التسجيل قائمة الأعضاء اجعل كافة الأقسام مقروءة



 
إطلاق مسابقة نور الأدب 2020 للشعر موضوعها: " صفقة القرن "
عدد مرات النقر : 509
عدد  مرات الظهور : 3,207,601

اهداءات نور الأدب

العودة   منتديات نور الأدب > مـرافئ الأدب > قال الراوي > الرواية
إضافة رد
 
أدوات الموضوع
قديم 11 / 09 / 2019, 03 : 09 PM   رقم المشاركة : [11]
رياض محمد سليم حلايقه
كاتب نور شديد الفاعلية

 الصورة الرمزية رياض محمد سليم حلايقه
 





رياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond repute

بيانات موقعي

اصدار المنتدى: الشيوخ - الخليل - فلسطين

رد: رواية رجل من الماضي على حلقات

اقتباس
 مشاهدة المشاركة المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ليلى مرجان
سرد مشوق
متابعة إلى النهاية

الاخت ليلى
يشرفني المتابعة
احترامي
توقيع رياض محمد سليم حلايقه
 http://"]http://[/URL]
رياض محمد سليم حلايقه غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 12 / 09 / 2019, 34 : 02 PM   رقم المشاركة : [12]
رياض محمد سليم حلايقه
كاتب نور شديد الفاعلية

 الصورة الرمزية رياض محمد سليم حلايقه
 





رياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond repute

بيانات موقعي

اصدار المنتدى: الشيوخ - الخليل - فلسطين

رد: رواية رجل من الماضي على حلقات


أُحضِرَ الرجلُ من المشفى للتحقيق معه بعد أنْ استعادَ بعضَ وعيه، المتهمُ يجلسُ على كرسيِّ الاعترافِ في غرفةِ التحقيق، ويقابله اثنان خلف طاولةٍ مُستطيلةٍ من الخشب الأبيض، وحولها أربعةُ كراسٍ من الكروم المُنَجَّد بالقماش المخمليِّ، في الغرفةِ فتحةٌ أشبه بشباك له زجاج مُعتمٌ، بحيث لا يرى مَن بالداخل مَن هو خارجَ النافذةِ، وكان المتهم كالغريق.
المتهم يتنكَّر بزيِّ رُعاة البقر؛ يعتمر قبعةً سوداء ذات حوافّ مَطويّة على محيطها، ويلبسُ حذاءً قديماً بالياً من موديلات القرن الثامن عشر، كان الشابُّ وسيماً أشقر الشعر، بعينين زرقاوين لامعتين عامرتين بالذكاء، بوجهٍ ناعمٍ أشبه بعذراء، طويل القامةِ، فمُه صغيرٌ بين شفاهٍ رقيقة، وله وجهٌ قارب على نضوج الشباب، لكنَّه كان شاحبَ الوجه كأنَّه مُخَدَّرٌ أو ثملٌ.
أراد المُحقق- النقيب- أن يستجوبَ الرجل بأسلوبٍ رقيقٍ ولطيفٍ لعلَّه يصدُقُ في إجاباته.
النقيبُ: اسمُك كاملاً؟ وعمرُك؟ ومهنتُك؟
المتهم: اسمي جو مارتن ويلسون، عمري 45 عاماً، من مواليد عام 1815، عملي مزارعٌ صغيرٌ في بلدةِ نيوفلج.
المحقق مشدوهٌ من إجابة الرجل على سؤاله عن عمرِه وتاريخ ميلاده، وهو يُحَدِّقُ في الرُّزْنامةِ الموجودة أمامه بتاريخ 15/6/1985م، وما زال الرجلُ مُتردِّداً في الإجابة عن سؤالِ المحققِ أينَ يسكنُ وما هو عنوانُه.....
النقيب: نحنُ في عام 1985م سيد جو! ماذا دهاك يا رجل؟ لعلك وُلِدْتَ عام 1950م هذا معقولٌ، أو لعلك فقدْتَ عقلك عام 1985م، هذا معقولٌ أكثر، ثم لا يوجد في البلاد كلها بلدةٌ تُدعى نيوفلج!
النقيب: لماذا أنت مُتنكِّرٌ بهذا الزي البالي القديم؟
المتهم: لا أملكُ غيره سيدي، وهذا ما تعودت عليه.
النقيب: كيف ظهرْتَ فجأةً أمام المقهى بصورةٍ مُريبة؟
المتهم: لست أدري، طلبت من أصدقائي في كوكب سيراتا الذين خطفوني قبل شهور وسجنوني في المَشفى الكبير ومنعوني من العودة أن يُعيدوني إلى ساحة البلديَّة في نيوفلج لا إلى هذا المكانِ الغريبِ.
كان النقيب جاك يذرعُ أرضَ الغرفةِ ذَهاباً وإياباً، بينما أحد الشرطة يدوِّن ما يقوله المتهم، والآخر يحملقُ في المتهم وهو يعتقدُ بأنَّ المتهم مجنونٌ لا محالةَ.
النقيبُ: أيُّ بلدةٍ تقصدُ بنيوفلج؟
المتهم: إنَّها بلدتي سيدي، وهي بلدةٌ صغيرةٌ حديثةُ عهدٍ بالبناء، وبيوتُها متواضعةٌ من الأخشاب.
ضحكَ النقيبُ بملءِ فِيهِ بصوتٍ عالٍ، وشاركه أحدُ مُساعديه باستهزاء، وقال النقيبُ في نفسِه: رجلٌ مجنونٌ!
لكنَّه آثر ألَّا يُصرحَ للمتهم بذلك لاستكمالِ التحقيق واستدراجِه لقولِ الحقيقةِ.
قال أحدُ مُساعدي النقيب: نعم يا سيدي، المتهمُ صادقٌ؛ قرأتُ عن تاريخ هذه البلدة، وكانتْ تُدعى نيوفلج ثم نيو ستي قبل أن يُصبحَ اسمها جيرسي.
المحقق: معلوماتٌ قيمةٌ، شكرًا لك للتوضيحِ.
ثُمَّ التفتَ للمتهم وقال له: يبدو أنَّك متعبٌ؛ سنأخذُ استراحةً قصيرةً لشرب الشاي.
تذكَّرَ الرجلُ ذلكَ الشقيَّ ستيف الذي داومَ على معاكسة ابنته سارة والتحرشِ بها فازدادَ حنقه وغضبُه، لكنَّه تناسى ذلك بعد أنْ طغى حبُّ الوطن على مشاعرِه، فشعرَ بالحقدِ على هؤلاء الرجال، الذين احتلوا أرضه وبلدته، بينما الرجل يُراجعُ ذاكرته غارقاً في أفكاره، يستذكرُ ما حصلَ له صباحَ ذلك اليوم وهو يحتسي فنجانَ الشاي الذي قدَّمَه له النقيبُ جاك، سمعَ صوتَ النقيبِ من جديدٍ يُعاودُ استجوابَه.
النقيبُ: أرجو أنْ تكونَ بوضعٍ أفضلَ الآن، وتُجيبُ عن أسئلتي بصدقٍ وبلا مُراوغةٍ سيد جو مارتن.
المتهم: نعم سيدي، لكنْ لا أعرفُ لماذا أنا هنا؟
ماذا حصلَ مني لتقبضوا عليَّ؟ أنا لم أسرقْ، لم أشتمْ أحداً، ولم أقتلْ، ما ذنبي بحقِّ السماء؟
المحقق: حسنًا، قرَّبتنا من الهدف سيد جو، لقد ذكرتَ شيئاً نبحثُ عنه منذُ أيامٍ، وجدْنا جُثَّةَ رجلٍ في المكانِ نفسِه الذي ظهرتَ فيه دون سابق إنذار وبصورةٍ شيطانية، فمن المعلومِ أنَّ القاتلَ يعودُ إلى مكانِ الجريمة يتشمَّمُ الأخبارَ، أريدُ تفسيراً لذلك، لماذا قتلتَ الرجلَ وألقيتَه أمامَ المقهى؟
لماذا جئتَ إلى المقهى من جديدٍ؟
ما الذي تبحثُ عنه سيد جو؟
هَلا أخبرتنا!
المتهم: قتيلٌ!... جُثَّة!... عمَّا تتحدث سيدي؟ أنا لا أعرف شيئاً عن الذي تقوله، أُقسم على ذلك سيدي.
النقيب: كلُّ الدلائل تُشير بأنَّك أنتَ القاتلُ؛ ظهورُك المفاجئُ في المكانِ نفسِه، ملابسُك الغريبةُ، عدمُ انتمائك للبلدةِ، أنتَ غريبٌ عنها، تأكَّدْنا أنَّك لستَ مُواطناً أمريكيّاً أيضاً، ما هي هويتُك؟
لحِسابِ مَنْ تعملُ؟
لماذا أنت هنا سيد جو؟
المتهم: مّنْ قال ذلك سيدي؟
أنا مواطنٌ أمريكيٌ، ولدتُ عام 1815م في بلدةِ بايون، ثُمَّ أقمْتُ فترةً في بلدةِ نيوراك، وتزوَّجتُ هناك، ولما حدثَتْ الحرب الأهليةَ بين الشمال والجنوب هربْنا كباقي الناس، والتقينا بعددٍ منهم هنا عندما كانتْ هذه الأرضُ غابةً تعيشُ فيها الحيواناتُ، ونحنُ مَنْ أسَّسَ هذه البلدة، أنا مواطنٌ أمريكيٌ أصيلٌ يا سيدي.
النقيبُ: أنتَ تهذي بلا شكٍّ! -اقتربَ النقيبُ من المتهمِ، أخذَ يشمُّ رائحةَ فمِه ثُمَّ تابعَ-: هلْ أنتَ ثملٌ يا رجل؟
المتهمُ: أنا لا أشربُ يا سيدي، لا أشربُ أبداً، أنا هنا منذُ الأمس، تحتجزُني في ذلك القفصِ الحديديّ اللعين كالحيوانِ ودون سببٍ، أنا بكاملِ قواي العقليةَ سيدي.
النقيبُ: سأطرحُ عليك عدداً من الأسئلة، ما دمتَ تملكُ قُواك العقليَّةَ كما تقولُ، أرجو أنْ تُجيبَ عنها بصراحةٍ من أجلِ مصلحتِك، لم نعثرْ معك على جوازِ سَفَرٍ أو هويَّةٍ أو حتى رُخصةِ قيادة لتثبتَ بها شخصيَّتَك، من أنتَ بحقِّ السماء؟
المتهمُ: جواز سفر! رخصة! أنا لا أفهمُ ما تعني بذلك سيدي، ماذا تريدُ مني بالتحديدِ من فضلك؟
النقيبُ: أيَّ شيءٍ يُثبتُ شخصيتَك، يثبتُ مَنْ أنتَ.
المتهمُ: لا يوجدُ معي شيءٌ من هذا القبيلِ.
النقيب: لا بأس، قل لنا من أين جئت؟ كيف دخلت البلاد دون جواز سفر؟ مَنْ يقفُ خلفك؟
فكَّر المتهم قليلاً وهو أشبه بأرنبٍ يتربص به ثعلب، ثم رفع رأسه والتفت نحو النقيب الذي يبدو عليه أنَّه مخلوقٌ غريبٌ قبيحٌ ومزعجٌ أيضاً، إنَّه ضخمُ الجثةِ قصيرُ القامةِ أصلعُ بشاربين كبيرين، وعيناه صغيرتان حادتان، تابع قائلاً:
أنا من هذه البلدةِ، نعم سيدي، إنَّها بلدتي منذُ أنْ كانتْ غابةً وقبل أن.....
واختلسَ النظرَ نحو النقيبِ الذي يرهبُ جانبه، والذي يبدو عليه أنَّه فقدَ صبرَه، وأصبحَ عصبيَّ المزاجِ، ثُمَّ صمتَ ولم يُكملْ.
قال النقيبُ وقد انحلَّ من عقالِه وبدا عليه الامتعاضُ وكأنَّه يتكلَّمُ من بين أسنانه: أكملْ أيُّها الرجلُ، لماذا توقَّفْتَ؟ أنا أسمعُك جيِّداً.
أطلقَ المتهمُ من الحسرةِ زفراتٍ وتنهداتٍ، كان يخشى أن ينقضَّ عليه النقيبُ بعدما أصبحَ فريسةً سهلةً بين يديه، واقتربَ منه أكثر مِمَّا يجبُ، تابع المتهمُ بصوتٍ مخنوقٍ: قبل أنْ تحتلوها وتقتلوا أهلَها سيدي.
النقيب: يبدو أنَّك مجنونٌ فِعلاً، أو أنَّك تتقمَّصُ شخصيةَ مجنونٍ؛ لتُخفي شخصيتك الحقيقيةَ خلفها.
قال الرجل: إنَّها الحقيقةُ سيدي.
قال المحقق: أيَّةُ حقيقةٍ يا رجلُ؟
هذه البلدةُ لم تتغيرْ منذُ أربعين عاماً على الأقلِّ، وأنا وهؤلاء الرجال وكلُّ مَن في البلدة وُلِدَ هنا، وكذلك آباؤنا.... إنَّها بلدتنا وأرضُنا.
قال الرجلُ: هذا مُستحيلٌ!.... مُستحيلٌ!.... أنا لا أصدقُ أبداً!
تغيَّرَ كلُّ شيءٍ فيها، وبقيتْ الأراضي الزراعية كما هي لم تتغيَّرْ....
لقد سافرتُ للعمل قبل عِدَّة شهورٍ فقط، عندما عُدْتُ إلى هنا لم أجدْ أحداً....
لم أجدْ زوجتي ولا أبنائي ولا بيتي...
أنا لم أجدْ أحداً أعرفُهُ في البلدة... أينَ بيتي؟
أخذَ الرجل يبكي ويُتمتمُ: لماذا فعلتُم ذلك؟
لماذا... لماذا؟؟
قال المحقق: يبدو أنَّك مُتعبٌ ويائسٌ.
المتهم: أنا في أحسنِ حالٍ، غير أنِّي أحبُّ أن أمضيَ في حالِ سبيلي لأبحثَ عن عائلتي، أرجوك يا سيدي.. أرجوك.
قال المحقق: كي أصدِّقَك، هل تعرفُ أحداً في هذه المدينةِ الكبيرة؟
قال الرجل: نعم سيدي، أعرفُهم كلَّهم...
ثم فكَّرَ قليلاً وقال: ولكن أينَ هم؟
لم أرَ أحداً منهم....
لم أشاهدْ رجلاً واحداً أعرفُه....
ماذا جرى لهم؟ أين أبعدتموهم؟
أريدُ أنْ يحضرَ العمدةُ نورمان، إنَّه يعرفُني جيِّداً، إنَّه صديقي، إنَّه يحترمُني كذلك.
ثمَّ وضعَ يديه حولَ رأسِه وهو يتألَّمُ.
قال المحقق: يبدو أنَّك رجلٌ مخادعٌ وكاذبٌ، وتُخفي سِرَّاً سأعرفُه بالتأكيدِ.
قال الرجلُ: أرجوك سيدي....
لم يشتمْني أحدٌ طوالَ حياتي، أنا رجلٌ مُحترمٌ، ومواطنٌ صالحٌ أيضاً، ليس لك الحقُ في أنْ تفعلَ بي هذا... ليس من حقِّك.
قال المحقق: أكادُ أُجَنُّ، قلْ لي اسمَ شخصٍ واحدٍ تعرفُهُ... قلْ أيَّ شيءٍ إن كنْتَ صادقاً.
قال المحقق: يجبُ أن تقولَ الحقيقةَ... يجبُ أن تعترفَ بكلِّ شيء.
قال الرجل: بماذا اعترفُ سيدي؟
قال المحقق: هذا كلامٌ لا يفيدُك أبدًا ولا أقتنعُ به....
أيها الشرطيُّ، احرسْهُ جيدًا، وانتبه فهو رجل خطير.
قال الرجل: أرجوك سيدي، أنا مظلوم....
أريدُ زوجتي.... أريدُ بيتي وأرضي.... أريد.....
أُعيدَ الرجلُ إلى المشفى لتلقِّي العلاجِ كما طلب الطبيبُ.
يتبع
توقيع رياض محمد سليم حلايقه
 http://"]http://[/URL]
رياض محمد سليم حلايقه غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 13 / 09 / 2019, 28 : 07 AM   رقم المشاركة : [13]
رياض محمد سليم حلايقه
كاتب نور شديد الفاعلية

 الصورة الرمزية رياض محمد سليم حلايقه
 





رياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond repute

بيانات موقعي

اصدار المنتدى: الشيوخ - الخليل - فلسطين

رد: رواية رجل من الماضي على حلقات

مدينة بايون 1827م
عاش جو ويلسون مع أخيه الأصغر المُدَلَّلِ والأنانيِّ جون وأخته جوليت لأبوين فقيرين مُعدَمَينِ في منزلٍ يدلُّ على البؤس والحرمان؛ يتكون من غرفتين حقيرتين خاليتين من أبسط الضروريات، فيهما صناديق خشبية قديمة تُستخدمُ خزائنَ لملابسهم الباليةَ وبضعُ بُسُطٍ للنوم، وعِدَّةُ أغطيةٍ مُهترئة وبعضُ أواني المطبخ الكالحةَ.
كان والدُه مارتن ويلسون يعمل نجاراً في محلٍّ متواضعٍ في أحدِ أزقَّة البلدة بأجرة زهيدة بالكاد تكفي لقمةَ العيشِ، وهو رجلٌ ضعيفٌ البنية، متوسط الطول، أصفر البشرة، رقيق اليدين، عيناه عسليتان، وأنفُهُ دقيقٌ، له لحيةٌ ذاتُ شعرٍ خفيفٍ، وقد عُرِفَ بسلاطةِ لسانِه.
أمُّه متوسطةُ الطولِ، شعرُها أشقرُ مائلٌ إلى الحمرةِ، عيناها عسليتان لوزيتان، وأنفُها جميلٌ، ورثَ جو طيبةَ أمِّه وشكلَ أبيه، في حين ورثتْ جوليت وجون جمالَ أمِّهما.
أحبّ جو أباه وأسرته وآلمته حالةُ والدِه الصحيةُ والنفسيةُ؛ إذ كثيراً ما كان يتعرَّضُ للإهانةِ من صاحبِ العملِ على مرأى من الكثيرين، فيشتمُ ويلعنُ وينهرُ بل كان صاحبُ العملِ يضربُه أحياناً، تلك الحالة التي كان الأبُ يتعرَّضُ لها من أجل تحصيلِ لقمةِ العيش لأسرته، جعلتْ من جو وحشاً في قفصٍ يتَّقِدُ صدرُه غيظاً، وبداخله صراعٌ عنيفٌ حولَ مَثَلِهِ الأعلى الذي اهتزَّ أمام عينيه مراتٍ ومراتٍ؛ إذ مَثُلَ أمام عينيه ذليلاً خانعاً لأوامر سيِّدِه صاحبِ العملِ، مِمَّا حدا به يوماً إلى الخروج من البيتِ مُبكِّراً هائماً على وجهه في شوارعِ البلدةِ على غير هُدًى يُراقبُ الناسَ وأحوالَهم، ويرى عجباً من سادةٍ ظلمةٍ قُساةٍ وفقراء بائسين؛ فيلعنُ الحياةَ وقسوتَها، ويلعنُ أغنياءَ البلدةِ البلهاء ذوي القلوبِ القاسية.
ذاتَ مساءٍ التقى جو ببعضِ الصبيةِ من أقرانه يتسكَّعون في شوارعِ البلدة قربَ الحيّ الذي يسكنُ فيه، لكنَّهم كانوا يلبسون أفضلَ منه ولديهم بعضُ النقودِ التي لم يلمسْها يوماً بيده، عندما سألهم عن حالهم عرف أنَّهم من عائلاتٍ فقيرةٍ مثله تماماً، إلَّا أنَّهم يعملون في أسواقِ البلدةِ أعمالاً مختلفةً كالعتالةِ والتنظيفِ لقاءَ بِضْعِ بنساتٍ.
عندما فاق جو من حُلْمِ الطفولة وأصبحَ صبياً يعي ما يدورُ حوله ثار ضدَّ حياة الفقرِ التي يعيشُها مع عائلته، وأخذَ يفكِّرُ في رفعِ مُستوى حياتهم ومساعدةِ والدِه المسكين الذي أعياه المرضُ في وقتٍ زادتْ معه تكاليفُ الحياة.
طلب جو من الفتيه أن يقبلوه رفيقاً لهم يشاركُهم حياتَهم، ويتعلَّمُ منهم كي يستطيعَ مساعدةَ والده، ذلك الأمرُ الذي رحَّب به الجميعُ.
في صباح اليوم التالي وفي الموعدِ المتَّفَقِ عليه وفي المكان المُحَدَّدِ التقى جو بأصدقائه الجددِ ورافقَهم ذلك اليوم ليتعلَّمَ منهم، وما هي إلا أيامٌ قليلةٌ حتَّى استقلَّ جو عن رفاقه لما رأى منهم معاملةً سيئةً للفقراء والمساكين وكبارِ السِّنِّ، وأخذَ يعتمدُ على نفسِه لكنَّه اتَّبعَ سياسةً تختلفُ عن غيره فكان يقبلُ أيَّ عَمَلٍ يُعرَضُ عليه ويقبل أيَّ أجرٍ يُدفَعُ له، وكان يعمل مَجَّاناً للفقراء على شاكلة والديه؛ فيساعدهم ويشفقُ عليهم.
أحبَّه الجميعُ لإيثاره وحُبِّه مساعدةِ غيرِهِ فكان الناسُ يتعاملون معه تاركين الصبيةَ الآخرين؛ لذا كان يقضي يومَه في العملِ دون انقطاعٍ لإخلاصه وأمانته.
كان جو ينسى الشقاءَ والتعبَ عندما يعودُ إلى بيته ويضعُ تلك البنساتِ القليلةَ التي يحصلُ عليها في يد والده، وهو يرى آثارَ السعادةِ والابتسامةَ على وجه أبيه وأمه، لكنَّه سرعان ما يقبعُ في زاويةِ البيت كعادته في كلِّ مساء حزيناً كئيباً غريباً بين عائلته شاعراً بالألم والحزنِ والتعاسةِ.
الأبُ يداعبُ جون بشغفٍ ومحبة:
عزيزي جون، يا لك من ولدٍ طيِّبٍ، سيكونُ لك مستقبلٌ رائعٌ بني.
قالتْ الأمُّ وهي تحتضنُ جون: ما أجملك! وما أروعك! ستكون لنا عوناً وسنداً، سترفعُ رؤوسَنا بين الناس، وسنفتخرُ بك بني.
جو يسمع ويتألَّمُ، جوليت تنظرُ بِشَفَقَةٍ لجو، وتتمنَّى أن يكفَّ والداها عن تدليلِ جون.
تهمسُ في أذنِ أمِّها:
أمي، أرجوك لا تبالغي في تدليلِ جون، تحدَّثي مع جو مرَّة بطيبةِ قلبٍ؛ فهو يشقى ويتعبُ من أجلنا جميعًا.
يسمعُ الأبُ كلامَ ابنته:
جوليت عزيزتي، لا أحدَ يعترف بجو، الجميعُ ينادون عليَّ بوالد جون، بل يسخرون مني بسببه، بالأمسِ عندما جاء إليَّ المعلمُ نهرَني وعنَّفني وكاد أن يضربَني عندما علم أنَّ جو ابني، إنَّه عارٌ علينا جميعًا، انظري إليه إنَّه أشبهُ بحيوانٍ، فلتأخذْه الآلهةُ بعيدًا عنا، إنَّه لعنةٌ علينا، إنَّه سببُ ما نحن فيه من الفقرِ والعذاب، صدِّقيني بنيةُ منذ وُلِدَ هذا الأبلهُ ونحن في فقرٍ شديدٍ ومرضٍ مؤلمٍ.
جوليت: إنَّه منا وله علينا المحبةُ والاحترامُ، إنَّه يكدُّ ويشقى طوال اليوم ليساعدَنا فقط، منذ أنْ عمل جو حصلنا على أشياءَ لم نكنْ نستطيعُ شراءها من قبلُ، علينا أن نُقدِّرَ ذلك والدي.
الأب: أنتِ لا تفهمين بنيةُ، إنَّه... إنَّه يُخفي المالَ عنا، لا يُعطينا إلَّا القليلَ، لن أسامحَه على ذلك أبدًا.
يعيش جو مُتألِّما بين أسرته، هكذا يمضي أيامه ولياليه، لقد تسبَّبَ له والداه بحالةٍ نفسيَّةٍ حزينةٍ ومؤلمةٍ وصعبةٍ، لكنَّه كان يحبهم ويحترمُهم خاصَّةً أختَه جوليت، كانت دومًا تدافعُ عنه وتُشعرُهُ بحبها.
كان والداه يعطفان على أخيه الأصغرِ جون كثيراً، وكان جون الطفلَ المُدلَّلَ في العائلة، له كلُّ الحبُّ والحنان، وطلباته مُجابة، حتى غدا أنانيًّا للغاية وصعبَ المِراس، لكنَّ جو تعوّدَ على تلك المعاملة غير العادلة، كان يأملُ أن تتغيَّرَ المعادلة عندما أصبح عاملاً يساعدُ في مصروف العائلة، ولكنَّه بقي مَنسياً كالعادة.
ذات يوم عاد جو من العملِ مُبكِّرًا على غير العادةِ، كان خائفًا يرتعدُ كعصفور بلله المطر، دخل البيتَ، أغلقَ البابَ خلفه، كان يُتمتمُ بكلام غير مفهوم، أسعفته أخته بكوب من الماء، رمى بنفسه بأحضانِ أمِّه، ونظر إلى البابِ قائلاً:
المُسلَّحون يُطلقون النار في كلِّ مكانٍ، قبضوا على صديقٍ لي وأخذوه معهم، كاد أحدُهم أنْ يُمسكَ بي، لكنَّني أفلتُّ منه وهربْتُ، قتلوا الكثير من الناس في السوقِ، نهبوا المحلاتِ، سرقوا كلَّ شيء... كلَّ شيء.
قالتْ الأمُّ: - بصورةٍ عفويَّة على غير العادة- لا عليكَ بني، أنت الآن بأمان، لا أحدَ يصلُ إليك، اللعنةُ عليهم، هؤلاء الأشرارُ ليس لهم عملٌ إلَّا القتلَ والنهبَ، أينَ الشريفُ ورجالُه؟ أينَ القانونُ؟
قالتْ الأختُ: لعلهم شركاءُ لهم؛ لذلك لا يظهرون إلَّا بعد فواتِ الأوانِ، حمدًا لله على سلامتِك أخي جو.
كان المسلحون الفارُّون من القانون يعيثون في الأرض الفساد هنا وهناك، تلك الحادثةُ أدخلتْ الخوفَ في نفس جو، كان يهربُ حتى عندما كان يرى الجندَ الذين يُحافظون على الأمن والقانون، وكان يعملُ في السوق بحذرٍ وخوفٍ، ويجدُ نفسَه في البيت منبوذًا من الأبِ والأمِّ، حياة اعتادها جو وعاشَها بمرارةٍ.
اعتادتْ العائلةُ كلَّ مساءٍ الجلوسَ والحديثَ، كان جون محورَ الحديث دائماً، ونظراتُ المحبة والدلال تنصبُّ عليه، فيما كان جو وحيداً واضعاً رأسَه بين ركبتيه، حتَّى يغشاه النعاسُ فيخلد في نوم عميقٍ من التعبِ والشقاء، ولم يفقْ من نومِه إلَّا في الصباحِ الباكرِ على صراخِ أبيه الذي يلكزه بقدمِه يطلبُ منه الذهابَ إلى العملِ.
يستيقظُ جو كلَّ صباحٍ مُبكراً فيرتدي ملابسَ العمل الرثَّةَ ويتناولُ الطعامَ اليسيرَ مع والده، ونظراتُ عينيهِ الحزينةُ ترقبُ أخاه جون وهو يغطُّ في نومٍ عميقٍ في فراشٍ دافئٍ، وهو يراقب قُبُلاتِ والده التي تودعه كل صباح قبلَ خروجه للعمل، فيما كان ينتظر جو يوماً آخرَ من الشقاء والتعب في ظلِّ ظروفِ الشتاءِ القاسيةِ والأمطارِ الغزيرةِ والبردِ القارسِ.
كان يفكرُ: كيفَ سيعودُ آخر النهارِ تقطرُ ثيابُه ماءً، وهو يرتعدُ من البرد في حين يرى والدَه يحتضنُ جون بشغفٍ ومحبَّةٍ أمام المنزل لدى عودته من العمل كلَّ مساء؟
هل يتقبَّلُ الأمرَ فحسب؟ أم عليه أن يدافعَ عن نفسه ويجدَ له مكانًا في قلب والده وبين أسرته؟ متى سيشعرُ أنَّ له قيمةً في البيت؟
لكنَّه كان يقول في كلِّ مرَّةٍ: هذا والدي لا أستطيعُ أن أتحدَّثَ في حضرته، عليَّ أن أعتادَ على ذلك.
كان جو بسيطاً ساذجاً ذا رأسٍ كبيرٍ وعينين واسعتين وجبينٍ ضيقٍ وحواجبَ عريضةٍ، يميلُ إلى السمرة، نحيفاً، طويلاً، سريع اللفظ، تفكيرُه محدودٌ، وهو مع كلِّ ذلك متواضعٌ وخدومٌ.
تمضي الأيام والشهورُ وجو يدورُ في نفس الحلقةِ من البيت إلى السوقِ ومن الشقاءِ إلى الأَلَمِ الذي كان يدقُّ قلبَه كلَّ مساءٍ عندما تجتمعُ العائلة، ويقبعُ هو في زاويةِ الغرفةِ يرقبُ ويتأمَّلُ ويحلمُ في عملٍ أفضلَ، بل كان يتمنَّى لو يستطيعُ الهروبَ من هذه العائلةِ والبلدةِ كلِّها إلى أيِّ مكانٍ؛ ليتخلصَ من معاناته التي يسبِّبُها له والداه بإهماله الشديد واحتضان أخيه جون حتى أصبح أنانياً وجشعاً ومُتعجرفاً حتى أن والده أرسله إلى المدرسة ليتعلم؛ فكان يحصلُ على كلِّ شيءٍ دونَ أنْ يقدِّمَ أيَّ شيءٍ.
يتبع
توقيع رياض محمد سليم حلايقه
 http://"]http://[/URL]
رياض محمد سليم حلايقه غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 13 / 09 / 2019, 23 : 10 AM   رقم المشاركة : [14]
ليلى مرجان
موظفة إدارية-قطاع التعليم العالي-حاصلة على الإجازة في الأدب العربي

 الصورة الرمزية ليلى مرجان
 





ليلى مرجان is on a distinguished road

بيانات موقعي

اصدار المنتدى: المغرب

رد: رواية رجل من الماضي على حلقات

نتابع بشغف
ليلى مرجان غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 14 / 09 / 2019, 32 : 07 AM   رقم المشاركة : [15]
رياض محمد سليم حلايقه
كاتب نور شديد الفاعلية

 الصورة الرمزية رياض محمد سليم حلايقه
 





رياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond repute

بيانات موقعي

اصدار المنتدى: الشيوخ - الخليل - فلسطين

رد: رواية رجل من الماضي على حلقات

ديفيد كلارك ذلك الصديقُ الوفيُّ الأكثرُ قرْبًا من جو، كان يمضي معه أوقاتِ فراغِه وما أقلَّها!
ديفيد من أسرةٍ متوسطةِ الحال، يعيشُ حياةَ الأغنياء فهو وحيدُ والديه، كان يرتدي أفضلَ الملابس، ويأكلُ أفضلَ الأطعمةِ، كان والدُه مُوظَّفاً هامّاً في شركةٍ لإنتاجِ الفحم، وقد طلبتْ الشركةُ منه مُؤخَّراً الانتقالَ إلى مدينة (اديسون)؛ ليستلمَ عمله الجديدَ بعد أن تلقَّى ترقيةً كبيرةً، فرحلَ إليها مع عائلته، لكنَّ ديفيد لم ينسَ صديقَه جو، بحثَ له عن عملٍ كما وعدَهُ حتى يكونَ قريباً منه.
كان حُلْمُ جو الابتعادَ عن البلدة يوماً ما، كان يعلمُ أنَّ والده لن يسمحَ له بذلك لأسبابٍ كثيرةٍ، منها خوفُه من فقدان تلك البنساتِ التي يقبضُها منه كلَّ مساءٍ.
في صبيحةِ ذلك اليوم تذكَّر جو صديقَه ديفيد تذكَّرَ اللقاءَ الأخيرَ بينهما عندما مرَّ أمامَ منزلِهم وشاهدَ الساحةَ التي جلسا فيها، كان يتراءى له خيالُ ديفيد وهو يُحدِّثُهُ.
قال ديفيد: لا تحزنْ يا جو، لن أنساك أبد، سأبحثُ لك عن عملٍ وسأرسلُ لكَ رِسالةً، أنا أعلمُ أنَّك تتألمُ وتريدُ الابتعادَ عن عائلتك، أعلم أنَّهم يسبِّبُون لك الأذى، أريدُ منك أن تكونَ سعيدًا وهذا واجبي.
قال جو: لن أنسى لك ذلك عزيزي، سأكونُ مُمْتَنًّا لك طول حياتي، الأمرُ أكثرُ من أن أحتملَهُ من والديَّ؛ إنَّهم يدمرونني كلَّ ليلةٍ، أنامُ وأنا أحترقُ ألمًا، أفيقُ وأنا أرتعدُ خوفاً من والدي الذي يلكزُني بقدمِهِ كلَّ صباحٍ كأني حيوانٌ، أعيشُ يومي خائِفًا من العصاباتِ والرصاصِ.
لحظةً مرَّتْ كالحُلْمِ تنفَّسَ الصُّعَدَاءَ عندما تذكَّرَ أنَّ ديفيد لن ينساه، واصل العملَ على أنغامِ ذلك الوعد.
مضتْ شهورٌ من المَلَلِ والأَلَمِ وأخيرًا وصلتْ رسالةٌ من ديفيدَ يطلبُ فيها من جو اللِّحاقَ به بعد أنْ حصلَ له على عملٍ بأجرةٍ جيِّدةٍ، كان جو سعيداً بتلك الرسالةِ التي ستُحقِّقُ له حُلماً طالما راودَه؛ ليبتعدَ عن البيت وذكرياته الحزينة المؤلمة مع عائلته، وكانت تلك الرسالةُ والتي فيها عنوان ديفيد والموعدُ الذي سينتظرُه فيه في محطةِ القطار -كما أخبرَه صديقٌ له قرأ تلك الرسالةَ له- المنقذ لجو.
مدينة جيرسي 1985
كان المتهمُ وحيداً في المَشفى بينما شرطيٌّ مُسلَّحٌ يجلس خلف الباب بزيِّهِ الرسميّ وسلاحه، يجلس على كرسيٍّ غير مُريح يقرأ في كتابٍ ما، ويجول بنظره يراقب المارَّةَ.
في تلك اللحظةِ كان المُحقِّقُ ورجالُه يتدارسون الموقفَ.
المحقق: ما رأيُكم بهذا الرجلِ؟
قال أحدُهم: لا بدَّ أنَّه رجلٌ خطيرٌ ومخادعٌ بل ممثلٌ بارعٌ، ألا ترى -يا سيدي- الثيابَ التي يلبسُها؟
قال آخرُ: أظنُّ أنَّه رجلٌ صادقٌ لكنَّه مريضٌ عقليّاً... إنَّه مجنونٌ.
قال آخرُ: إمَّا إنَّه سجينٌ هاربٌ أو جاسوسٌ أخفى شخصيَّتَهُ، وتَخَفَّى بهذه الملابسِ حتَّى لا يشكُّ به أحدٌ.
قال المُحقِّقُ: أنا أؤيدُ هذا الرأي؛ لذلك أرجو منكم إرسالَ صورتِهِ والإعلانَ عنه في كلِّ وسائلِ الإعلامِ.
بعد أيامٍ أخبرَ الطبيبُ المُحقِّقُ أنَّ الرجلَ بصحةٍ جيِّدةٍ؛ فأرسل المُحقِّقُ سيارةً لتأتيَ به إلى مقرِّ الشرطةِ لاستجوابه وحَجْزِهِ، عندما وصل الرجلُ بدأ المُحقِّقُ باستجوابه.
قال المُحقِّقُ: هل نمتَ جيِّدًا هذه الليلة؟
قال الرجل: لا أعتقدُ سيدي.
قال المحقق: هل تذكِّرْتَ شيئاً جديداً...؟
أرى أنَّك تُريدُ أنْ تقولَ شيئاً...
أليسَ كذلك؟
قال الرجل: نعم سيدي، أريدُ الخروجَ من هنا لأبحثَ عن عائلتي.
قال المحقق: لو ساعدتنا، لو قلتَ الحقيقةَ ستخرجُ بالتأكيد.
قال الرجل: أيُّ حقيقةٍ سيدي؟
الحقيقةُ التي أعرفُها ومتأكِّدٌ منها أنَّكم أفسدتُم كلَّ شيءٍ في بلدتي.
قال المُحقِّقُ: لا بأسَ... لكنْ أريدُ أن تقولَ لي أينَ كنتَ تعملُ أثناءَ غيابك عن البلدة كما سبق وأخبرتَنَا بذلك؟
لا تُنكرْ، وبالتأكيد تَعرفُ كيف وصلتَ إلى هنا.
عاد الرجلُ يضعُ يديه حولَ رأسه، ثم قال: أخبرتُكم بذلك سيدي.
قال المُحقِّقُ: أخبرني ثانيةً...
ربَّما تذكــــــرتَ شيئًا جديدًا؟
الرجل: عندما قرَّرْتُ العودةَ لبلدتي، وطلبت من أهل كوكب سيراتا أن يُرسلوني إلى ساحةِ البلدةِ -وذلك لأنِّي لا أعرفُ الطريق- طلبوا مني الاستلقاءَ على السرير وكنتُ في نشوةٍ كبيرةٍ، وأنا أحلُمُ بلقاء زوجتي وأبنائي بعد غيابِ شهورٍ عنهم- صمتَ الرجلُ قليلاً كأنَّه يتذكَّرُ تلك الأحداثَ الأخيرةَ له قبل الوقوعِ في قبضةِ الشرطة- ثُمَّ تابع:
كنت مُستلقياً على سريرٍ وكأنَّني أحلُمُ، وكنتُ أسمعُ حولي حركاتٍ غريبةٍ....
لقد كنتُ مريضاً سيدي، وفجأةً وجدتُ نفسي هنا حيثُ بلدتي.
قال المُحقِّقُ: أحسنْتَ، أحسنْتَ أيُّها الرجلُ، أيُّها الممثِّلُ البارعُ، لقد عرفْنا عنك كلَّ شيءٍ... كلَّ شيءٍ، أخذَ المُحقِّقُ يُصفِّقُ ويضحكُ بملءِ فِيهِ بكلِّ سُخريَّةٍ، ثم غضبَ غضباً شديداً وضرب بيده الضخمة على الطاولة؛ فوقف المتهم مرعوبا، ثم صاح بالشرطيِّ:
ألقِهِ في السجنِ، لا أريدُ أنْ أراهُ.
صاح الرجل: لماذا يا سيدي؟
أقسم أنِّي قلتُ الحقيقةَ.
أنا مظلومٌ وبريءٌ سيدي.
قال المُحقِّقُ: لا تُقسمْ يا رجلُ.
كلُّ كلامك كذبٌ وخداعٌ، ولا بدَّ من معرفةِ سرِّكَ قريباً.
طلبَ المُحقِّقُ من الشرطيِّ وضع جهاز تسجيلٍ في غرفة الرجل، لعله يُثرْثِرُ بكلامٍ يفيدُ في كشفِ هويته، لكنَّ الرجل لم يذكر سوى أرضَهُ وزوجَتَهُ وابنتَهُ سارة، كانَ يبكي بين الحينِ والآخرِ على ما يُلاقي من سوء مُعاملة وعقوبةٍ بلا ذنبٍ اقترفَه.
طلب النقيبُ جاك من المتهم الاستحمامَ، وأحضر له ملابس جديدة لم تلقَ القبول من المتهم، لبسَها على مَضَضٍ؛ لأنَّه اعتقدَ أنَّه سيكونُ شبيهاً بهم، بدَا المتهمُ بالملابس الجديدةِ شاباًّ وسيمًا، يبدو عليه في بدايةِ العقد الثالث من العمر، طلبَ النقيبُ أخْذَ صورٍ للمتهم، وأُعلن عنها في جميعِ وسائل الإعلامِ بعد أن تأكَّدَ من أنَّه يُعاني من مرضٍ نفسي وانفصامٍ في الشخصيةِ
مدينة بايون 1830
جو يستمعُ لصديقِهِ وهو يقرأُ الرسالةَ: عزيزي جو وجدتُ لك عملاً كما وعدتُك، عليك القدومُ فورًا، سأنتظرُك بعد ثلاثةِ أيَّامٍ في المحطة، ديفيد كلارك.
كان فرحُ جو كبيراً وسعادتُه لا حدودَ لها، ألقى السَّلَّةَ عن ظهرِهِ، رقص وغنى كأنَّ الدنيا أصبحت مِلْكَ يديه، وأن حُلْمَهُ الأكبرَ قد تَحَقَّقَ.
قال جو: خُذْ السلَّةَ صديقي، إنها لك، لن أنسى حياتي بينكم، تعلَّمْتُ الكثيرَ منكم، أريدُ منك أنْ تكتبَ رسالةً لوالدي، لنْ أخبرَه برحيلي خوفاً من أنْ يمنعَني من السفرِ، وأرجوكَ لا تخبرْ أحداً ريثما أغادرُ البلدةَ.
ثم احتضنه بين ذراعيه وودَّعَهُ وعاد إلى منزله مساءً.
قال في رسالةٍ مُختصرةٍ موجهةً لوالده:
"والدي العزيز، أحبُّكم جميعاً، لن أنساكم أبداً، وأنا مسافرٌ إلى بلدة (اديسون) للعملِ هناك، سأرسلُ لكم ما أستطيعُ من النقودِ؛ لأنَّكم بحاجةٍ لها أكثرَ مني.
التوقيع: ابنكم جو"
ترك جو الرسالةَ في البيتِ، غادرَ البلدةَ مُبكِّراً، لكنَّهُ كان قلقاً جداً، فهذه هي المرَّةُ الأولى التي يبتعد فيها عن أسرته ووالديه، وهي المرَّةُ الأولى التي يُسافرُ فيها خارج البلدة ويستقلُّ فيها القطارَ، وكان يخشى ألَّا يجد ديفيد بانتظاره، كما خشي أنْ يُواجهَ مشكلةً في العثور على منزله.

يتبع
توقيع رياض محمد سليم حلايقه
 http://"]http://[/URL]
رياض محمد سليم حلايقه غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 18 / 09 / 2019, 26 : 03 AM   رقم المشاركة : [16]
فاطمة الصنهاجي
تخصص آداب وشعر ، تهتم بالشعر وفن القول
 




فاطمة الصنهاجي is on a distinguished road

رد: رواية رجل من الماضي على حلقات

أسلوب سردي مشوق ... أتابع وباهتمام
فاطمة الصنهاجي غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 18 / 09 / 2019, 28 : 07 AM   رقم المشاركة : [17]
رياض محمد سليم حلايقه
كاتب نور شديد الفاعلية

 الصورة الرمزية رياض محمد سليم حلايقه
 





رياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond repute

بيانات موقعي

اصدار المنتدى: الشيوخ - الخليل - فلسطين

رد: رواية رجل من الماضي على حلقات

اقتباس
 عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ] المشاركة الأصلية كتبت بواسطة فاطمة الصنهاجي
أسلوب سردي مشوق ... أتابع وباهتمام

الاديبة فاطمة
شاكرا مروركم الكريم
احترامي
توقيع رياض محمد سليم حلايقه
 http://"]http://[/URL]
رياض محمد سليم حلايقه غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 18 / 09 / 2019, 31 : 07 AM   رقم المشاركة : [18]
رياض محمد سليم حلايقه
كاتب نور شديد الفاعلية

 الصورة الرمزية رياض محمد سليم حلايقه
 





رياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond reputeرياض محمد سليم حلايقه has a reputation beyond repute

بيانات موقعي

اصدار المنتدى: الشيوخ - الخليل - فلسطين

رد: رواية رجل من الماضي على حلقات


أفاقَ والدُ جو مُبكراً كعادته، لكنَّه لم يجدْ جو في فِراشِه، جالَ بعينيه حتى وقعتْ على الرسالةِ الموجودةِ في موقعٍ ظاهرٍ للعيانِ في زاويةِ البيتِ،.... نظرَ إليها وأخذ يتأمَّلُها، بدا عليه القلقُ؛... كان منظرُها يُوحي لهُ بشيءٍ غير طبيعيٍّ،.... إنَّه يعلمُ أنَّ جو لا يعرفُ الكتابةَ والقراءةَ...لكنَّه كانَ خائفاً.... التقطَ الرسالةَ وأخذَ يتفحَّصُها بعينين ثاقبتين، ثم نظرَ إلى جون....
كان يغطُّ في نومٍ عميقٍ، فموعدُ المدرسة لا زال بعيداً لكنَّه كان حائراً وخائفاً، فاضْطُرَّ لإيقاظِ جون من منامه؛ ليقرأَ له الكلماتِ الغامضة في تلك الرسالة الرهيبة، أخذ جون يقرأ رسالة جو....
كانت دموعُ والدتِهُ وأُخْتِهُ جوليت تنهمرُ، لكنَّ الأبَ كان غاضباً وأخذَ يُتمتمُ ثم ارتفعَ صوتُه وتكلَّم بكلامٍ غير مفهومٍ، لكنَّ الغضبَ سيطرَ عليهِ فتركَ البيتَ مُسرِعاً إلى حيث محطة القطار المتجهِ إلى البلدات المجاورة.
كانتْ المحطةُ فارغةً؛ غادرَ القطارُ قبل وصوله بفترةٍ طويلةٍ، جلس على الأرض وهو يتأمَّلُ سِكَّةَ الحديدِ، كانَ يأمَلُ لو يستطيعُ سحْبَ تلك السكةِ كأنَّها مربوطةٌ بحبلٍ؛ ليُعيدَ القطارَ إليهِ ويُخرجَ منهُ ابنَه جو ودموعُ عينيه الغزيرةُ تتساقطُ على الأرض....
كانتْ يداه تُمسكانِ بقضبانِ سكَّةِ الحديدِ وتشدَّانِ عليها بقوَّةٍ وعنف، كان الألَمُ يعصفُ بذراعيه وكتفيه ورأسه أيضاً، كانت الشمسُ قد بزغتْ ونشرتْ أشعَّتَها في كلِّ مكانٍ وتَسَمَّرَ مكانَهُ كتمثالٍ ونسيَ أنَّ موعِدَ العملِ قدْ حَانَ.
لقد أيقنَ أنّ جو غادرَ إلى الأبَدِ، وأنَّه لن يعودَ وكانَ يتمنَّى لو تعودُ عقاربُ الساعةِ للوراءِ ليَضُمَّ إليه جو بحبٍّ وحنانٍ ويعوِّضَهُ عن قسوةِ قلبِه وإهمالِه له؛ لأنَّه تأكَّدَ أنَّ جو قدْ هرَبَ من مُعاملتِهِ لهُ وأنَّهُ فقدَهُ إلى الأبَدِ.
مرَّ وقتٌ طويلٌ وهو يُعاني تأنيبَ الضميرِ، بينما كان جالساً على إليته رافعاً ركبتيه كَكُنغرٍ يراقبُ أعداءَهُ، ويداه ما زالتا تقبضان بقوةٍ بسكة الحديد، كان وقتاً عصيباً، كان يُخَيَّلُ إليه بينما -هو مُجهشٌ بالبكاءِ- أنَّ ابنَهُ هربَ من قسوتِهِ عليهِ وإهمالِهِ لهُ، وقد صارحَ نفسَهُ بحقيقة تفريغِ الضغطِ الذي كان يواجهُهُ من ربِّ العملِ في ابنِهِ المسكينِ الذي كان يعاملُهُ كعبدٍ أو حيوانٍ، لا يأبَهُ له إلَّا عندما يأخذُ منهُ ما حصلَ عليه من بنساتٍ، لِقاءَ شقاءِ ساعاتٍ، كان يقسو عليه في الكلامِ البذيءِ والنعتِ الذليلِ، وعندما تذكَّرَ خنوعَ ابنِهِ لهُ دونَ أنْ يُجيبَ عليه أو النظرِ في عينيه يتمزقُ ألماً وحزناً، وهو ذليلٌ يقبعُ في زاويةِ البيتِ حتى يغلبَهُ النعاسُ.
تذكَّرَ ساعاتِ الصباح الباكرِ في الشتاء القاسي حين كان يركَلُهُ بقدمه لينهضَ للعملِ وينهرُه بشدةٍ وينعتُه بالأبلهِ، تذكَّرَ عندما كان يَنْسَلُّ من الفراشِ ويذهبُ دون إفطارٍ إلى مصيرهِ المُتعبِ كأنَّه يريدُ الخلاصَ منه فيزداد في النحيبِ ويزداد الألمُ في صدرِه.
يُلملمُ والدُ جو نفسه ويجرُّ جسمَهُ المُنهَكَ عائداً إلى بيته كئيباً حزيناً وقد غابتْ عيناه تحت هولِ الدموع الحارقة كمريضٍ محمومٍ، عندما رأتْهُ زوجتُهُ بتلك الحالةِ التي تُضمرُ الشقاءَ والألمَ بَدَا عليها أنَّها أكثرُ شقاءً منه؛ لقد عادَ وحيداً دونَ ابنِه، فكَّرَتْ الزوجةُ:
لو أنَّها استسلمتْ لليأسِ لما استطاعتْ أنْ تتغلبَ على قسوةِ الحياةِ، كانتْ تنتحبُ ببطءٍ بجانبِ زوجِها، تشجَّعتْ قليلاً اقتربتْ منه وضعتْ راحةَ يدِها على رأسهِ تمسحُهُ بِرِفْقٍ وقالتْ له:
لا تُفَكِّرْ كثيرًا بجو لا يُمكنُ أنْ يُصيبَه مَكروهٌ، أنا أعرفُ ذلكَ إنَّه ولدٌ طيِّبٌ وشجاعٌ وسوفَ يتدبَّرُ أمرَهُ.
قالَ والد جو بصوت مخنوقٍ:
لقدْ قسوْنَا عليه كثيراً؛ لم نُشعرْهُ يوماً بأنَّهُ ابنَنَا، لم نُعطِهِ حقَّهُ من الحنانِ والحُبِّ، لقد كُنَّا السببَ في هَرَبِهِ، كانتْ جوليت على حقٍّ، لم نسمعْ لها ولم نأخذْ بنصيحتِها، كانتْ تشعرُ به أكثرَ منَّا وكأنَّها تعلمُ مصيرَهُ، يا للمسكينِ! كيف سيتدبَّرُ أمرَهُ في هذا الطقْسِ البارد؟ أينَ سينامُ؟
ماذا سيأكلُ؟
كيف سيعيشُ؟
لن أغفرَ لنفسي ذلك ما حييتُ... أبداً....أبداً.
القطارُ يسيرُ مُسرِعًا، صوتُ سكةِ الحديدِ تَئِنُّ تحتَ وطأةِ عجلاتِ القطارِ الحديديَّةِ، وهي تسيرُ بينَ التلالِ والسهولِ والركابِ في هرَجٍ وضحكٍ وفرَحٍ ومرَحٍ، سيطرتْ أصواتُهم على المكانِ كلِّهِ، بينما يجلسُ جو على كرسيِّهِ كئيباً كعادتِهِ يفكِّرُ في اللحظاتِ القادمة، أخذ يلومُ نفسَه على تركِ منزلِهِ وعائلته بتلك الطريقةِ، أيقنَ أنَّه تسرَّعَ في التصرُّفِ لكنْ لا مجالَ للعودةِ بعدَ الآنَ، كان في دُوَّامَةٍ كبيرةٍ كأنَّه لم يكنْ موجوداً مع الآخرين في العَرَبَةِ وإن كان جسدُه مُلْقًى في العربة كحقيبة ملابس.
مدينة جيرسي 1985
بعد ساعاتٍ فقط من نشرِ صورِ المُتَّهمِ وصلَتْ برقيَّةٌ من أحدِ مشافي الأمراضِ العقليَّةِ في بلدةِ (ترنتون) التي تبعدُ مسافةَ ألفِ كيلو مترٍعن البلدةِ، تُؤكِّدُ أنَّ هذا الرجلَ أحدُ نزلاءِ المَشفى، وأنَّ فريقاً برئاسةِ الطبيبِ المُشرفِ على المريضِ وبرفقةِ والديهِ سيحضُرونَ لاستلامِهِ ومعهم كتابٌ خَطِّيٌّ من المَشفى.
شعرَ النقيبُ جاك أنَّهُ أصابَ الهدفَ، وأنَّ تخمينَهُ كان صائباً، فكَّرَ النقيبُ بإصدارِ أمرٍ بالقبضِ على كلِّ أصحابِ السوابقِ للتحقيقِ معهم بخصوص الجثة، لكنَّهُ تراجعَ أخيراً، عندما فكَّرَ ثانيةً في البرقيَّةِ التي وردتْ من المَشفى:
"هذا غير مَنطقيٍّ أبداً، لا يُمكنُ أنْ أصدِّقَهُ" تمتمَ النقيبُ جاك، ثم صمتَ قليلاً بينما توجه الشرطيان بكلِّ حواسِّهما نحوَ النقيبِ وتابع قائلاً:
هلْ يُعقلُ يا سادةُ أنَّ رجلاً مَجنوناً يقطعُ هذه المسافةَ الطويلةَ من مدينة (ترنتون) إلى هنا.... شخصٌ مجنونٌ فاقدُ العقلِ لا يملكُ مالاً ولا هويَّةً؟
قال شرطيٌّ: سيصلُ غداً مُوظَّفُ المَشفى مع والديه وسنتحقَّقُ من الأمر، لا أظنُّ أنَّ والديه لا يعرفانِه، بالرغم من كلِّ الشكوكِ إلا أنَّ المُحقِّقَ ورجالَهُ وجدوا في هذه البرقيةِ نهايةً لمعاناةٍ استمرَّتْ أيَّاماً في التحقيق مع الرجل بلا فائدة، كان الرجلُ يتكلَّمُ بثقةٍ وشخصيَّةٍ قويَّةٍ حتَّى أنَّهُ لم يشكّ أحدٌ فيه أنَّه مجنونٌ.
تعافى المتهمُ قليلاً وأُعيدَ إلى غُرفةِ الحجزِ في مَقَرِّ الشرطةِ، أرادَ النقيبُ اختبارَ المُتَّهَمِ ليرَى ردَّةَ فِعْلِهِ بخصوصِ البرقيَّةِ التي وصلتْ من المَشفى، ومن خلف القضبانِ تحدَّثَ إليه المُحَقِّقُ:
لكَ مُفاجأةٌ سارَّةٌ أيُّها الرجلُ.
قال الرجل: هل وجدْتُم زوجتي وعائلتي؟
قال المُحقِّقُ: نعم، وجدْنا أمَّك وأباك، وسيحضرون قريباً لرؤيتك.
قال الرجل ضاحكاً: أمي وأبي!
واستمرَّ بالضحك.
قال المُحقِّقُ: لماذا تضحك؟
يبدو أنَّك تضحكُ من الفرحة، أليسَ كذلك؟
قال الرجلُ غاضباً: أتسخرُ مني سيدي؟
قال المُحقِّقُ: لا إنَّها الحقيقةُ، اتصلوا بنا وأكَّدُوا أنَّهم سيحضرون قريباً.
قال الرجل: لكن أبي وأمي ماتا قبل سنينَ طويلةٍ سيدي.
ذُهِلَ المُحقِّقُ من جواب الرجلِ، ووقفَ واجِماً للحظةٍ، واستغرب من ردَّةِ فِعْلِ المُتَّهَمِ الواثقِ من نفسه وهو يتكلَّمُ بجدٍّ فغضبَ ثم ترَكَهُ وغادرَ المكانَ إلى مكتبهِ.
اتَّصلَ المُحقِّقُ بالصحفيَّةِ، وطلبَ منها عدَمَ نشرَ أيَّةَ معلوماتٍ عن المتَّهمِ حتى يتحقَّقَ من الأمرِ، وأطلَعَها على فحْوَى برقيَّةِ المَشفى، وطلبَ منها حضورَ الجلسةِ.
عندما وصلَ الطبيبُ ووالدا الرجلِ إلى مركزِ الشرطَةِ واجتمعوا مع المُحقِّقِ ورجالِهِ بوجودِ الصحفيَّةِ، قال الطبيبُ للمُحقِّقِ: كان من المفروضِ أن تتصلوا بنا فورَ إلقاءِ القبضِ عليه، خاصَّةً وأنَّ سامَ يحملُ في عنقهِ سِلسالاً به كلُّ المعلوماتِ اللازمةِ عنه.
قال المُحقِّقُ: لم نجدْ معه شيئاً يثبتُ شخصيَّتَهُ، ويبدو أنَّهُ لا يعرفُ شيئاً؛ لذلك قمْنا بتعميمِ صورته في وسائل الإعلام، ولم نقرأْ أو نسمعْ أنَّ هناك مَريضاً مَفقوداً.
أحضرَ الشرطيُّ الرجلَ إلى غرفةِ التحقيق.
كانتْ الأمُّ قلقةً وفي شوقٍ شديدٍ لرؤيةِ ابنها وكان والدُه لا يقلُّ عنها فرحةً وسعادةً، كان الجميعُ يتوقَّعُ أن يقابلَ الرجلُ والدَيه بحرارةٍ، بعد غيابِ أيَّامٍ عنهم.
الجميعُ في لهفةٍ وشوقٍ لما سيحدُثُ عندما يدخلُ الرجلُ لمُقابلةِ والديهِ والحضورِ، وكان المحقِّقُ في حيرةٍ كبيرةٍ، ويترقَّبُ تلكَ اللحظةَ باهتمامٍ بالغٍ.
كانت سوزي تتوقَّعُ مفاجأةً كبيرةً خاصَّةً عندما قال الطبيبُ أنَّ اسمَ الرجلِ سام، والرجلُ يقولُ أنَّ اسمَهُ جو، وأنَّ أمَّه وأباه ماتا منذُ زمنٍ بعيدٍ.
قال المُحقِّقُ: أرجو من الجميع عدمَ التَّكَلُّمِ مع الرجلِ أو التحركِ عندما يدخلُ القاعةَ؛ لنرى إن كانَ يتعرَّفُ عليكم أم لا.
دخل الرجلُ برفقةِ الشرطيِّ ووقفَ جانباً كالعادةِ ظاناًّ أنَّه سيتعرَّضُ للتحقيقِ ككلِّ مرَّةٍ، لكنَّ الرجل التفتَ نحوَ الموجودين وتفحَّصهم ولم يحرِّكْ ساكنًا، فيما كانتْ الأمُّ، تحاولُ القيامَ إليهِ وضمِّهِ إلى صدرِها بعد هذا الغيابِ لولا أوامرُ المُحقِّقِ.
كانتْ مفاجأةً كبيرةً وصدمةً لوالديه ولطبيبِ المَشفى مِمَّا أدخلَ الشكَّ ثانيةً إلى عقلِ المُحقِّقِ ورجالِهِ.
قال المُحقِّقُ: أَلَا تتعرَّفُ على ضيوفِنا؟
انظرْ إليهم أَلَمْ تعرفْ أحداً منهم؟ ألم تقابلْهم من قبلُ؟
قال الرجل: لا أعتقدُ سيدي.
رمقَ النقيبُ الأمَّ بنظرةٍ فيها إيحاءٌ لها، أنْ تتقدَّمَ نحوَ المُتَّهمِ- ابنِها كما تَدَّعي- وكما هو واضحٌ من لهفتِها عليهِ وحُزنِها الشديدِ لما آلتْ إليهِ حالُهُ، كأنَّها تجلسُ على الجمر في انتظارِ السماحِ لها بأخْذِه في أحضانها ومعانقَتِهِ، وقفتْ الأمُّ وعلى شفتيها ابتسامةٌ رقيقةٌ حنونةٌ وهي مُجهشةٌ بالبكاء الصامتِ دون أن تنبسَ ببنتِ شفةٍ، تقدَّمتْ نحو الشابِّ بحذَرٍ، في حين اتَّجهتْ كلُّ الأنظارِ نحوَهما في انتباهٍ يشوبُه القلقُ، بدَا على المُتهمِ العُبوسُ والتجهُّمُ وضاقتْ عيناهُ وبدَتْ نواجِذُهُ مُحملقاً في السيدةِ، وقالَ لهَا بعدَ أنْ اقتربتْ منه كثيراً: ماذا تريدين مني سيدتي؟
أرجوكِ ابتعدي عني، لو علمتْ زوجتي بذلك، لغضبتْ منكِ أشدَّ الغضبِ.
قال المُحقِّقُ: إنَّها والدتُك يا رجلُ! أَلَا تعرفُها؟ وهذا والدُك، انظر كم هو سعيد لرؤيتك! كان الوالد واقفاً مُتحمِّساً للقائه.
قال الطبيبُ: ماذا أصابَك يا سامُ؟
هل نسيتَ أمَّك وأباك؟
كنتَ تحتضِنُهم كلمَّا جاءوا لزيارتِك في المَشفى، جئْنا لنُعيدَك لإكمالِ العلاجِ.
قال الرجلُ: سام! عمَّن تتحدَّثُ؟
لا بدَّ أنَّك تعني رجلاً آخرَ، أنا اسمي جو، جو مارتن ويلسون، وأنا لا أعرفُكم، ولم أرَ أحداً منكم من قبلُ.
ثم التفتَ نحوَ المُحقِّقِ وقالَ:
أرجوكَ سيدي لا تصدِّقْهم، والديَّ ماتا قبل سنينَ طويلةٍ كما أخبرتُك، وأنا أعيشُ مع زوجتي وأولادي منذُ زمنٍ طويل، فابنتي تبلغ أربعةَ عشرَ عاماً، ولا أدري من أينَ جاءَ هؤلاءِ الرجالُ؟
قال الطبيب بعد أن قام من مكانه ووقف أمام الرجل:
سيد سام، يبدو أنَّك متعبٌ لعدم تناولك الدواء اللازم في موعده، ما جعلك تنسى حتى والديك.
تقدم الأبُ وتقدمت الأمُّ نحو الرجل والمحقق والجميع يتابعون ما سيحدث، مد الأبُ يده نحو الرجل مصافحًا إياه، تراجع الرجل قليلاً ولم يتكلم، كانت الأمُّ أكثرَ جرأةٍ من الأب وأكثر شوقاً وحناناً له، لكنَّها كانت خائفة ترتجف، نظرت إليه بحب وحنان، تأملته جيداً، حدَّقت فيه وفي عينيه.... صرختْ الأمُّ بصوتٍ مرتفع وهي تتراجعُ إلى الوراء وتردِّدُ: مستحيلٌ، مستحيلٌ، ورمتْ بنفسها بأحضان زوجها، ما زالتْ تبكي وسط استغراب الجميع حتى زوجها، نهض الجميعُ فزعين دون أن يعلموا سببَ بُكائها.
ما زالت الأم تردد: مستحيل، مستحيل.
قال الزوج: ما هو المستحيل عزيزتي؟
قالت الأم: عيناه انظر إليهما، إنَّهما مُخيفتان تلمعُ كالجمر، كعيون الحيوانات في الليل.
أجلسَ الزوج زوجته تقدَّمَ نحو الرجلِ يُرافقه الطبيبُ، ونظر في عيني الرجل بإمعان ثم قال: حقًّا إنَّهما مُخيفتان.
نظر إلى الطبيبِ ثم أمسكَ بربطة عنقه وقال بغضبٍ:
ماذا فعلتم بابني؟
ماذا فعلتم به يا دكتورُ؟
ماذا؟
وأخذ يبكي أيضًا.
قال الطبيب: لم نفعلْ به شيئًا، أقسمُ على ذلك.
قالت الأم بصوتٍ مرتفعٍ: إنَّه سام، إنَّه ابني، لكن عيناه...
وأخذتْ تبكي وتتأمَّلُ ابنَها.
وقالتْ: عيناه ليستْ عيونَ بشرٍ أبدًا، هذا مستحيلٌ.
أكَّدَ الطبيبُ أنَّه سام، لكنَّه يتقمَّصُ شخصيةَ رجلٍ آخرَ؛ لأنَّه مصابٌ بفقدان الذاكرةِ وانفصامِ الشخصيةِ.
كان المحققُ متردداً في اتخاذ أي قرار بعدما سمع أقوالاً متناقضةً حتَّى من الذين يدَّعون أنَّه ابنُهم، والطبيبِ المشرفِ على علاجه، خاصةً وأنَّ الرجلَ أنكرَ معرفتَه لأيٍّ منهم.
بعد انتهاء الجلسةِ الأولى بين النقيب جاك والمتهم، مع مَن وصلوا من المشفى من مدينةِ بايون ومع كلِّ التأكيدات التي طرحوها أنَّ الشاب- المتهم- هو ابنُهم الذي يُعالَج في مشفى الأمراض العقليةِ والذي تمكَّن من الهربِ، أُعيدَ المتهمُ إلى غرفةِ الحجز؛ ليقبعَ وحيداً من جديدٍ بانتظار تحقيقٍ آخر، لكنَّه كان سعيداً؛ لأنَّه تخلَّص من هؤلاء الذين جاؤوا ليأخذوه بعيداً عن بلدته، حملقَ المتهمُ في السقف والنافذةِ ذات القضبان الحديديةِ السميكة، ونظر إلى السماء وذهب بعيداً يستذكر محطاتٍ من حياته السالفة.
يتبع
توقيع رياض محمد سليم حلايقه
 http://"]http://[/URL]
رياض محمد سليم حلايقه غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
الماضي, حلقات, رواية


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 50 : 10 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.
Tranz By Almuhajir *:*:* تطوير ضيف المهاجر
Ads Organizer 3.0.3 by Analytics - Distance Education

الآراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الإدارة وتمثل رأي كاتبها فقط
جميع حقوق النشر والتوزيع محفوظة لمؤسسة نور الأدب والأديبة هدى نورالدين الخطيب © ®
لا يجوز نشر أو نسخ أي من المواد الواردة في الموقع دون إذن من الأديبة هدى الخطيب
مؤسسة نور الأدب مؤسسة دولية غير ربحية مرخصة وفقاً لقوانين المؤسسات الدولية غير الربحية

خدمة Rss ||  خدمة Rss2 || أرشيف المنتدى "خريطة المنتدى" || خريطة المنتدى للمواضيع || أقسام المنتدى

|