التفاصيل الصغيرة المبعثرة التي تكدست منذ الصباح ,متحدية كل طاقة املكها لأكون متفائلاً , لكن إيجاد أسباب تلك الأحداث الصغيرة التي تفجرت في وجهي واحدة بعد الأخرى , أراح رأسي من تفسيرات ما وراء الطبيعة , ومن سؤال كان يمكنه أن يفتك بي ,لماذا يحدث هذا كله لي أنا بالذات؟؟ فمنذ الصباح و أنا في دائرة عملي كالمعتاد تمزق حذائي فاتحاً ثغره أمام كل زملائي ليروا من خلاله جوربي الرمادي رفيق عمري, و إصبع قدمي يمد رأسه منه بكل وقاحة , و هات يا تعليقات , حذائي لم يكن قديماً و إن كان جوربي كذلك , فِلمَ أقدم على هذا العمل الانتحاري مسبباً لي كل هذا الإحراج, كان علي أن استمع لنصيحة منير صديقي ,إذ قال لي و أنا أخطط لشراء الحذاء , اذهب إلى محلات البالة , ستجد هناك أحذية أجنبية مستعملة , صدقني إنها أفضل من البضاعة الرخيصة التي تنوي شراءها , لكنني أشفقت على نفسي من حرمانها من متعة الانتقاء و شراء الأشياء الجديدة , فلم أصغ إليه .و ما أن انتهت ساعات الدوام الرسمي التي كانت اليوم من أسوأ كوابيسي , حتى جريت إلى المنزل , ومن حسن حظي أنه كان لنا في الشركة باص ينقلنا من وإلى العمل.
وما أن وضعت إصبعي على جرس الباب , حتى أصدر أنة حادة , أتبعها بأخرى مكتومة ,ثم صمت إلى الأبد , و فتحت زوجتي هدى الباب , و عيناها تقدحان شرراً , هادرة في وجهي دون أي تحية , أما قلت لك أن هذا النوع من الأجراس سئ ؟ لقد جربته أختي, لكنك فرحت بسعره الرخيص , تفضل شوف النتيجة , و لكي أكون منطقيا ومنصفاً وصادقاً , فقد قاتلت هدى بضراوة كي تمنعني من شرائه , لكنني اعتقدت أنها تريد أن تجاري جارتنا المتبجحة التي لا تتنازل بشراء أي شئ إن لم يكن ألماني الصنع , أمريكي اللكنة , إنكليزي الصبغة , و لذا لم أصغ لها بل اشتريته عنوة , و كدنا ننهي يومنا ذاك عند المأذون لولا لطف الله .
و هكذا جلسنا إلى مائدة الغذاء يسودنا صمت يشبه صمت المقابر, لم يخرجنا منه إلا صوت دوي مرعب في غرفة الجلوس, أتبعه سحاب من الدخان الكثيف و وابل من المطر الأسود , غطى دائرة قطرها متر حول المدفأة ,مما أفقد زوجتي صوابها كلياً , فجعلت ترغي و تزبد و هي تنظف مخلفات المدفأة الأثرية التي ورثتها عن أبوي رحمهما الله .
بعد كل هذه الأحداث المتتالية , التي نالت من أعصابي حتى الاحتراق , اتجهت إلى سريري , حالماً بقيلولة تمنيت سرا ًو بخجل أن تكون سرمدية , فلا أستفيق منها , إلا أن الرياح تأتي بما لا تشتهي السفن , فما أن أغمضت عيني حتى فتحتهما ثانية على صراخ زوجتي , و هي تقذف ابننا هاني بالشتائم و تتوعده ,بدا صوتها عاليا حتى أني شعرت بالجدران تتصدع وتخرج منها آلاف القنابل المثيرة للأعصاب و المسيلة للدموع أيضاً , و إلا من أين هطل هذا الوابل من الدموع من عيني زوجتي و ابني؟ وبعدها شعرت و كأن أصابع إبليس تطبق على رقبتي محاولة كتم أنفاسي أو ما تبقى منها على الأصح , لم أستطع أن أنبس ببنت شفة , فالحق يقال بالرغم من أن معظم المشاكل كانت تبدو و كأن هدى طرف رئيسي فيها , إلا أنها الطرف المظلوم الذي حشر في هذا المكان بسبب تحمله لمسؤولية هي اكبر من طاقتها, فالبارحة رن جرس الباب قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة على يدي , و إذا بصديقي أحمد يَمن علي بزيارة مفاجئة دون موعد , إذ أنه و زوجته كما قال كانا يتجولان بالسيارة و هما في غاية الملل , وصدف أن مرّا بجوارنا , فقررا أن يشرفانا بشرب فنجان من القهوة عندنا , هدى و الحق يقال مضيافة كريمة تحب الناس , لكن أن تأتي زيارتهما المفاجئة هذه في الوقت الذي عليها فيه أن تدرس ابننا , و الذي ما أن يجد أمه مشغولة بشيء ما حتى يجد لنفسه شغلاً آخر غير الدراسة , ذلك ما أثار امتعاضها , لم يكن الموضوع في البداية شيئاً يذكر , لكن محاولاتها المتكررة و الفاشلة لضبطه أمام دفتره لكي يتدرب على الإملاء أمام الضيوف وهو شيء يفرضه علينا ضيق منزلنا و صغر حجمه , ثم جاء اقتراح صديقي العزيز أن أفعل مثله فأحضر لابني مدرّسة خاصة تتولى شؤون تعليمه وتزيح هذا العبء الثقيل عن كاهل المدام , و هو ما قوبل مني ـ و يا للسخرية ـ بالترحيب الشديد , وبالاستفهام كيف لم يخطر هذا الحل العبقري بذهني المتواضع سابقا, ثم كانت علامة ولدنا هاني السيئة التي مني بها في الإملاء بسبب تلك الزيارة , و أحداث الصباح السعيدة, هذا إذا أغفلنا أن عمل هدى لا يتكفل بتقديم المواصلات لها كما تفعل شركتنا ,و لذا كان عليها الخروج باكراً بولدينا الصغيرين و الهجوم على باب الميكروباص الذي تصطف أمامه متاريس بشرية ضارية من المفترض أن تتجاوزها إن هي أرادت الوصول إلى عملها في الوقت المحدد , بعد أن تنزل هاني أمام باب مدرسته , وتأخذ ابنتنا ربى معها إلى الروضة التابعة لمركز عملها , فان هي فشلت في كسب معركة الصباح الدامية هذه قوبلت بوجه عبوس و عقوبة تأخير و إنذار و....و...و, ثم تأتي رحلة العودة إلى البيت بعد انتهاء الدوام التي لم تكن يوما أقل متعة من رحلة الصباح , هذا وحده كفيل بإحباط أكثر الناس تفاؤلاً , و إغضاب أكثر البشر حلماً هذا إذا ما تجاهلنا الأمور الأخرى كالطبخ و الغسيل و إطعام الصغيرة و تدريس الصبي ,ولهذا كله فاني بيني وبين نفسي على الأقل اعترف أن لها جلداً كجلد أيوب إن لم يكن أكثر.
قالت لي مرة و نحن في جلسة هادئة افتقدناها منذ عصور أن ذلك الذي طالب بحقوق المرأة لابد أن يكون رجلا , بل ومن أقل الرجال احتراماً للمرأة و إحساسا بها, فهو لم يفعل شيئاً سوى زيادة همومها و مسؤولياتها محولاً بذلك هذا الكائن الرقيـق إلى إنسان آلي , بينما لم يكلف نفسه عناء اقتراح مقاسمتها أعباء المنزل مع الرجل عندما تعود مثله للمنزل منهارة الجسد و الأعصاب بعد يوم عصيب قضته في العمل, والحقيقة أنني وجدت كلامها صحيحاً, بل و في غاية الصحة , فمن بين نساء البناء الذي نقطنه , لم يكن بينهن من تعمل أو تعاني سواها , جميعهن لا خروج لهن في عز البرد , و لا عودة في لهيب الصيف , و لا حرب دامية في المواصلات كل صباح ,لذا تجدهن يتبادلن الزيارات و الصبحيات , فيما زوجتي تقوم بعمل ما من أعمالها اليومية الكثيرة و التي عليها أن تنهيه لتبدأ بغيره , فيتغامزن عليها قائلات أنها شايفة حالها , لا تحب أن تخالط أحداً , و للمفارقة أيضاً تجدهن يقتنين ما تحبه النسوة من ذهب و ملابس و عطور و غيرها , بينما لا تشتري زوجتي إلا ما يلزمها بشدة و تراه أكثر من ضروري لسبب أو لآخر , أفلا يكون كلامها صحيحاً بعد كل ما ذكرت .
أفقــت من كل هذه الخواطر على صوتها و هي تقول لي إذ وجدتني مستيقظاً تعال و انظر خيبة ابنك !!! لم لا تحضر له مدرسة كما تبجحت البارحة أمام صديقك قبل أن يقتلني غيظاً ؟؟؟
في هذه اللحظة زاد إبليس ضغطه على رقبتي دون رحمة , فارتديت معطفي و خرجت كعادتي في مثل هذه الظروف إلى قهوة شعبية من تلك القهاوي المتخصصة في جمع محدودي الدخل على طاولات مهترئة تشبه إلى حد كبير ملامح مرتاديها , و جلست دون أية محاولة للاختيار إلى أقرب طاولة , طلبت كوباً من الشاي , ولا أدري كم من الوقت انتظرت حتى أتى كوب الشاي , رشفت رشفة منه , فإذا هو و يا للصدفة أسود فاتر لا طعم له إلا المرار , و كأنما غلي للمرة الألف , حانت مني التفاتة إلى من حولي , وهو أمر نادر الحصول , فإذا بي أجلس على كل الطاولات , و كأنما تم استنساخي بطريقة أو بأخرى , وإذا بي على كل طاولة أشغلها أعيد حسابات يومي العاصف الذي ليس هو في النهاية إلا يوما مر كغيره نُقش على صفحة كرامتي الإنسانية ,التي بدأت تشعرني بالغثيان لشدة ما تكدس فوقها من التفاؤل التشاؤمي الذي أعيشه في أحسن الحالات, وهو نوع من التفاؤل يعرفه كل موظف مثلي ,فلو أن كل هذه الأحداث وقعت صدفة لقلت انه يوم مشؤوم و مضى, إلا أنها لم تحدث صدفة ..بل هي تفاصيل مرهقة وضاغطة في حياتنا اليومية التي نعيشها بكل وقائعها و لكل أمر يقع سبب ...وسبب وجيه تماماً.
تم إضافته يوم الثلاثاء 12/01/2010 م - الموافق 26-1-1431 هـ الساعة 3:41 صباحاً
شوهد 74 مرة - تم إرسالة 0 مرة

اضف تقييمك

التقييم: 9.01/10 (10 صوت)




قصائد | مقالات | دراسات | القصة القصيرة | أدب | الفيديو | الصوتيات | المنتديات | الرئيسية

دعم وتطوير : أبو نواف
تصميم شبكة الصقر

Powered byبرنامج الموقع الشامل انفنتيv2.0.5
Copyright © dciwww.com
Copyright © 2008 www.nooreladab.com - All rights reserved