التسجيل قائمة الأعضاء اجعل كافة الأقسام مقروءة



 
إطلاق مسابقة نور الأدب 2020 للشعر موضوعها: " صفقة القرن "
عدد مرات النقر : 123,304
عدد  مرات الظهور : 66,352,220

اهداءات نور الأدب

العودة   منتديات نور الأدب > جمهوريات نور الأدب... > جمهوريات الأدباء الخاصة > أوراق الباحث محمد توفيق الصواف > قصص قصيرة
إضافة رد
 
أدوات الموضوع
قديم 02 / 12 / 2016, 53 : 06 PM   رقم المشاركة : [1]
محمد توفيق الصواف
أديب وناقد - باحث متخصص في السياسة والأدب الإسرائيليين- قاص وأديب وناقد -أستاذ مادة اللغة العبرية - عضو الهيئة الإدارية في نور الأدب


 الصورة الرمزية محمد توفيق الصواف
 





محمد توفيق الصواف is just really niceمحمد توفيق الصواف is just really niceمحمد توفيق الصواف is just really niceمحمد توفيق الصواف is just really niceمحمد توفيق الصواف is just really nice

حكاية المنصور...


[align=justify]القصة التاسعة في مجموعتي (ميت في إجازة) الصادرة عن دار المسبار، في دمشق، (2004).[/align]

[align=justify]على مَبْعَدَةٍ من قصره المُنيف، وفي ركنٍ مُنعزل بأقصى الطرف الجنوبي لحديقة القصـر الغناء، شَيَّدَ المنصور بن عبد العزى بن بعل بن خالصة بن هبل الأكبر، قُصَيْراً بيضويَّ الشكل، تعلوه قبةٌ أنيقة من الذهب الخالص، تنفتح، في محيطها، من الأسفل، نوافذُ صغيرةٌ أشبه بالكوى، مصنوعةٌ من الزجاج المُلوَّن بألوان قوس قزح... أمَّا جدران هذا القُصَير المدهش، فكانت الخارجيةُ منها مكسوةً بالرخام الصافي المصقول بعناية فائقة، والمنقوش عليه بخطوط جميلة حكمٌ ومواعظُ أخلاقية مستقاة من كتب دينية وتربوية شتى.. في حين كُسيت الجدران الداخلية بالمرمر، وقام أبرع رسامي البلاد ونحاتيها، بتصميم عدد من اللوحات النافرة البديعة، فوق تلك الجدران المرمرية، تجسد رجالاً ونساء وأطفالاً، في أوضاع جنسية مثيرة، بعضها معروف، وأكثرها شاذ...
ومع أنَّ المنصور قد أَطْلَقَ على قُصَيره هذا اسم (الخلوة المُشَـرَّفَة)، وأكَّد لحاشيته ولأهل البلاد، مراراً، أنه بَناهُ لكي يخلوَ فيه إلى نفسه مُفكراً في شؤون الناس وأحوالهم، ومُخَطِّطاً لهم مستقبلهم الزاهر، فإنَّ أحداً لم يُصدِّقْه، ولكنْ لم يجرؤ أيٌّ منهم على إظهار عدم تصديقه علناً... أما في أحاديثهم السرية التي كانوا يتبادلونها، بعيداً عن عيون المنصور وآذانه المبثوثة في كلِّ مكان، فكانوا يَروون العجب العجاب عما يمارسه، في (خلوته المُشَـرَّفَة)، من ألوان العهر والدعارة والمجون، مع واحدة أو أكثر من جواريه ومحظياته، وأحياناً مع بعض خصيان قصره... ومن جملة ما يسوقونه من حجج تُؤكِّد ظنونهم وتدعم أحاديثهم، أنَّ أحداً من أهل القصـر، عَدَا الجواري والخصيان، لم يَسمح له المنصور بدخول الخلوة، وخصوصاً حين يكون فيها...
وها هو المنصور، يمضي ذات صباح مُشرِق، يهزُّ رِدْفَيهِ الثقيلين، تاركاً لكرشه الكبيرة أن تتقدَّمه، في الطريق إلى خلوته (المُشَـرَّفَة)، حيث تنتظره فيها جاريته الرائعة الجمال (نُهَيْدَة)..
و(نُهَيْدَة) فتاة غير عادية، تماماً كأبيها السياف (مسعود) الذي كان يُلازم المنصور أكثر من ظِلِّه، والذي كان له، وحده، من سائر الخلق، شَرَفُ الجلوس قرب باب الخلوة حارساً لمولاه حين يدخلها.
وثمة من يزعم أن نُهَيْدَة ليست ابنة مسعود بدليل التناقض المذهل بين جمالها وقبحه، وأنَّه جاء بها من قبيلة اشتُهِرَت بجمال نسائها وبممارستهن الدعارة، وتَبَنَّاها لغاية في نفسه، لم يُفصح عنها لأحد، ولهذا سَهُلَ عليه أن يُقدِّمها للمنصور جارية، زاعماً أنَّه ما فعلَ ذلك إلَّا تعبيراً عن حبِّه وولائه له؛ وهذا غير صحيح، كما يُؤكِّد كثيرون.. كما ليس صحيحاً أيضاً ما يُشيعُه البعض من أنَّ مسعوداً قد أُكره على تقديمها له إكراهاً، بعد أن رآها المنصور مصادفةً في حديقة قصره، وأُعجِب بجمالها إلى حدِّ الهوس.. والله أعلم....
على أيِّ حال، صارت نُهَيْدَة، بعد فترة وجيزة من دخولها في حريم المنصور، أعلى جواريه منزلة، بما كانت تتمتع به من مواهب فريدة، أولها الصوت الجميل، وأهمها القدرة الفائقة على الإثارة والإمتاع في السرير.. ويقال إنَّها قد أدخلت الكثير من التغيير على معارف المنصور الجنسية، وأنَّها طَوَّرَت له هذه المعارف ومَكَّنَتْهُ من تطبيقها ممارسةً، حتى صار، في هذا المضمار، فناناً بارعاً، لا يشقُّ له غبار، ولا يُدرَك لقدراته قرار...
ولهذا كان المنصور، وهو في طريقه إلى الخلوة، صباح ذلك اليوم، يسير سابحاً في خياله، مُتَمَتِّعاً بتَصَوُّرِ ما سيُمارسه مع نُهَيْدَة... ولو أنَّ أحداً من رعيته رآه على تلك الصورة، وهو يسير، لَمَّا صَدَّقَ عينيه، دهشة واستغراباً؛ فقد كان المنصور يبتسم بجذل، ويفرك كفيه، لا إرادياً، ببعضهما، غير شاعر باللعاب الذي كان يسيل من طرف شفته السفلى، مُتَحَلِّباً من خيالاته المثيرة.. ولشدة ما بلغَتْ إثارته، فقد التَفَتَ إلى سيافه الرهيب مسعود الذي كان يقف عند باب الخلوة شيطاناً من لحم ودم، وقال له آمراً:
ــ لا تَدَعْ أحداً يزعجني، حتى ولو ماتت الملكة..
هزَّ الشيطانُ مسعود رأسَه الكبيرة، مُظْهِراً لمولاه الطاعة والامتثال، وهو يقول بصوته الصلد:
ــ أمرُ مولاي..
ثم أغلق باب الخلوة على المنصور، وجلس يَفُحُّ كثعبان ضخم، دائراً بعينيه، في كلِّ الاتجاهات، راصداً لها ومُستطلعاً...
وفي الداخل، وعلى السرير الفسيح المصنوع من المرمر، والمُجَلَّل بطنافس الحرير المحشوة بريش النعام، جلس المنصور، بعد أن نَزَعَ تاجَ مُلْكِه عن رأسه، سامحاً لنهيدة أن تُمَتِّعَ ناظريها برؤية صلعته البهية.. ثم ابتسم، كاشفاً عن أسنانه الأمامية الكبيرة، فصار وجهه ثوراً هائجاً.. مدَّ يده الكبيرة ذات الأصابع القصيرة والغليظة نحو نُهَيْدَة، مشيراً لها بأن تدنو منه، فامتثلت، تتهادى غنجاً وتشعُّ إثارة، بغلائلها الشفافة التي تكشف عن مفاتنها بإغراء؛ وحين صارت قُبالته، تركَتْ ليدهِ أن تغوص مُتَلَذِّذَةً ببضاضة لحمها الأبيض، فيما انحنت هي فوق صلعته البهية، وطبعت في وسطها قبلة طويلة، رسمَتْ بها شَكْلَ شفتيها بأحمر الشفاه السميك الذي دلكتهما به، على تلك الصلعة الناصعة، مانحةً إياها شكلاً سريالياً، إذ صار يُهيَّأ لمن ينظر إلى رأس المنصور، عن بُعْد، أنَّ له فَمَيْن، أحدهما في المكان الطبيعي من وجهه، والآخر، ينفتحُ أحمرَ قانياً، وسط رأسه الأصلع...
وفيما استغرق المنصور بتعرية نُهَيْدَة، كانت هي تَتَقَصَّفُ بين يديه، وتَتَحَكَّكُ به، مثيرة فيه الشهوة حتى مُخِّ عظامه (الطاهرة)...
وفجأة، وفي ذروة استغراقه الشَّهَوِيّ، تناهى إلى سمعه الموقَّر صوتُ نقرات وَجِلَة على باب الغرفة... ارتبك لحيظة، داهمه بعدها غضبٌ حاد، وإحساسٌ بالحنق والغيظ شديد، إذ أخرجَه صوت النقرات من استغراقه، وأفسدَ متعتَه... لذلك، ودون أن يَتَبَيَّنَ هوية الطارق، أو يحاول استفهام سبب تجرؤه على اقتحام الخلوة المُشَـرَّفَة، رغم وجود مسعود على بابها حارساً، صاح بصوت جاف، بادي الانزعاج والغضب، آمراً سيافه:
ــ اقطعْ رأس الطارق يا مسعود..
مرَّتْ لحظاتٌ متوترة، قبل أن يتناهى إلى سمعه صوتُ ارتطامِ رأسٍ آدمي برخام أرض الخلوة، تلاه صوت سقوط جسد ثقيل، عاد الهدوء بعد تلاشيهما، عميقاً، ليعود الجليل إلى عبثه بمفاتن نُهَيْدَة...
لكنَّه ما كاد يستغرق في متعته، حتى سمعَ، من جديد، نقراً على الباب، اضطرَّه هذه المرة إلى الارتداد جَفِلاً عن نُهَيْدَة، ليصيرَ مرجلاً يغلي وبركاناً ثائراً، وهو يصيح من أعماق غيظه وغضبه:
ــ اقطعْ رأس الطارق يا مسعود..
وكما في المرة السابقة، مرَّت لحظات قبل أن يسمع صوت ارتطام رأس آدمي آخر برخام أرض الخلوة... ولكم صار إحساسه بالدهشة عظيماً، حين عاد النقر على الباب يُفسِد عليه متعتَه للمرة الثالثة..
صار وحشاً مفترساً، هذه المرَّة، وصارت عيناه كُرَتَي نار، فاندفع عارياً يريد الخروج لقطع رأس الطارق الثالث بنفسه، لولا أن أدركته نُهَيْدَة، في اللحظة الأخيرة، مُهَدِّئَةً، فاكتفى بالصياح ثالثة:
ـ اقطعْ رأس الطارق الثالث يا مسعود، وإذا سمحْتَ لرابع بالوصول إلى باب الغرفة، فسأخرجُ وأقطعُ رأسَك قبل رأسه، هل فهمت يا مسعود...؟
وأتاه صوت مسعود جافّاً مختنقاً برعب مفاجئ، وهو يقول:
ــ أمر مولاي...
وبالفعل، صَفَا الجوُّ للمنصور، بعد ذلك، فانصرف يتابع جهادَه (المُقَدَّس)، دون إزعاج... حتى بلغَ ذروتَه، فقام عن نُهَيْدَة إلى مائدة حَوَتْ كلَّ ما لذَّ وطاب، أكلَ هنيئاً وشرب مريئاً، ثم نام طويلاً.. وحين صَحَا، سَاعَدَتْه نُهَيْدَة على ارتداء ثيابه، فقَبَّلها بين عينيها، واستدارَ جهةَ الباب، فَتَحَهُ، وخرج... وما كادت تقع عيناه على الرؤوس الثلاثة التي أمرَ بقطعها، حتى صرخ مصعوقاً، ثم شَهَقَ شهقةً عظيمة، غاب بعدها عن وعيه تماماً.. فقد كان أصحابُ تلك الرؤوس الثلاثة، هم: كبير وزرائه، وجلالة الملكة، وابنه الأكبر/وَلِيُّ عهده وخليفته...
حين صحا المنصور من غيبوبته التي استمرَّتْ يومين متتالين، رأى وجهه في عيون المحيطين به من أطباء ومقربين، بشعاً ومقززاً.. وحين هَمَّ بأن يتحرك، أدركَ أنَّ جسدَه خرقةٌ مبلولة لا حول لها ولا قوة.. ورجعَتْ إلى ذاكرته صورُ الرؤوس المقطوعة، فانفطرَتْ كَبِدُه، وتمزَّق قلبه.. وحين سمع صوت كبير أطباء قصـره، ينصحه بضـرورة البقاء في فراشه أسبوعين، على الأقل، تحوَّل إلى فأر مذعور يبحث عن جُحْرٍ ليغيبَ فيه عن أنظار مَن حوله الذين رآهم يتحوَّلون إلى قطيع من القطط المتوحشة الجائعة..
ومرَّ الأسبوعان عليه كقرنين، أَجبرَ جسدَه الواهن بعدهما على التماسك، وسَلَّط إرادته على أعصاب رجليه، فحملتاه بخطوات متثاقلة إلى كرسي عرشه الذي ما إن استقر فوقه، حتى أرسلَ طالباً مثول خازن أسراره بين يديه.. وما هي إلا هنيهة، حتى حضر الخازن ملبياً، وأمام قدمي سيده ظلَّ ساجداً، حتى سمعَ الأمرَ يدعوه إلى النهوض، فاستقام واقفاً مُطَأْطِئَ الرأس...
وبصوت يخرج من بئر الحزن التي حَفَرَتْها الفاجعة في قلب المنصور، سأل الخازن:
ــ ما الذي دَفَعَ أحبابي ــ رحمهم الله ــ إلى اقتحام خلوتي، في ذلك اليوم المشؤوم؟
تلعثمَ الخازن، في البداية، وتطايرت نفسه شعاعاً، لكنَّه سرعان ما استجمع شجاعتَه مُلَمْلِماً شظاياها، ليقول للمنصور:
ــ صَبَّرَ اللهُ قلبَ مولاي، وشفى جروحَكم..
في ذلك اليوم، وبُعَيدَ دخولكم الخلوة المُشَـرَّفَة، وصلَ خبرٌ إلى القصر يقول: إنَّ أهل البلاد قد خرجوا إلى الشوارع ثائرين مُحتَجِّين على أمركم السَّنِيِّ برفع أسعار الخبز والماء... وخوفاً من اتساع دائرة الاحتجاج، ورغبةً في تطويقه وإخماده بسـرعة، قبل أن يتحوَّل إلى عصيان، فثورة، هرعَ كبيرُ الوزراء ـــ رحمه الله ـــ لإبلاغكم بما يجري، كي تتداركوا الشـرَّ قبل انتشاره، فلما قتله مسعود امتثالاً لأمركم المُعَظَّم، واسْتَبْطَأَتْه جلالةُ الملكة ـــ تغمَّدَها اللهُ برحمته ـــ ذهبَتْ بنفسها لتُحذِّرَكم، فلمَّا قتلها مسعود أيضاً، تردَّدَ وليُّ عهدكم ـــ أسكنه الله فسيح جناته ـــ في الذهاب إليكم، لكنْ حين وصل الناس إلى سور القصر، خَاطَرَ برأسه، وأسرع ليبلغكم، فَلَقِيَ ما لَقِيَتْه جلالتُها وكبير الوزراء، غفرَ الله لهم جميعاً...
قال خازن الأسرار ذلك، ثم زاد طَأْطَأَةَ رأسه، بحضرة المنصور الذي بادرَه سائلاً، بلهفة وقلق، وكأنَّه نسيَ حزنَه على من قَتَلَهم:
ــ هيه... وماذا حصل بعد...؟ هل قضيتم على الاحتجاج وأصحابه؟ هه؟ قلْ قلْ..
احمرَّ وجه خازن الأسرار واصفرّ.. جَفَّ حلقُه، وغَسَلَه عرقٌ بارد، وهو يتحسَّسُ رقبتَه مرات، خائفاً، ثم قال مرتبكاً:
ــ للأسف يا مولاي، لم...
ولم يَدَعْهُ المنصور يُكمل، بل قاطعه بصوت حرَّرَهُ الغضب من تهدُّج الحزن الذي كان فيه:
ــ وَيلكم، ألم تقضوا عليهم بعد؟ ماذا تنتظرون أيها الحمقى؟
لَاكَ خازنُ الأسرار لسانَه في فمه بصعوبة.. وعاد يتحسَّسُ رقبته من جديد، وقد صار دودةً قميئة في مواجهة قدم عاتية على وشك أن تسحقها، ثم قال:
ــ اهدأ يا مولاي قليلاً... أرجوك... أتوسل إليك..
تمالكَ المنصور نفسه، وكظمَ بعضَ غيظه بجهد جهيد، ثم أمرَ خازن الأسرار أن يقول ما عنده، بإشارة من يده، فقال:
ــ يا مولاي ــ أطال الله عمركم ــ بعد مقتل جلالتها وولي العهد وكبير الوزراء، لم يبقَ في البلاد، من يجرؤ على إصدار الأوامر للجند بالنيابة عن جلالتكم، لأنَّكم يا مولاي لم تُفَوِّضوا أحداً غيرهم ــ رحمهم الله ــ بهذه الصلاحية. ولأنَّ جنودَكم، كما تعلمون، قد رُبُّوا وقُوادُهم، على عدم الإتيان بحركة، لأيِّ سبب، وتحت أيِّ ظرف، إذا لم يصدر الأمر لهم منكم أو من أحد نوابكم، فقد ظلُّوا واقفين لا يُحركون ساكناً، إلَّا إذا تعرَّض أحدهم للخطر، فكان يكتفي بالدفاع عن نفسه فقط...
وهنا صاح المنصور صيحة عظيمة، ارتجَّتْ لها أركان القصر، وهو يقول:
ــ تعني أنَّ الناس مازالوا يتظاهرون ثائرين ضد قراري إلى الآن؟
وفَقَدَ الخازن صوتَه من الرعب، وحين استعاده، قال:
ــ نعم يا مولاي.. و...
فقاطعه المنصور، جفلاً:
ــ وماذا أيضاً..؟
ــ لقد اقتحموا يا مولاي مستودعات القمح الضخمة، ونهبوا ما فيها، ونهبوا أيضاً خزائن القـصر، وقصور الحاشية جميعاً، وقتلوا كثيرين...
وقاطعه المنصور ثانية، بعد أن هبَّ واقفاً، وهو يصيح كالمجنون:
ــ كلُّ هذا، والجنود لم يتحركوا بعد.. أليس كذلك؟
ــ يا مولاي...
ــ اخرسْ.. كلاب، خونة، جميعكم خونة...
ــ يا مولاي.. أرجوكَ اسمعني.. اهدأ قليلاً واسمعني..
كانت عينا المنصور بركانين ثائرين، ويداه ترتجفان بشدة، وقلبه قد صار رِجْلاً متوحشة تضـرب صدره بعنف شديد.. صاح بالخازن:
ــ قُلْ.. أَلَدَيكَ المزيد؟
ــ يا مولاي.. يجب أن نهرب بسرعة، فالناس في الخارج، يُطَوِّقُون القصـر، والجنود، على الرغم من مبادرتهم إلى القتال ضدهم دون أمر منكم، لم يستطيعوا ردَّهم.. فهم كثيرون كالجراد يا مولاي، وهائجون كالوحوش الكاسرة..
ــ وماذا أيضاً، يا ابن الزانية؟
قال المنصور ذلك، ثم تهالَكَ على عرشه خائراً.. ومَضَتْ لحظاتٌ رهيبة قاسية، قبل أن يسأل الخازن:
ــ ألم يَعُدْ هناك أمل؟
ــ لا..
قالها الخازن بصوت واجف مشلول... وحين بلغت لاؤه سَمْعَ المنصور، صاح آمراً سيافه مسعود الذي كان ما يزال واقفاً بجانبه:
ــ اقطعْ رأس الخازن يا مسعود...
وبسرعة خاطفة، فَصَلَ مسعود رأس الخازن عن جسده. ثم، وبصوت لا يكاد يَبِينُ من شدة الوهن والإعياء، قال المنصور:
ــ اقطعْ رأسي يا مسعود..
وتردَّدَ مسعود لحظة، قبل أن يهوي بسيفه الصقيل على عنق المنصور، ليقَعَ رأسُه متدحرجاً على الدرجات الموصلة إلى كرسي العرش.. وما إن رأى مسعود رأسَ المنصور، يستقرُّ على الأرض وسط بركة دم، حتى وثب على كرسي العرش، فاقتلع من فوقه جثة المنصور التي كانت ما تزال تَنفرُ دماً، وألقاها إلى جانب رأسها المقطوع، ثم جلس على العرش، ووضع التاج على رأسه، وأرسل من كان حاضراً ليُبلِغَ المتظاهرين خارج القصر، بأنَّ السياف مسعود الذي هو واحد منهم، وابنهم البار، قد قتل المنصور انتقاماً لهم، بعد الجرائم الكثيرة التي ارتكبها بحقِّهم، وبأنه ــ أي مسعود ــ قد أعلنَ نفسَه خليفةً للمنصور، كي يُؤَمِّنَ لهم كلَّ ما يريدون، وكلَّ ما كانوا محرومين منه، في عهد المنصور البائد![/align]

دمشق في 1996/10/30



p;hdm hglkw,v>>>


نور الأدب (تعليقات الفيسبوك)
توقيع محمد توفيق الصواف
 لا عِلمَ لمن لا يقرأ، ولا موقفَ لمن لم يُبدِ رأيه بما قرأ.
فشكراً لمن قرأ لي، ثم أهدى إليّ أخطائي.
محمد توفيق الصواف غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 02 / 12 / 2016, 39 : 09 PM   رقم المشاركة : [2]
محمد الصالح الجزائري
أديب وشاعر جزائري - رئيس الرابطة العالمية لشعراء نور الأدب وهيئة اللغة العربية -عضو الهيئة الإدارية ومشرف عام


 الصورة الرمزية محمد الصالح الجزائري
 





محمد الصالح الجزائري has a reputation beyond reputeمحمد الصالح الجزائري has a reputation beyond reputeمحمد الصالح الجزائري has a reputation beyond reputeمحمد الصالح الجزائري has a reputation beyond reputeمحمد الصالح الجزائري has a reputation beyond reputeمحمد الصالح الجزائري has a reputation beyond reputeمحمد الصالح الجزائري has a reputation beyond reputeمحمد الصالح الجزائري has a reputation beyond reputeمحمد الصالح الجزائري has a reputation beyond reputeمحمد الصالح الجزائري has a reputation beyond reputeمحمد الصالح الجزائري has a reputation beyond repute

بيانات موقعي

اصدار المنتدى: الجزائر

رد: حكاية المنصور...

[align=justify]يا لك من قاصّ ذكيّ بارع !! ليت ما حدث في قصّتك الرائعة يحدث لحكامنا ! شجاعة المنصور لا مثيل لها..أما مسعود الذكي المحنّك (غير الانقلابيّ) فهو مثال للمسؤول الديبلوماسيّ (ابتسامة)..بارك الله فيك أخي الأكبر الدكتور الصواف على متعة القصّ..فأنا ـ دون مجاملة ـ في قمّة السعادة ..والسبب عودة رفيق بهلول بكلّ هذا التوّهّج القصصي الماتع..شكرا لك مرة أخرى..محبتي التي تعرف..[/align]
توقيع محمد الصالح الجزائري
 قال والدي ـ رحمه الله ـ : ( إذا لم تجد من تحب فلا تكره أحدا !)
محمد الصالح الجزائري غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 04 / 12 / 2016, 38 : 12 AM   رقم المشاركة : [3]
محمد توفيق الصواف
أديب وناقد - باحث متخصص في السياسة والأدب الإسرائيليين- قاص وأديب وناقد -أستاذ مادة اللغة العبرية - عضو الهيئة الإدارية في نور الأدب


 الصورة الرمزية محمد توفيق الصواف
 





محمد توفيق الصواف is just really niceمحمد توفيق الصواف is just really niceمحمد توفيق الصواف is just really niceمحمد توفيق الصواف is just really niceمحمد توفيق الصواف is just really nice

رد: حكاية المنصور...

اقتباس
 عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ] المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد الصالح الجزائري
[align=justify]يا لك من قاصّ ذكيّ بارع !! ليت ما حدث في قصّتك الرائعة يحدث لحكامنا ! شجاعة المنصور لا مثيل لها..أما مسعود الذكي المحنّك (غير الانقلابيّ) فهو مثال للمسؤول الديبلوماسيّ (ابتسامة)..بارك الله فيك أخي الأكبر الدكتور الصواف على متعة القصّ..فأنا ـ دون مجاملة ـ في قمّة السعادة ..والسبب عودة رفيق بهلول بكلّ هذا التوّهّج القصصي الماتع..شكرا لك مرة أخرى..محبتي التي تعرف..[/align]

[align=justify]أخي الحبيب محمد الصالح... أسعد الله أوقاتك، وكلَّ عام وأنتَ وأسرتك وبلدك بخير، بمناسبة عيد المولد النبوي الشريف..
(براعتي) في القصّ أقلُّ بكثير من براعتك في سرعة الإمساك بأهم مفصلَين في هذه القصة، وإعجابي بك قارئاً ناقداً أكبر بكثير من إعجابكَ بي قاصّاً..
وبخصوص الترحيب ببهلول، فلَكَ مني ومنه كلّ الشكر والمحبة، مع الأمل أن تحوز كتاباته إعجاب الغالبية، وأنتَ في مقدمتهم، كما يقول لي..
وبخصوص العمل اللافت والرائع الذي قدمه لنا الأخ زياد سقيرق، فقد نفخ روح العمل في رماد همتي من جديد، وأظنُّه سيزيل الكثير من الوحشة التي شكوتَ لي منها وما زالت تحرقني بنارها..
تحيتي وتقديري لك أخي الحبيب..[/align]
توقيع محمد توفيق الصواف
 لا عِلمَ لمن لا يقرأ، ولا موقفَ لمن لم يُبدِ رأيه بما قرأ.
فشكراً لمن قرأ لي، ثم أهدى إليّ أخطائي.
محمد توفيق الصواف غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05 / 12 / 2016, 18 : 01 AM   رقم المشاركة : [4]
رشيد الميموني
أديب وقاص ومترجم أدبي ويعمل في هيئة التدريس -عضو الهيئة الإدارية / مشرف عام على المنتديات والأقسام / نائب رئيس رابطة نور الأدب


 الصورة الرمزية رشيد الميموني
 





رشيد الميموني has a reputation beyond reputeرشيد الميموني has a reputation beyond reputeرشيد الميموني has a reputation beyond reputeرشيد الميموني has a reputation beyond reputeرشيد الميموني has a reputation beyond reputeرشيد الميموني has a reputation beyond reputeرشيد الميموني has a reputation beyond reputeرشيد الميموني has a reputation beyond reputeرشيد الميموني has a reputation beyond reputeرشيد الميموني has a reputation beyond reputeرشيد الميموني has a reputation beyond repute

بيانات موقعي

اصدار المنتدى: المغرب

رد: حكاية المنصور...

أقل ما يمكن أن يقال عن هذه الحكاية / التحفة إنها رائعة بكل المقاييس لدلالاتها ومغزاها العميق .
فعلا استمتعت وشدتني حبكة الحكاية إلى النهاية مع ما رافقها من مواقف ساخرة .
دام ألقك أخي محمد توفيق
مع خالص محبتي
رشيد الميموني غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05 / 12 / 2016, 39 : 03 PM   رقم المشاركة : [5]
رياض محمد سليم حلايقه
كاتب نور أدبي مضيئ

 الصورة الرمزية رياض محمد سليم حلايقه
 





رياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond repute

بيانات موقعي

اصدار المنتدى: الشيوخ - الخليل - فلسطين

رد: حكاية المنصور...

أعدتنا الى الف ليلة وليلة سيدي
قص راق وبارع وذا دلالة عميقة لحال هذه الأمة التي تنفذ أوامر الغرب والشرق
غير عابئة بشعوبها وكرامتها
لله درك وكل الاحترام
رياض محمد سليم حلايقه غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 21 / 12 / 2016, 29 : 03 PM   رقم المشاركة : [6]
محمد توفيق الصواف
أديب وناقد - باحث متخصص في السياسة والأدب الإسرائيليين- قاص وأديب وناقد -أستاذ مادة اللغة العبرية - عضو الهيئة الإدارية في نور الأدب


 الصورة الرمزية محمد توفيق الصواف
 





محمد توفيق الصواف is just really niceمحمد توفيق الصواف is just really niceمحمد توفيق الصواف is just really niceمحمد توفيق الصواف is just really niceمحمد توفيق الصواف is just really nice

رد: حكاية المنصور...

اقتباس
 عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ] المشاركة الأصلية كتبت بواسطة رشيد الميموني
أقل ما يمكن أن يقال عن هذه الحكاية / التحفة إنها رائعة بكل المقاييس لدلالاتها ومغزاها العميق .
فعلا استمتعت وشدتني حبكة الحكاية إلى النهاية مع ما رافقها من مواقف ساخرة .
دام ألقك أخي محمد توفيق
مع خالص محبتي

[align=justify]أخي الحبيب رشيد.. أسعد الله أوقاتك بكل خير..
إليك أعتذر أيضاً عن التأخُّر بالرد على تعليقك اللطيف المفعم بالإعجاب بهذه القصة.. أما سبب تأخيري، فهو، كما ذكرتُ لأخي محمد الصالح شرفية، طغيان المواد السخيفة على الموقع وتحديداً على شريط المشاركات العشر الأخيرة، فلم يعد لموادنا نصيب في هذا الشريط، بل صارت تمر فيه مر الكرام، بسبب إسهال المواد السخيفة التي ينشرها بعضهم بغزارة.. وأعتذر عن التعبير، لكنه نابع من ألمي لما يحدث.. وكلي أمل في أن نتعاون جميعاً على إيقاف هذا السخف يوماً..
أشكرك مرة أخرى.. وتفضل بقبول محبتي واحترامي..[/align]
توقيع محمد توفيق الصواف
 لا عِلمَ لمن لا يقرأ، ولا موقفَ لمن لم يُبدِ رأيه بما قرأ.
فشكراً لمن قرأ لي، ثم أهدى إليّ أخطائي.
محمد توفيق الصواف غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 21 / 12 / 2016, 32 : 03 PM   رقم المشاركة : [7]
محمد توفيق الصواف
أديب وناقد - باحث متخصص في السياسة والأدب الإسرائيليين- قاص وأديب وناقد -أستاذ مادة اللغة العبرية - عضو الهيئة الإدارية في نور الأدب


 الصورة الرمزية محمد توفيق الصواف
 





محمد توفيق الصواف is just really niceمحمد توفيق الصواف is just really niceمحمد توفيق الصواف is just really niceمحمد توفيق الصواف is just really niceمحمد توفيق الصواف is just really nice

رد: حكاية المنصور...

اقتباس
 عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ] المشاركة الأصلية كتبت بواسطة رياض محمد سليم حلايقه
أعدتنا الى الف ليلة وليلة سيدي
قص راق وبارع وذا دلالة عميقة لحال هذه الأمة التي تنفذ أوامر الغرب والشرق
غير عابئة بشعوبها وكرامتها
لله درك وكل الاحترام

[align=justify]الأخ رياض حلايقة.. تحيتي لك وأسعد الله أوقاتك..
أشكرك على تفاعلك مع قصتي هذه وتقييمك اللطيف لها، وأتمنى لك دوام القدرة على الإبداع والتألق..
مع محبتي وتقديري..[/align]
توقيع محمد توفيق الصواف
 لا عِلمَ لمن لا يقرأ، ولا موقفَ لمن لم يُبدِ رأيه بما قرأ.
فشكراً لمن قرأ لي، ثم أهدى إليّ أخطائي.
محمد توفيق الصواف غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
المنصور..., حكاية


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
هل تعرف من هو أبو جعفر المنصور. سراج منير جمهورية كلّ العرب 0 10 / 05 / 2018 39 : 07 AM
حكاية الشاعر أم حكاية الرحى ..؟ حسن ابراهيم سمعون قصيدة للنقد والدراسة 13 21 / 02 / 2013 25 : 10 PM
((( حكاية الشاعر ، أم حكاية الرحى ..؟))) للشاعر الناقد حسن إبراهيم سمعون عادل سلطاني نقد أدبي 0 09 / 04 / 2012 44 : 05 PM
رجال خلدهم التاريخ (الحاجب المنصور ) بوران شما شخصيات لها بصمات 0 26 / 11 / 2009 32 : 01 AM
ملك من زمن المجد: ابو يعقوب المنصور الموحدي قاهر ألفونسو نصيرة تختوخ التاريخ 0 16 / 05 / 2008 41 : 01 PM


الساعة الآن 28 : 06 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2022, Jelsoft Enterprises Ltd.
Tranz By Almuhajir *:*:* تطوير ضيف المهاجر
Ads Organizer 3.0.3 by Analytics - Distance Education

الآراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الإدارة وتمثل رأي كاتبها فقط
جميع حقوق النشر والتوزيع محفوظة لمؤسسة نور الأدب والأديبة هدى نورالدين الخطيب © ®
لا يجوز نشر أو نسخ أي من المواد الواردة في الموقع دون إذن من الأديبة هدى الخطيب
مؤسسة نور الأدب مؤسسة دولية غير ربحية مرخصة وفقاً لقوانين المؤسسات الدولية غير الربحية

خدمة Rss ||  خدمة Rss2 || أرشيف المنتدى "خريطة المنتدى" || خريطة المنتدى للمواضيع || أقسام المنتدى

|