|
مهما اشتد الالم يبقى العفو ارحم بالقلب د. نوال بكيز
في حي من احياء مدينة مكناس العامرة، كان يعيش أخوان عمر و سليم جمعتهما رابطة الدم وفرّقتهما القلوب.
لكلٍّ منهما أسرة ومسؤوليات، غير أن سليم - و هو الأخ الأصغر - كان أكثرهما قربًا وحنانًا. لم يدّخر جهدًا في مساعدة أخيه الأكبر كلما سنحت الفرصة، مادّيًا ومعنويًا، وكان يحتسب ذلك صلةً للرحم قبل أن يكون إحسانًا.
لكن عمرلم يكن يرى في هذا العطاء إلا حقًا مكتسبًا، وكان دائما يطمع في المزيد، ويقابل الإحسان بالجحود، واللين بالقسوة. وحين اشتد المرض بالأخ الأصغر وكاد يودي بحياته، لم يزره أخوه إلا مرة واحدة، واكتفى هو وأسرته باتصالات متقطعة باردة، لا تسمن ولا تغني من وجع.
ورغم ذلك، ظل الأخ الأصغر وفيا، حريصًا على صلة أخيه؛ كان يقطع المسافات مع زوجته وأولاده ليشتروا حوائجهم من متجر أخيه مرة أو مرتين في الشهر، ليربح اخاه رغم بعد المسافة، لعل ذلك يشدّ أواصر المودة. وكانت زوجته تصبر على لسان الأخ الأكبر الجارح، لكنها كانت ترى أثر ذلك في نفس زوجها، وكيف يعكّر صفو حياته.
وحين ذهب سليم إلى العمرة ، ودّع أخاه برسالة صوتية فلم يتلقَّ ردًا، ثم أرسل أخرى يخبره أنه يدعو له ولأولاده، لكن دون ادنى جواب، وحتى بعد عودته لم يجد تهنئة ولا سؤالًا. عندها بدأ قلبه يتعب، فاختار ان يهجره هجرا جميلا؛خصوصاحينما اختلف ابنه مع ابن اخيه الأكبر، فانهال هذا الأخير عليه بالسبّ والشتم و بكلامٍ سفيه لم يكن ليتصوره يومًا. حينها أدرك الأخ الأصغر أن هذا الجفاء المتجذّر لا يمكن ان يصدر إلا عن قلب امتلأ حقدًا، وأن ما يزرعه الآباء يحصده الأبناء. فقرر أن يبتعد، مكتفيًا برسائل لا يُجاب عليها.
ومع ذلك، بقي الشوق ساكنًا في قلبه حتى المرض، يؤجّل الزيارة المرة تلو المرة، حتى جاء شهر رجب فقرر أن يزوره. أرسل رسالة صوتية كعادته، ولم ينتظر ردًا. وبعد يوم لاحظ اتصالًا فائتًا من أخيه، فاعتذر برسالة ودعا له بالخير، ونوى زيارته فور انتهائه من عمله.
وفي اليوم الذي أنهى فيه عمله، وصلته رسالة من رقم مجهول:
أخوك في المستشفى… حالته حرجة.
انهار سليم، واندفع مسرعًا إلى المستشفى. هناك، لم يرَ قسوة ولا جفاءً، بل رأى أخًا يحتضر. احتضنه، جلس عند قدميه، وتمنى فقط أن يعود واقفًا اكيد من أجله، و قبل ذلك من اجل أطفاله الذن هم اشد حاجة منه اليه.
أما زوجته، فلم تنسَ الإساءة، وبقيت نظراتها باردة، وان دعت له بخير.
المغزى:
الحياة أقصر من أن تُهدر في الخصام، وأغلى من أن تُستنزف في قطيعة الأرحام.
مهما اشتد الألم، يبقى العفو أرحم بالقلب، و تبقى صلة الرحم اقرب الى النجاةً ...
نور الأدب (تعليقات الفيسبوك)
|