عرض مشاركة واحدة
قديم 09 / 05 / 2018, 11 : 03 AM   رقم المشاركة : [7]
هدى نورالدين الخطيب
مديرة الموقع المؤسس - إجازة في الأدب ودراسات عليا في التاريخ - القصة والمقالة والنثر، والبحث ومختلف أصناف الأدب - مهتمة بتنقيح التاريخ - ناشطة في مجال حقوق الإنسان


 الصورة الرمزية هدى نورالدين الخطيب
 





هدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond repute

بيانات موقعي

اصدار المنتدى: مدينة حيفا - فلسطين ( فلسطينية الأب لبنانية الأم) ولدت ونشأت في لبنان

رد: استطلاع جماهيري - الرواية - المشاركة في مسابقة نور الأدب الكبرى 2018

-6-

قرر سليمان البقاء في مدينة المحجّبين، قال خجلا:
- لقد تعبت عظامي من التجوال، أرجوكم دَعوني وشأني!
- وأنت يا صاحب الدرك؟
سألته وكنت أرغب جادًا ببقائه معنا حتّى النهاية.
- قبل أن أجيبك سيّدي القبطان على سؤالك، أرجو أن تجبني على سؤال أخذ يقلقني كثيرًا في الآونة الأخيرة. ً
- نعم، تحدّث.
- هل محطّتك الأخيرة مدينتي التي فارقتها يومًا؟
هززت رأسي موافقًا، وكان أن تبعني صاحب الدرك على الفور.
- الى آخر الدنيا أتبعك ما دام مسقط رأسي هو محطّتك الأخيرة.
يحزنني فراقك يا سليمان الحبيب، لقد قضيت معك أجمل سنوات العمر. روحي ترفض هذا الفراق، لكنّي أحترم قراره. لقد تعبت عظامه من كثرة التجوال، وأنا الذي لا يتعب من كثرة الترحال والبحث عن آفاق جديدة. تُرى، ما حاجتي لكلّ هذه الحقائق؟ ألا يكفي الإنسان حقيقة واحدة أحيانًا؟ قد يكون لقاءً وجدانيًا واحدًا جلّ ما يتمنّاه الفؤاد.
يا فؤادي، ما كلّ هذا الهوى؟
ألا يكفيك حبيبًا واحدًا في الحِمى؟
دوّامة من الأسئلة الظمأى، تنهمر الليلة من سماء المدينة كالندى.
مراكبي تحطّمت عند قدميك، ومضيت أبحث عن طبيب يعالج آثار السنين الغابرة دون طائل.
حسنًا، ابقَ في مدينة المحجّبين. يُقال بأنّ كلّ من شرب من مياه هذه المدينة، يعود إليها لا محالة. لكنّ سليمان كذّب هذه المقولة، وبقي في المدينة ولم يرحل عنها أبدًا. حضر لوداعنا الكثير من أعيان البلد. كنّا قد أصبحنا جزءًا من هذا المجتمع. حتّى زعماء العصابات والشرّيرين حضروا للوداع. كسر أحدهم وعاءً من الفخّار بجسم المركب العائم تفاؤلا بالخير. أطلقت زامور المركب، كنت قد نسيت صوته بعد أن صمت طِوال الوقت الذي أمضيناه هناك.
أخيرًا شعرت بالمياه تحملني فوق سطحها الأبديّ.
أخشى المياه بقدر ما أتوق لها!
لا أثق بها كثيرًا، لكنّي غير قادر على التخلّي عنها.
أعشق الليل لأنّه كتوم، يحميني من أصدقائي الأعداء،
يحميني من الشوك المحمول على ألوية الحرير، الخيانة، آه، كيف نسيت ذلك!
الخيانة تسيل مع الأمواج العارمة من تحتي. هل تعرفون بأنّ الأمواج تتحدّث! عندما بدأت العاصفة بحشد جيوشها، أخذت الأمواج تنقبض وترتجف من شدّة فرحها، من عظمتها وقدرتها التدميرية. أفهم لغتها وأصمت. أحاول أن أصلّي، أحاول أن أبحث عن أفئدة الأمواج لأطلب منها الصفح والسماح، أكشف لها عن ضعفي واتّكالي على أجنحتها. أحيانًا، تستمع الأمواجُ للنجوى. تصبح رحيمة، طيّبة، حانية، بل وحتّى ناعسة! وأحياناً تعلن عن معركة طويلة، تكاد لا تنتهي حتى تأتي على ما تبقّى من ألواح مراكبي. أضطرّ لحمل بقايا جسدي ثانية إلى الشاطئ وحيدًا، أبقى أعاني الصداع والقلق والخوف لأيامٍ طويلة بعد نجاتي.
البحر الذي أمتطيه الآن يبدو غريبًا عنّي، أكاد لا أفهم كنهه، أمواجه تحتفظ بسرّها ولا تجرؤ على الإفصاح بالكثير.
كنت مسروراً لأنّني وجدت القدرة على الخلاص من تلك المدينة. من الصعب في حالٍ من الأحوال الانفلات من وضعٍ خلقناه بأنفسنا وعشناه واستمتعنا بحيثيّاته وتفاصيله اليومية.
سليمان فضّل البقاء في المدينة، أخبرني يومًا بأنّ الأيّام هناك تسير على عجل. لكنّ ساعة الشروق باقية، منكسرة في أصل عينيه. لم يتخلّ عن الاستيقاظ كلّ صباح ليملأ روحه بعبق الفجر المقيم. قال لي يومًا:
- في مثل هذه الساعة، أجد نفسي ثانية على مركبك.
- هل أعود أدراجي الى بلدتي؟
كانت تلك أمنية الجميع، وما زلت أجهل وجهة بوصلتي، كأنّها تتذبذب أمام عينيّ.
- أنظر إلى النجوم تهديك إلى الوطن.
قال صاحب الدرك وقد أدرك حيرتي.
في تلك اللحظة بالذات، ظهرت غيوم سوداء حجبت السماء فوق رؤوسنا. لذتُ بالصمت بعض الوقت ثمّ قلت له:
- رغبتي لا تقل عن رغبتك بالعودة، لكن يلزمنا رضا الله ومرضاته يا صاحبي.
في الأيام الأولى لرحلتي الجديدة، شعرت بانّ المياه قد أصبحت ثقيلة. كلّما توغّلت في المياه ازداد ثقلها، شعرت بالمحرّكات قد ذبحت فأمرت بإطفائها، والنظر في الأسباب التي أدّت إلى ذلك.
لم يجرؤ أحد على الغوص في عمق المياه، كانت الصورة واضحة للغاية. كميّة كبيرة من الأسماك كانت قد انقلبت فوق سطح الماء على ظهرها ميّتة. لون المياه كان أقرب إلى السواد منه إلى الزرقة. يبدو بأنّ تلوّثًا كبيرًا قد ظهر في هذه البقعة من المحيط.
- أنظر يا قبطان، بعض الأسماك الكبيرة ما زالت تصارع الموت، هل لنا بمساعدتها؟
- وكيف يكون ذلك؟ ألا ترى السواد يحيط بكلّ ما حولنا؟ لا أدري كيف سننجو من هذه المحنة.
كنت أخشى هذا النوع من الكوارث بالذات، لأنّها من صنع الإنسان القادر على إلحاق أضرار كبيرة بالطبيعة، وهي بدورها لن تصمت على الأذى الذي تتعرّض له طوال الوقت.
- لا أدري ما العمل، أشعر بالشفقة تمزّقني وأنا أرقب هذه الحيوانات المتألمة وسط المياه، وما هي إلاّ لحظات حتى وجدت نفسي وسطها. كانت المياه ثقيلة، لزجة. كانت الكيمياء تفوح منها. ما الذي دعاني للقيام بذلك؟ كنت أشعر برغبة هائلة للتحدّث إليها، اقتربت من حوتٍ عملاق، درت من حوله حتى وصلت رأسه. بالكاد حرّك ذيله، لم يتمكّن من تحريك المياه الثقيلة وهو الذي كان يخلّف وراءه أمواجًا عملاقة إثر كلّ حركة.
مررت بيدي على جلده الناعم، لا أملك سوى الرغبة بمساعدته، ولكن كيف لي ذلك؟
مرّت لحظات شعرت خلالها بأنّ جسدي يحترق، روحي تتمرّد. مرّ الحوت المحتضر من تحتي، ثمّ رفعني عاليًا فوق المياه الداكنة. أخذ يطوف بي حول مركبي بهدوء، وكان الجمع يحدّق بِحيرَة. قرأت في عينيه الرغبة بمغادرتي المياه القاتلة، وضعني عند أصل المركب فصعدت على عجل. عندها أخذ الحوت يدفع بالمركب بعيدًا عن الفخّ الذي وقعنا فيه. كان يدفع بكلّ ما تبقّى في جسده العملاق من قوّة، وسرعان ما وصلنا مياه آمنة. دار المحرّك، وانطلقنا في طريقنا المجهول نحو آفاق جديدة، كان الحوت يرافقنا وكان هو أيضًا يبحث عن شاطئ عن مياهٍ ضحلة، لقد قرّر الموت انتحارًا وهربًا من جحيم التلوّث!
هل نترك هذا العملاق يموت وينتحر وِفقًا لقوانينه الجينية الخاصّة؟
في البعيد شاهدت ناقلة النفط تغرق ببطء، محدثة خلفها ضجيجًا وثورة خاطفة من الأمواج التي سرعان ما هدأت. لماذا تكون ناقلات النفط مطلية دائمًا باللون الأسود؟ كأنّها تحمل رموز الحداد قبل حضور الموت بدهرٍ يسابق الزمن!
غادر الركّاب المركب، أخذوا يدفعون الحوت إلى أعماق الماء وكان هذا التصرّف منتهى السذاجة والغباء. كيف لنا أن نحرّك هذه الكتلة العملاقة من اللحوم والشحوم المتراكم في جسد الحوت المنكوب؟ بقيتُ إلى جانبه، كنت أراقب عينيه البريئتين. اللعنة، كم من الزمن تحتاج هذه الروح لمغادرة الجسد إلى بارئها؟
بقيت طِوال الليل راقدًا إلى جانبه، وكنت على وشك الإصابة بالبرد. لكنّ حالة الموت القابعة أمامي بقيت مسيطرة على حواسّي، أبقتها متيقظة طِوال الوقت. سرعان ما يصبح الحوت مصدر رِزْقٍ لعشرات بل لمئات العائلات. سرعان ما سيبدأ البعض بتمزيق هذه اللحوم وتعليبها والاتّجار بها في الأسواق الجائعة.
عند الصباح، حصل ما كنت أخشاه. كان الحوت الجميل جثّة هامدة، حضر أهل البلدة الساحلية إلى المكان مسلّحين بالخناجر والسيوف القصيرة. جلسوا حول الحوت، وأخذوا يقرأون ما تيسّر من آيات الذكر الحكيم. كانوا يشكرون الله على تلك النعمة التي قذفتها المياه إلى الشاطئ.
أخذت الأسلحة الباردة تعمل في الجسد العملاق، وأخذت كتل اللحم تنطلق نحو الثلاجات. كان لا بدّ لتلك العملية أن تستمرّ طِوال أيامٍ للإنتهاء من نزع كلّ ما هو صالح للطعام من جسد الحوت، وبعد ذلك سيقومون باستئصال الكبد وزيته المفيد لنظر الإنسان، ثمّ جاء دور العظام الكبيرة، التي لم تنجُ أيضًا من الحفلة الدسمة. كان هذا العملاق بمثابة المنقذ المنتظر، إذ قدّم جسده وعظامه وأعضاءه الداخلية لراحة الإنسان وسعادته. شكروا الله وصلّوا لروح العملاق، ثمّ مضى كلّ في طريقه.

الغرباء

لم أعد قادرًا على المضيّ وحيدًا دون نجوى، شعرت بأنّي أرى الدنيا وأراقبها عبر روحها وجسدها. ذات صباح انطلقت وإيّاها نحو المدينة المتلفّعة في الظلام. كنت أحسبها مدينة صغيرة تفضّ الصباحات على استحياء، ثمّ يمضي كلّ إلى عمله أو لقضاء حاجته!. كم أكره المدائن المحرومة من إيقاعها الخاصّ. أنا نكرة في هذا المكان، تدفعني الأكتاف المتسارعة، تجعلني أشعر بأنّني مجرّد رقم عابر. تلفظني المدينة العملاقة في هوسها اليوميّ.
أنا لا أحد، مجرّد جسدي يتخبّط في زحام الحضارة. لون بشرتي يختلف قليلا بعد أن لوّح البحر حنطة جلدي.
أخذت الشوارع تضيق أمامي على الرغم من سعتها.
تبدو لي نهاية الشارع كمبسم الإبرة!
أنعطف إلى شارع آخر، وسرعان ما أشعر بالدوار يلاحقني.
- هل أنتِ بخير يا نجوى؟
- نعم، دعنا نجلس في مكانٍ ما. أرجوك.
فقدت صاحب الدرك. كان قد اختفى في أحد المتاجر، دلفت بعد حين إلى فندق صغير.
بعد ساعة كنت ونجوى نغطّ في نومٍ عميق.
كان الوقت عصرًا عندما استيقظت من نومي
دلفت إلى الحمّام وتركت المياه الساخنة تنهمر فوق
جسدي.
قبّلت جبينها وخرجت إلى باطن المدينة
كانت وكأنّها مسحورة؟
وكنت وكأنّي بلا عنوان!
عادني الإحساس نفسه، مجدّدًا.
قرّرت المضيّ في الشارع مهما كانت النتيجة.
لماذا يضيق الشارع دون منطقٍ فيزيائيّ معقول.؟
حين أشرف الشارع على النهاية وجدت نفسي أناضل لخلاص جسدي.
شعرت كأنّي علبة معدنية مضغوطة بقسوة غير معهودة.
بدأت أمشي بالعرض وكاد الشارع ينطبق عليّ.
توقّفت دون تردّد، توقّفت مرّة واحدة.
كنت أراقب الآخرين بطرف عينيّ، وكنت ما أزال النكرة ذاتها.
كنت غير مرئيّ، وكان الشارع اللعين يطبق بإحكام عليّ دون الاخرين!
بان لي شارع فرعيّ. كان عليّ أن أخطو خطوة واحدة حتى أقذف بجسدي في
فضاشه.
خطوة واحدة فقط، لكنّ المادّة السوداء لامست صدري.
شعرت بها صلبة وحادّة كالسكّين. شعرت بالدم يغطّي صدري لكنّي تخلّصت من مصيدة
الشارع.
جلست عند أوّل الشارع الفرعي وقرأت لافتة تحمل اسم "الغرباء".
وضعت يدي على صدري ثمّ نظرت إليها. كانت حمراء لزجة!
تذكّرت الجبل وسيّده الذي أرغمني على الشرب من ماء الحياة.
تُرى، ألا تساعدني قطرات الماء تلك على تخطّي هذه المحنة.
لاح لي رأس فتى من أحد الشبابيك. كان ينظر إليّ بوجل. أشار عليّ بالمضيّ
إلى طرفه.
قال هامسًا:
- أنت يا صاحب البشرة الحنطيّة، ألا تخشى التجوّل في شوارع المدينة؟
- ولماذا أخشى ذلك؟
- أنت مطلوب للعدالة، ألا ترى بأنّ الشوارع نفسها تحاول القضاء عليك!
- وماذا عليّ أن أفعل؟ هل أسلّم نفسي إلى العدالة؟
- تعال إلى بيتنا أيّها الغريب، هذا هو الشارع الوحيد الذي لن يحاول القضاء عليك.
- إنّه شارع الغرباء!
جلست في غرفة الاستقبال وحيدًا هَلِعًا، حضر بعد قليل الفتى نفسه.
جلس قبالتي وأخذ يدقّق النظر في ملامحي، ثمّ قال بعد وَهْلَة:
- أنا أيضًا غريب.
- ما الذي يحدث في هذه المدينة يا فتى؟ قلت بأسى ورجاء.
- كلّ شيء خاضع للمراقبة في هذا البلد. سيُلْقون القبض عليك آجلا أو عاجلا.
- أنا عابر سبيل! أنا لست إرهابيّاً!
- حاول ألا تذكر هذه الكلمة في حديثك.
- ماذا تقصد؟
- لا تعيدها أرجوك. لا تذكرها في بيتي، سيأخذون عيّنة بيولوجيّة من جسدك، سيكون لك ملفّ أمني، وقد يزرعون في أعماقك مجسًّا يكشف عن مكان تواجدك طِوالَ الوقت.
- أكاد لا أصدّق ما تقوله يا فتى!
- إنّها الحقيقة.
في تلك اللحظة سمعت دويّ صفارة لعربة أمن في البعيد. كان الصوت متقطّعًا ومتحديًّا وعابثًا.
كأنّ العالم يخضع لهذه السلطة بالكامل.
- مسألة وقت لا أكثر، مسألة وقت. قال الفتى وبان النعاس في عينيه.
- ماذا عليّ أن أفعل؟ سألته راجيًا.
- لا أستطيع تقديم أيّة نصيحة لك. كلّ إنسان مسؤول عن نفسه، لا أحد يجرؤ على تقديم نصيحة لآخر في هذا البلد.
- لماذا تساعدني إذًا؟ سألته والحيرة تملأ روحي وذاتي.
- أساعدك! ومن قال بأنّي أفعل ذلك؟
في اللحظة التالية، كان رجال الشرطة يحيطون بي من كلّ جانب.

-2-

كنت أتواجد في غرفة شبه مظلمة. وحيدًا دون بصيص أمل، دون أصدقاء أو أحبّة دون وجوه مألوفة! بقيت على ذلك الحال لساعات طويلة. دخل إلى الغرفة رجل قصير القامة وقال بهدوء:
- تحيّة سيدي القبطان! ما الذي تفعله في هذه المدينة؟
- رمى بي البحر إلى هذا الشاطئ، أنا عابر طريق.
صبّ لي بعض البيرة الباردة وقدّمها لي.
- لكنّي لا أشرب الكحول.
- هل ترفض دعوتي؟ كان في عينيه شيء من التحدّي.
تناولت قدح البيرة الكبير وتجرّعته على عجل.
بدأت أشعر بالهواء البارد يدلف إلى رحم الغرفة، من مكيّف عملاق ثبّت في إحدى الزوايا.
صبّ لي قدحًا كبيرًا آخر، ناولني إيّاه بصيغة آمرة.
تناولت القدح وبدأت ابتلاع السائل البارد على مهل. لكنّه أمرني بشربه بسرعة.
فعلت ذلك وازدادالجوّ برودة! كان المكيّف يعمل طوال الوقت بلا رحمة، وكان رفيقي أو معذّبي قد احتاط لذلك. ليتني أملك رداءً يشبه سترته الأنيقة الدافئة!
حين شاهدت القدح الثالث بين يديه، أدركت المغزى وراء ذلك. كانت مثانتي قد امتلأت بالسوائل، وبدأ الألم يمزّقني ويحيل جلستي إلى عذاب لا يُحْتَمَلْ. كنت على ثقة بأنّه سيرفض رغبتي في الذهاب إلى دورة المياه. قدّم قدح البيرة بغضب وحدّة. أخذت بشرب بعض محتوياته، وسال الدمع من عينيّ من شدّة الألم.
- أرجوك، أنا لا أقوى على ذلك!
- اشرب يا قبطان.
- أخبرني ماذا تريد؟ أنا إنسان مسالم، أعتقد بأنّي قادرٌ على الاعتراف وتقديم ما هو مطلوب منّي!
- عليك أن تشرب القدح قبل ذلك.
بدأت أرشف البيرة بمقادير قليلة وما زلت أتململ في مكاني، كنت على وشك الانفجار في أيّة لحظة.
- وقّع على هذه الورقة، وعندها ستذهب إلى دورة المياه.
لم أتمكّن من قراءة الأحرف. وقّعت على الورقة بسرعة، ثم وقفت ضاغطًا على أسفل بطني.
أشار إلى بابٍ جانبيّ، ركضت إلى هناك، وأدركت بأنّ قطرات البول الساخن قد وجدت الطريق إلى ملابسي الداخليّة. بقيت في دورة الحمّام ما يقارب خمس دقائق، كأنّي أفرغت بضعة كيلوغرامات من محتويات جسدي. كنت أخشى العودة إلى هناك، والبدء بمعايشة المعاناة مجدّدًا، ولكنّ. كان عليّ مغادرة الغرفة الصغيرة. حاولت تنشيف ملابسي الداخليّة بما توفّر من ورق الحمامات. أحسست بالقذارة تملأ تلافيف ذاكرتي، كأنّي سقطت من مرتفع شاهق إلى هاوية قذرة، كأنّي قُذِفْتُ إلى مكبّ النفايات! يا له من عقاب! كرامتي باتت مهدورة عند مداخل الخيانة. أدركت بأنّني سقطت في براثن الشرق، في زمن الخيانة المصلوبة عند مشارف القرن الواحد والعشرين وما بعد ذلك.
عدت خائفًا، وَجِلا. جلست في مكاني إيّاه، نظرت اليه مباشرة في عينيه.
- أنت الآن في أحضاننا.
- ما الذي تريدونه من بحّارٍ عابر؟
- أنت يا قبطان خطر للغاية. لقد سمعت عنك الكثير، وأشكرك لاستعدادك للتعاون معنا.
- أنا لا أملك أيّة خيارات! توقيعي هو الذي خلّصني من انفجار مثانتي، كان من الممكن أن أروي هذه الغرفة بالسوائل. سوائل ليست مقدّسة يا سيدي!
حاول الضحك، لكنّه أحجم. أخذت درجات الحرارة في الغرفة بالارتفاع، كان قد اطمأن بعد أن تمكّن من تحطيم إرادتي وإجباري على التوقيع. ولم أكن أعلم حتى تلك اللحظة فحوى الوثيقة التي وقعتها. أخذ الدفء يملأ خلايا جسدي، شعرت بالرجفة تهاجمني فجأة، لكنّي سرعان ما عدت إلى سابق حالي.
- نحن في خدمة أمير البلاد وهو حماه الله ورعاه، وأبعد عنه شرّ العباد، ذخرنا الذي نفخر به ولا نقدر على استنشاق الهواء بدونه. لهذا يجب علينا أن نعرف كلّ شاردة وواردة.
- وما الذي يخشاه أمير البلاد؟
هبطت يده ثقيلة وقاسية فوق وجهي قبل أن أنهي كلماتي.
- أمير البلاد حفظه الله ورعاه لا يخشى أحدًا أو شيئًا! هل تفهم يا غبيّ؟
- ولماذا صفعتني بهذه القسوة؟
- أنا الذي يطرح الأسئلة في هذا المكان؟
- وأنا لن أشرب بيرتك حتى وإن قطعت رأسي. لقد وقّعت على ورقة بيضاء قد تحوتي على حكم بإعدامي أو الاعتراف بارتكاب جريمة.
- هل تشكّك بعدالتنا؟
- نعم. أنا أشكّك بعدالتكم وأكره همجيّتكم. أنتم تكرهون العباد والضيوف. أنتم تخشون أخيلتكم وأحلامكم وحريّتكم. أنتم تخشون جمال الحياة المنعكس في مرايا نسائكم!
- بالمناسبة. قاطعني مشيرًا الى مدخل الغرفة. أهذه زوجتك نجوى؟
شعرت بالراحة والقلق عندما رأيت نجوى تحدّق بي باسمة. وسرعان ما شدّتها يدٌ بعيدًا عنّي ثمّ أغلق الباب على عجل.
- نساؤنا لا تعاني من عقد نقص يا قبطان. هذه بلادٌ آمنة بالطبع، وما نقوم به من واجب تجاه الوطن هو حقّ للإمارة علينا، ولن نتنازل عنه لأعداء الوطن مهما طالَ الزمن.
- أين أعداء الوطن يا رجل؟ أنتم تخشون اختفاء أعداء الوطن، لأن هذا يعني اختفاء وظائفكم الأمنيّة؟ كيف أهدّد أمن الإمارة بالله عليك؟ هذا غير معقول.
- هذه مجرّد إجراءات رتيبة ولا بدّ منها. ما الذي تخشاه على أيّ حال؟
- أخشى لون بشرتك الحنطيّ. إنّه لون بشرتي أنا أيضًا.
- ماذا تقصد؟
- أقصد بأنّي لست غريبًا. أو على الأقل، يجب أن لا أكون غريبًا في هذي البلاد!
- وهل تظنّ بأن أهل البلد أبرياء وغير قادرين على إيذائك؟
- لا أظنّ شيئًا. أخبرني لماذا تضيق الشوارع في وجهي؟
ضحك طويلا حتى كاد ينقلب على ظهره.
- لا بدّ أنّك تخبّطت وحاولت مناكدة الشارع. هل أصِبْتَ بأذى؟
- أخشى لون بشرتك. إنّه حنطيّ ولا يختلف كثيرًا عن لون بشرتي. يبدو أنّنا نتحدّث لغة واحدة. لهذا آلمتني صفعتك! لطمت الوجه الذي تجلّى الخالق في صنعه. لطمت الوجه الذي حيّر الفنانين بروعته. عيناي وخدّي وفمي وسائد للإنسانيّة.
- كلّ هذا من أجل صفعة؟
- ربّما كنت غبيًّا.
- بل تافه..
- رجال الأمن يحسنون اختيار الكلمات!
- ماذا تقصد؟
- لا مهادنة. مباشرون في كلّ شيء. لقد أحسن الأمير اختياركم والاعتناء بكم.
- لقد ذكرت الأمير عدّة مرّات في هذه الجلسة. عليك أن تحذر كثيرًا في اختيار عباراتك، وإلا ستتجدّد الصفعات ثانية!
- لقد داهمت الشارع بصدري، ظننته ضيّقًا وغير قادر على احتواء جسدي الضئيل. هل لي بمقابلة الأمير على أيّة حال؟.
عندها وقف كالملدوغ ونظر إلى تقاطيع وجهي متفحّصًا.
- هل تخشى طلبي المتواضع هذا؟ أحيانًا يصبح الجوابُ سؤالا.
- أنت تلعب بالنار يا قبطان!
- لكنّي لا أخشى هذه اللعبة. قوانينها لا تعنيني كثيرًا. يبدو بأنّك قد خسرت الكثير من جنودك في هذه المعركة غير المتكافئة؟
- لا تنسَ بأنّ نجوى بين أيدينا، هي وابنها، أقصد ابنك.
- هل ترغب بتبنّي الجنين؟
- أنت إنسان وقح.
- المهم أنّي إنسان. لقد اعترفت بهذا أخيرًا. والآن، إلى أين نمضي وقد لاحت في الأفق النجوم؟
صمت معذّبي وأدرك بأنّ رياحه تسير بما لا تشتهي السفن. كان يظنّ بأنّ وسائله قادرة على إخضاع روحي المتمرّدة، بالرغم من أنّ وسائله ليست سهلة بل أجدها قاسية ومؤذية للغاية.
ينقلب السحر على الساحر أحيانًا. هدّدني بطاعته المطلقة للأمير والإمارة، فطلبت منه لقاء الأمير وسيّد البلاد! هدّدني بزوجتي التي ترقد في الغرفة المجاورة، فعرضت عليه تبنّي ابني! لم أدرك حتّى اللحظة كنه هذه الأساليب الأمنية، ماذا تريدون من هذه المساءلة؟ ما هو الدور المنتظر أن أمارسه في هذه المدينة؟ أنا مجرّد قبطان وعابر سبيل. شاهدت بأمّ عيني كيف يُقْتَلُ حوت وتُباع أطنانَ لحومه في أسواق البطالة والعمالة والخوف والترقّب. هذا مجتمع غريب ولا املك القدرة على الذوبان بين فئاته. غاب المحقّق عن غرفة التحقيق لبعض الوقت، أغلق الأبواب خلفه واختفى في دهاليز المبنى.
-3-

كانت السيّارة تقلّني مع نجوى إلى الفندق إيّاه، وقبل أن نغادر دمغوا باطن ذراعينا بختم خاصّ. دخلوا إلى مكتب سجلات الفندق وهمسوا في أذن الموظّف. كنت على ثقة تامّة لتبعيتنا للنظام الأمني للمدينة، كانوا يسيطرون ويرقبون جميع تحرّكاتنا ونشاطاتنا.

حين أصبحت ونجوى وحيدين في الغرفة، تبادلنا نظرات طويلة، كانت تشعر بالخوف والفزع، لكنّ نظراتي كانت كافية لإعادة الطمأنينة لروحها وذاتها. في الواقع، كنت أشعر بالغثيان!
- أريد الصعود إلى مركبك والمضيّ بعيدًا عن هذه المدينة.

- تُرى، ما الذي حدث لصاحب الدرك يا نجوى؟

كنت أتمنى في تلك اللحظة، أن أقابل في غربتي رفيق دربي لمشاركتنا خطّتنا المتواضعة المتمثلة بالهرب من هذه المدينة الأمنية. وكانت نجوى تُدْرِكُ بأنّ مركبي لن يغادر بدونه على الأقلّ. كنت أفكّر بصوت مرتفع وأشعر بقلق شديد. كيف لنا بمغادرتها؟ يبدو الأمر مستحيلا وغير قابل للتحقيق!
أخذتها بين يديّ، مسّدت شعرها وجبينها، لم أكن أملك الكثير لأقدّمه لها سوى حبّي ورغبتي بتأمين ما تيسّر من السعادة، كان هذا جلّ ما أملك. طفر الدمع من عينيها وقالت هامسة:
- أشعر باليتم في هذه المدينة يا قبطاني الجميل. كيف يمكن للقسوة أن تكون مشروع حياة؟ كيف يمكن للعشق أن يصبح جملة من العبارات التي تنوء بها أكتاف العباد والرجال؟
لم أجد أجوبة لجميع أسئلتها، لكنّي كنت على ثقة من قدرتي على الخلاص القريب من هذا الكمين الذي وقعت فيه. شعرت بإنسانيّتي مصلوبة عند عتبات هذي المدينة الفانية.
تلك الليلة، طرق الموظّف المسؤول باب غرفتي، قدّم لي ظرفًا مختومًا بصمغٍ مخضّب بالعطر والصندل. سلّمني إيّاه برهبة ووجل، شكرته وأغلقت الباب خلفه. قرأت عنوان المرسل وأدركت لحظتها السبب وراء وجومه. كانت الرسالة قادمة من ديوان الأمير. كانت دعوة موجّهة لحضور حفلة يقيمها الأمير دون ذكر المناسبة بالطبع. يحقّ للأمراء أن يقيموا الحفلات كلّما طاب لهم ذلك، وكان عليّ التواجد خلال اليوم التالي في قصر التشريفات. طلب الأمير مقابلتي بعد أن أفشى له أعوانه ورجال الأمن بما تفوّهت به أمامهم، وما قلته في تلك الغرفة المعتمة.
لم تصدّق نجوى إمكانية حدوث جميع هذه التغيّرات خلال فترة زمنية قصيرة، لكنّها لم تشعر بالفرح واللهفة لمقابلة الرجل الأوّل في البلاد.
نجوى ابنة الجبل والسفوح المفتوحة على تيّارات الهواء المتدفّق من كلّ الجهات، تجد نفسها أسيرة مدينة تحاسبها على دفقات الحريّة التي تتعاطاها ليل نهار. لم يمضِ وقتٌ طويلٌ حتى تلقّيت مكالمة من رجل الأمن البغيض.
- كما ترى نحن لسنا وحوشًا، نتمنّى أن تلبّي دعوة الأمير نهار الغدّ. أرجو أن تتقيّد وزوجتك بأصول البروتوكول المتّبع في البلاط الأميري، سوف أرسل من يتكفّل بتأمين الملابس الضرورية لمثل هذه اللقاءات ليكون مظهركم وحضوركم متناسقًا مع الأصول المتّبعة في مثل هذه الحفلات.
- وإذا رفضت لقاء أميرك يا عزيزي؟ أنا لم أعلن موافقتي بعد!
ألقيت بهذه القنبلة دون تردّد. صمت للحظة، ثمّ سمعته بعد لحظات يتنفّس ويشهق بصعوبة واضحة. كان يختنق غيضًا من جرأتي وحدّتي غير المعهودة!
- قد توقّع شهادة وفاتك نتيجة لهذا التصرّف الأحمق يا قبطان!
- وشهادة وفاتك أيضًا. أنت السبب لدعوتي إلى حفل أميرك، هل نسيت؟
دقّ جرس هاتفه الجوّال، كنت على ثقة من نفوره وحنقه للقائي، وزجّ نفسه في هذا المأزق. من جهة أخرى، كان عدم حضوري يعني غالبًا الحكم عليه بالموت شخصيًّا، وقد يكون رفضي سابقة لم تحدث من قبل! لم تنقضِ على تلك المكالمة سوى ساعة أو يزيد قليلا. حضر إلى طرفي وكان القلق واضحًا في عينيه. كان في حيرة من أمره، كيف يمكن مناورني وإقناعي؟ أخيرًا حزم أمره حين قرأ آيات الجدّ في عينيّ. لم يعد في الإمكان استخدام أسلوب العصا، وكانت الجزرة آخر ما يملك من سلاح. لم أكن أعرف اسمه حتى تلك اللحظة. لم أسأله ولم يكن يهمّني التواصل معه إطلاقًا. بدا وجهه ممتقعًا وقال بعد عناء واضح:
- عدم حضورك لزيارة الأمير..
- لن أحضر للقاء أميرك يا فتى. قلت تلك الكلمات بحزم فاجأني شخصيًّا. لن أحضر ولا أظنّك تملك الأداة التي تجبرني على القيام بذلك!
- أرجوك، ربّما كنت قاسيًا معك بعض الشيء..
- أنت تافه ودنيء!
- هل تحاول الانتقام منّي الآن؟
- الانتقام من ماذا؟ أنا لم أفكّر بهذا الأمر لحظة واحدة. كلّ ما هنالك أنّي أشعر بالغثيان حين تكون بالقرب منّي.
- أرجوك لا تحكم عليّ بالموت، أرجوك يا قبطان!
ركعَ أمامي وكان على وشك أن يقبّل يدي.
- سيعلّقون رأسي عند أوّل شجرة في مدخل المدينة. لم يتجرّأ أحد على رفض لقاء الأمير يا قبطان حتّى اللحظة! وأنا وسيط هذا اللقاء، سيكون هناك حشد كبير. لكنّ هذا لا يعني شيئًا، لأنّ الغياب هو الأهمّ في لائحة المدعوّين يا قبطان. هناك شخصيّات ستحضر من آخر الدنيا لتسجيل..
- لتسجيل طاعتها وعادة ما تغادر نهار اليوم التالي أو بعد إنتهاء الحفل مباشرة. قاطعته بخشونة ودون رحمة.
- نعم، هذه هي الحقيقة.
- عدم حضوري يعتبر بمثابة سيف مسلّط على رقبتك؟
- نعم، هذا صحيح. أجاب بوجل ورجاء.
- هل كنت تتصوّر أنّ مصيرك مرتبط بإرادة ضحيّتك يا فتى؟
- لقد تمكّنت من تغيير كافّة مفاهيمي للحياة. لا أجد سببًا معقولا لقسوتي، يبدو بأنّ السلطة المطلقة تعمي الأنظار يا قبطان، يا لنا من جهلة!
شعرت بالندم يأكل أجناب روحه. لم يكن الخوف هو العامل الوحيد وفي تلك اللحظة قرّرت لقاء الأمير.
بدأت التحضيرات للقاء المرتقب في وقتٍ مبكّر من نهار اليوم التالي، وكان هذا يشمل ارتداء ملابس رسميّة فاخرة وأحذية جديدة لامعة. حتّى أنّهم أخبرونا بلطف، ضرورة زيارة المزيّن لتصفيف شعورنا، لم أصدّق عينيّ حين شاهدت نجوى وقد احمرّت شفتاها ووجنتاها، كنت أفضّل جمالها الطبيعيّ البسيط دون تكلّف. لكنّها بدت لي في تلك اللحظة شخصًا آخر. كان شعرها يقف كالطاووس معربدًا فوق رأسها، كلّ هذا التصنّع من أجل لقاء رجل فاني؟ من أجل مبادلته بضع كلمات عابرة، يا لها من مهزلة! علمت فيما بعد بأنّ اسم رجل الأمن المذكور "سعدي". وكان سعدي هذا قد خفض جناحه لي ممتنًّا، فقد شاءت الظروف أن يكون ضعفي مركز قوّة وتحدّي لا يستهان بهم.
كان بإمكانهم سحبي مكبّل اليدين في حضرة الأمير، لكنّ التحدّي الذي أظهرته قلب الأمور رأسًا على عقب. اعتبرني الأمير نِدّاً له، أو على الأقل شخصيّة تستحقّ المعرفة والمداولة لبعض الوقت. هذه الرغبة تطلّبت إجراءات كثيرة متسلسلة ومتعاقبة، والمثل القائل "مصائب قومٍ عند قومٍ فوائد" يصلح في هذا المقام. كانت مهمّة سعدي التحضير لهذا اللقاء وكان عقابه حال فشل مهمته، لا يقلّ عن العقاب الذي سينالني وزوجتي. لم ألجأ لتصعيد الأمور كيلا يحلّ الأذى عليّ وعلى أعدائي.
كان رجال الأمن يرتدون بزّاتهم السوداء ويضعون على أعينهم نظّارات سوداء قاتمة، وكانت السمّاعات الدقيقة موضوعة عند أصل آذانهم، وعلى ياقاتهم مكبّر صوت صغير للغاية.
غادرت مع نجوى بسيّارة فارهة الفندق، وكان سعدي يجلس إلى جانب السائق في الأمام. كان يرمقنا بنظرات قلقة بين الحين والآخر، وبعد انقضاء نصف ساعة على مسيرتنا توقّفت العربة أمام بوابة قصرٍ كبير.
كلمة السرّ (القبطان)، اقتربنا من نقطة الحراسة الثانية فالثالثة والرابعة. لم أكن أظنّ يومًا بأنّني سأكون محطّ الاهتمام إلى هذا الحدّ. غادرنا العربة وشاهدت نظرات الامتنان في عينيّ سعدي، وسرعان ما وجدت نفسي أقف في طابور طويلٍ من الزوّار. جميعهم كانوا شخصيّات مهمّة ومرموقة، شخصيّات رسميّة تشعرك بسموّ اللحظة ومهابة الموقف! ظننتهم يدلفون إلى داخل صالة الاستقبال الكبرى للسلام على الأمير. لكنّه فاجأ الجميع بظهوره الأميريّ الجليل. بدأ بتحيّة المصطّفين فردًا إثر الآخر وإلى جانبه معرّف ومستشار، ومن الخلف خمسة رجال مسلّحين بمسدّسات حديثة يصعب رؤيتها من تحت ستراتهم الداكنة اللون.
تبادلنا النظرات أنا ونجوى، وبقينا في حالة انتظار وصوله لطرفنا. عرّف مرافق الأمير بالرجل الذي يقف إلى يميننا. كان مدير المطار المدنيّ السيّد أحمد السندسيّ.

صافح المدير أحمد الأمير بحرارة، وأحنى رأسه في محاولة ناجحة لتقبيل يده. ربّت الأمير على كتف أحمد، لم يطل الوقوف عنده كثيرًا. وبعد ذلك، جاء دورنا، "القبطان وزوجته".
مدّ الأمير يده وأطال النظر إليّ، لم أحاول إطلاقًا تقبيل يده بالرغم من النظرات الناريّة التي أمطرني بها مساعده الأوّل.
- إنّه لشرف كبير لي يا صاحب السموّ.
نطقت بتلك الكلمات بطريقة تلقائيّة، كانت نبرة صوتي خالية من أيّ تعاطف يُذْكَرْ. أمّا نجوى فهمست بكلماتٍ مبهمة، ولم تنحنِ هي الأخرى لتقبيل يدِ الأمير.
حسنًا كنّا الوحيدَين اللذان لم ننحنِ لتقديم واجب الطاعة بتلك الطريقةِ البائسة، وكان الجميع يرقبون تداعي الأحداث. ابتسم الأمير ولم ينبسْ ببنت شفة.
سار كلّ شيء على ما أحسن ما يُرامْ خلال تلك الحفلة، وبدأ بعضُ الحضور يلتمِسون العذرَ من الأمير، وغادروا جماعةً وأفراد.
بعد قليل همس سعدي في أذني قائلا بأنّ الأميرَ يرغبُ بمقابلتي على انفراد.
انفضّ الحضورُ من صالة القصر، حضرت سيّدة البلاطِ والبلاد لتتأبّط ذراع نجوى وتتجاذب وإيّاها أطراف الحديث. أمّا أنا فمضيت وسعدي حتى وصلنا إلى مائدةٍ عامرة بكلّ ما تشتهيه الأنفس. جلست في المكان المخصّص لي، تناولت بعضَ العصيرِ الطازج.
لم أنتظر طويلا وسرعانَ ما حضر الأميرُ وجلس قبالتي. طلب من حرسه والمرافقين الابتعاد عن المكان، ثمّ رحّب بي قائلا:
- أنت قبطانٌ غنيّ عن التعريف، حدّثوني عنك كثيرًا. تُرى، ما الذي دعاك للحضور إلى مدينتي يا تُرى؟
- أنا إنسانٌ بسيط ومتواضع يا سعادة الأمير، أطال الله عمرك. أما دخولي المدينة، فجاء محض صدفة. لم أخطّط يومًا للبقاء هنا طويلا. أنا مجرّد عابر سبيل يرغب بالإستراحة برفقة طاقم مركبي وباقي المسافرين والمرافقين لبضعة أيامً معدودة، ثمّ أستمرّ بالسفر والإبحار.
- هل أعجبتك المدينة يا قبطان؟
- طبعًا أعجبتني.
عندها ضرب الطاولة برفق وقال بصوتٍ حادّ:
- دَعْكَ من المجاملة، كيف تجد مدينتي؟
نظرت إلى عينيه بحيرة وقلت:
- تبدو من الناحيّة العمليّة مدينة متطوّرة للغاية، لكنّها في الواقع، مدينة أشباح!
- ماذا؟ ماذا قلت؟!
- هل آمن على حياتي يا صاحب السموّ؟
- نعم، أنت في أمان. تحدّ ث، لقد فاجأتني بكلماتك هذه.
- يملأ الرعب أطراف المدينة وقلبها. قُوى الأمن تسيطر على كلّ شيء في البلاد.
- وهل هذا أمرٌ سيّء، لا بدّ للأمن أن يستبدّ في المدينة حتّى يعمّ الاستقرار.
- لكنّهم يصادرون حريّات الناس يا سعادة الأمير، يحاسبوهم على كميّة الهواء التي تدخل صدورهم، يمنعوهم عن البوح والكلام والفرح. المدينة تكاد تختنق برائحتها وعرقها وبرازها يا سعادة الأمير.
- هذا كثير!
- سعادتك طلبت رأيي بصراحة؟
- التقارير الواردة تشير إلى أنّ أعداء البلاد لا يقوون على الاقتراب.
- سعادة الأمير، لقد تجوّلت كثيرًا حول العالم، ولم أنتهِ من تجوالي وترحالي بعد! أعتقد أنّ الإنسان هو الذي يخلق الأعداءَ والأصدقاء على حدّ سواء.
- ماذا تقصد يا قبطان؟
- أنا لا أرى أعداءً يهدّدون بلادك يا سعادة الأمير! أرى بأنّ الوضعية الأمنية أكذوبة أوجدتها أجهزة الأمن كي يستمرّون في احتكار الامتيازات، صدّقني يا سعادة الأمير، يصعبُ على الحاكمِ البقاء على العرش بسلاح الخوف والعنف. قد ينكسر السيف يومًا، عندها لن يبقى في الأفق سوى شعبك وأهلك! لا تفرّط بهذه الثروة! المدينة تبحث عن وجهها وحضارتها ورونقها المسلوب.
- لا بدّ أنّك قرأت حكايات ألف ليلة وليلة!
- نهايتي حبل المشنقة أو النفي من البلاد دون العودة يومًا ما مجدّداً!
هناك احتمال آخر، أرجو أن تبقى في البلاد أطولَ مدّةِ ممكنة، أرجوك أن تقبل بمنصب مستشاري الخاص يا قبطان؟ أنت إنسان متنوّر، كُنْ ضيفي في هذا البلاط. هل تقبل؟
- سيدي، يا صاحب الإمارة، لقد جازفت بحياتي حين عبّرت بصراحة بما لديّ من أفكار، وانا على ثقة من أنّ هناك الكثير من أهل مدينتك المخلصين القادرين على تقديم الاستشارة والنصيحة. عليك أن تتمعّن في وجوه مريدينك. صحيح أنّ هناك الكثير ممن يركعون لسعادتكم ليلَ نهار! لكن لا بدّ من وجود بعض المخلصين ذوي الضمائر الحيّة. هم وحدهم قادرون على خدمتكم لأنّهم يُدْرِكونَ معنى الحياة الحرّة الكريمة. لا أظنّ أنّ قبطانًا كثير التجوّل والترحال قادرٌ على البقاءِ في مكان واحد وتقديم العون والإستشارة. الطريق واضح وسهل يا حضرة الأمير.
هزّ الأمير رأسه موافقًا. أضفتُ قائلا:
- لماذا لا تمدّ جسور المحبّة والودّ مع العالم الخارجيّ، من السهلِ معاداة الآخرين، لكنّ المحافظة على المشاعر الإيجابيّة في هذا العالم المتغيّر هي التحدّي الأكبر! قد يبدو كلامي طوباويًا، لكن لا بدّ من الإبقاء على علاقات حسن جِوار وعلى كافّة الأصعدة. العالم كبير يا سعادة الأمير ويستحقّ عناء الاكتشاف والمعرفة. عدا عن ذلك، أنتم بحاجة لحلفاء هذه أهمّ معالم قوانين اللعبة السياسيّة.

أطال الأمير النظر إلى عينيّ وقال:

- لقد حاصرنا أنفسنا طويلا في هذه البلاد، مضى علينا دهرٌ من الزمن، طال ويكاد لا ينتهي. أوجدنا أعداءً وهميين كثر! كنت على ثقة بأنّنا مستهدفون طِوالَ الوقت. أصبحتُ أخشى شوارعَ مدائني، أخشى صخبَ الحياة والأفراح على جنبات الطريق. لهذا منعتها وفرضت غرامات كبيرة ضدّ المخالفين، لأنّي لا أقدر على المشاركة. أمرت بقطع أعناق الأشجار وجزّ جذورها كيلا تصبح مأوى للغرباء، وها أنت الغريب تأتي من المجهول بقلبٍ مليء بالحبّ والسلام! أخبرني عن رحلتك الأخيرة. كيف وجدت نفسك بيننا؟
ابتسمت في تلك اللحظة، شعرت بالحبور والرِضا يملآن روحي وقلت:
- إنّها إرادة البحر يا سعادة الأمير، للبحر قوانينه الخاصّة. يفرضها دون قيد أو شرط. دفع حوتٌ أزرقٌ منتحرٌّ قاربي إلى شواطئكم. كانت المياه الملوّثة قد أزهقت روحه، كان يشعر بأنّه مدين لنا لأنّنا أظهرنا الرغبة لمساعدته.
- وكيف كان انطباعك الأول يا قبطان؟
- فاجأتني رطوبة المدينة وجفاؤها. شعرت أنّها حقيقة مدينة غرباء، ثمّ أخذت الشوارع تلاحقني وتُضيّق الخناق عليّ! وكان أن قابلت رجال الأمن الذين يملئون جميع نواحي المدينة، قبضوا علينا. وصلنا لقصرك في نهاية المطاف بعد أن أظهرنا الرغبة بالتحدّي والمواجهة.
- أخبروني بأنّك تحدّيت إرادتي!
- نعم، لقد فعلت. لكن ليس رغبة في سلطة أو مال أو جاه. كنت أحاولُ الحفاظَ على إنسانيّتي وكرامتي. كنت أحاولُ البحثَ عن ظلّ الله في بلادك المحفوفة بالخوف والهلع!
- لديّ سؤالٌ آخر يا قبطان؟ نظر إليّ مطوّلاً، قرأت عبارات الرجاءِ في عينيه قبل أن يقول:
- ما ثمن الحكمة؟
بادلته نظرات مليئة بالحيرة والسكينة. كان هذا من أصعب الأسئلة التي واجهتها يومًا ما.
- ثمن الحكمة يا أميرنا؟
- نعم، ما ثمن الحكمة؟
- لا يوجد ثمن ماديّ ومحسوس للحكمة يا سعادة الأمير. هذا سؤال صعب للغاية! لا أدري ما ثمن الحكمة. قد أحتاج لمزيد من التجربة والتيه كي أتمكّن من الإجابة على سؤالك أيّها الأمير!
أطرق الأمير مفكّرًا ولم يُضِفْ شيئًا.
- ماذا يمكنني أن أقدّم لك؟ قال الأمير دون أن ينظر إلى عينيّ مباشرة.
- أنا لست في عجلة من أمري يا سعادة الأمير. أرغبُ بالبقاء في المدينة لعدّة أيّام أخرى. أنتظر رياحي كي أغتنمها! أرجو أن تسمح لي بالمغادرة يا أمير البلاد.
- كما تشاء يا قبطان. أنت دائمًا على الرحب والسعة.
انضمّت الأميرة ونجوى إلينا في وقتٍ لاحق، وبقي الحديث يتراوح ما بين السمر والودّ والمجاملات الرسميّة المتصنّعة بين الحين والآخر، لكن الألفة بقيت مخيّمة على المكان، ومضى الليل إلى نهاياته المعهودة.
- ربّما أتمكّن من رؤيتك ثانية قبل أن تغادر المدينة يا قبطان؟
- هذا شرفٌ كبير لي يا سعادة الأمير.
بعد بضعة أيام، لاحظت أنّ وزارة الأشغال بدأت بزرع الأشجار في شوارع المدينة. شعرت بالحياة قد بدأت تدبّ عبر شراييني المتحجّرة، حتّى أنّ الدمعة سالت من طرف عيني. سالت ساخنة، حرقت وجنتيّ بصمت. أنا لا أحسن البكاء، ونادرًا ما تداهمني الدموع! مشاعري تلك حقيقية، يبدو أنّ منظر فسائل الأشجار كان باهرًا وبريئًا. بدت كالأطفال تشجو بأصواتها الرخيمة الصاخبة.
مساء ذلك اليوم، زارني سعدي في الفندق. اتّصل بي من مكتب الاستعلامات طالبًا مقابلتي. قال على استحياء:

- هل لنا بتناول فنجان قهوة يا سيّدي القبطان؟

- أكاد لا أفهم دعوتك، ما وراؤك يا سعدي؟

- لقاء شخصيّ يا قبطان، لن أسرق من وقتك الكثير، أعدك بذلك!

قرأتُ عبارات الرجاءِ في عينيه، وافقت على المضيّ معه إلى مقهىً قريبٍ من الفندق. جلسنا دون أن يتفوّه أحدنا بكلمة. وجدت أنّه من الضروري كسر حاجز الجليد الذي كان يفصل بيننا. فقلت بهدوء:
- ماذا وراؤك يا سعدي؟
- أرجو أن لا أكون قد أثقلت عليك لكنّي أردت أن أشكرك.
- تشكرني! لماذا يا سعدي؟ ما الداعي لكلّ هذا؟
- أتذكر حين صفعتك على وجهك؟
- وكيف لي أن أنسى؟
- قلت لي أنّ الوجه قد أبدعه الخالق!
- نعم، أذكر ذلك.
- الصفعة هي أقلّ عقاب ممكن في قاموس التنكيل والتعذيب الذي نمارسه في أجهزتنا الأمنية. عادةً ما نركل ونضرب ونستخدم الكهرباء من أجل انتزاع الاعترافات لجرائم لم تُرْتَكَبْ! مارستُ أنا شخصيًا أسوأ أنواع التعذيب التي قد تخطر على بال إنسان. لكنّ كلماتك كانت رادعًا كبيرًا، أصبت بصدمة حين قارنت بين الوجه وإرادة الخالق. تلك الصفعة كانت أقلّ خطيئة قُمْت بها. لا شيء يُذْكَر أمام عمليّات التعذيب التي نتقنها بحرفية مطلقة. شعرتُ آنذاك بالألم يتسلّل إلى خلايا يدي بعد أن صفعتك، وكأنّ الطريق المظلم إيّاه قد أصبح منيرًا أمام ناظريّ.
- سعدي! قد أكون قد ساعدتك في صحوة الإنسان الحائر في ذاتك. وهذا بحدّ ذاته يدلّ على أصالة جوهرك. كلّنا يمرّ بمراحل مختلفة خلال مشوار الحياة الذي قد يطول أو يقصر، لكن الإنسان في لحظة ما قادر على تغيير مسرى حياته نحو الأفضل، وقد لا تأتي هذه اللحظة أبدًا. أنتَ محظوظٌ لأنّك اكتشفت ذاتك وتوقفت عن التسبّب بالألم والمعاناة للآخري بسبب وبدون سبب! أشعر بالعناء حين أقوم بدور المعلّم والمرشد! حاولت فقط التحدّث بلسان حالك ويبدو بأنّني قد نجحت!
- نعم، أعتقد أنّي قد اقتنصتُ اللحظة. لقد طلبت الاستقالة من مركزي الأمني. أنا غير قادر على الاستمرار بهذه الطريقة. هذا المركز يتطلّب التخلّي عن المشاعر الإنسانيّة باسم الوطن والقانون. في مؤسستنا يبقى المتّهم مذنبًا حتى بعد أن تثبت براءته!

- ربّما تتحسّن الأمور في البلاد، التغيير يحتاج لمزيد من الوقت!

- يقوم الأمير بتغييرات سطحيّة ومزاجيّة ما بين الوقت والآخر. الحكم في البلاد يا عزيزي مركزيّ، وسيبقى الأمر كذلك. أعتقد أنّ التغيير يجب أن يبدأ من القاعدة العريضة من الشعب. لكنّ الخوف والرتابة ومشاكل الحياة اليوميّة تفرض التبعيّة والانسياق في هذا النمط الشرقي الخاصّ ذي النكهة التسلطيّة.

- يبدو بأنّك غاضب! كأنّك لم تكن يومًا جزءًا من الجهاز الأمني في هذا البلد!

- أدرك بأنّ شراستي موجّهة ضدّ الضعف أكثر ما تكون موجّهة ضدّ شخصٍ معيّن. ضعفي وضعف الآخري وفشلنا في مواجهة الحكم الإستبداديّ! لكنّي أبقى كالنورس التائه في السماء حين يحطّ خلال شهر شباط على الشواطئ الباردة. نورس واحدٌ لا تبشّر بصيف!

- ربّما يجب ترك الفرصَة سانحة أمامَ الأمير. قد يكونُ هو الآخر محقّ.

- أتمنّى أن تكون الأمور كما ذكرت، أرجو أن تسمح لي الآن بالذهاب، واعلم يا قبطان بأنّ في جعبتي أسئلة كثيرة.

- أرجوك، قُلْ كلّ ما لديك يا سعدي.

- هل هناك متّسع لشخص آخر فوق مركبك؟ دعني أصعد لمركبك حين يقترب الوقت لإبحارِك. أريد الابتعاد عن هذه المدينة، وأرجو أن يبقى هذا الأمر طيّ الكتمان بغضّ النظر عن إجابتك.

- أهلا وسهلا بك على مركبي. سيتمّ ذلك في وقتٍ قريب يا سعدي.
ابتعد سعدي عن المكان وبقي مترقًبًا ينظر ذات اليمين وذات اليسار. ربّما كان يخشى في تلك اللحظة صخب ضميره ونتائج قراره المفاجئ بالاستقالة والابتعاد عن أجهزة الأمن نهائيًا. في الواقع لم هناك من يراقبه سواي! ولم أنسَ ولو للحظة واحدة بأنّ الرقابة الذاتيّة هي الأدهى والأمرّ.
لا يمكن لطائر نورسٍ واحد أن يبشّر بفصل الربيع، واستقالة سعدي لا تعني الكثير لنظام السلطة الحاكم! هناك العشرات الذين ينتظرون الفرصة لملء الفراغ الذي سيتركه هذا الرجل وكان هو يعرف هذه الحقيقة.

سألتُ البعضّ عن الفسائل التي زُرِعَتْ وسط الشوارع وفي الساحات. ابتسموا وفضّلوا عدم الإجابة. هذه هي الرقابة التي تحدّثت عنها. الرقابة المزروعة في عمق الذات والوعي الداخليّ للمواطن. انعدام الثقة بالسلطة والرهبة من التعبير عمّا يعتمل في القلب، حتى وإن كانت المشاعر إيجابيّة وتصبّ في المصلحة العامّة للبلد، كانوا طوال الوقت كأنّهم ينتظرون فعل أمرٍ ما. ارقص، افرح، اطرب، لا تفكّر بنهار الغد كثيرًا، مارِس حياتك دون خوفٍ أو وَجَلْ.
انقضى يومان آخران وأنا في حيرة من أمري. لا أدري إذا كان موعد الانطلاق قد حان، أم أنّ الوقت ما يزالُ مبكّرًا للإبحار.
انقضى النهار والحيرة تأكلني، عمّ الوجوم في الفندق والشوارع المحيطة. سمعتُ إطلاق نيرانٍ كثيفة، كانت عربات الجيب العسكريّة الصغيرة تجوبُ المدينة. شعرت بالرعب وقد حطّ ضيفًا ثقيلا في كافّة أنحاء المدينة!
ندِمتُ في تلك اللحظة على تلكّؤي بالهرب من هذه المدينة ذات اللون الحنطيّ!
ما الحاجة لهذا العدد الكبير من الشرطة وقوات الطوارئ، التي أربكت المدينة بكاملها؟
لم أجرؤ نهارَ ذلك اليوم على الخروج من إلى مركز المدينة، ولم أكن الوحيد الذي اختفى عن الأنظار وعند المساء، لم أتمكن من التحكّم بأعصابي وذهبت أستطلع الأمر. عندها علمتُ بأنّه قد جرت محاولة اغتيال فاشلة ضدّ الأمير. وسيتمّ قريبًا تعليق الانقلابيّين على أعواد المشانق!
كانت عناصرُ الجيش والأمن تُراقِبُ الطرق مصوّبة بنادقها في جميع الاتّجاهات.
بعد أيام ظهرت للعيان مناظر المشانق الباردة والمرعبة، كانت تنتظر ضحاياها ببرودة مخيفة!

نظرت إلى الأفق البعيد، لاح لي البحر بحلّته الزرقاء وكبريائه المعهود. تُرى، هل كان عليّ مُراقبة مناظر الموت المنتظرة؟
أكرهُ هذه اللحظات الثقيلة، كأنّ الزمن توقّف عن مُقارعةِ الإنسان والإنسانيّة. كلّ شيءٍ توقّف عن التطوّر والمضيّ نحو مستقبل آخر!
توقّفت الوزارات عن العمل، أغلقت المحال التجاريّة أبوابها. كانت المدينة كتلة رماديّة، مقيّدة بضبابيّة جنون مُطْبِقْ. وكان الجميع يستعجلون الموت من أجلِ الحياة. يا لها من مُفارَقَة.
لا أدري إن كان بإمكاني مقابلة الأمير خلال الأيامِ العصبية المتسارعة! كنت أفضّل البقاءَ بعيدًا عن عالم الأمراء، لا بدّ أنّه يعيش في حالة من الشكّ تّجاه كلّ ما حوله.
حاولتُ معرفة موعد الإعدام العلنيّ. فاجأني الكثير حين أخبروني بأنّ يوم غد هو اليوم المشهود. حاولت معرفة أسماء الأشخاص الذين شاركوا في محاولة الانقلاب والاغتيال الفاشلة. قالوا بأنّ وزير الدفاع شارك شخصيًّا في تلك المحاولة. كاد أن ينجح لولا بسالة الحرس الخاصّ، الذين بذلوا كلّ ما بوسعهم للدفاع عن حياة الأمير. دافعوا عنه بأجسادهم ووقعت خسائر عديدة بينهم.
شعرت بالأسى الشديد. علمت أيضًا بأنّ سعدي دفع حياته ثمنًا لهذه البطولة قبل مغادرته المدينة بأيام، يا لها من حكاية بائسة! ابتلعت عبراتي المخنوقة، حاولت منع نفسي عن الاختناق في لجّة المكان.
أدركتُ بأنّ هذه المدينة تأكل لحمي وروحي، مدينة لا تتوانى لحظة عن نهش وجودي ليلَ نهار، كأنّ الزمن توقّف عند حافّة الطريق. أصبح هاجسي الوحيد الابتعاد عن المدينة في أقرب وقتٍ ممكن.
أخيرًا تمكّنت من مقابلة صاحب الدرك، كان يحدّقُ في جميع الجهات وفي الوجوه المحيطة من حوله. كانت هناك حشودٌ غفيرة تحدّق بالمشانق التي رُفِعَت في وجهِ السماء.
- عاشَ الأمير، عاشَ، عاش.
أخذت الجماهير تردّد هذا النداء، وتمكّنتُ من الوصول لصاحب الدرك. أمسكته من طرف ياقته، وما أن أدرك وجودي حتى رمى بنفسه في أحضاني باكيًّا.
- أين اختفيت يا قبطان؟ أين أنت بحقّ السماء؟
عرفت مكان إقامته وطلبت منه مراقبة مركبي. أخبرته بأنّي سأغادر المدينة قريبًا. أخبرته أيضًا بمكان إقامتي، لكنّي نصحته بعدم الحضور لزيارتي. سألني إذا كنت سأحضر حفلة الإعدام الجماعيّة المنتظرة؟ فأجبته بأنّ هذا آخر ما أفكّر به. اختفى بعد ذلك، وعدت أنا إلى الفندق. كنت قلقًا بخصوص نجوى بعد أن تقدّمت بالحمل!
توقيع هدى نورالدين الخطيب
 
[frame="4 10"]
ارفع رأسك عالياً/ بعيداً عن تزييف التاريخ أنت وحدك من سلالة كل الأنبياء الرسل..

ارفع رأسك عالياً فلغتك لغة القرآن الكريم والملائكة وأهل الجنّة..

ارفع رأسك عالياً فأنت العريق وأنت التاريخ وكل الأصالة شرف المحتد وكرم ونقاء النسب وابتداع الحروف من بعض مكارمك وأنت فجر الإنسانية والقيم كلما استشرس ظلام الشر في طغيانه..

ارفع رأسك عالياً فأنت عربي..

هدى الخطيب
[/frame]
إن القتيل مضرجاً بدموعه = مثل القتيل مضرجاً بدمائه

الأديب والشاعر الكبير طلعت سقيرق
أغلى الناس والأحبة والأهل والأصدقاء
كفى بك داء أن ترى الموت شافياً = وحسب المنايا أن يكن أمانيا
_________________________________________
متى ستعود يا غالي وفي أي ربيع ياسميني فكل النوافذ والأبواب مشّرعة تنتظر عودتك بين أحلام سراب ودموع تأبى أن تستقر في جرارها؟!!
محال أن أتعود على غيابك وأتعايش معه فأنت طلعت
هدى نورالدين الخطيب غير متصل   رد مع اقتباس