أنت غير مسجل في منتديات نور الأدب . للتسجيل الرجاء إضغط هنـا
 
رفعتُ يديّ لربِّ السماء
بكيتُ وأجريتُ دمعَ الرجاء
بأن يجعلَ الله كلَّ فضائي
وعمري وروحي رؤايَ هوائي
زمانا من الحبّ دون انطفاء


اهداءات نور الأدب


آخر 10 مشاركات إرهاصات حب    <->    وطني ...!    <->    ها قد اكتشفت ...    <->    حكمة اليوم - ملف تعده يومياً مرمر يوسف    <->    رواية رجل من الماضي على حلقات    <->    تهنئتك تكفيني .. حبيبي !    <->    وطنيات    <->    رسائل إلى الأبد    <->    حين أكتب لك تصير قامة الورد أحلى    <->    قرأت لك نصا مختلفا ( مزيدا من التفاعل والاهتمام -لو تفضلتم- )    <->   
مواضيع ننصح بقراءتها أحوالنا بين الأمس واليوم /للشاعر غالب أحمد الغول      قراءة مقتضبة في رواية : سيرة حمار لحسن أوريد      وقفة وجدانية مع (قهوة الروح) للأديبة هدى نور الدين الخطيب      رسائل إلى الأبد      محطات جمالية في قصائد المبدع الشاعر طلعت سقيرق      أيلول الخواطر      قرأت لك نصا مختلفا ( مزيدا من التفاعل والاهتمام -لو تفضلتم- )      إرهاصات حب
   
 
العودة   منتديات نور الأدب > مـرافئ الأدب > هيئة النقد الأدبي > الفعاليات والمسابقات الأدبية...
التسجيل المنتديات موضوع جديددعوة الأصدقاء التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة
 
   

الفعاليات والمسابقات الأدبية... المسابقات الأدبية لمختلف أصناف الشعر والأدب

الإستطلاع: أرجو قراءة كل رواية على حدا والتصويت
خيارات إستطلاع
أرجو قراءة كل رواية على حدا والتصويت

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
قديم 08 / 05 / 2018, 42 : 10 PM   المشاركة رقم: 1
المعلومات
الكاتب:
هدى نورالدين الخطيب
اللقب:
المدير العام المؤسسة وصاحبة حقوق النشر والترخيص، إجازة في الأدب، دبلوم فلسفة، الترجمة، دراسات عليا في التاريخ - أديبة وقاصّة وصحفية - عدد من الأوسمة وشهادات التقدير الرسمية – مهتمة بتحقيق وتنقيح التاريخ القديم – مؤلفات أدبية وفي الدراسات المقارنة
الرتبة:

الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية هدى نورالدين الخطيب

البيانات
التسجيل: 11 / 12 / 2007
العضوية: 3
المشاركات: 10,209 [+]
بمعدل : 2.38 يوميا
اخر زياره : [+]
الدولة: canada
الاقامه : كندا-من مدينة حيفا فلسطين، ولدت ونشأت في لبنان ووالدتي لبنانية ، بانتظار العودة إلى حيفا - فلسطين
علم الدوله :  canada
معدل التقييم: 20378
نقاط التقييم: 101680
هدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond repute
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
هدى نورالدين الخطيب غير متصل
وسائل الإتصال:

المنتدى : الفعاليات والمسابقات الأدبية...
Llahmuh استفتاء جماهيري - الرواية - مسابقة نور الأدب الكبرى 2018


تحية نور أدبية إبداعية ..
نبدأ على بركة الله نشر النصوص المشاركة في مسابقة


الملف الأول خاص بالرواية :
1-

((مـراكـبي
المجتمعات المهزومة))

2-

(( رغم الاعتقال ))


قراءة ممتعة ومفيدة أرجوها لكم

بانتظار القراءة والتقييم الذي سيكون له 25% من العلامات ، هذا ويحق للزوار المشاركة في الاستطلاع والتصويت

مع أعمق آيات التقدير والاحترام


للمزيد من مواضيعي

 




hsjtjhx [lhidvd - hgv,hdm lshfrm k,v hgH]f hg;fvn 2018 lshfrm hgH]f hglahv;m hgv,hdm


نور الأدب











***   كل عام وانتم بخير  ***

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

ارفع رأسك عالياً/ بعيداً عن تزييف التاريخ أنت وحدك من سلالة كل الأنبياء الرسل..

ارفع رأسك عالياً فلغتك لغة القرآن الكريم والملائكة وأهل الجنّة..

ارفع رأسك عالياً فأنت العريق وأنت التاريخ وكل الأصالة شرف المحتد وكرم ونقاء النسب وابتداع الحروف من بعض مكارمك وأنت فجر الإنسانية والقيم كلما استشرس ظلام الشر في طغيانه..

ارفع رأسك عالياً فأنت عربي..

هدى الخطيب

إن القتيل مضرجاً بدموعه = مثل القتيل مضرجاً بدمائه
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

الأديب والشاعر الكبير طلعت سقيرق
أغلى الناس والأحبة والأهل والأصدقاء
كفى بك داء أن ترى الموت شافياً = وحسب المنايا أن يكن أمانيا
_________________________________________
متى ستعود يا غالي وفي أي ربيع ياسميني فكل النوافذ والأبواب مشّرعة تنتظر عودتك بين أحلام سراب ودموع تأبى أن تستقر في جرارها؟!!
محال أن أتعود على غيابك وأتعايش معه فأنت طلعت

عرض البوم صور هدى نورالدين الخطيب   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 08 / 05 / 2018, 46 : 11 PM   المشاركة رقم: 2
المعلومات
الكاتب:
هدى نورالدين الخطيب
اللقب:
المدير العام المؤسسة وصاحبة حقوق النشر والترخيص، إجازة في الأدب، دبلوم فلسفة، الترجمة، دراسات عليا في التاريخ - أديبة وقاصّة وصحفية - عدد من الأوسمة وشهادات التقدير الرسمية – مهتمة بتحقيق وتنقيح التاريخ القديم – مؤلفات أدبية وفي الدراسات المقارنة
الرتبة:

الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية هدى نورالدين الخطيب

البيانات
التسجيل: 11 / 12 / 2007
العضوية: 3
المشاركات: 10,209 [+]
بمعدل : 2.38 يوميا
اخر زياره : [+]
الدولة: canada
الاقامه : كندا-من مدينة حيفا فلسطين، ولدت ونشأت في لبنان ووالدتي لبنانية ، بانتظار العودة إلى حيفا - فلسطين
علم الدوله :  canada
معدل التقييم: 20378
نقاط التقييم: 101680
هدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond repute
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
هدى نورالدين الخطيب غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : هدى نورالدين الخطيب المنتدى : الفعاليات والمسابقات الأدبية...
رد: استطلاع جماهيري - الرواية - المشاركة في مسابقة نور الأدب الكبرى 2018

((مـراكـبي

المجتمعات المهزومة))
-1-

ذات صباح،
فتحت عينيّ وكان القذى قد ملأ أطراف الحدقتين.
شعرت برغبة بالبكاء، أردت ان أتطهّر من آثار الخنوع الذي طال في مقامي.
لم يقدر الدمع القليل الذي انحدر على وجنتيّ من إعادتي إلى عوالمي التي كنت أتوق إليها.
وبعد ساعات، كنت في طريقي إلى المرفأ، وكان الصباح يحدّثني، يهمس في أذني.
كانت الطيور تغرّد وهي تحلّق فوق رأسي، وفي الأفق لاحت بضع غيوم تلبّدت على استحياء.
ذات صباح،
فتحت عينيّ وكان القذى قد ملأ أطراف الحدقتين.
نظرت إلى المياه الهادرة في قلب البحر المائج.
كانت هناك دعوة ملقاة عند أطراف قدميّ الحافيتين.
لم تقدر الأمواج المندفعة على مسحها.
وكانت الدلافين تتراقص مندفعة نحوي بلهفة.
ناجيتها، لثمتها، عطّرتها بحبر الماء المالح.
كنت قد قضيت بضعة أشهر في تلك البلاد، عبثاً حاولت البقاء حيًّا في مجتمع غلبه النعاس.
بقيتُ ساعات طويلة أحدّق بالمراكب الصغيرة المترنّحة
لوّح لي البحّارة بسواعدهم القويّة التي لوّنتها أشعة الشمس الحارقة.
كانت بعض النساء تنتظر على أحرّ من الجمر عودة الأحبّة.
كان البحر كريماً ذلك الصباح
لم يقضم من رجالات البحر أحدًا.
كان البحر كريماً ذلك الصباح.
-2-
بدأت مسح آثار الزمن عن مركبي، كان الصدأ قد هاجم سطحه الخارجي وبدا قديمًا، متعبًا ومهجورًا - مركبي بدأت بغسله بالماء وما تيسّر من المساحيق والصابون.
تجمّع من حولي بعض المعارف
ولم تمضِ سوى لحظات حتّى غاصت أيديهم في العمل المضني.
أخذ الجميع يعملون على إستعادة النظارة التي كان يتمتّع بها مركبي يومًا ما.
أشاروا إلى عمق البحر فهززت رأسي موافقًا.
شعرت برغبتهم الشديدة بمرافقتي ولكن، أنا ابن الضياع والتيه، لا أدري وجهة أشرعتي ولا أدري إذا كنت أنوي مخالفة الرياح.
أثق بالرياح والعواصف التي تهبّ دون إنذار أترك لها القيادة وتحديد المصير.
من يقدر على احتمال المجهول فليصعد إلى مركبي؟
صعد النجّار وكان يعلم مسبقًا بأنّي لا أملك ما أقدّمه له.
صعدت راقصة كانت تعمل في الحانة الوحيدة الموجودة في الحيّ.
صَعِدَ الأعمى دون تردّد، وكان وَقْعُ عصاه يضرب سطح المركب باحثًا عن الطريق.
صَعِدَ قاتلٌ فرّ من السجن قبل يومين.
أخذ المركب يمتلئ بما هبّ ودبّ من البشر.
ولم أكن وقتها قادرًا على منعهم من مرافقتي.
ولو كانوا يعرفون حجم المغامرة لما بقي فوق مركبي سوى القليل.
في صباح اليوم التالي كانت عيناي مليئة بالقذى.
كانت هذه إشارة لمغادرة المرفأ على عجل.
كانت عيناي مليئة بالقذى
شعرت بالغصّة تملأ جوانحي.
عدت إلى مركبي لتحضيره للسفر.
وكان ضيوفي قد قضوا ليلتهم فوق سطحه الخشن حين رأوني بدأت العمل مجدّدًا.
هرعوا لمساعدتي، بدأ النجّار برتق حفر ظهرت في جوانب المركب.
أخذت الراقصة تنظّف سطح المركب بماء البحر.
لم يمضِ وقتُ طويل حتّى أخذ أصدقائي الجدد بالغناء
كانوا يتحرّقون شوقًا للمضي في أعماق البحر المجهولة
وكنت أخشى عليهم ظلمة الليالي الباردة، ومجون الأمواج التي لا ترحم مسافر.
كنت أخشى عليهم رغبة البحر بالحصول على ضرائبه الباهظة.
ما بال الأعمى لا يهدأ؟
إنّه يحسن تحضير الطعام
إنّه طبّاخ ماهر.
لم تمضِ سوى ساعات حتى كان الطعام جاهزًا
رائحة الخبز الساخن تدغدغ المعدة، وانقضّ الجميع على القدور الشهيّة.
الأعمى كان صاحب بصيرة نافذة
لقد أنقذنا الساعة من جحيم الجوع
أصابنا النعاس بعد أن تناولنا كلّ ما جادت به يد الأعمى
غبنا في سبات طويل وعندما استيقظنا من النوم ثانية كان القذى يملأ عينيّ
لقد كان هذا نذير شؤم يا قوم
لقد كان هذا نذير شؤم.
-3-
حضرت نورا إليّ باكية، ركعت أمامي وقبّلت يدي، ثمّ قالت:
- تريد الهرب من عالمي؟ أجبتها:
- نعم، أريد الهرب من عالمك، ليس منك يا نورا أهرب، ليس منك.
- ألم يكن عالمي عالمك ويومي غدك!

ذاكرة الزمن قصيرة
أخشى أن أصاب بالعمى
أخشى تداخل اللحظات الميّتة وانحسار الموج عند أطراف أصابعي
أخشى أن ينسى المولى طيفي في لجّة الترف
سال الدمع على وجنتيها، وأضافت:
- أتعود إليّ قريبًا؟
- اصعدي إلى مركبي يا نورا!
- زرقة الموج في انتظارنا. قالت غاضبة:
- إنّها غانية، ساقطة، راقصة

أشارت إلى ليلى فوق سطح المركب.
- لكنّ روحها حرّة كالموج المنكسر عند أصل قدميك
- لا تصعدي المركب يا نورا، قلبك اليوم أسود
مراكبي تلفظ القيود
مراكبي أغنية
مراكبي تشتهي الورود
مراكبي أحجية.

أدارت نورا ظهرها لمركبي ومضت غاضبة
في تلك اللحظة، سقط حجابٌ فوق وجهها
في تلك اللحظة، بَدَتْ نورا وكأنّها أصيبت بالعمى
هزّ الأعمى برأسه متحسّرًا.
كان قد أبصر مشاعرها الشبقة ولهفتها، نورا كانت تسعى لامتلاك روحي المتمرّدة،
نورا تناست أجنحتها المجّنحة.
كانت قادرة على السير فوق الماء، كانت قادرة على السباحة مع الدلافين لكن الليل حلّ على حين غفلة.

-4-

بدأ الفضوليون يتجّمعون عند مركبي، وأخذ الباعة المتوجوّلون يقضون ساعاتٍ طويلة هناك
حتّى العشّاق أخذوا يحدّدون المواعيد عند أطراف مركبي.
وما زالت الراقصة تهزّ جسدها من شدّة الفرح
كانت روحها تتوق للمضيّ في أعماق البحار
وسرعان ما انضمّت إلى مركبي غجريّة سمراء تغري وجه القمر
قالت: سأقرأ كفّك طِوال حياتي يا ربّان، دَعني أستدعي ملائكة الرحمن يحرسون مركبك
يَحْمون روحك من عبث الزمان.

كنت حزينًا
توارت عن عينيّ نورا
وكان لها في قلبي مودّة
كان لها في قلبي مكان

جلست قِبالة الشاطئ على صخرة
وأخذت أضرب بالحصى عيون البحر المندلقة
عند أطراف الرمل الدافئ
كانت الطيور في الأعلى تحدّق، تنتظر فريسة
كان النهار يمضي والحياة تصيح عند مركبي
اثنان جلسا ليس بعيدًا عن صومعتي
كانت عيونهم تتحدّث
قالت الفتاة: بارك حبّنا
خذنا بعيدًا عن هذا الزمان
خذنا بعيدًا عن هذا الزمان!

صعد العاشقان إلى مركبي
ومن بعيد لاح لي وجه صاحبي سليمان
- لقد حسمت أمري، أنا صاعد إلى المركب، أحضرت ما يكفي من الطعام والشراب، للسفر حول الدنيا
غدًا سأفرغ حمولتي إلى المركب.

- لا مكان للتجارة على مركبي يا سليمان،
- أنا الآن لست تاجرًا، أنا الآن مجرّد إنسان.
ازداد الحزن في قلبي
كنت أرغب بالإبحار وحيدًا
أطوف عالمًا محته ذاكرة الزمان
أمواج البحر تطول حتى الغربة
والوحدة تحدّق بأعينها الواعدة
من يقدر على احتمال كلّ هذه الحرقة؟
كلّ هذه الحرقة.

-5-

حيّرني أمر الجنرال الذي حضر دونما مواربة
خلع الرُتَب عن بدلته العسكرية ورماها عند قدميّ وصاح:
- لقد سئمت القتال من أجل حصد الأرواح،
سئمت القتال من أجل القتال.
إليك رتبي وسلاحي، سأغادر على مركبك هذي البلاد،
أفضّل مواجهة المجهول والعبث مع الجداول وشياطين البحر،
دعني أحرق السأم وأقلب القيم المستحدثة،
دعني أصبّ لعنتي ولعنة سلاحي على من يستحق ذلك.

لم ينتظر جوابي ومضى إلى المركب محيّيًا، مزمجرًا،
وسرعان ما أخذت روح المقاتل تتكلم في ذاته،
كان يرغب في ترتيب مركبي وفرض حالة من النظام،
ولم يمضِ وقتٌ طويل حتّى تلقّى صفعة من الأعمى،
وبعد ذلك حلّ صمت قاتل وتعانق الإثنان على عجل.
وما زلت أتساءل:
- لماذا لا يتركوني وشأني؟
أنا أبحث عن ذاتي بعد أن همس المولى في أذني.

نظرت إلى الملأ وكانت عيونهم تهمس قائلة:
- ونحن نبحث عن ذاتنا! دَعنا نسير معك إلى المجهول
ربّما تطهّرت أرواحنا بعد أن طال بنا السبات والقهر.

كانت تضع على رأسها منديلا شفّافًا أسود،
وكان الحزن ظاهرًا في عينيها، إنّها الأرملة الشابّة جيهان،
تنظر إلى المركب وكلّها رجاء.
كانت قد نذرت جسدها للصلاة وفاءً لعهد حبيبها المغدور.
رفضت كافّة الرجال الذين تقدّموا للزواج منها
رفضت الموت في سرير رجلٍ آخر، وبقيت شفتاها شقّي حبّة تين سال الشهد من بين أطرافها، دعوة لمهادنة الدنيا والموت عند حدود اللذّة
صعدت جيهان إلى المركب.
تحفّز الرجال، شهقت الحناجر، لكنّ سهام عينيها أصابت منهم مقتلا.
جيهان تركت قلبها عند مثوى درويش وأحاطت جسدها بدرعٍ من نار وبقيت ثمرة تكاد تسقط ناضجة عن الأغصان، ثمرة شهية وعبقة، وأنا لا أدري كيف أبحر بكلّ هذه الأحمال يا ربّي؟
كيف سأبحر بكلّ هذه الأشعار يا ربّي!

-6-

أخذ الدرك يكثرون من تجوالهم ومراقبتهم لمركبي
كانوا يسألون ويستفسرون عن سرّ هذا المركب!
وكان الحاكم قد أخذ يشعر بالقلق.
وكان الحاكم على حقّ، لقد أضحت رحلتي قيد أيّام، ولن أترك خلفي سوى ذيلا أبيضًا يرغي زبدًا، وكان النسيان في طريقه إلى تلك البلدة.

كان صاحب الدرك يتساءل عن سرّ هذا الهرج، جميع الذين صعدوا إلى المركب أصيبوا بفرحٍ غريب لا يوصف.
أخبرني صاحب الدرك بأنّه سيفلت من مهمّته في اللحظة الأخيرة، سيصعد قبل إقلاع المركب، ولن ينظر إلى الخلف أبدًا، وكان على خطأ!
كيف لكلّ هؤلاء أن ينسوا بداياتهم؟
كيف لهم أن ينسوا أحبّتهم؟
كيف لهم أن ينسوا الورد الذي قطفوه ووضعوه في جدائل فتيات الحيّ، في ليالٍ تضيئها أقمار الحبّ!
كيف لهم أن ينسوا الكستناء المتفرقعة فوق كوانين الشتاء؟
حين تصبح المياه برّهم وتصبح الأمواج سماءهم
سيتذكّرون كلّ هذا، ويسيل الدمع حارقاً فوق الوجنتين يسقي جياع اليمّ.
ومن بعيد، انطلق صوت عزف على البيانو، في البداية بدا خافتًا.
كانت الأصابع تتلاحق خلف الأوتار خشية أن تفلت نغمة، في عرض السماء.
والملائكة تستمع، وينداح النداء صلاة خاشعة تناجي القلوب المتحجّرة.
- استيقظوا من النوم يا أبنائي لقد حان وقت الوداع
حان وقت الوداع.

ما الذي أنْتَظِره يا تُرى؟
أخشى البدء بهذه المغامرة،
أخشى اكتشاف الحقيقة،
أخشى الصعود نحو الهاوية،
أخشى نبضات قلب أمي،
ولهفة الأخت التي لم تعد تنتظرني بعد الآن.

وحيدًا في مواجهة هذا القدر،
سأمضي قريبًا إلى عين العاصفة،
سأغوص عميقًا في قلب محارة،
لن أخشى الموت مرّتين،
لقد وُلِدْتُ يومًا ما وهذا يكفي،
حَبْلُ الصُرّة انقطع ولا عودة عن الحياة،
لا عودة عن الحياة؟

-7-

اللهفة،
تعصف بي اللهفة،
قرر القاضي استدعائي على عجل،
وبدأت معاناتي مع أهل الجهل القابعين فوق مصائر العباد،
- أنت تخلّ بأمن البلاد؟
- اطردوني، أبعدوني، دَعوني أبْحِرُ بعيدًا عن عالمكم،
- نحن لا نُصْدِرُ الأوامر جِزافًا، لقد عيّنا محاميًا يمثّلك في أروقة المحكمة.
- هل أنا متّهم؟
- نعم، حتّى تثبت براءتك.
- لكنّ المقولة تقول عَكْسَ ذلك!
- هل لديك إثباتًا أو دليل؟
- المقولة تنص عَكْس ذلك، أنتم تظلمون التاريخ.

كان المحامي ولا يزال أطرشًا،
لكنّه يُحْسِنُ الاستماع، يقنعك بأنّه يفهم قضيتك، سيستميت بالدفاع عن حقوقك المشروعة،
- حقوقي في الأشرعة التي تنتظرني عند الميناء.

كان عليّ الفرار ذات صباح، وها قد هاجم القذى عينيّ مجدّدًا، وأنا لا أملك سلاحًا سوى هذه المهانة، يا لها من غمامة!

- حضرة القاضي، محامي الدفاع لا يسمع،
- محامي الدفاع مصابٌ بالصمم!
- هل تتّهمنا بالتقصير؟
- بل أتّهمك بالتحقير!

- لماذا تريد مغادرة البلاد؟
- ولماذا البقاء سيدي القاضي؟
أنا ذاهب للقاء مصيري،
لا أقدر على البقاء في مدائن مخنوقة.
- ولماذا صَعِدَ إلى مركبك كلّ هؤلاء؟
- إنّهم ضائعون ويبحثون عن عالمهم الآخر، لعلّهم يجدونه في التيه الأكبر.
- سنصعد إلى مركبك للتفتيش؟
- وماذا تنتظرون؟
- سنحطّم المركب إذا ثبت وجود ما يخلّ بالقانون!
- والفأس تجدونه في بيتي
- ما كلّ هذه الثقة، أنت متعجرف!
- بل إنسان يبحث عن ذرّاتي المسكوبة في الأثير.

صمت القاضي طويلا ثمّ تاه في عالمه الخاص، وكان ثرثارًا للغاية.

-8-


صاحب الدرك أخفى القاتل عن الأنظار،
وبقي الحرس خاوي الوفاض.
كان القاضي قد قال لي الكثير بصمته،
كان قلبه يتمزّق ما بين الحكم على مركبي، أو الدعوة ومباركة ليالي العشق القادمة على مشط موجة!
نورا كانت تخشى كرامتها المكلومة، وكان حجابٌ سقط على وجهها المستدير.
نورا حبّي الكبير، نورا أغرب كتابٍ قرأته في حياتي، كتاب نورا مكتوب بلغات غير مفهومة.
حين أدارت ظهرها لمركبي بكى النورس، غادر شواطئي وطار في الأفق البعيد، كان في انتظار نوارسي رصاصة صيّاد، سقطت إحداها عند قمّة تلّ،
وكان هذا نذير شؤم يا نورا، وأنا ما زلت أذكر عينيك.
كان الليل يلفّ جيد ليلى حين همست
- أتعود؟
التقت أعيننا لوهلة.
نورا ذهبت تبحث عن كِسَرِ روحها في مرآة النسيان.
لم تبتعد قبّرتي عن مفاتيح الدنيا العابرة، المرأة في ذاتها ضلّت الطريق،
هزّت ليلى رأسها وقالت:
- قلب المرأة دليلها يا قبطان،
المطبخ لا يتّسع إلا لامرأة واحدة، وعلى مركبك لا يوجد سوى مطبخًا واحدًا، ليلى ستغادر مركبك الليلة.
- لن يبحر المركب دونك يا فاضلة
هذا مركب الحياة
قلب المرأة ليس مطبخ؟
لن يبحر المركب دونك يا..
-9-
عمل الجميع على تحميل المواد الغذائية والمعلّبات الى مخزن المركب.
ذلك الصباح استيقظت وعينايّ صافيتان
أدركت بأنّ نذر الشؤم قد اختبأت
وقرّرت رفع المراسي ومعانقة الأفق ومجاراة النوارس
ذلك الصباح فتح الخالق أبواب معمورته ودعاني إلى بحاره
لا بدّ من تلبية النداء، لا تقولي وداعًا يا نورا
أنت لا تدركين ثقل الغروب حين يردّد الخلق أغاني الصباح
عيناي صافية ويدي بيضاء
والأشرعة رُفِعَتْ وسط هتاف الحضور
ومن بعيد، كان هناك زورق صغير ينتظر ابتعاد المركب عن الشاطئ
من بعيد كان صاحب الدرك والقاضي والقاتل في الانتظار
سألني البعض كيف تصحب معك قاتل يا قبطان؟
لهذا الرجل حكاية سنسمعها وسط البحر يا سادة
لا تخشوا الغدر فهو يخشى روحه الآثمة الآن
كان القاضي يحمل بين يديه قطته المرقّطة
نظر اليّ وقال راجيًا:
- أتسمح؟
- لن أردّك يا قاضينا ولو رافقك نمر أو أسد، اصعد فالريح مواتية، والقدر اليوم يضحك.
مضى المركب نحو عرض البحر، شعرت في الحلق غصّة.
كان جزء من قلبي الدامي يقطن هناك، والقيود ما زالت تخنق ربيع البلاد.
كنت أشاهد أثر الغمامة السوداء تطوّق مدينتي، وكانت أحداث مدمّرة على وشك الانفجار هناك
كنت أشاهد ملاك الموت يُطيلُ النَظرَ إلى مدينتي
آهٍ يا مدينة الشتات!
إلى متى يا مدينتي؟
إلى متى يا مدن المجتمعات المهزومة؟

عدالة زِنّار
-1-
تعافت عيناي بعد أن ابتعدنا عن أضواء المدينة، وسرعان ما بدأ الغناء يصدح فوق المركب.
بدأت ليلى بالرقص المحموم، قالت بأنّها ترقص من أجلي
قالت بأنّني المخلّص،
قالت بأنّني أملها الأخير،
وكانت على استعداد للتضحية بحياتها من أجلي، وأصبح المركب منزلها الجديد.
للمرّة الأولى شاهدت الأعمى يبتسم، كانت مياه البحر تعصف بجسده الهزيل.
لماذا لا تبتعد عن تيّار الماء المالح يا صاحبي؟
أريد ان أتألم، أريد أن أشعر بإنسانيّتي
بعد قليل هرعت القطّة (سميّة) لتجلس بين قدمي الأعمى.
- لماذا أسميتها سميّة يا قاضي؟
- كانت زوجتي تحبّها كثيرًا.
أسميتها سميّة بعد أن ماتت زوجتي سميّة.
كان القاتل يجلس طِوال الوقت وحيدًا، وكان القاضي يدرك حيرتي وقلقي.
لا تخشى من مروان يا قبطان،
وما قصة هذا الرجل؟
في تلك المدينة التي اختفت عن أنظارنا يا قبطان
كان هناك رجلٌ قاسي القلب، كثيرًا ما كان يضرب أطفاله ويناكد زوجته، وكان الخمر يفقده رشده ويرمي به الى عالم الجهالة.
مروان هذا جار يطرق الحديد، يقتات بطيّ المعادن والفولاذ،
أنظر إلى ساعديه القويّتين.
في تلك الليلة كان الصراخ شديدًا، وكان جار مروان يبحث عن آخر المال من أجل زجاجة،
ضرب أمّ الأولاد ونهر الصغار حين تدخّل صاحبنا، لم يكن يدرك قوّة ساعديه.
حاول فقط أن يبعد جاره الثمل عن أهل بيته، رفعه من رقبته فكسرها.
اتّهمه البعض بأنّه على علاقة غرامية مع الزوجة،
بقي في السجن ردحًا من الزمن قبل أن نمكّنه من الهرب.
- أنت يا قاضي؟
- نعم، لقد دفع ثمنًا باهظًا، عشر سنوات في السجن تكفي.
-2-
انسلّت ليلى إلى قمرتي، أغلقت البوّابة الصغيرة، أزاحت شالها عن خصرها النحيل
- ماذا تريدين يا ليلى؟
أرجوك غادري قمرتي.
- جسدي الفاني يسعى إليك، لا تردّني، دَعْني أستلقي إلى جانبك، أشعر بالبرد، أشعر بالخطيئة تأكل أضلعي، هذه الليلة يا قبطان أنا ملك يديك.
اهجرني، حادثني ولكن، لا تبعدني عن عالمك.
- لماذا يا ليلى، ألا يكفيك رجال المركب؟
جميعهم يتشوّقون لهذا الجسد!
- أشعر بالخوف يا قبطان،
- لقد رقصت طويلا وهذا نذير شؤم
هل تشعرين بحضوره الثقيل؟
هناك شيء ما يتربّص بالمركب، قوّة لا يقدر على مواجهتها أحد.
- جميعنا مستهدفون يا قبطان.
- حسنًا، ابقِ في قمرتي، لا تخشي شرًا يا ليلى، ولا تخبري أحدًا عن مخاوفك، أخشى حمّى الفوضى والهلع.
- من هو يا تُرى؟
سألت ليلى وقد أصابها الفضول.
- إنّه صديق قديم، لكنّه ما زال يدين لي بالكثير.
لامس جسدها جانبي، أمسكت أطراف أصابعي، لثمتها، شعرت بأصابعها تتخلّل خصائل شعري، كانت تلهث وراء سراب وجدته جميلا، بل مستحيلا.
أبعدتها برفق عنّي وهمست في أذنها،
- لم يحن الوقت لهذا، عليّ مواجهة زِنّار.
في اليوم التالي كان الصمت ما يزال مخيّمًا على المركب، تلبّدت الغيوم فوق المركب تمامًا،
كان العاشقان يقبعان في إحدى الزوايا، لم أسمع صوتهما منذ أن انطلقنا في رحلتنا البريّة.
((فارس وحورية)).
أجابني سليمان حين سألت عن قصّتهم.
- قصتهم تطول يا قبطان، هل لديك متّسع من الوقت الآن؟
- بل فيما بعد.
ألا ترى الغيوم قد تلبّدت فوق مركبي؟
ما معنى كلّ هذا؟
السماء من حولنا صافية، مركبنا هذا مستهدف يا قبطان.
هززت رأسي موافقًا.
وهمست قائلا،
- لقد أتى زِنّار
-3-
أصيب الجميع بالهلع بعد أن وقفت غمامة فوق المركب تمامًا؟
غمامة سوداء حجبت الأضواء وبدأت تمدّ أذرعها حول المركب.
بعد وهلة أصبحت الأذرع حقيقة، كانت كبيرة وعملاقة.
أمسكت بأطراف المركب وأجبرته على الوقوف، ثمّ أخذت تدير المركب حول نفسه وكأنّه لعبة صغيرة،
وقع البعض وبدأ آخرون بالتقيّؤ، وضعت شريطًا أسودًا فوق رأسي، صرخت بأعلى صوتي
- أنا هنا يا زِنّار، لا تكن جبانًا، اظهر!
سمعته يضحك عابثًا، لكنّه سرعان ما أوقف المركب عن الدوران، نظرت إلى البحر، كان زِنّار قد رَفع المركب قليلا عن سطح المياه،كنّا معلّقين في الهواء، لعنة الله عليك يا زِنّار!
كان زِنّار متمسّكًا بالمركب بكلّ قوّته هذه المرّة، لم أعهده قاسيًا لهذه الدرجة، هناك أمرٌ ما يخيفه ويقلقه.
كان من المستحيل التملّص من يديه وشباكه.
للمرّة الأولى يتجرّأ ويرفع مركبي عن سطح الماء، كأنّه يخشى انزلاق المركب هربًا من سطوته.
- نحن كما ترى بين يديك يا زِنّار، أخبرني الآن: ما هي ضريبتك؟
ما الذي تريده من مركبي يا حارس البحار.
عندها ظهر زِنّار برأسه الضخم ولحيته الكثيفة.
- لقد نسيت بأنّك قبيح إلى هذا الحدّ يا صديقي، لم يكن مزاجه جيّدًا ولم يستسغ مزاحي.
أفلت طرف المركب الأيمن فضرب سطح الماء.
شعر الجميع بهول الضربة وتقيّا البعض مجددًا.
- أنا لست قبيحًا، احترم نفسك وإلا!
- حسنًا يا زِنّار، أعتذر عمّا بدر منّي.
- أنا لست قبيحًا، أنا عاشق!
ضرب زِنّار طرف المركب الأيسر فاستقرّ المركب فوق الماء
أخذت دموعه تنهمر، وكاد المركب يغرق
صوت نواحه كان هادرًا وعاصفًا
- زِنّار، على رسلك يا عملاق،
أرجوك توقّف عن الصراخ والبكاء.
جميلٌ أن تكون عاشقًا، ولكن
- ولكن ماذا؟
صرخ زِنّار مهمومًا.
- نحن قادرون على مساعدتك يا صديقي.
أدركت بأنّها لا تعيره أدنى انتباه، أدركت بأنّها لا تبادله مشاعر المحبّة.
بدأنا بتنظيف وغسل لحيته وشعر رأسه طِوال النهار، استخدمنا السلالم من أجل الوصول إلى رأسه، وكنّا طِوال الوقت نغنّي، وكانت ليلى ترقص وتبتسم
شعر زِنّار بالارتياح. غسلناه بماه البحر المالح، وعندما أشرف النهار على الانتهاء، كنّا متعبين ومرهقين، وكان زِنّار في غاية الألق.
فرح كثيرًا واصطاد بكفيه بضع سمكات كبيرة، رماها على سطح المركب وضحك طَرَبًا.
- افتحوا لي الطريق.
صاح الأعمى حين سمع صوت السمك يضرب أرض المركب.
- لقد حان دوري.
بدأ الأعمى بتقطيع السمك وطهيه.
تقدّم الجنرال وساعد الأعمى في مهمّته.
وأخذ زِنّار يراقب انعكاس صورته فوق مياه البحر.
-4-
- من تكون حبيبة القلب يا زِنّار؟
- لا بأس يا قبطان، دَعك من أمر عشيقتي.
- لم تكن يومًا أجمل ممّا أنت عليه الآن!
- هذا لن يعفيك من المساءلة.
- المساءلة يا زِنّار؟ ومتى حاولت الهرب من العدالة؟
- عليك أن تشرح الكثير من الأمور.
- لن أتفوّه بكلمة واحدة قبل أن تخبرني عن عشيقة قلبك، من هي المرأة التي كادت أن تودي بمركبنا إلى الهلاك يا زِنّار؟
- إنّها ملكة الجزر جُمانَة، فاجأني طيفها قبل أيام، وما زلت أطلب ودّها .. لكنّ العاهرة اللعينة..
- على مهلك يا زِنّار، جُمانة ليست بالصيد السهل يا فتى!
- أنت تعرف من تكن أمّها، أليس كذلك؟
- وأنا أمير البحار يا قبطان، أنا زِنّار، فؤادي قدّ من الزهر والاقحوان.
هي ملكة الجزر وأمّها عِنّابة إلهة المحيطات!
لكنّها بعيدة، وهذا لا يخصّها يا قبطان.
فضّلت الصمت وكان زِنّار قد هدأ.
مضى من الوقت يضع ساعات وما زال العملاق يسدّ الطريق في وجه مركبي.
يبدو بأنّ الأمر يفوق إرادته حقًّا،
أخيرًا نظرت إلى عينيه الحزينتين وهمست:
- إلى متى تقف في وجهي يا زِنّار؟
مركبك مليءٌ بالخطايا
- من تقصد؟ لا يوجد من هو معصوم عن الخطيئة يا رجل.
- فوق مركبك يوجد قاتل.
- تقصد مروان؟
- لا يمكنني التسامح مع هذا أبدًا، هناك أوامر عليا وأنت تفهم قصدي.
أشار زِنّار بيده التي شقّت السحاب إلى الأعلى
- زِنّار، هناك قاضٍ في مركبي
هل تقبل بالمحاججة، إنّه أفضل قاضٍ رأته عيني.
- قاضي القضاة يا قبطان؟ ليكن ذلك.
أنا لا أخشى شيئًا، ليكن النزال بيني وبين قاضيك الليلة.
حضر مروان برفقة قاضي القضاة وجلسا القرفصاء فوق المركب.
همستُ في أذن زِنّار، أخبرته بأنّه يحجب ضوء القمر
أخبرته بأنّه حجب أشعة الشمس أيضًا طِوالَ النهار!
لم يعجبه حديثي بالطبع، لكنّه عدّل جلسته ليبان القمر فوق مركبي، أدّى ذلك إلى تموّج المركب طويلا بعد ذلك.
- هل أنت راضٍ يا قبطان؟
- نعم، لنبدأ يا زِنّار.
نظر المارد إلى مروان وقال بسخرية واضحة:
- اعترف بذنبك يا فتى ولننهِ هذه المهزلة.
- نعم، أنا مذنب، إذا كان هذا يُريحُك وشرطك لإطلاق سراح المركب.
- بل هي الحقيقة يا مروان!
عندها صاح قاضي القضاة قائلا:
- السيّدات والسادة، عزيزي زِنّار، موكّلي مروان دفع الثمن، وعاقب والدًا كاد أن يزهق أرواح أولاده، رجل حوّل حياة زوجته إلى جحيم.
مروان يا سادة إنسان كادح بسيط، لم يتمكن من السيطرة على نفسه.
زمجر زِنّار صائحًا:
- وقاتل، قاتل!
من خوّله بالقيام بهذه الجريمة النكراء؟
لقد تعدّى على حقوق الخالق، لن تمرّوا يا أجانب، خطيئته تثقل موازني السماء.
- لقد بقي في السجن فترة ليست بالقصيرة يا زِنّار!
- وماذا لو تاب الرجل وتوقّف عن مناكدة زوجته وضرب أولاده؟
ماذا لو عاد إلى رشده وأصبح مواطنًا صالحًا يا قاضي القضاة؟
طأطأ القاضي رأسه ولم يعرف بم يجيب.
قدّمنا الطعام والشراب لمروان، ودّعناه طويلا، كان الرجل مطمئنًا وراضٍ عن مصيره.
وكنت آخر من عانقه.

مدّ مروان يديه نحو زِنّار وقال بهدوء يُحْسَدُ عليه:
- هيّا بنا يا زِنّار، أنا جاهز.
وفي تلك اللحظة مدّ العملاق اصبعه نحو المركب، لم يتردّد مروان لحظة بارتقاء طرف إصبعه.
كان زِنّار حذرًا حين رفعه إلى الأعلى.
وضع مروان في أحد الجيوب عند طرف لفافة تكوّمت أعلى ظهره.
لم يكن بإمكاننا رؤية مروان، لكنّه كان سعيدًا بتلك النهاية.
ارتفع زِنّار فوق المياه مخلّفًا وراءه زوبعة مائية.
دار المركب على نفسه، لكنّه سرعان ما عاد إلى هدوئه المعهود.
عادت الحياة إلى رتابتها، لم يجرؤ أحد أن يسأل عن مصير مروان بعد ذلك.
لم يجرؤ أحد السؤال عن مصير مروان.
-5-
كانت أيامٌ عصيبة تلك التي تلت لقاء زِنّار.
أصابتني الحيرة وكنت غالبًا ما أسأل نفسي:
- هل كان عليّ حقًّا اصطحاب هذه المصائر على ظهر مركبي؟
هل كان عليّ تسليم مروان بهذه السهولة؟
كنت غاضبًا، لم أكن أتوقّع ظهور زِنّار وقطع الطريق أمام مركبي.
حاول الأعمى مؤازرتي ومحاباتي وتخفيف وقع الصدمة على روحي.
حاول الجنرال صفع الهواء ولعن المارد وأشباهه.
لكن الأمور كانت قد خرجت عن السيطرة، أخذ كلّ من على المركب يخشى الآخر
بل يخشى نفسه، يخشى خطاياه!
وكانوا يهادنون أنفسهم، نحن لسنا قتلة، نحن لسنا مروان!
كانوا يحاولون وزن أعمالهم بالميزان
هل سيحين دور أحدهم قريبًا؟
سألني البعض محاولا أن يبرّئ نفسه.
ابتسمت وقلت لهم بأنّني لست معصومًا عن الخطيئة كذلك.
أنا لست بريئًا أمام نفسي وربّي، كان عليكم البقاء في مدينة النسيان، هناك حيث لا حساب ولا عقاب.
النسيان الذي لفّ المدينة بأكبر عِقابٍ واجهته منذ أن وطأتها الطيور يومًا.
وحدها الأرملة جيهان كانت غير نادمة على هذه المغامرة.
وحدهما ((فارس والحورية)) كانا غارقين في صلاة الغرام.
أدركوا بأنّ النسيان والسأم الذي خيّم على المدينة بمثابة أكبر عقاب.
عندها تذكّرت نورا مجدّدًا.
شعرت بأنّها مريضة.
شعرت بأنّ نبضات قلبها تتصاعد، ما بين الموت والخفقات.
نورا كانت تعاني فراقي ولكن، كأنّ حجابًا سقط فوق وجهها منذ رفضت وجود
ليلى!
لم تكن قادرة على الإحساس بالمركب وقبطانه.
جاءني القاضي، همس في أذني:
- ليلى تتنقّل من قمرة إلى أخرى،
ليلى لم تترك رجلا إلاّ وعاشرته يا قبطان، أليس هذا العمل خطيئة؟
أخشى المجهول، هذه العاهرة!
- أسكتْ يا قاضي! تمهّل قبل أن تُطْلِقَ الأحكام.
أين محاميها، أين لسان حالها؟
- أنت طيّب القلب، أنت مغفّل!
أنت طيّب القلب، لكنّك لست مُرْسَلْ!
- أنا إنسان يا قاضينا وهذه مسؤولية.
ليتك تُدْرِكُ معنى أن تكون إنسانًا!



------يتبع--------












***   كل عام وانتم بخير  ***

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

ارفع رأسك عالياً/ بعيداً عن تزييف التاريخ أنت وحدك من سلالة كل الأنبياء الرسل..

ارفع رأسك عالياً فلغتك لغة القرآن الكريم والملائكة وأهل الجنّة..

ارفع رأسك عالياً فأنت العريق وأنت التاريخ وكل الأصالة شرف المحتد وكرم ونقاء النسب وابتداع الحروف من بعض مكارمك وأنت فجر الإنسانية والقيم كلما استشرس ظلام الشر في طغيانه..

ارفع رأسك عالياً فأنت عربي..

هدى الخطيب

إن القتيل مضرجاً بدموعه = مثل القتيل مضرجاً بدمائه
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

الأديب والشاعر الكبير طلعت سقيرق
أغلى الناس والأحبة والأهل والأصدقاء
كفى بك داء أن ترى الموت شافياً = وحسب المنايا أن يكن أمانيا
_________________________________________
متى ستعود يا غالي وفي أي ربيع ياسميني فكل النوافذ والأبواب مشّرعة تنتظر عودتك بين أحلام سراب ودموع تأبى أن تستقر في جرارها؟!!
محال أن أتعود على غيابك وأتعايش معه فأنت طلعت

عرض البوم صور هدى نورالدين الخطيب   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 09 / 05 / 2018, 40 : 12 AM   المشاركة رقم: 3
المعلومات
الكاتب:
هدى نورالدين الخطيب
اللقب:
المدير العام المؤسسة وصاحبة حقوق النشر والترخيص، إجازة في الأدب، دبلوم فلسفة، الترجمة، دراسات عليا في التاريخ - أديبة وقاصّة وصحفية - عدد من الأوسمة وشهادات التقدير الرسمية – مهتمة بتحقيق وتنقيح التاريخ القديم – مؤلفات أدبية وفي الدراسات المقارنة
الرتبة:

الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية هدى نورالدين الخطيب

البيانات
التسجيل: 11 / 12 / 2007
العضوية: 3
المشاركات: 10,209 [+]
بمعدل : 2.38 يوميا
اخر زياره : [+]
الدولة: canada
الاقامه : كندا-من مدينة حيفا فلسطين، ولدت ونشأت في لبنان ووالدتي لبنانية ، بانتظار العودة إلى حيفا - فلسطين
علم الدوله :  canada
معدل التقييم: 20378
نقاط التقييم: 101680
هدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond repute
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
هدى نورالدين الخطيب غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : هدى نورالدين الخطيب المنتدى : الفعاليات والمسابقات الأدبية...
رد: استطلاع جماهيري - الرواية - المشاركة في مسابقة نور الأدب الكبرى 2018

-2-

هجرتني جُمانة برهة من الزمن، كانت قد اقتنصت رجلا آخر.
أخذت تمتصّ رحيقه يومًا بعد يوم.
كان الرجل مستهترًا، رفض تناول أعاصير الحياة.
لم يمضِ شهر على حضوره حتّى نفق.
كان قد خسر قبل ذلك نصف وزنه.
ألقوا بجثّته إلى عالم السمك، عالمٌ لا يهدأ ولا تشبع!
إذن، هذا مصير الرجال الذين يفقدون رجولتهم.
لماذا لم تتخلّص منّي جُمانة؟
ومن قال بأنّي لن أفعل؟
أنا لا أخشاك، لا أخشاك.

شوقي لمركبي لا ينقطع.
أكاد أتمزّق لهفة.
أصبت بحالة من الكآبة القاتلة، أصبحت ثقيل الظلّ في تلك الجزيرة.
كنت أتحدّى، أحاول أن أضع جُمانة تحت الأمر الواقع.
لكنّها تمتلك الوقت كلّه.
كانت تتحكّم بعامل الزمن، وكنت أنا كالعصفور المبلّل بمياه المطر، أنتظر معجزة، أنتظر الخلاص من عالم الحكايا.
كنت كالمفجوع، وكانت هي لا تتوقّف عن الضحك.
كيف لي أن أقهر إرادتها؟
وفي تلك الأثناء، كان الجنرال يعدّ العدّة!

صاح الجنرال:
- لن أتخلّى عنك يا قبطان، أنا ذاهبٌ لتحطيم الجزيرة.
- هذه ليست معركتنا! صاح البعض، هذه ليست معركتنا.

قفز مجموعة من الرجال إلى الرمل، وما أن لامست أقدامهم السطح حتّى غاصوا في مياه البحر.
كان الرمل مجرّد خدعة بصريّة، وأخذوا يسبحون عائدين إلى المركب.

رأيت كلّ هذا بإذنٍ جُمانة، كانت تضحكُ في البداية، لكنّها غضبت بعد ذلك وصاحت:
- إنّهم يحبّونك ويحترمونك يا قبطان.
ربّما يحبّون أنفسهم أيضًا، ألا يعرفون بأنّهم غير قادرين حتّى على الاقتراب من الجزيرة؟
- لماذا كلّ هذه الأسئلة يا جُمانة؟
تستطيعين الخلاص منهم في أيّ لحظة تشائين!



-3-


أعلنت الاضراب عن الطعام، رفضت تناول الشراب بل وحتّى الماء.
لكنّي سرعان ما مددت يدي إلى الماء العذب.
بدأ جسدي الهزيل يموت ببطء، كأنّي في سجن مفتوح، كأنّ الخوف والأحلام كلّ ما يحمي الجزيرة!
شعرت بأنّ كلّ شيءٍ سراب، حتّى الحارس القويّ كان تراب.
لا شيء سوى جُمانة، أكاد ألمس مركبي، أراه شامخًا أمامي.
كيف تمكّنت جُمانة من تحقيق هذه الخدعة؟
كيف سجنتني دون سجن؟
زارتني جُمانة، كنت أستعد لتحدّي القدر.
قالت حزينة، للمرّة الأولى حزينة.
- لم يفكّر رجل بهجري يا قبطان، لكنّك ملكت الشجاعة للعودة إلى عالمك!
- أنتِ لست بحاجة إلى قبطان ميّت!
- أريدك أن ترى شيئًا قبل أن تغادر.

أدركت بأنّها قد اقتنعت بقراري.
سألتها وقد لاح الخوفُ على تقاسيم وجهي.
- أخبريني يا جُمانة، كم مضى على وجودي فوق هذه الجزيرة؟
قالت مبتسمة:
- مضى على وجودك يومًا واحدًا فقط.
- هذا غير معقول! مستحيل!
- كلّ شيء نسبيّ يا قبطان.
لا تصدّق كلّ ما تراه عيناك.
- لقد مضى على وجودي ما يزيد على السنة.
أجابت:
- لا يمكن لرجل احتمال الحياة على هذه الجزيرة سوى يوم.
أحيانًا تطول الدقيقة لدهر من الزمن، وأحيانًا تقصر السنة لأقلّ من لحظة.
- كيف هذا يا جُمانة؟
- قلبك هائم هناك، صاحبتك نورا في غيبوبة عميقة، روحها تصارع من أجل الإنفلات من الجسد.
إنّها مريضة يا قبطان!
- وكيف لي مساعدتها؟
- اذهب إلى المحيطات، حاول أن تقابل أمّي عِنَابة.
كُنْ حَذِرًا، أخبرها بأنّك آتٍ من طرف جُمانة، لا تقاطعها حين تتحدّث، لا تقاطعونها حين تتحدّث.



-4-


لم تكن هناك حاجة لطمر الرمل المحيط بالمركب.
اختفى الرمل على عجل وارتفع الشراعُ عاليًا فوق المركب.
- كم مضى من الوقت منذ مغادرتي المركب؟
كان هذا سؤالي الأول.
- اللعينة، لقد خطفتك طِوال النهار.
لم أكرّر سؤالي ثانية، يا لنا من جهلة نحن البشر!
نهار واحد فقط، لكنّي حسبته الدهر كلّه.

- كنت أنوي غزو الجزيرة!
صاح الجنرال غاضبًا.
ضحكت في قرارة نفسي، وأدركت مدى العجز الذي يلفّ نهارنا ووجودنا الهزيل.
كنت أراها في البعيد، عيناها كتلةٌ من لهب.
جُمانة امرأة قادرة على تحطيم قلوب الرجال دون هوادة.
لهفتي وحرقتي ونورا البعيدة القريبة،كلّ هذا ساعد في خلاصي.
أمّا الجنرال ورغبته الباهتة في القتال فكانت، مجرّد فقاعة انفجرت عند أوّل امتحان.
أصبحنا لوهلة مجموعة من الغرباء فوق مركب ضلّ الطريق.
لوهلة أصبح كلّ منّا يبحث عن خلاصه
ولكن، لم يجرؤ أحد على مغادرة المركب.
وما زال في قصّتي بقية.

نفخت جُمانة ببعض اللهب الذي يعتمل في روحها.
ومضى المركب على عجل.
ابتعدنا عن شواطئها المذلّة، وسرعان ما بان لنا باطن البحر الأزرق الجميل.
شعرت بشيءٍ من الحريّة يهاجم خلايا جسدي، عدت مجدّداً سيّد الموقف.

حضرت جيهان إلى طرفي، وقرأت في أعينها مئات الأسئلة
والآن يا سيّدي – إلى أين؟
أحاول أن أبتسم يا جيهان، لعلّ الخالق يُشْفِقُ على حالنا، نورا ما بين الموت والحياة، وأنا ما زلت عاشق.



نداء الروح

-1-


كنت في حالة من الانسجام مع ذاتي، شعور من يبرأ من مرضٍ عضال.
لذّة من يحتسي قطرات الماء العذب بعد طول عطش.
لذّة من يجد السرير بعد أيّامٍ من العمل والتعب،
لذّة من يجد الحبيب بعد طول غياب، يأخذه في حضنه ويبكي على كتفه.
بدأ الخلاف يظهر ما بين فارس وحورية، العاشقان اللذان لم يسمحا لأحدٍ الإقتراب من عالميهما!
لم أشأ التدخّل، كان الصمت يخيّم على محيطهما، امتنعوا عن مشاركتنا في تناول الطعام، هربوا من سهرات الفرح والرقص في الليالي البيضاء.
وكان البرد القاتل يخيّم على وجهيهما.
يا لها من أحجية، تلك العلاقة!
كيف يمكن أن ينقلب الإنسان على خلّه بهذه السرعة؟
كيف يسمح الإنسان حرق مشاعره على نارٍ هادئة، معذّباً صاحبه وحبيبه؟
لا بدّ أنّ الدافع كبير للغاية.
هكذا كنت أتوقّع، أتصوّر.
إلا أنّ الحقيقة أبسط من ذلك بكثير، ربّما نسي أن يهمس في أذنها "أحبّك" ذات صباح.
ربّما تذكّر أمرًا في ماضيه البعيد، أمرٌ أنساه واقعه وحبيبة القلب ما تزال عاتبة.
جاءني القاضي يومًا وقال:
- لا بدّ أن نرسي في أحد الموانئ، أو ربّما على جزيرة أو يابسة ما، المسافرون في أمسّ الحاجة لذلك يا قبطان.
- إذن لنبحث عن يابسة يا قاضينا، لنبحث عن يابسة.

-2-
وصلنا إلى جزيرة خضراء مليئة بالزهور والروائح العذبة.
طلبت من جميع رفاقي مغادرة المركب، سوى فارس وحورية.
وقف الاثنان أمامي وكلاهما ينظر ناحيتي،
كأنّه يخشى لقاء عينيّ حبيب يقف بالجوار.
- لماذا يا فارس، لماذا يا حورية؟
عندها تدفّقت الدموع من عينيها غزيرة وهمست،
- إنّها ليلى، ليلى هي السبب.
لقد غافلني وذهب إلى مهجعها، حين فاجأته كان يعتليها ويلهث فوقها محمومًا!ا
لم أشعر به هكذا في فراشي، روح فارس هي الخائنة وليس جسده!
هل تظنّون بأنّ قلب المرأة المتزوجة فارغ؟
ألا تعلمون بأنّ المرأة عند الإغريق إلهة، إلهة.
صفعته بشدّة على وجهه.
طأطأ فارِس رأسه واحتدّت نظرته.
خِلْتُها في تلك اللحظة نظرة سوداء!
لم يحاول مرّة واحدة الدفاع عن نفسه، لكنّه همس حزينًا:
- أحيانًا يتحوّل الرجل إلى حيوان.
في تلك اللحظة يا حورية، كنت مجرّد حيوان، حيوان!
كنت على ثقة بأنّها وحيدة، وكان هو كلّ ما تملك تلك المرأة.
حورية كانت في تلك اللحظة كرمة جافّة.
أرملة، ممزّقة، كرامتها مهدورة، بساتينها محروقة، ودارها مهجورة. أبقيت الأمر سرًّا بيننا،كنت قلقًا بشأن ليلى أيضًا.
وكنت أشدّ قلقًا بشأن حورية،كنت قلقًا بشأن الجميع، وكان عليّ أن أقرّر.
طلبت من فارِس البقاء بعيدًا عن حورية.
لاحظ الجميع الجفاء والفراق الذي حلّ بين الحبيبين.
ولاحظوا رغبتي الجادّة بعدم السماح لأحد بالتدخّل إطلاقًا.
كانت مهمّتي صعبة للغاية، ولكن..
- إلى متى هذا العبث يا ليلى؟
قالت ليلى بكلّ هدوءٍ وجرأة:
- أتظنّني عاهرة؟
- بل أنت من تقولين ذلك!
- لم أجبر أحدًا من رجالاتك على مضاجعتي.
أنا زنبقة تبحث عن غذاء.
تبحث عن مياه جارية مِلؤها الحياة.
الرجال هم طعامي يا قبطان، وآخرهم كان فارس.
- لماذا فارس بالذات يا ليلى؟
- كان يراقبني طِوال الوقت، لم يُبعد نظره عنّي لحظة واحدة.
فارس كان يلتهمني كلّما شاهدني، أقرأ الشبق في عينيه.
شاهدته مرّة يسترق السمع وأنا أئنّ لذّة تحت..
- كفى أرجوك، هذا يكفي.
- لا يمكنك أن تقف ضدّ التيار،كان سيفعلها مع ليلى أو غيرها.
- وما ذنب المسكينة حورية؟
- لا يا قبطان، حورية ليست مسكينة!
لا تكن ساذجًا، كان عليها أن تقرأ روحه.
هززت رأسي وقلت آسفًا:
- لكنّها عاشقة يا ليلى، العاشق لا يقرأ
سوى إملاءات القلب.

------يتبع--------












***   كل عام وانتم بخير  ***

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

ارفع رأسك عالياً/ بعيداً عن تزييف التاريخ أنت وحدك من سلالة كل الأنبياء الرسل..

ارفع رأسك عالياً فلغتك لغة القرآن الكريم والملائكة وأهل الجنّة..

ارفع رأسك عالياً فأنت العريق وأنت التاريخ وكل الأصالة شرف المحتد وكرم ونقاء النسب وابتداع الحروف من بعض مكارمك وأنت فجر الإنسانية والقيم كلما استشرس ظلام الشر في طغيانه..

ارفع رأسك عالياً فأنت عربي..

هدى الخطيب

إن القتيل مضرجاً بدموعه = مثل القتيل مضرجاً بدمائه
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

الأديب والشاعر الكبير طلعت سقيرق
أغلى الناس والأحبة والأهل والأصدقاء
كفى بك داء أن ترى الموت شافياً = وحسب المنايا أن يكن أمانيا
_________________________________________
متى ستعود يا غالي وفي أي ربيع ياسميني فكل النوافذ والأبواب مشّرعة تنتظر عودتك بين أحلام سراب ودموع تأبى أن تستقر في جرارها؟!!
محال أن أتعود على غيابك وأتعايش معه فأنت طلعت

عرض البوم صور هدى نورالدين الخطيب   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 09 / 05 / 2018, 35 : 01 AM   المشاركة رقم: 4
المعلومات
الكاتب:
هدى نورالدين الخطيب
اللقب:
المدير العام المؤسسة وصاحبة حقوق النشر والترخيص، إجازة في الأدب، دبلوم فلسفة، الترجمة، دراسات عليا في التاريخ - أديبة وقاصّة وصحفية - عدد من الأوسمة وشهادات التقدير الرسمية – مهتمة بتحقيق وتنقيح التاريخ القديم – مؤلفات أدبية وفي الدراسات المقارنة
الرتبة:

الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية هدى نورالدين الخطيب

البيانات
التسجيل: 11 / 12 / 2007
العضوية: 3
المشاركات: 10,209 [+]
بمعدل : 2.38 يوميا
اخر زياره : [+]
الدولة: canada
الاقامه : كندا-من مدينة حيفا فلسطين، ولدت ونشأت في لبنان ووالدتي لبنانية ، بانتظار العودة إلى حيفا - فلسطين
علم الدوله :  canada
معدل التقييم: 20378
نقاط التقييم: 101680
هدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond repute
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
هدى نورالدين الخطيب غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : هدى نورالدين الخطيب المنتدى : الفعاليات والمسابقات الأدبية...
رد: استطلاع جماهيري - الرواية - المشاركة في مسابقة نور الأدب الكبرى 2018

-3-

كان هناك نوعًا طريفًا من الحيوانات يعيش في تلك الجزيرة.
حيوانات تضحك، خاصّة عندما نقدّم لها الطعام.
وكنّا نقرأ في أعينها معانٍ وإشارات لا تنتهي.
احترنا في أمرها واقترح القاضي تسميتها (أبو سنونو)!
لماذا أبو سنونو بالذات؟
حين تضحك يظهر سنّها الكبير الحادّ المتواجد في منتصف فمها.
أبو سنونو حيوانٌ أليف وجميل، لكنّه..
فوق تلك الجزيرة توجد أنواع كثيرة أخرى من النباتات
والثمار الشهيّة، ولكنّ!
بدأت الأسئلة تطفو على السطح،
هناك ثمرة في منتهى الغرابة شكلا وطعمًا!
أسميناها ((الثمرة))، لم نتمكّن من إيجاد اسم آخر لها، لذيذة، لكنّنا نشعر بالخبل بعد تناولها.
وكأنّ الجنّة أصبحت في متناول اليدّ!
من جهة أخرى كان أبو سنونو يغضب كلّما أدرك بأنّنا قطفنا الثمرة.
أبو سنونو أخذ يغضب كثيرًا في الآونة الأخيرة.
ولم تكن هناك قوّة قادرة على منعنا للتوقّف عن قطف الثمرة الشهيّة.
الإنسان خُلِقَ هلعًا لا يكفّ عن الطلب.
لا يشبع، يسعى نحو السلطة أينما تواجدت.
الإنسان لا يرضى بنجمٍ واحد يضيء له الطريق.
كلّ النجوم لا تقدر على ملء العين البشرية!
كانت الثمرة تقطر شهدًا.
هي الأكبر في تلك الجزيرة.
جميعنا أطال النظر في رحيقها الشفّاف، جميعنا كان يخطّط لسرقتها في لحظة تائهة من عمر الزمن.
أبو سنونو كان يحدّ سنّه حانقًا.
كان يخطّط لحماية الثمرة.
وكان يفكّر لا محالة بالانتقام!
تعدّينا على حقوقه، وأصبح عالمه مهدّدًا.
في إحدى الليالي، ذهبتُ إلى بركة الماء في منتصف الجزيرة، كانت جماعات أبو سنونو قد عقدت جلستها، ولسبب كنت أجهله، أصبحت لغة أبو سنونو
مفهومة لي. كلّ كلمة، كلّ حرف كان مفهومًا.
ما الحكمة من ذلك يا ربّي؟
اللهمّ رحمتك، آمين.
ابتدأ الحديث عمدة القوم وقال،
- استقبلناهم جوعى، ضيوف الرحمن، أبناء آدم وحواء.
أكلوا من فاكهة الجزيرة، هنيئًا مريئًا.
- والآن يرغبون بأكل أطفالنا
صاح أحد الحضور قائلا:
- لقد حاولنا توضيح الأمور لهم، صرخنا في وجوههم، نهرناهم، طلبنا منهم البقاء بعيدًا عن ثمرات أطفالنا. ولكن، لا حياة لمن تنادي!
- والقبطان يا قوم؟
- لقد رفعنا عنه أقنعة اللغة، القبطان بدءًا من نهار اليوم أصبح يفهم كلامنا، يدرك مشاعرنا ورغباتنا، أنا أجده رجلا حكيمًا، أظنّ بأنّه سيساعدنا في حماية أطفالنا.
عندها تنحنح أحدهم وقال:
- القبطان ليس بعيدًا عنّا.
أقترح دعوته للانظمام لجلستنا.
-4-

- أهلا وسهلا بالقبطان الحائر.
- حيّاكم الربّ يا قوم.
أنا أعتذر باسمي واسم رفاقي، لم أكن أرغب بإزعاجكم وأنتم أهل الجزيرة.
- لا تخف علينا، نحن قادرون على حماية أنفسنا.
والآن يا قبطان، ليكن بعلمك أنّ الثمرة إيّاها، العذبة الشهيّة، هي فلذة كبد العمدة.
لقد انتظر الحمل سنوات طويلة. وسنحرق الأرض، من تحتكم وفوقكم إذا تطاولتم على فلذة العمدة.
إنّه وليّ العهد، هذا ما جاء في الكتب!
- وكيف يكون ذلك يا أبا سنونو، كيف يلد الشجر أبناءكم؟
- هذه حكمة الخالق.
تركنا لكم جميع خيرات الجزيرة، كلّ ما تشتهون بين أيديكم.
ولكن ليس أبناءنا، هل هذا واضح؟
- أرجو المعذرة يا عمدة، لم أكن أعلم، سأمنع رفاقي من التطاول والاعتداء.
في تلك اللحظة وقف أحدهم وتقدّم نحوي،
وضع على رقبتي سلسلة من الذهب.
ونطق بكلمات لم أفهمها!
- لا تخشاه يا قبطان، إنّه يباركك.
- حسنًا، هذا جيد، أشكر كرمكم، ولكن لديّ سؤال يا عمدة!
- تفضّل كلّنا آذان تسمع.
لماذا لم تطردونا من الجزيرة؟
أنتم كثر وأقوياء، لماذا لم تفعلوا ذلك؟
- نحن لا نؤمن بالعنف.
وقف أحدهم وضرب أصل شجرة بسنّه فمالت على نفسها.
- نحن نمتلك قوّة غير عادية، ولكنّنا نرفض العنف فوق هذه الجزيرة.
- ولماذا أنا بالذات؟ كيف عرفتم بأنّي القبطان؟
- عيناك فضحت أمرك. أنت الوحيد الذي لم تتعرّض لأبنائنا، يدك بقيت بيضاء حتّى اللحظة.
- سنغادر عمّا قريب هذي الجزيرة.
خيّم الصمت على الجميع، كأنّ الحزن أصاب منكم مقتلا؟
- هناك حقيقة لا بدّ من إبلاغك بها، جزيرتنا ستصبح غير مرئية حين يزورها الغرباء!
- هل تقصدون بأنّه لا يمكن لأحدٍ وطأ برّها؟
- أبدًا.
- وإذا غادرنا ستصبح مشاعًا من جديد؟
- طبعًا.
- وأين المشكلة، هل تخشون الغرباء؟
- بل نخشى المجهول، لقد تعوّدنا عليكم، أصبحنا نعرف طبائعكم وشهواتكم.
صحيح بأنّنا عانينا من أجل أبنائنا، لكنّنا لا نعرف طبائع الآخرين!
- الخوف من المجهول إذًا!
الخوف من المجهول.
صاح العمدة بعد لحظات متألمًا،
- ابني!
لقد قطفوا ابني!
- ماذا حدث يا عمدة؟
- رجالاتك يا قبطان، إنّهم يلتهمون ابني، اللعنة، لماذا هذه القسوة؟

لم أدرِ ما أقول. لقد أسقط في يدي.
- هل أنت متأكّد من ذلك يا عمدة؟
- إنّه حبل الصرّة، جميعنا يشعر بذلك.
وقف العمدة غاضبًا وضرب بسنّه القويّة شجرة مجاورة، شقّها إلى نصفين وصاح بملء صوته، حزينًا غاضبًا جريحًا.
أدركت عندها بأنّ الأمور خرجت عن حدود السيطرة.

-5-

بدا القلق يجد الطريق إلى روحي وكياني، الجزيرة والمركب غير ظاهرة للعيان، وكأنّنا اختفينا عن وجه الخليقة!
لا أظنّ الجزيرة متواجدة على الخرائط، تنكرنا الجغرافيا.
أبو سنونو أصبح اليوم حاقدًا، وكيف لا، وقد التهمنا ابن العمدة.
يا لهذه المسخرة!
أنا الوحيد الذي أدرك حجم المأساة.
وأنا الوحيد الذي بقي أسير أبي سنونو.
رفضت تناول الطعام، وضعوا أحدهم حارسًا عليّ.
ومضوا يلوّحون بأيديهم، شعرت بغصّة تعصر معدتي.
تناولت أطراف الحديث مع حارسي الشخصي، أخبرته بصعوبة الموقف .
أخبرته بخطورة الموقف.
الجنرال قادر على الكرّ والفرّ، تمنّيت عليه فكّ أسري لمعالجة الأمور على عجل.أصابته الحيرة طويلا!
- ما اسمك يا عزيزي؟
- رستم قال بعد تردّد.
- ستخسرون المزيد من الثمار والأطفال يا رستم.
أنتم لا تعرفون طبيعة بني البشر!
خلال حديثنا المتقطّع،
عادت مجموعة أبي سنونو وحورية مقيّدة اليدين.
- يا إلهي! ألم يجدوا غيرك يا حورية!؟
كنت ألتهم جزءًا من تلك الثمرة، أحضرها لي فارس، كان ينوي مصالحتي،لكنّ حيوانات أبي سنونو انقضّت علي فجأة.
أظنّ بأنّ الأمر يتعلّق بالثمرة إيّاها.
- هذا النوع من الثمار هي في الواقع أجنّتهم.
نحن نأكل أطفالهم يا حورية، طِوال هذه الفترة ودون أن نشعر.
وجدوا بين يديك ابن عمدتهم.
كنت تلتهمينه بشهيّة غير مسبوقة يا عزيزتي!
صاحت حورية والدمع ينهمر من عينيها:
- قدّمها فارس في محاولة لمصالحتي،ل ماذا لم يخبرونا بذلك يا قبطان؟
- لقد حاولوا لأكثر من مرّة، لكنّنا غارقون في عالمنا الماديّ يا حورية!
والآن، ما العمل؟
طلبوا العمدة وكان حزينًا للغاية وقال:
- أريد أن تغادروا هذه الجنّة، لقد صبغتموها بالحزن والإثم، يا قتلة!
سأبقي حورية رهينة عندي عشر سنوات ممّا تعدّون.
عشر سنوات تنقضي ثمّ يمرّ قاربكم في جزيرتي لالتقاطها.
- يا عمدة، يا صاحب القلب الجريح، يا كبير القوم!
جرحك كبير لأنّك عظيم الشأن هنا، أترك لنا خيارات حتّى نتدبّر أمرنا،
سنغادر هذه الجزيرة المضيافة، لكنّ حورية كسيرة القلب يا عمدة.
صدّقني، لم تمدّ يدها لثمرتك ومهجة قلبك، إنّها ضحية كباقي الضعاف في هذي الدنيا.
صمت العمدة لحظة من الزمن، ثمّ رفع سبّابته وقال:
- أقبل بغيرها ضحية ورهينة.
لن تغادروا جميعكم جزيرتي يا قبطان.
ستعمل الرهينة في خدمة شعبي طِوال السنوات العشر المقبلة.
هذه ضريبة عليك أن تحقّقها من أجل أبي سنونو.
- دَعْني أجتمع يا عمدة مع جماعتي
- لك ذلك. تذكّر بأنّكم تحت الحراسة المشدّدة.
سنقتل كلّ من يحاول الهرب من جزيرتي.
رجالي الآن متواجدون على سطح المركب، سأغرقه دون مهادنة إذا حاولتم الغدر أو الهرب.
تلك ليلة لا تُنْسى.

أدرك الجميع بأنّ الأمور وصلت إلى مرحلة حرجة.

لا يمكن العودة إلى الوراء لإصلاح الأمر يا رفاقي.
صاح الجنرال:
- لقد أخطأنا بحقّهم، لكن حورية لن تبقى فوق هذه الجزيرة رهينة.
أنا على استعداد لمواجهتهم، أنا على استعداد للقتال من أجل استرداد حورية.
- على مهلك يا جنرال، لقد تحدّثت مع رستم بعض الوقت، إنّهم أقوياء .. ونحن غير مرئيين.
- ماذا تقصد بهذا؟
- الجزيرة تصبح غير مرئية ما دام هناك غرباء على سطحها!
- وكيف نجدها بعد عشر سنوات إذا كان يسكنها غرباء آخرون.
- قلبي دليلي يا جنرالي العزيز، هذه ليست مشكلة.
لا بدّ لأحدكم أن يضحّي من أجل حورية.
عندها تقدّم فارِس مطأطئًا رأسه وقال:
- حان الوقت للتكفير عن خيانتي.
سأبقى فداءً لحبيبة القلب يا قبطان.

-6-

بكت حورية طويلا وقد حانت لحظة الوداع.
احتار العمدة ومستشاره رستم في أمر فارس وحورية.
لم يكن هناك بدًا من شرح الأمور لأبناء سنونو.
قالت حورية لعمدتهم:
- دعني أبقى وفارس على جزيرتكم.
أصيب رستم بالعجب وقال:
- أنتم محكومون بالأشغال الشاقة، بقاءكم هنا سيكون رحلة عذاب طويلة يا حورية.
- لقد أثبت حبّه ووفاءه، أريد البقاء بمعيته.
أدرك رستم بأنّ العاشقين لا محالة باقيَيْن على الجزيرة.
همس بأذن العمدة وبعد لحظات قال العمدة:
- يرغب رستم بمرافقتكم طِوال فترة العقاب.
رستم سيعمل على تسهيل عودتكم إلى الجزيرة بعد عشر سنوات.
رستم يرغب بالتعرّف على جنس البشر عن قرب، وهو قادر على المساعدة، وهو قويّ البنية يا قبطان.
- أهلا وسهلا يا رستم، لا أظنّ احدًا يعارض حضوره فوق المركب.
كنت أجهل السبب وراء هذه المقايضة.
حورية وفارس كانا مرغمين على البقاء، بينما طلب رستم مرافقتنا بمحض إرادته.
سألت رستم عن أهله وعائلته فأجاب:
- أكلوا جميعًا، لم تنجُ ثمرة واحدة،
أنتم لستم أوّل من نزل الجزيرة.
طلبت البقاء مع حورية وفارس بعض الوقت،ضممتهما الى صدري.
كانا مقرّبين لفؤادي.
قالت حورية:
- ليلى فرّقتنا وجمعتنا في الوقت نفسه.
أنا لا أشعر اتّجاهها بكراهية تُذْكَرْ، سامحونا يا قبطان إذا أخطأنا بحقّ المركب.
إنّها إرادة القدر، أفضّل البقاء مع فارس لعلّنا نجد ضالتنا.
اقتربت منّي حورية، طلبت معرفة اسمي؟
قالت بأنّ ابنها سيحمل اسمي.
شعرت ببعض الحرج، دنوت إلى أذنها وأخبرتها بأنّ اسمي..
- كلّ هذا اسمك يا قبطان؟
نعم، الوداع يا أحبّتي.
ارتفعت الأشرعة وكانت الرياح في تلك اللحظة مواتية، وكان الله راضيًا عنّا في تلك اللحظة، وكانت الرحلة الأولى لرستم، وكان بكاء ووداع لم ينتهِ، وكان البحر الأزرق في انتظارنا، وكانت نورا تنتظرني في أحلامي.
آه يا نورا، كم يتوق القلب لرؤيتك!
كانت نورا في تلك اللحظة تراوح ما بين الموت والحياة.
قلب العاصفة
-1-

- هذه معركتي ولن أشرك فيها أحدًا.
نظر إليّ رفاقي وأصدقائي، باتت وجوههم مألوفة، أسماء تتردّد على كلّ لسان.
ضحك الجنرال ساخرًا وقال:
- علينا أن نتجاوز قراصنة البحر أولا يا قبطان.
أمسكت المنظار وسلّطته نحو الأفق.
كان قاربهم سريعًا والأسلحة مشرعة تجاهنا.
صعد رستم إلى أعلى الساري ونظر إلى الأفق، ثمّ نزل بسرعة فائقة.
- هؤلاء الملاعين قتلوا أبنائي.
حان وقت الحساب وأنا لهم بالمرصاد.
كنت أدرك قوّة رستم التدميرية.
وأخذ الجنرال يعدّ العدّة.
مدافع صغيرة، أسلحة خفيفة وخناجر، وإرادة مجنونة للإنتصار.
وحيدٌ أنا في هذه الدوامة، أبحث عن روح ضاعت في زحمة الذكريات، كلّ نساء الدنيا نورا.
يفصلني عنك تفاصيل معركة ضارية، يفصلني عنك محيطٌ مليءٌ بالأسرار، كيف لي الوصول إلى روحك المعذّبة؟
كلّ يومٍ أعلن عليك حبّي وغرامي بلا نهاية، ما زال في الوقت بقيّة يا نورا.
شبق القتال لا يرتوي!
شبق القتال لا يرتوي!
قراصنة يبتغون ربحًا عاجلا.
وجّهوا مدافعهم نحو مركبي وأطلقوا قذيفتهم الأولى، فالثانية والثالثة.
اقتربوا، ظنّوا بأنّ المركب قد استسلم.
كان الجنرال قد رفع العلم الأبيض، وكان أن رموا الحبال نحونا، وكانت المفاجئة فاجعة الموت المحتّم.
انقضّ رستم والجنرال وبعض الرجال إلى قارب القراصنة.
كان رستم ينحر رقابهم بسرعة فائقة.
سال خيطٌ من الدمّ عبر قارب القراصنة
وأشبع الجنرال رغبته بالقتل والقتال.
أصيب طاقم القراصنة بالهلع، وسرعان ما أحضروا زعيمهم موثوق اليدين.
رموه أمامي.
ذليلا، عاريًا من كبريائه ونفاقه.
- أين شجاعتك، أين جبروت البحر المغدور في عينيك؟
- دعوني وحدي مع هذا الكريه.
نظر إليّ الجنرال ورستم، شاهدوا عزمًا لا يقبل النقاش في ناظريّ.
- تحدّث أيّها الهجين، أين تقطن سيّدة المحيطات؟
- هل جننت؟ لا أحد يسأل عنها، الجميع يبتعد عن طريقها.
إنّها متقلّبة الأهواء، عصبية، دموية.
الأفضل لك أن تقتلني قبل ذلك!
- سأفعل يا ابن العاهرة، تحدّث أين سيّدة المحيطات وإلا!
- حسنًا، حسنًا.
ليست بعيدة عنّا الآن، لقد هربتُ من شباكها قبل يومين.
عليك أن تتوجّه إلى اليمين نصف درجة، هل تسمح لي بمغادرة المركب قبل مواجهتها؟
أنا أخشاها وهي تعرف عنّي الكثير!
- لا تخشى ذلك، هذا أمرٌ يخصّني وحدي وإيّاها.
- أنت مجنون!
- لقد أصَبْت، والويل لك إن كنت تكذب.

-2-

كان القرصان صادقًا في حديثه، أخذ يرتجف خوفًا عندما اقتربنا من المكان المحدّد.
سمحت له أن يختبئ في باطن المركب، وطلبت حراسته طِوال الوقت.
آن الوقت يا أصدقائي.
أنا ذاهب لمواجهة عنّابة، إذا شعرتم بالخطر، انطلقوا. ابتعدوا عن المكان على عجل.
لدي مهمّة عليّ أداءها حتّى الثمالة، حتّى القطرة الأخيرة من كأس العلقم الذي كان في انتظاري.
- لا تقترب؟
قاربي الصغير يقترب من قلب العاصفة، كلماتها شجّعتني للاقتراب منها.
صرخت في وجهها:
- قادمٌ من طرف جُمانة، اقتليني إذا شئت، أو دعيني أواجه مصيري.
- لم يقترب أحدٌ قبلكَ الى هذا الحدّ، ماذا تريد؟
- أبحث عن إجابات.
- كلّنا يبحث عن إجابات!
منذ لحظة بعثِنا لهذه الدنيا!
ولادتنا مرهونة بأسئلة لا تنتهي.
- أبحث عن الروح سيّدتي،
أبحث عن الخلاص سيّدتي.
- لكنّ الروح هنا تصبح أسيرة السماء، لا خلاص للروح من قبضة القدر، كيف تجرؤ على السؤال يا كافر؟
هذا وحقّ السماء تجديف!
- أنا العاشق، لن أتراجع لحظة عن مطلبي.
اقتليني ربّما كان الموت دائي ودوائي!
- اقتربْ من عين العاصفة.
- لكنّ دوّامة عين العاصفة مخيفة!
- ألا تبحث عن خلاص الروح؟
- بلا، أبحث عن سبيل الروح سيّدتي!
- إذاً تقدّم إلى عين العاصفة، لا تخشى هذا المصير.
كان قاربي الصغير كالريشة في مهبّ الرياحٍ والتيارات المائية العاتية.
فقدت السيطرة على نفسي وحَواسي.
كنت على وشك الإغماء، ابتلعتني الأمواج وغبت في لجّة المياه الباطنيّة.
أخذت أغوص إلى الأعماق، وسرعان ما أحاط بي هدوء غامض ومُريب.
كنت أخشى الغرق وعدم القدرة على التنفّس.
كنت أخشى النسيان، صدري كنز يوشك على الهلاك.
حطّ بي الوهم في واحة تحت ثقل ملايين الأطنان من المياه المالحة.
وجدت نفسي في حديقة صغيرة ومن حولي أسماك لا تحصى!
بينها الصغير والكبير.
شاهدت وحش البحر يفتح فمه العملاق ويترك تيار الماء ينزلق إلى جوفه، حاملا قدرًا كبيرًا من السمك الصغير والكبير على حدّ سواء.
شاهدت زعانف ملوّنة جميلة، وكنت أشعربأمان فجأة سمعت صوت باخرة تطلق صفاراتها وزواميرها، كأنّ السماء انفتحت لتصبّ أبواق البعث في آذاننا.
كان رأس الباخرة قد عرق في باطن المياه الباردة،
ومن حولها زوارق مطّاطيّة تحمل الناجين في اللحظات الأخيرة.
كلّ هذا يحدث أمام عينيّ الآن، في أي زمن وقعت في هذه اللحظة؟
ظهور الباخرة ليس عابرًا.
حدّقت في الوجوه التي كانت بانتظار الموت.
كانت نورا هناك بين الجماهير المجتمعة عند سطح الباخرة.
نورا وقد أكل الزمن عليها وشرب .
ما الذي تفعليه هناك يا نورا؟
لماذا شِختِ بهذه السرعة؟
عندها تذكرت ما قالته لي نورا يومًا، جدّتها هربت برفقة حبيب القلب الذي حُرِمَت منه طِوال شبابها.
انقطعت أخبارها بعد بضعة أشهر فقط، وانقطعت أخبارها.
ها هي جدّتك يا نورا تغرق مع آلاف المسافرين على ظهر باخرة.
حدّقت في وجهها الشرقيّ الحزين،كان الشوق والألم يملأ صفحات وجهها.
كانت جدّتك قد استسلمت تمامًا للموت، كانت تحتضن في تلك اللحظة ذراع حبيبها.
شاءت الأقدار أن يغرقا معًا بعيدًا في أعماق المحيط.
للحظة، بانت لمسات من الفرح على تضاريس وجهها.
سرعان ما أخذت الباخرة بالغرق.
ومن بعيد، كان صوت المهندس يصرخ:
(حتى الخالق لا يقدر على إغراق هذه الباخرة
حتى الخالق لا يقدر على إغراق عملاق الحديد هذا!)

غرقت الباخرة مخلّفة من حولها دوّامة هائلة من المياه.
انتحرت الأحلام في تلك البقعة من المحيط،
وحلّ الصمت على عجل.
شعرت ببردٍ لا يُطاق،
- أين أنت يا عِنّابة؟ أين أنت يا سيّدة المحيط؟
وجاء صوتها عابثًا:
- لمَ العجلة يا قبطان؟
ثمّ جاء صوت القطّة سميّة تموء:
- ما الذي حدث للقاضي، كان مريضًا على ما يبدو.
اختلطت عليّ الأمور، لم أكن أعرف في أيّ زمن أتواجد!
مرّت غوّاصة تعبّ المياه بصمت، أطلقت طوربيداً شقّ المياه بسرعة فائقة، وانفجر في مكانٍ ما في البعيد.
كانوا يتحدّثوا اللغة الألمانية.
ثمّ صاح أحدهم "فضيلة السلطان أطال الله عمره"
شاهدت رجالا يلبسون عباءاتٍ ملوّنة ومزيّنة بخيوط من الذهب،
يركعون في حضرة السلطان.
وبعد ذلك بلحظات،شاهدته يركض ويكاد ينجو من قتلته.
كان ثوبه قد اتّسخ بأتربة الصحراء،
وكان وجهه كالحًا وقد بدا عليه العطش.
صاح فيه الفارس متهكّمًا "أتهرب الآن يا جبان؟"
توقّف عن الركض وحدّق في وجوههم بتحدّ ماجن، وأضاف الفارس وقد سلّ سيفه:
- ألست القائل: الخيل والليل..
عندها صرخت بكلّ ما أوتيت بفوّة:
- أهرب يا متنبّي، لعلّك تكتب عن المجد الغابر!
لعلك تكتب أحجية النصر وأيقونة البقاء.
نظر إليّ المتنبّي وقال:
- وكيف أكون متنبّيًا إذا هربت يا قبطان؟
عاد المتنبّي أدراجه إلى دائرة الموت ليتلّقى تلك الطعنة القاتلة.
مضى المتنبّي وبقينا نلعق أثر كلماته التي تاهت عبر خريف الدهر العربي الماطر.












***   كل عام وانتم بخير  ***

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

ارفع رأسك عالياً/ بعيداً عن تزييف التاريخ أنت وحدك من سلالة كل الأنبياء الرسل..

ارفع رأسك عالياً فلغتك لغة القرآن الكريم والملائكة وأهل الجنّة..

ارفع رأسك عالياً فأنت العريق وأنت التاريخ وكل الأصالة شرف المحتد وكرم ونقاء النسب وابتداع الحروف من بعض مكارمك وأنت فجر الإنسانية والقيم كلما استشرس ظلام الشر في طغيانه..

ارفع رأسك عالياً فأنت عربي..

هدى الخطيب

إن القتيل مضرجاً بدموعه = مثل القتيل مضرجاً بدمائه
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

الأديب والشاعر الكبير طلعت سقيرق
أغلى الناس والأحبة والأهل والأصدقاء
كفى بك داء أن ترى الموت شافياً = وحسب المنايا أن يكن أمانيا
_________________________________________
متى ستعود يا غالي وفي أي ربيع ياسميني فكل النوافذ والأبواب مشّرعة تنتظر عودتك بين أحلام سراب ودموع تأبى أن تستقر في جرارها؟!!
محال أن أتعود على غيابك وأتعايش معه فأنت طلعت

عرض البوم صور هدى نورالدين الخطيب   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 09 / 05 / 2018, 13 : 02 AM   المشاركة رقم: 5
المعلومات
الكاتب:
هدى نورالدين الخطيب
اللقب:
المدير العام المؤسسة وصاحبة حقوق النشر والترخيص، إجازة في الأدب، دبلوم فلسفة، الترجمة، دراسات عليا في التاريخ - أديبة وقاصّة وصحفية - عدد من الأوسمة وشهادات التقدير الرسمية – مهتمة بتحقيق وتنقيح التاريخ القديم – مؤلفات أدبية وفي الدراسات المقارنة
الرتبة:

الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية هدى نورالدين الخطيب

البيانات
التسجيل: 11 / 12 / 2007
العضوية: 3
المشاركات: 10,209 [+]
بمعدل : 2.38 يوميا
اخر زياره : [+]
الدولة: canada
الاقامه : كندا-من مدينة حيفا فلسطين، ولدت ونشأت في لبنان ووالدتي لبنانية ، بانتظار العودة إلى حيفا - فلسطين
علم الدوله :  canada
معدل التقييم: 20378
نقاط التقييم: 101680
هدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond repute
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
هدى نورالدين الخطيب غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : هدى نورالدين الخطيب المنتدى : الفعاليات والمسابقات الأدبية...
رد: استطلاع جماهيري - الرواية - المشاركة في مسابقة نور الأدب الكبرى 2018


-3-

أين أنا؟
سال الدمع من عينيّ سخيًّأ.
تسارع الزمن ثقيلا يقتل الروح.
وجاء صوتها عابثًا:
- أتحبّها يا قبطان؟
- إنّها مرآة الروح سيّدتي، إنّها نورا!
- هل أنت على استعدادٍ للتضحية؟
- نعم، سأفعل كلّ ما تشائين.
- نورا تبحث عن الخلاص في هذه الساعة.
لم تظهر سيدة المحيطات لحظة واحدة أمامي، لكنّها شعرت بآلامي ورغبتي بالتضحية.
- عليك أن تتّبع النفق الأبيض أمامك، هناك في منتصف التيه ستجد روحها العائمة، لك أن تستمر في الارتقاء أو العودة!
سرعان ما انشقت ملايين الأطنان من مياه المحيط الزرقاء.
بان خيطٌ أبيضٌ ناصعٌ يُدْمي العيونَ نورُه.
شعرت بروحي خفيفة.
توجّهت بفكري نحو النفق، ارتفع جسدي دون عناء.
بعد لحظات شعرت بأنّني أنشطر، أتمزّق، كأنّ الروح تفارق الجسد في هذه اللحظة!
شاهدت شخصي يعود إلى قاع المحيط، من حيث بدأت رحلتي الأثيرية.
أردت أن ألوّح لي لكنّي ارتفعت بسرعة خاطفة!
وجدت نفسي لوهلة فوق المركب، بدا التعب جليّا على وجوه المسافرين.
سمعتُ مشادّة كلامية ما بين جيهان وليلى.
- لماذا؟ كانت تصرخ جيهان.
ضحكت ليلى لحظات قبل أن يندثر الأثير.
تسارع الزمن وانطوت عوالم حسبتها لا تنتهي.
تُرى ما الذي يحدث للقلب لحظة مخاض الروح؟
عندما تتزاحم الأفكار ويتوه الوعي عن الحاضر.
كأن كلّ ما مضى سيكون،كأنّ ما سيكون مرئيّ ومحسوس.
أرفع يدي مستسلمًا لحالة انعدام الجاذبية، وتنداح ألحان الكون الأبدية.
سرمدية بألوان خليطة غير معهودة، يطغى عليها لون الذكرى الرماديّ.
يطغى عليها مذاق العسل في كوب مليء بسائل مرّ المذاق.
لا تقوى الأوعية الدموية في أصل العين على البقاء متماسكة!
أتحلّل إلى قطع عشق ناريّة.
سيلٌ لا ينتهي من الأرواح المهاجرة نحو البدايات.
وأُمِرْتُ فجأة بالوقوف!
كتلة فراغية تقف هناك في منتصف الطريق، ومن حولي أقدار تنتظر إرادة عليا.
تبدو الأرواح معلّبة، ممنوعة من البوح.
تنتظر دورها للولوج إلى أعماق السماء.
أرواحٌ تجاوزت حدود الجسد.
أمّا أنا فكنت ما أزال أرقب جسدي
الملقى في قاع المحيط.
شعرت بأنّه لا يعنيني أمره.
حتّى وإن ابتلعه حوت أو مزّقه قرش!
حتّى لو تحلّل إلى عناصره الأوليّة!
كنت أحلّق في عالمٍ جميل مميّز.
وبعد لحظات انفتحت السماء وانطلقت الأرواح مرتفعة.
كنت شبه مقيّد، وسرعان ما نقلوني إلى فرسخ أرواحٍ معلّقةٍ أخرى.
تلفتّ حواليّ، كنت على ثقة من أنّ نورا هناك في الجوار.
هل تتعانق الأرواح؟
هذا ما حدث حين تلتقي الأرواح التائهةا
لقاءٌ حميمٌ، نظراتنا عيون يقتلها الوله.
كنّا نراقب ونشاهد ما خَفِيَ وما يَخْفى عن ملايين البشر.
يا لنا من جهلة، يا لضيق الأفق!
تتجلّى الحياة في جميع مراحلها.
موت بعد حياة، حياة بعد فناء.
كنت وإيّاها نتبادل الأفكار، وكنّا نرقص على ألحان إلهية.
ألحانٌ لم نسمعها من قبل!
شفافيّة تدغدغ أطراف الفضاء، عالم صغير بحجم الكفّ.
كبير لا يدركه البصر، أحبّك!
قلت ضاحكًا، لا تسألوني كيف أدركني الضحك!
- عودي يا نورا إلى قالب الجسد،
أنا بحاجة إلى فيزياء اللقاء وحرارة اللقاء.
قالت:
- لكنك هربت، ابتعدت عن ناظري دون تردّد.
تركتني أسيرة هواجسي قبل أن يعاودني المرض.
- سأعود بعد حين يا نورا.
عودي إلى عالمٍ لم ينهِ أغانيه وأشعاره، عودي حيث الزنابق والريحان.
من يسقي الطيور واليمام؟
من يحضّر للأيتام الطعام؟
يا نورا الهاربة من سلطان الدنيا، ألم تقرئي رباعيات الخيّام؟
وقبل أن أبدأ رحلة عودتي، هبطت روح فَرِحَة وهتفت قائلة:
- كيف مركبك يا قبطان؟
عرفته على الفور إنه مروان.
- مروان! أنت سعيد يا يا مروان؟
- نعم، لقد رضيت بعقابي ومصيري
أنا في انتظار العفو يا قبطان، لقد تسرّعت كثيرًا عندما أزهقت حياة الرجل.
عُذّري أنّ جريمتي جاءت مُصادفة ودون تخطيط مسبق، أشعر بالراحة الآن.
كلّ هذه الزرقة السرمديّة!
حريّة لم يَسْبِق لي ممارستها.
عليّ الآن العودة، للقاء أتمنّى أن يطول.
اختفت روح مروان كفزّاعة، وبقيت وحيدًا في أصل السماء


-4-

- لن أعود إلى جسدي قبلكِ!
وبدأنا رحلة العودة عبر الأثير.
وحين لامست روحي الجسد المُلْقى شعرت بآلام لا توصف.
إنّها الولادة تأتي على حين غفلة!
كنت أصرخ بأعلى صوتي وكأنّ ملايين الإبر لا تتوقّف عن وخزي.
يداي، أصابعي، رئتي تمتلئ هواءً، ثمّ آنت لحظة الزفير.
خناجرٌ تمزّق صدري وعيناي تحدّق في المحيط الأزرق.
ارتجفت أصابع يدي وجال الدمع في عينيّ.
لقد عدت يا مركبي، لقد عدت!
شعرت بالتعب حين صعدت إلى ظهر المركب
كان الشيب قد غزا رأسي، وتساقط الكثير من شعر الرأس!
- كم مضى على غيابي؟ لماذا شعر رأسي أبيض؟
- مضى على غيابك خمس سنوات.
- هل هذا معقول؟
- نعم، أخبرنا كيف وجدت نورا؟
- إنّها بخير. ما الجديد على سطح المركب؟
- رستم غادر الحياة يا قبطان.
أصيب في إحدى المعارك والتهبت جراحه.
مات والألم يحاصر كلّ خليّة من جسده.
أمّا جنرالك فقد غادر المركب وفضّل الانضمام الى أسطول بحري مرّ بالقرب من هنا.
- هل المركب بخير؟
- نعم هذا أكيد.
- لقد اعتنينا به جيّدًا طِوال هذه الفترة
- وأين رستم يا أصدقاء؟
- في الثلاجة يا قبطان، في الثلاجة.
- نعم نحتاج لجثّته في طريق العودة.
أتذكرون جزيرة أبي سنونو؟
- نعم، كانت رغبة رستم أن ندفنه في تراب وطنه.
أليس من الغريب حقًّا أن يكون الجسدَ قد شاخ!
أليس من الغريب حقًّا أن يكون عُمْر روحي ساعات معدودة!
وضعت يدي على وجهي الذي أصبح أكثر نعومة، أصْبَحْتُ أكثر هدوءًا، كأنّ وقع السنوات الخمس دهرٌ من الزمن.
ضحّيت بخمس سنوات من عُمْري من أجل خلاص روحك يا نورا.
أما زلت تشكّين بمحبّتي يا شقيقة الروح
حضرت جيهانُ وقد زادها الكِبَرُ جمالا، خُذْني أيّها المجنون بين يديك.
أريد أن أكون زوجتك الآن، أعرف كلّ شيء عن نورا.
لكنّها بعيدة وأنا لست غيورة.
حين تلتقي بنورا سأمضي في طريقي، ربّما عاجلني الموت قبل ذلك.
أشعر بالموت يزحف إلى جسدي، والحياة تهاجم خلايا الأنوثة يا قبطان.
خُذْني بين يديك الآن، قبل غروب الجسد وفناء حالة الجمال!
وضعت خاتمًا في إصبعها، أخذتها بين يديّ.
احتضنت المرأة الأرملة جيهان، حملتها بين ذراعيّ، مضيت بها إلى قمرتي.
كانت الحجب قد رُفِعَت عن عينيّ.
شعرت بالموت يزحف إلى خلايا جسدها.
بطيئًا باردًا حاسمًا.
جميلتي جيهان، هل تحتملين قصّة حبّ عابرة؟
أم أنّك تسعين إلى دفء الروح لحظات قبل المغيب!
جيهان، امرأة تزحف نحو الشروق، اختزلت ومضات العشق في ليالي الوحدة الطويلة.
أطفأت الأنوار وارتدت السواد حتّى أدركت حدود الألم.
صَعِدَتْ إلى مركبي، كانت تغنّي صامتة.
كانت والبحر الصاخب على موعد.
وبقيت طِوال تلك الليلة تحترق بين ذراعيّ، وفي الصباح كان جسدها قد هوى.
كانت قد فارقت الحياة صامتة!
وكانت رغبتها قضاء ليلتها الأخيرة بين أحضاني، زوجتي أرملة الروح.
قضت حرّة جميلة في حزنها ذو المساحات الشاسعة.
كأنّه الصحراء العطشى لأقدام المغامرين القادمين من رحم المدنيّة.
وضعت جسدها عند طرف المركب، ثمّ صلّيت كما لم أفعل من قبل.
تقتلني الحرقة والرغبة بالمضي ثانية خلف روحي التائهة في خفايا النهايات.
لماذا توفّيت جيهان اليوم تحديدًا؟
كانت تُدْرِكَ ذلك،كانت والموت على موعد.
ليلة البارحة لم تتركني لحظة واحدة، كانت تنتقم من الزمن الذي تركها عارية عند مفترق الطرق، وجدت نفسها لحظة في خريف العمر.
السرطانُ قضي على خلايا الجسد دون هوادة.
كانت قد التزمت الصمت طِوال تلك الرحلة، كانت تخشى النظر في المرآة، وفاتها بأنّ حزنها زادها جمالا.
الوداع يا جيهان.
ابتلعت مياه المحيط العميقة جسدها، ومضى المركب يبحث عن حقيقة أخرى.
وما اكثرها في لجّة الزمن المتسارع عند، مفارق الأبدية والفناء!
-5-

شعرت بأنّ المياه التي دخلتها غريبة، عدائبة!
انتهت مرحلة الأمان وكأنّ الأرملة رمزًا لذلك.
الأمواج مرتفعة وصاخبة، والمياه باردة، ثقيلة، تنذر بالشؤم.
بدأ المركب يصرّ ويتألّم تحت ثِقَل أطنان المياه المتساقطة فوق المركب.
ومن بعيد، بان شبحُ زورقٍ صغير يصارع الموج.
كان لا بدّ من تقديم المساعدة لركّابه، أمرٌ ندمت عليه طِوال حياتي فيما بعد!
قذفت الحبال إلى المركب المنكوب، وبدأت العائلة تزحف فوق الماء لتصعد إلى مركبي.
وما أن صَعِدَ آخر أعضاء العائلة حتّى ابتلعت المياه القارب الصغير.
لا أدري إذا شكرتني العائلة لإنقاذها من موت محقّق!
لكنّ أعينهم القويّة كانت مليئة بالمشاعر المتناقضة.
قرأت فيها بعض الاعتراف والرغبة بالسيطرة والتحكّم.
من يكونوا هؤلاء يا تُرى؟
أخبروني بأنّ الابن لم يتجاوز الخامسة عشر من العمر.
كان آخر من ترك القارب الصغير.
ما يدلّ على قوّة شخصيته وعدم خوفه من المخاطر وصِعاب الأمور.
ترك مركبي بعض الأحبّة على قلبي.
والآن يصعد إليه شخصيات غريبة فاقدة المشاعر.
سألت عن الصغير فقالوا بأنّ اسمه عامر، فقد أخته وأخيه في مياه المحيط.
ونجا وإيّاه أمّه وأبوه.
قالوا لي بأنّ والديه يَخْشون عامر، يحاولون طِوال الوقت إرضاءه ومجاراته.
في اليوم التالي صادفت عامر
فاجأني قائلاً:
- لماذا تتحرّى وتسأل عنّي؟
كان وقحًا، جريئًا وشابًّا.
- وما المانع في السؤال عنك؟
- اسألني مباشرة، أنا بين يديك، ما الذي تريده؟
- حسنًا، لماذا يهابك والداك؟ ما هو سرّك؟
- لا أدري لماذا توجّه هذا السؤال لي؟
اذهب إلى والديّ واسألهم ما يحلو لك.
منذ متى وأنت قبطان هذا المركب؟ سألني الصغير ثمّ حكّ رأسه
كان يحدّق بي وكأنّه يرغب بقراءة أفكاري والنفاذ إلى أعماقي.
- طِوال حياتي وأنا قبطان هذا المركب أيّها الصغير، طِوال حياتي.
لم يعجبْه جوابي، مضى إلى الجانب الآخر من المركب.
يا له من فتى غريب حقًا!
أخذت أحسب لعامر ألف حساب، وأخذ أهل المركب يخشون عامر أيضًا، الذي بدأ يقضي معظم وقته، فوق الحبال عند أعلى السارية.
كان يراقب الأفق ويصدر أصواتًا تشبه إلى حدّ بعيد صوت الحيوانات.
جاءني يومًا وقال:
- أدرك بما تفكّر، لن أغادر المركب بهذه السهولة.
أنا لم أصعد إلى مركبك السخيف هذا كي أغادره دون حدث أو رواية.
بالمناسبة، هل سألت من يدّعون بأنّهم والديّ عن سبب رهبتهم منّي؟
هل سألت الماء عن ملوحته؟
هل سألت السماء عن زرقتها؟
ومضى يتقافز كالقرد من مكانٍ لآخر فوق المركب.
عندها اتخذت قراري النهائي، لا بدّ من التخلّص من هذه العائلة، الصغير منها قبل الكبير.
الغريب أنّني لم أسمع صوت الأب منذ صعوده إلى مركبي، أمّا الأم فكان مغلوب على أمرها!
حان وقت الحقيقة يا عامر.
أمرت بتقييده وعزله في قاع المركب.
أعترفْ بأنّ هذا التصرّف أنانيًا وبِوَحيٍ من الخوف الذي تملّكني، كلّما مرّ طيف الصغير عامر من حولي.
كنت أخشى على مركبي، وكنت أخشى من طموحه الكبير، جاءني التاجر سليمان وقال:
- أيسمح لي سيّدي القبطان بتوجيه ملاحظة؟
قلت له على الفور مندهشًا:
- سيد سليمان، أرجوك قل كلّ ما لديك.
- الصغير عامر يا سيّدي نسخة طبق الأصل عنك.
حاول أن تُزيل من عمرك ثلاثين سنة وستجد نفسك عامر.
- كيف تجرؤ يا سليمان؟
كيف تجرؤ!؟
انعزلت بعيدًا عن أصدقائي العابرين فوق مركبي.
نظرت إلى المرآة أمامي، حدّقت فيها طويلا.
أدركت بأنّ سليمان على حقّ.
إنّه أنا ذاك الصغير الذي كنته قبل ثلاثين عامًا.
كيف سهوت عن ذلك؟
هؤلاء المنعزلون في إحدى زوايا المركب هم والديّ.
يخشون الصغير لسببٍ لا أدركه.
أعرف بأنّ كلّ شيءٍ يحتمل تأويلًا عقلانيًّا ومنطقيّ.
مركبي يحاول أن يخبرني شيئ ما!
يقتطع حدثًا من الماضي ليقذفه في يومي ويتحدّى سلطتي.
سليمان أدرك ذلك على الفور، لاحظ جميع علامات الشبه الشديدة بيني وعامر.
ذهبت لزيارة عامر في السجن المتواجد في قاع المركب.
نظر إليّ مطوّلا وقال دون تردّد:
هل تظنّ بأنّك رجل العصر الذي لا يمكن الاستغناء عنه؟
وكأنّ المركب لا يتنفّس إلا عبر رئتيك!
ما الذي تريده؟ من أنت؟
كان عليّ ألا أطيل النظر إلى عينيه.
شعرت لوهلة بأنّني أسافر إلى لحظة مولدي.
قابلت شبابي هناك، آمالي وطيف نورا الباهت، شعرت بالخوف وضحك عامر على حين بغتة.
- لا تخف يا قبطان، أنا لم ألمس نورا بعد، أظنّ أنّني في غِنىً عن بقايا مائدتك.
كيف تجرؤ يا لعين؟
- هل تظنّ بأنّك قيّدتني وحاصرت حريّتي في قاع المركب؟
بعد لحظات سحب يديه من خلف ظهره ومدّ ساعدين قويين نحوي.
كانت آثار القيود التي حطّمها ما زالت واضحة، بإمكاني قتلك إذا أردت؟
إفعل ذلك أنا لا أخشاك.
في تلك اللحظة، وجّه لوجهي لكمة، طرحني أرضًا وقيّدني.
- المركب الآن ملكي وسترى كيف تكون المٍلاحة يا تافه.
انطلق عامر على عجل، سمعت أصوات العِراك فوق المركب.
وسرعان ما أخذ المدعو عامِر بالغناء.
بعد ساعة من الزمن، رأيت كيف يتدحرج جسد التاجر سليمان الجريح أمامي.
تبادلت النظرات مع سليمان طويلا قبل أن يبدأ حديثه:
- قبضاي، إنّه يتقن دور القبضاي يا قبطان!
أخبرني بالله عليك، ما الذي اقترفته في صِباك؟
اختطاف المركب له علاقة مباشرة بمرحلة مبكّرة من حياتك، أتذكر بأنّني تغلبت بسهولة على القراصنة؟ تغلبنا عليهم بسهولة.
صحيح بأنّ أبا سنونو تمكّن من حسم المعركة بسرعة، ولكنّنا جميعًا كنّا قلبًا واحدًا.
هل تظنّ بأنّنا ما زِلْنا نمثّل المجتمعات المهزومة التي خلّفناها وراء ظهرنا منذ زمن؟
ما الذي تغيّر الآن يا قبطان؟
لقد انتصر علينا بسهولة وكأنّنا سراب، سراب!
كنت أبحث طِوالَ الوقت عن الكلمة – الفكرة.
تهت في لجّة الفراغ الذاتي الذي كنت أدور فيه، وكأنّ خلايا ذاكرتي أصيبت بالعفن.
- نحن سراب يا سليمان. كيف لنا أن نغيّر ما بأنفسنا؟
نحن سراب!
هذا القيد الذي يحيط بيديّ موجود في ذاكرة الهزيمة التي تسيطر عليّ فقط.
حاولت التحرّر من القيد فانفلتت بسهولة.
- على رسلك يا قبطان – على رسلك.
لا تنسَ العجوزين!
قبل قرابة الثلاثين عامًا،كنت أنا ذاك العامر النَكِدْ!
كنت ألعن النهار الذي يمضي دون الاعتداء على أحد.
كنت أسرق غد الأطفال الواعد.
كنت أمارس الإرهاب الفكري دون هوادة.
وكان العجوزان يحاولان جاهدين منعي من المضيّ في تلك التصرّفات.
لكن العنف أعجبني، وكان العجوزان يتألّمان بصمت وحرقة.
- لماذا لا نعود؟
قال سليمان وقد بانت الحسرة والخوف على وجهه.
- لقد تركت متاجرك وقوافلك وحضرت لمركبي عن طيب خاطر.
- المعذرة يا قبطان، لا يهمّني المال، لكنّي أشعر بأنّنا نسير في طريق خاطئ أو مسدود.
- بل هو الطريق نحو المطهر.
لكلّ شيء ثمن يا عزيزي.
- والآن، ما العمل؟
قال سليمان وقد أسقط في يده.
- سنستعيد المركب يا سليمان ولكنّ قبل ذلك، عليّ القيام بأمر تأخّر طويلا، هناك شخصان في انتظاري.
لا تغادر هذا المكان حتّى أعود!
ربّما أدرك سليمان ما أعني بكلماتي تلك، ولكنّه كان خائفًا.
-6-
لم أعِرْه أدنى انتباه. وكأنّه غير موجود.
غضب وأخذ يشتم، كان يرغب بإغاظتي ومعاركتي.
لكنّي أدركت أهدافه والشَرَكِ الذي يحاول جاهدًا رميي في شباكه.
كنت قد تجاوزت الطريق المؤدّي اليهما دهرًا من الزمن، وكنت نادم.
دخلت إلى القمرة المعدمة حيث يجلس العجوزان.
كانا قد شاخا على مركبي.
للحظة أدركا عمرهم الحقيقي، لم يعودا أولئك الوالدين المقموعين في أصل البيت.
انحنيت في حضرتهما، تناولت يد أمّي وقبلتها.
عندها سمعت صيحة عامِر المدوّية، عندها أدركت بأنّه قد اختفى وإلى الأبد.
عاد الأمن إلى المركب وعادت الطمأنينة إلى روحي المعذّبة.
أخذني والدي بين يديه.
- مرحبًا أيّها القبطان. قال فَرِحًا.
مرحبًا أيّها العجوز الجميل.
كان بودّي أن يناديني (يا بني) فقط، هكذا وبكلّ بساطة.
- مرحبًا يا ولدي، يا غريب الأطوار!
أضاف والدي وربّت على ظهري.
أنا الرجل القويّ، كنت بحاجة ماسّة إلى هذا الدلال، كنت بحاجة إلى يدِ والدي الضعيفة.
بقينا على حالنا بعض الوقت، كانت أمّي هادئة كما لم تكن يومًا ما من قبل.
- حان الوقت لنعود إلى عالمنا أيّها الصغير.
كانوا على عجلة من أمرهم، وكأنّهم نفّذوا مهمّة ملحّة، ودّعتهم على عجل وغادرت القمرة.
كان المركب قد عاد إلى جبروته، كان يشقّ البحر بكبرياء وجلل.
- أين عامِر يا سليمان؟
- لقد اختفى إلى غير رجعة، لا يوجد هنا مكان لأكثر من قبطان واحد.
لن نتخلّى عنك فأنت الوحيد القادر على المضيّ نحو برّ الأمان.
اختفت تلك العائلة العجيبة، ولم يبق لهم أثر على المركب، لكنّ الذكرى بقيت تدغدغ الطريق الطويل نحو البدايات.
في الأيام التالية كان سليمان يلازمني معظم الوقت، كان من الواضح بأنّ الغربة قد أخذت تأكل روحه.
سألته في إحدى الأمسيات إذا كان نادما على قدومه معي؟
فأجاب على الفور بأنّ هذه الرحلة هي أجمل ما قام به طِوال حياته.
أخبرني بأنّ المدينة إيّاها كانت تحتضر.
أخبرني بأنّ الليل فقد رونقه في تلك المدينة، ولكنّ تبقى ذكراها ما امتدّت به الحياة.
إنّها المدينة التي سرقت منه وقدّمت له أجمل لحظات الصِبا.
لذا يشعر بالحنين، لذا يدرك بأنّ جزءًا من حياته قد اقتطع.
قرأت كلّ هذا في عينيه، وكان في انتظارنا امتحان جديد.












***   كل عام وانتم بخير  ***

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

ارفع رأسك عالياً/ بعيداً عن تزييف التاريخ أنت وحدك من سلالة كل الأنبياء الرسل..

ارفع رأسك عالياً فلغتك لغة القرآن الكريم والملائكة وأهل الجنّة..

ارفع رأسك عالياً فأنت العريق وأنت التاريخ وكل الأصالة شرف المحتد وكرم ونقاء النسب وابتداع الحروف من بعض مكارمك وأنت فجر الإنسانية والقيم كلما استشرس ظلام الشر في طغيانه..

ارفع رأسك عالياً فأنت عربي..

هدى الخطيب

إن القتيل مضرجاً بدموعه = مثل القتيل مضرجاً بدمائه
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

الأديب والشاعر الكبير طلعت سقيرق
أغلى الناس والأحبة والأهل والأصدقاء
كفى بك داء أن ترى الموت شافياً = وحسب المنايا أن يكن أمانيا
_________________________________________
متى ستعود يا غالي وفي أي ربيع ياسميني فكل النوافذ والأبواب مشّرعة تنتظر عودتك بين أحلام سراب ودموع تأبى أن تستقر في جرارها؟!!
محال أن أتعود على غيابك وأتعايش معه فأنت طلعت

عرض البوم صور هدى نورالدين الخطيب   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 09 / 05 / 2018, 39 : 02 AM   المشاركة رقم: 6
المعلومات
الكاتب:
هدى نورالدين الخطيب
اللقب:
المدير العام المؤسسة وصاحبة حقوق النشر والترخيص، إجازة في الأدب، دبلوم فلسفة، الترجمة، دراسات عليا في التاريخ - أديبة وقاصّة وصحفية - عدد من الأوسمة وشهادات التقدير الرسمية – مهتمة بتحقيق وتنقيح التاريخ القديم – مؤلفات أدبية وفي الدراسات المقارنة
الرتبة:

الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية هدى نورالدين الخطيب

البيانات
التسجيل: 11 / 12 / 2007
العضوية: 3
المشاركات: 10,209 [+]
بمعدل : 2.38 يوميا
اخر زياره : [+]
الدولة: canada
الاقامه : كندا-من مدينة حيفا فلسطين، ولدت ونشأت في لبنان ووالدتي لبنانية ، بانتظار العودة إلى حيفا - فلسطين
علم الدوله :  canada
معدل التقييم: 20378
نقاط التقييم: 101680
هدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond repute
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
هدى نورالدين الخطيب غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : هدى نورالدين الخطيب المنتدى : الفعاليات والمسابقات الأدبية...
رد: استطلاع جماهيري - الرواية - المشاركة في مسابقة نور الأدب الكبرى 2018

المحجّبون

-1-

أدركتنا الأمواج عند أوّل النهار وكنّا قد بلغنا اليابسة.
يابسة مجهولة لا نعرف لها اسمًا ولا تعريفًا جغرافيًا.
رسى المركب وبدأ ركابي بالهبوط إلى الشاطئ الدافئ.
كان الإرتياح بادٍ على وجوه رفاق السفر الطويل.
سليمان بقي إلى جانبي طِوال الوقت، ثمّ انضمّ إلينا صاحب الدرك.
كنّا نشعر بجوعٍ شديد، وذهبنا نتجوّل في المدينة، كانت نظيفة، أبنيتها بيضاء مزخرفة.
لكنّ المفاجأة كانت في طبيعة سكّانها، كانوا جميعهم محجّبين!
نساؤهم، رجالهم وأطفالهم دون استثناء.
شعرنا بأنّنا عراة وسط هذه الحجب الثقيلة، لم تبدُ من وجوههم سوى العينين!
كانت تدور في الحدقات، ترقب كلّ حركة نقوم بها، لكنّهم بالرغم من هذا كانوا مسالمين.
لم يتعرّضوا لنا بأيّ أذى.
ومضينا نبحث عن مكانٍ نطفئ فيه جموح جوعنا.
وصلنا إلى وسط المدينة وكانت المطاعم في انتظارنا.
جلسنا في أوّل المطاعم التي صادفتنا وكنّا نتوقّع طردنا من هناك، بسبب عرينا المتمثّل في وجوهنا السافرة.
ظهر الخادم بملابس بيضاء أنيقة، وضع أمامنا لائحة الطعام ولم يتفوّه بكلمة.
كنت أرغب بمعرفة السرّ الذي يحيط بهؤلاء الناس.
- ما رأيك يا سليمان؟
- والله أنا محتار، لا أدري ماهيّة سرّهم، ولماذا كلّ هذا التخفّي؟
- ربّما علينا أن نسأل أحدهم عن هذا التقليد!
قال صاحب الدرك وهمّ بتنفيذ اقتراحه على الفور.
- انتظر يا صاحبي، انتظر، دعنا نرى هذه القائمة.
في أسفل القائمة كان الخادم قد كتب بخطّ صغير "يُمْنَع طرحُ الأسئلة"
- أترون ما هو مكتوب في أسفل القائمة؟ ممنوع طرح الأسئلة يا أصدقاء!
قال سليمان وقد سال لعابه:
- أنا جائع للغاية. دعونا نطلب بعض الطعام.
- ألا يجب علينا أن نعرف أولا أفضل الأطعمة المتواجدة في المطعم؟
أضاف صاحب الدرك.
لكنّ سليمان أجاب على عجل:
- لا، الإتّفاق ينصّ على عدم طرح الأسئلة.
حضر الخادم بعد قليل وكان قد كتب على ورقة بيضاء،
- لا تطلبوا سمكًا.
- أحضر لنا أيّ شيء، ليكن دجاجًا أيّها الكريم.
انطلق الخادم بعد أن اختطف الورقة من أيدينا.
لم يَمْضِ سوى وقت قصير حتّى حضر الطعام وكان شهيًّا للغاية.
بدأنا نأكل بشهيّة واضحة، كنّا على وشك الإنتهاء عندما حاصرنا رِجال الشرطة.
كانت الأسلحة موجّهة نحونا، ومن بعيد شاهدتهم يجرّون الخادم إلى سيارة الشرطة.
كانوا يركلونه ويشدّون شعره من تحت الأردية الكثيرة التي كانت تغطّي وجهه ورأسه، وسرعان ما سقط الرداء الذي كان يغطّي رأسه.
كانت امرأة في منتهى الجمال!
كانت امرأة قادرة على أن تُفقد الرجال آخر ما يملكون من خطوط الدفاع.
كانت امرأة قادرة على زرع الفتنة فوق المراكب وفي بلاد الله الواسعة!
دقّقت النظر بعض الشيء، ثمّ لكزت سليمان قائلا:
- جميع سكان المدينة نساء، الشرطة، الحرس، الخدم. جميعهم نساء.
- نعم، صدورهنّ تكشف عن أنوثتهنّ.
- ولكن لماذا اعتقلونا؟
- هذا ما سنعرفه في المحكمة إذا كان هناك محكمة في عالمهم الغريب هذا!
كنّا في قفص الإتّهام أنا ورفاقي والمرأة إيّاها التي وقعت في شِباك العدالة بسببنا.
حضرت القاضية المحجّبة بالكامل وبدأت الجلسة.
- هل قمت بتحذيرهم بخصوص السمك؟
- لم أقصد الإساءة.
- هل قمت بالتحذير؟
- نعم، طلبت منهم عدم أكل السمك.
- إذن، هم سألوك عن أنواع الطعام المعروضة في المطعم؟
- لم تكن هناك أيّة أسئلة.
- هذا واضح، أجهزتنا تشير إلى أنّهم لم يطرحوا أسئلة في مدينتنا، على أيّة حال لدى الإدعاء العام بعض الأسئلة التي يرغب في توجيهها إليك، وبالرغم عمّا يمكن أن يصدر عنك من أحاديث، أشعر بالاشمئزار من خيانتك للمدينة التي حافظت على كرامتك، وصانت قدسيّتك طِوال هذه السنوات. تفضّل حضرة المدّعي العام.
كنت أعلم أيضًا بأنّ جميع المتواجدين في حرم هذه المهزلة نساء عدانا نحن الثلاثة.
- المواطِنَة البارّة تعمل في إحدى المطاعم وسط المدينة، ولم يبدُ من تصرّفاتها ما يشير إلى انقلابها على عالمنا هذا. لكنّها وقعت في فخّ الرذيلة دون مواربة، ولدى الاختبار الأول الذي تعرّضت له حين قابلت هذا المسخ (أشار إليّ) وهذا المسخ (أشار الى سليمان) وهذا المسخ (أشار إلى صاحب الدرك). سارَعَتْ بالكتابة. (نظر إليها مباشرة) ما الذي جعلك تكتبين هذه العبارة؟
- سماحة القاضي، هل لي بكلمة؟ قلت على الفور. لم أعد أحتمل استمرار هذه المهزلة التي تدور أحداثها أمامي.
- أنت تقاطع المدّعي العام أيّها..؟
- أنا لست مسخًا، ومقاطعتي للمدّعي العام قانونية.
- حسنًا ليكن ما تريد. تحدّث، ولكن باختصار شديد. قالت القاضية وقد بان الغضب في عينيها ونبرات صوتها.
- نيابة عن زملائي نحن لا نمانع في تناول السمك، وهي وجبة مفضّلة لدينا لأنّنا أبناء البحر. وقد كنّا على وشك سؤال خادم المطعم عن الوجبات المتوفّرة في المطعم. حقيقة لم نكن نعلم بأنّ الأسئلة ممنوعة في هذه المدينة، نحن غرباء ونحتاج إلى بعض الرعاية والاهتمام والتوجيه، خاصّة ونحن لا نقصد إيذاء أحد في هذه المدينة الجميلة. لا أدري ما الذي استدعى هذه المحاكمة؟ ولماذا لم يتم تخصيص محامٍ يدافع عن حقوقنا؟
- هل انتهت مداخلتك أيّها الغريب؟
- نعم يا سماحة القاضي، لقد انتهيت.
- تستطيع أن تكمل تجريمك لهذه العصبة حضرة المدّعي العام. قالت القاضية دون أن تجد كلماتي صدىً لديها.
- هل قلتم بأنّكم على استعداد لتناول قدرا كافيًا من السمك؟
أدركت بأنّ السمك الذي يحضّرونه للأجانب يحتوي على مواد خاصّة، ولها غاية محدّدة لا أعرف كنهها لغاية اللحظة!
- نعم، نحن على استعداد لتناول السمك المطلوب، ولكن ألا يحقّ لنا معرفة بعض القضايا التي استعصت على مداركنا؟
- لكنّ الأسئلة ممنوعة يا حضرات..
- لكلّ شيءٍ ثمن. نحن وافقنا بالطبع على تناول السمك.
ضربت القاضية الطاولة أمامها بمطرقة العدل الصغيرة وقالت:
- سؤال واحد فقط.
- لماذا كلّ هذه الأقنعة؟ قذفت سؤالي على الفور.
- هذا ألف سؤال، إلاّ هذا السؤال يا مجرمين. إلاّ هذا السؤال!

-2-

بقي المدّعي العام يكيل لنا الاتّهامات الواحدة تلو الأخرى حتّى تعب وجاء دوري للمرافعة، كنت غاضبًا فأنا لا أعرف قوانين هذا البلد، وستأتي مرافعتي كلامًا عابرًا ونثرًا واجتهادًا قد يكون خاطئًا. ولكن، ليس لديّ أيّ خيارات. أردت من خلال مرافعتي فضحهم واستخدام أسلوب الهجوم كأفضل طريقة للدفاع.
- أنا لست غبيًّا لطرح الأسئلة عليكم. أسئلة لا أعرف أجوبتها مسبقً!
- ماذا؟ هل انت جاسوس؟
- أرجوك يا حضرة المدّعي العام. أنا لم أقاطعك خلال مرافعتك، دعني أكمل ما لديّ ثمّ بإمكانكم اتّخاذ الحكم الذي ترونه مناسبًا بحقّي. السمك هذا يتسبّب بطمس الذاكرة والشخصية. هناك الكثير من الرجال فيما بينكم، لكنّهم تناولوا كميّات من سمككم المسموم، حتّى تُطْمَسْ ذكورتهم، ويبدأون بتصديق حقيقتهم الأنوثية المزوّرة، والزمن كافٍ بعد ذلك لتثبيت هذه الحقيقة الزائفة. أعتقد جازمًا بأنّ الفتاة التي تجلس في قفص الاتّهام إلى جانبنا هي في واقع الحال امرأة. لكنّها تشكّ في ذلك، وترغب بالتحقّق من هذا. بالطبع أنتم لا تستحقّون عناء إخباركم كيف تمكّنت من معرفة ذلك. ولكنّي ذات الوقت قادرٌ أيضًا على كشف الرجال المنتحلين عنوة أجساد نساء. هل ترغبون بتوضيح هذا الأمر الآن؟
عندها ضرب القاضي أو القاضية الطاولة أمامها بمطرقة العدل الصغيرة، وصرخت
- ما هذا الهراء؟
نظرت إلى عيون الحاضرين وتيقّنت من أنّ الشك قد بدأ يدبّ في صدورهم.
- حضرة القاضي المحترم. هل أنتم على ثقة من أنّني سأتناول الكميّة الكافية من ذلّكم، حتّى أتحوّل إلى الجنس الذي تريدون، آخذين بعين الاعتبار مقدرتي على المراوغة؟ هل ما زلتم تصرّون بأنّنا مسوخ تافهة؟
- حسنًا ما الذي تريدونه؟
عندها أدركت بأنّ الوقت حان لألقي في حرم المحكمة مفاجأتي الأخيرة.
- سماحة القاضي، أنت في واقع الحال رجل وسيم قادر على إنجاب الكثير من الأطفال، والاستمتاع بهذه الحسناء التي يحاول سعادتكم محاكمتها، والقضاء على مستقبلها. وأنا واثق كلّ الثقة من حديثي هذا. وإذا أراد الحضور الكريم التأكّد من هذا الشأن، ما على القاضي سوى أن يزيل هذه الأحجبة عن رأسه ووجهه!
ارتفع الصخب في الصالة وأخذ البعض يشيرون بأصابعهم إلى القاضي.
همس سليمان في أذني وقال:
- انت مجنون. إذا ثبت خِلاف ذلك فستمزّقنا الحشود الغاضبة المتشكّكة من حولنا.
- هذا هو المطلوب يا سليمان، الشكّ هو وسيلتي، ولن تعمد أو يعمد هذا القاضي على إزالة الأقنعة عن رأسه ووجهه. سلطتهم قائمة على الخوف والتنكّر للإنسانية. الشك هو الذي سيدفع بهؤلاء الناس إلى الثورة ضدّ هذا الواقع المزري، واقع الأنثوية القاصر. لقد كسروا أجنحة النساء، عهّروا الأمومة والمشاعر الأنثوية بهذا التمويه القاتل. حتّى وإن خلع القاضي حجابه وبدا امرأة، فإنّ الجميع هنا سيسارعون للمرآة لخلع القناع ورؤية حقيقة الأرواح الكامنة خلفها.
- تُرْفَعْ الجلسة لنصف ساعة.
- سماحة القاضي، انزع عن وجهك هذا الحجاب!
قال أحد الحضور بصوتٍ مدوّي، تبعه آخر وآخر وآخر. لم تمضِ سوى لحظات، حتّى أخذت الحجب تتطاير، بانت أخيرًا بعض الشوارب، كانت فرحتي لا توصف، وكان الرجال مزهوون برجولتهم، والنساء اطمأنّت لأنوثتهنّ المسفوحة تحت وطأة الحجب.
سارع القاضي أو القاضية ((لا أعرف حقيقة ماهية جِنْسه)) بالهرب إلى الخارج. اندفعت الجماهير خلفه، كانوا راغبين بمعرفة الحقيقة! ازدحمت الشوارع بالجماهير المحتشدة، هاجموا ما تبقّى من المحجّبين.
جلست قِبالة مركبي وطفقت أبكي. كلّ هذه المجتمعات المهزومة يا فؤادي، لماذا لا تمارس ما يشبه التمرّد؟ لم يكن هناك عيب في السمك، إنّه مجرّد الوهم! أخبرتني الخادمة نجوى التي كانت متّهمة معنا، بأنّهم اختاروا الدجاج كوجبة مبهمة في العام السابق. وكانت نجوى محتارة في تلك الأساليب، كانت تبحث عن ذاتها وسط هذا الوهم.
لم تكن مدينتي الوحيدة التي تعيش حالة من الوهم. هناك العديد من المجتمعات المهزومة الأخرى، وكان من السهل تحرير أرواحهم. لماذا تستعصي الحريّة علينا يا فؤادي؟ لماذا نقدّمها للغير ونبقى نجترّ هزائمنا عبر المحيطات والقارات المجهولة؟ حاصرتني الأسئلة مجدّداً، وليس لديّ أجوبة شافية. ليس لديّ رغبة بالمضيّ نحو العالم الخارجي بهذه السرعة. كنت متعبًا من حالة الإبحار الطويلة المتواصلة.
قَدِمَتْ نجوى، وضعت رأسها على كتفي، قبّلتْ جبيني واختبأت في معطفي الرقيق.
كانت في تلك اللحظة راغبة بالانحلال في عالمي.
نجوى قصيدة لم تكتمل، وكانت بانتظار قوافٍ لم تكتمل.
كانت ترغب بالتسامي فوق صفحات تاريخها الهارب من مفكّرة الزمن.
- أنت لست بحاجة لي يا نجوى، ربّما لأنّني ساعدتك للهرب من عالم الوهم، تجدين الآن نفسك مدينة لي!
- أسكت أرجوك، أنت لا تفهم حديث القلب على ما يبدو!
- أنا لا أفهم حديث القلب يا سيّدتي؟
- لا تصدّني عنك مهما بدر منّي!
- أنا غير قادر على اقتسام قلبي بين امرأتين يا نجوى. هناك نورا التي تنتظرني عند حدود المغيب كلّ يوم. هل تفهمين خارطة القلوب يا عزيزتي؟
- نعم، أفهمها جيّدًا. أنا الآن نورا البعيدة. دَعْني أتقمّص شخصية المرأة التي تبعد عنك رَدْحًا من الزمن.
كان في كلامها منطق امرأة تحرّرت من عبودية الجسد، أخذتها بين ذراعيَ وتلقّفت شفتيها. تُهْنا في قبلة طَويلة. حين انفصلت شفاهنا نظرتُ إلى عينيها مليًّا.
- مرحبًا يا نجوى. كأنّي أراها للمرّة الأولى! أخشى على شفتيك الاندلاق في دوّامة الشهوة.
- هل تهدّدني بالدواء الذي بحثت عنه طويلا؟
- هناك سليمان وصاحب الدرك وكلاهما يرغبك ويطلب ودّك.
- أحيانًا تضيق بنا الدنيا ولا تتّسع عينا المرأة سوى لرجل واحد.
يبدو الحوار أفلاطونيًّا ولا يصبّ في منابعها الظمآى!
ربّما كنت رجلا غبيًّا في تلك اللحظة. على أيّة حال، أنا لست مثاليّ.
قررت المضيّ مع نجوى لقطف بعض النجوم.
في تلك اللحظة، كانت قطوف الكرم قد تدلّت وامتلأت بعصير حلو المذاق، كان الشهد يقطر من حلماتها، يبحث عن أفواهٍ عطشى لصدى النداء.

-3-

أخذ سليمان يدير عمليّات تجارية ناجحة. أشار لي بأنّهم أبرياء وساذجين للغاية فيما يتعلّق بأصول التجارة. وحين حدجته بنظراتٍ ناريّة متساءلة، أقْسَمَ أنّه لا يغشّ، وكلّ ما في الأمر أنّه يقوم بعمليات شراء وبيع لا أكثر! سألته بأنّ هذا سهل للغاية فأجاب:
- لقد عاشوا في مجتمع منغلق، وكانوا يخشون طرح الأسئلة خوفًا من نظام الحكم القمعيّ. وبعد انهيار قوائمه تحرّروا، لكنهم بقوا أسرى أفكارهم البالية. تصوّر أنّهم عرضوا عليّ شراء مصنع تصل قيمة البضائع الجاهزة للتسويق في ساحته ضعف ثمنه.
- إنّهم ينتقمون من الدولة التي اعتبروها بقرة جاهزة للقتل والتقطيع. طلبت لقاء عمدة المدينة، وكان لي ما أردت على وجه السرعة.
- سعادة العمدة، أنتم تمزّقون البلد!
- ماذا تقصد أيّها المخلّص؟
- تبيعون أصول اقتصادكم بأموالٍ بخسة، مقدّرات المدينة أضحت بين أيادٍ قذرة. أعتقد أنّك تفهم ما أريد قوله؟
- نحن نرغب بالتخلّص من نظام الدولة الذي جعلنا أسرى وهمٍ اسمه الوطن. كلّ شيء مباح الآن، أدرك ذلك ولكن لا بدّ من التضحية. نحن نرغب بارتداء معاطف الحريّة!
- سعادة العمدة الموقّر، أنتم تعرضون أسهم محطّة توليد الكهرباء للبيع مقابل مبلغ قادر على تأمينه مغامر صغير. الطاقة عصب الحياة في مدينتكم، قد تضطرّون لشراءها من أماكن أخرى! وسيكون ثمنها أضعاف الثمن الذي تدفعونه الآن. ثمّ شركة الطيران التي تملكونها، والتي تنقل عدد كبير من البشر عبر هذه المدينة – الجزيرة. إنّها تحمل علَمُكُم ورمز دولتكم الجميلة. كيف تعرضونها للبيع لشركات مشبوهة وغير معروفة؟ أنت تافه يا حضرة العمدة، أنانيّتك ستؤدي إلى إفقار وتجويع هذا الشعب. لقد حقّقت الكثير من الأرباح على الصعيد الشخصيّ. ألا تكفيك الأموال التي جمعتها في البنوك الأجنبية؟
- كيف تجرؤ على شتمي وتجريحي؟!
وقف العمدة وبصق الطعام الذي ي فمه خوفًا من الاختناق. كان مستشاطًا نم شدّة الغضب بعد أن واجهته بتلك التهم، أضاف بعد قليل صائحًا:
- شركاتنا قديمة وتحتاج إلى التجديد، هل هذا واضح؟
- تحتاج إلى التجديد وليس للبيع. رجالك يبيعون آلات الإنتاج الجديدة المغلّفة، حتّى زيوتها ما تزال عذراء يا عمدة! ومع كلّ صفقة يطرد المالك الجديد جميع الموظّفين، ثمّ يبيع ما اشتراه بالسعر الحقيقي للسوق، ليصبح مليونير جديد وصاحب رأسمال سهلا للغاية. وغدًا سيطالب بمركزك وسيتمكّن من السيطرة على مقاليد السلطة، لأنّ رأس المال كما تعلم هو أقصر الطرق للسلطة. أنت تصنع مافيا يا عمدة. أنت تصنع مافيا يا رجل.
كان العمدة متأثرًا ومتورّطًا في الوقت نفسه! لم يعد قادرًا على التوقّف، لقد أصبح أسير الشبكة العنكبوتية التي نسجت خطوطها الأولى. أتى إلى طرفي في أحد الأيام وطلب منّي نصيحة. لكنّ الوقت كان قد فات، فقد تمكّنت المافيا التي ترعرعت على يديه من القضاء على جميع أعوانه الشرفاء. كانوا يقومون بعمليات تصفية أسموها "بالمبلولة"، وذلك نسبة لبرك الدمّ التي تخلّفها بعد تنفيذها.
بعد أسبوع من زيارة العمدة علمت بأنّه قد انتحر بعد أن فشل في مقاومتهم والوقوف في وجههم. كانت علاقتي جيّدة مع المدير العام للبنك المركزي، فقد كان رجلا شهمًا يعشق الوطن ويقسم بترابه، جاءني يومًا والعرق يتصبّب من جبينه:
- لقد طلبوا قرضًا بنكيًا هائلا يا قبطان، ولم يقدّموا أيّة ضمانات أو أملاك تغطّي ولو جزءًا صغيرًا من المبلغ المطلوب، وقد يؤدي هذا إلى إفلاس البنك بل البنوك بل القضاء على اقتصاد البلد برمّته!
- هناك مجلس إداري يا عزيزي، ليس من الضروري تحمّل هذا العبء لوحدك.
- المجلس الإداري موافق بالكامل، بل أخذ أعضاؤه يلوموني لمماطلتي على الموافقة والتوقيع لصرف القرض. لقد شروا ذممهم يا قبطان!
- لا أدري كيف أساعدك يا صديقي، لا أدري كيف أساعدك؟
بعد يومين ذهبت لزيارته في مكتبه، دخلت دون أن أقرع الباب وكانت مفاجاتي كبيرة. كان وجهه أزرقًا ومخضرًّا، جسده كان قد تلوّن. يا لها من ميتة. كان بإمكانهم قتله برصاصة لا يزيد ثمنها على بضعة دولارات. بيد أنّهم وضعوا في كرسيّ الإدارة الأسود الفاخر، قطعة من اليورانيوم المشعّ، التي يصل ثمنها إلى رقمٍ قياسيّ. قتلوه علانية وبصورة بشعة، دفعوا مئات الآلاف من الدولارات ليكون المدير عبرة لخلفه! من جهة أخرى، كانوا يرغبون عرض عضلاتهم ومقدراتهم. كانت أعينهم تصل إلى كلّ مكان، وكانوا قد هدّدوا سليمان بالابتعاد عن المشاريع الرابحة، وكان سليمان قد حقّق أرباحًا خيالية خلال فترة زمنية قصيرة، لكنّه توقّف إثر تلك التهديدات خوفًا على حياته.
استمرّت عملية إخلاء جثّة المدير المنكوب عدّة أيام. دخل رجالٌ يرتدون ملابس بلاستيكية مطعّمة بالقصدير، حتى لا تدركهم لعنة الذرّة والإشعاع. منعوا الجميع من التوجّه إلى المبنى فترة طويلة من الزمن، حاولوا جهدهم التخلّص من الإشعاع القاتل! هل أدركوا في الواقع بأنّ الإشعاع الأخطر أصبح يقطن في عمق أرواحهم، ويعبث بمستقبل أمّتهم بالكامل؟
نجوى حامل. مضى على وجودي هنا سنتان، أخذ بعض معارفي بإلقاء اللوم عليّ بعد ان ارتبطت بنجوى.
سمحت لها أن تلج عالمي، كنت بحاجة إلى فضاءات جسدها.
علاقتي بها كانت محاولة للرحيل نحو الضوء والحلم القابع في رحم الكابوس.
تجرّأت على ممارسة فضيلة النسيان
لوهلة!
مضيت أسعى نحو الأفق.
أفاق الجسد المتكوّر في قبضة يدي!
أعشق جنون الرغبة الخارجة عن حدود الألم، أنا الأنانيّ لا أتنازل عن مستحقّات اللحظة.
كنت قد قدّمت لامرأة أخرى خمس سنوات لتبرأ روحُها.
لست بنادمٍ على الأيام التي تساقطت من تقويم حياتي.
دعوني أتيه في لجّة الجسد الماثل أمام عينيّ، لحظات العشق لا تنتهي، وكانّي برئت من الحنين.
لا عودة عن مشاريع القلب المفاجئة، هكذا دون أن أطلب إذنًا من أحد.
من يقف في طريق خياراتي؟
سأحملها عبر أنفاق الروح المظلمة، علّني وإيّاها نجد نجمًا يضيء طريقَنا.
كنتُ قد دعوتُ الأولى إلى جنون التيه دون جدوى، أخذت أناديها بالأولى، نسيت اسمها!
وكأنّها نورا، ما الفرق؟ ضعنا في حمّى الحدث.
لا ينقضي الليلُ قبل أن أمتصّ رحيقها، أنا الرجل الهائم في وجوه الدنيا وأقنعتها.
كيف أصبحتم اليوم قضاة تدينون فؤادي؟
ابقوا في خارطة خطاياكم، دعوني أعيش لحظتي، سأمت عالمكم المثالي.
كنت في تلك اللحظة لا أرى من النساء سوى نجوى.
وكانت هي قادرة على هتك ستائر الحياء والخجل.
كنت في انتظار ابني الذي سيحمل يومًا اسمي. ولكن مهلا يا قبطان!
منذ متى تعني لك الأسماء شيئًا؟ هل الأسماء تصنع حامليها؟
أم أنّها تصبح في وهلة من الزمن لعنةً لا تُحْتَمَلْ؟
لن أعفيكم من أسئلتي اليوم، أنتم يا أحفاد المجتمعات المهزومة!
-4-

تخلّى عنّي الجميع سوى سليمان وصاحب الدرك.
كنت قد تزوّجت نجوى، وكانت هي على استعداد للمضيّ معي إلى ما وراء البحار، لكنّها طلبت قبل ذلك زيارة عائلتها للوداع. كانت على يقين من أنّ الرحلة ستطول. قرأت بعض الحزن في عينيها، وكان هذا جلّ ما أكره. إلاّ الدموع! لأنّها تغسل حدقات العين، لأنّها أفضل وسيلة لخيانة المشاعر. تموت المشاعر بعد البكاء.
- متى ننطلق لوداع عائلتي؟
- عند الصباح ننطلق برفقة ما تبقّى من أصدقائي، عند الصباح. ولكنّ أخبريني يا نجوى، أما يزال والداك محجّبين حتّى الساعة؟
- لا أظنّ بأنّ أحدًا بقي خفيًّا في هذه المدينة. بل على العكس من هذا، لقد تعرّى أهل المدينة. أصبح العري موضة تروق للكثيرين!
كان الجوّ جميلا والشمس ساطعة تريح الأعصاب المشدودة من حمّى الانتظار والاشتياق المقبل عند مقتل الشمس في المساء. ما أن جلست على المقعد حتّى غبت في سباتٍ طويل. إنّها المرّة الأولى التي أسافر خلالها في وجهة بعيدة عن البحر. كان وجه البحر دائمًا قبالتي. والآن، أخذنا نبتعد عنه بسرعة. كأنّها محاولة لولادة جديدة في هذا الكون الهلاميّ الضبابيّ!
شيءٌ ما يموت في داخلي،
كلّ هذه النسبية في عالم مطلقّ.
أمْسَكَتْ بيدي كانت يدُها تحترق!
أدركت بأنّ هناك بعض الشياطين الذين يتلاعبون بأفكارها الهائمة.
معتركٌ يتفاقم مع صوت المحرّك الرتيب، أنا هنا، ما أزال أبحث عن آيات الخالق وسط هذه الفوضى.
شدّت على يدي، كانت خائفة. هناك حيث أخذت الحافلة تصعد نحو جبل شاهق مرتفع. الحافلة تزحف تعارك قوانين الجاذبية، والمحرّك يصرخ غاضبًا، كيف للسائق إراحته وعينُ الجبل تحدّق ساخرة من عجز الطبيعة! الألم يتفاقم في جوف العجلات وحرارة المحرّك ترتفع دون مبرّر، رائحة الكاتشوك زكمت أنوفنا وهاجمت خلايا الدماغ المتحسّسة للخطر القادم على أجنحة المجهول.
الحافلة تصعد متعبة، وأنا أشعر بقلب الجبل يدقّ متسارعًا، لا تخمد حدّته مع كلّ مترٍ تقضمه العجلات.
- هل تشعرين بوجوده؟
- أشعر بماذا؟
- قلب الجبل يا نجوى، قلب الجبل!
- وهل للجبل قلبٌ ينبض؟
صمتّ على الفور، لا أحد يقدر استشعار أسياد الجبل، وعيونهم التي تحدّق في الماضين إلى أسراره. كنت أشعر به يتململ، شيءٌ ما يمنعه من السماح لنا بالمضيّ قدمًا إلى أسراره وعالمه! الغارق في سكينة أبديّة.
- أين يقطن أهلك يا نجوى؟
- هناك، عند قمّة الجبل.
لن نصل إلى هناك بسهولة، لقد تحرّك قلب الجبل وهو غير راضٍ عن حضورنا. ومضينا باصرار نحو تلك القمّة الشامخة. نظرت إلى سليمان وإلى حارس الدرك، فوجدتهم غارقين في نومٍ عميق. وصلت الحافلة إلى استراحة صغيرة فوق إحدى التلال. نظرت إلى وجه قائد العربة فوجدته شاحبًا.
تجنّب النظر إلى عينيّ، تجنّب النظر إلى وجوه المسافرين أيضًا.
انطلق إلى بهو الاستراحة، ولج إلى دورة المياه وسرعان ما خرج.
جلس إلى إحدى الطاولات وطلب بعض القهوة والعصير وقررت الجلوس إلى جانبه.
- أنت تعرف بأنّه لا يمكننا الاستمرار حتى نهاية الطريق؟ وجّهت السؤال إليه محدّقًا في عينيه.
- نعم، لا يمكنني تحريك الحافلة إلى الأمام ولا لحتّى شبرٍ واحد. أشعر بأنّ الأرض تهتزّ من تحتي. المحرّك سينفجر، هذا أمرٌ لم أعايشه سابقًا، كأنّ الجبل يلفظنا ويرفض ولوجنا إلى عالمه. لقد عبرت هذا الطريق مئات المرّات، هذه هي المرّة الأولى التي يرفض الجبل عبور حافلتي إلى القمّة.
طلبت من سليمان وحارس الدرك البقاء في الاستراحة والنوم فيها أو العودة إلى المدينة. لم أسمح لهم بتوجيه أيّة أسئلة. أدركوا على الفور مخاوفي ووافقوا على اقتراحي.
- نجوى علينا التوجّه إلى القمّة لوحدنا، هل أنت مستعدّة لذلك؟
- طبعًا يا عزيزي، معك لا أخشى شيئًا. أمّا أنا فأخشى الكثير منذ هذه اللحظة. هناك غضب يتكاثر في كبد الجبل. يراقبني، يراقب كلّ خطوة أقوم بها. أشعر به يحدّق في جميع خلايا جسدي. غاضبٌ، مستهترٌ وعملاق. ويبدو مدوٍ وحانقٍ ومستفسرٍ ومداهم.
أخذنا بالصعود إلى الأعلى، خطوة إثر أخرى. أمسكت بيدها جيّدا، صاحت نجوى متألّمة:
- أنت تؤلمني، أترك يدي أرجوك.
عندها رأيت عينيه تضحك ساخرة. إنّه يحاول الانتقام جاهدًا. لم يخطر لي من قبل بأنّ للجبال عيونٌ تفضح مزاجهم. تُرى هل سيفصح عن هواجسه ومخاوفه؟
لم يطل الأمر بي، حملت حجرًا وقذفت به في وجه اللعين.
- هذه لك يا جبان!
اختبأت نجوى خلفي، كانت ترتجف نم شدّة الخوف.
- هل تظن نفسك قادرًا على إرهابي؟ سأقلع عينك بيديّ هاتين. قذفته بحجرٍ آخر أكبر من سابقه وكنت أصرخ بملء صوتي، كنت ألعن وأشتم وأتحدّى. نظرت إليه، أردت أن أرى ردّة الفعل التي تركتها في عالمه العملاق، لكنّي لم أرَ سوى العجب! نعم، كان مندهشًا من فورة غضبي. أوداجي منتفخة والحريق يشتعل في أوردتي، وقلبي ينبض بكلّ ما أوتي من عنفوان!
- ما الذي تريده؟ ألا تخجل من لحيتك البيضاء يا عجوز؟
- تسمّيني عجوزًا؟
- نعم، لا ينقصك سوى المرآة كي تتيّقن من ذلك. تأمّل التجاعيد التي تركها الزمن في تضاريس وجهك الحجريّ. همهم وحكّ رأسه فارتجّت الأرض من تحتي. حافظتُ على رباطة جأشي ولم أتحرّك قيد أنملة.
- ما الذي تفعله يا قبطان؟ أنت تقتلنا بتصرّفاتك هذه! أنت لا تعرف مدى قدراته، هل نسيت بأنّ قلبه بركان وقادر على الثورة في أية لحظة مقبلة.
- بل هو بركان ميّت خامد. هل تسمع أيّها العجوز القذر؟ أنت بركان ميّت لا تقدر على بثّ الدفء حتّى في جدائل امرأة.
- ما معنى هذا يا قبطان؟ كيف يمكن لأحد أن يبثّ الدفء في جدائل امرأة؟ هل تريد حرق شعر النساء المتطاير في الأنحاء؟
- آه، كان هذا منتهى الغباء يا عزيزتي. على كلّ حال، أنا آسف!
- أيّها الكبير، أرجو أن تسامح زوجي على تهوّره وغبائه، لم يكن يقصد إهانتك!
- زوجك لا يقدر على إهانتي أيّتها الحسناء. على أيّة حال لقد تخطّيتما الامتحان، لكن يجب أن تمرّ من جانبي كي أسرّ لك بأمرٍ مهمّ وعاجل!
- لكنّنا في عجلة من أمرنا يا سيّد الجبال!
- لا تكن لحوحًا أيّها الصغير الفاني، قلت لك احضر إلى طرفي، وإلا فعليك أن تعود أدراجك!
- حسنًا، كما تشاء، نحن قادمون.
كان قد أغمض عينيه طِوالَ الطريق التي كنّا نخطوها تّجاهه، لكنّي كنت على يقين من أنّه يرقبنا بطرف عينيه. جفناه الحجريّتان تتحرّك بتثاقل، كلّما تعثّرتُ ونجوى ببعض الحصى. وكانت نجوى حائرة في فهم معنى كلّ ما يجري.
- لم يبقَ أمامنا سوى القليل يا نجوى.
- لماذا لا يدعنا وشأنا؟ ما لنا وكتلة الحجارة هذا؟
- دماغه كما ترين من حجر، ولا يمكن الاقتناع بسهولة.
قمم الجبال تمتدّ أمامي، لم أعد أشعر بالبرد بسبب المشي الطويل والمجهود الكبير الذي كنّا نبذله للوصول إلى غايتنا المنشودة.
بَدَتْ أخيرًا طرفُ لحيته للعيان، وهذا يعني بأنّ المشوار قد أشرف على الانتهاء. هنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ سيّد الجبال، كان طوال الوقت هادئاً إذا ما قورن بأسياد البحار والجزر. وهم في معظمهم نساء شبقات لا يقبلن بالقليل أبدًا.
- وصلت الى طرف شفتيك يا سيّدي، أخبرني أخيرًا عن مطالبك؟ ماذا تريد بحقّ الذي قدّك من حجر؟
ضحك العملاق وهمس قائلا:
- امضِ إلى بحيرة الحياة، إنّها تقعُ أمامي مباشرة. لا تخف يا قبطان! مياه، مجرّد مياه.
- وهل يمكن للقبطان أن يخشى الماء يا سيّد الجبال؟
اقتربت من المكان الذي أشار إليه. كنت أسمع صوت نجوى تلهث من خلفي. لا بدّ أنّها لعنت اللحظة التي أحبتني ورضيت الإرتباط بي. كان الفضول يأكل أطراف أعصابي المشدودة. وأخيرًا وصلتُ إلى طرف البحيرة، كانت المياه صافية، تمكّنت حتّى من رؤية قاعها الشفّاف.
- لم أشاهد طِوال حياتي مياهً بهذا الصفاء أيّها العملاق! أجاب العملاق الحجري بصوتٍ مخمليّ:
- يلزمك الغوص لسنة كاملة كي تصل إلى قاع البحيرة يا قبطان. فوّهتها هي البركان بعينه، مياهها إلى عمق الأرض السحيقة. اشرب من هذه المياه، اشرب فقد اجتزتَ الإمتحان.
- لماذا أنا بالذات؟
- هناك دائماً الشخص الأوّل. أنت البداية وأنت الخلاص.
توقّفت عن التردّد عندما سمعت كلماته تلك، وأخذت أعبّ من مياه البحيرة، لم أشعر بالإرتواء بالرغم من الكمّ الكبير من المياه التي شربتها.
- يا الله؟ لم أذق في حياتي مياهً بهذه العذوبة، أكاد لا أصدّق حواسّي!
- أنت الآن حرّ طليق يا قبطان.
- هل هذا بمثابة تصريح سفر؟
- كُنْ أمينًا على مقدّراتك الجديدة. أنت أوّل إنسان يشرب من ماء الحياة.
-5-

- لماذا لم تشربي من ماء الحياة يا نجوى؟
- وكيف لي ذلك. إرادتي كانت مقيّدة طِوالَ الوقت! كان يراقبني بعينيه العملاقتين، أنت الوحيد الذي سمح له بشرب الماء!
- لماذا أنا بالذات؟
- لأنّك القبطان يا عزيزي، لأنّك القبطان.
- لا، هذا جوابٌ غير مُقْنِعْ. كان عليّ أن لا أشرب من ماء الحياة وحيدًا، لا أريد أن أكون أوّل وآخر من يفعل ذلك على وجه الأرض. لا أريد حمل هذه الأمانة!
شعرت بالقوّة تعود إلى مفاصلي وعظامي المتعبة، شعرت في تلك اللحظة بأنّي قد استعدت السنين الخمس التي فقدتها في البحث عن روح نورا المعلّقة.
جسدي يرتجف من دفق القوّة التي انتابتني فجأة.
جسدي يكاد يتفجّر من النشوة العارمة.
جسدي يرقص طربا.
جسدي المسكين يحاول أن يتعالى فوق روحي الحائرة!
أشعر برغبة للقفز فوق حدود التلّ المقابل، أنا المسكين الراحل دائمًا خلف الأفق الهارب!
عاد للجبل صورته الطبيعية.
اختفت الأعين الوقحة القويّة، وهدأ قلب الجبل، لم أعد أسمع تأوّهاته وضربات قلبه المتسارعة.
أخذنا نصعد الجبل بسهولة، اختفت مقاومة التلال، بدت كأنّها ممتدّة على مهل أمام أقدامنا المتعبة.
بان السرور على وجه نجوى، كانت تظنّ بأنّها على وشك العودة دون أن تتاح لها الفرصة لمشاهدة أهلها. لكنّا أصبحنا قريبين من مشارف القرية، كان قلبها يرقص من شدّة الفرح.
- هنا قضيت أيام الصبا يا حبيبي! هنا طالت جدائلي حتى الخصر ودونه، بين هذه الأشجار الوارفة كنت أركض، وشهدت هذه الأكمات على بدايات تكوّن أنوثتي.
- قريتك مليئة بالألم! أشعر بذلك يا نجوى!
نظرت إليّ بحيرة ولاذت بالصمت.
استقبلونا بحفاوة، أهلها يعيشون في المنطاق الجبلية وهم مضيافين للغاية. كانوا على استعداد لفرش الحرير لاستقبالنا. قدّموا لنا العسل والحليب الجبليّ الشهيّ. أمطرونا بعشرات الأسئلة، وكانت أمّها تلمس بطن نجوى المتكوّر ما بين الحين والآخر.
قضينا بضعة أيام في منزل نجوى العائلي، وهناك في الغرفة المجاورة كان يقبع أخوها الكبير عاطف. رجل تعدّى الثلاثين من العمر، لكنّه ما يزال على هامش الحياة! كان يقضي مئات الساعات دون أن يتفوّه بكلمة واحدة، مفضّلا النظر إلى الفراغ، تكاد شفتاه تنفرج عن حرف أو كلمة، لكن الصمت سرعان ما يحضره. هناك بقعة كبيرة معطوبة في دماغ هذا الرجل!
يرغب برفع يده والمصافحة، لكنّ تيارًا من الهواء العاصف يضرب أطراف أصابعه لتعود إلى جانبه على عجل! وتبقى الرغبة بالبكاء على حاله قائمة، الشفقةُ تفقدُ الرجلَ حضورَه ورجولته المذبوحة عند فوّهة الشهوة والرغبة بإثبات الذات. عذاب لا يوصف، أليس من الجنون أن تبقى بين حشد كبير من البشر، دون القدرة على إثبات ذاتك وحضورك؟ أين هو من العشق والجمال؟ سيل من اللعاب يسيل على جانب فمه، تتقدّم الأم لتمسح لعابه بصمت قاتل. ترفض روح هذا الرجل مشاعر الشفقة المعلّبة بالضعف، لكنّه لا يقوى على التمرّد. يا له من موتٍ بطيء! يزحف نحو مداخل الروح ليلغي وجود عاطف نهائيًا. حتّى بدأ البعض يتحدّثون عنه بضمير الغائب (هو). الأقارب والزوّار نسوا أو تناسوا اسمه. ألغوا وجوده وتركوه وحيدًا يصارع شياطين عجزه.
التقت أعيننا للحظة، كان الجميع مشغولين بحديث مشوّق للغاية. بقيت أنظر إليه والخوف يعصف بقلبي، أمسكت بيده وانطلقت به مغادرًا إلى غرفته وسط دهشة الحضور! لم يجرؤ أحد على التدخّل، بل لم يفكّر أحد بذلك ولو لوهلة، وأغلقت الباب من الداخل.
- عاطف، عاطف. صرخت بملء صوتي.
كانت أمّه قد هرعت إلى الباب والدموع تنحدر سخيّة من عينيها! .
- أنا هنا يا عاطف، أعرف بأنّ المكان الذي بلغته بعيدٌ جدّا، لكن الوقت قد حان للعودة. تعال أرجوك، كلّنا بحاجة إليك. أنت بحاجة لأن تكون ذاتك، ربّما تشعر بالدفء هناك حيث تتواجد! لكنّه الخدر اللعين يا عاطف، يفقدك القدرة على الإحساس بالنهار والشمس التي لا تفتأ تدور من حولنا.
تحرّكت عيناه ونظر إليّ.
- نعم يا عزيزي، أنت قادر على العودة، سوف تجد أحبّتك هنا ما يزالون بانتظارك. لن يتخلّوا عنك عنك أبدًا، بالرغم من الضياع الذي عانيت منه طويلا.
فتحت الباب وتركت أمّه تدخل.
- إنّها هنا، أمّك التي وضعتك قبل ثلاثة عقود.
وضعت يديّ على وجنتيه وضغطت بكلّ ما أوتيت من قوّة.
- أتركه أرجوك، أنت تعذّبه يا قبطان!
وما أن أكملت والدته حديثها حتّى امتدّت يده إلى وجهها. للمرّة الأولى يقوم بحركة إرادية واعية!
- أنتِ هنا يا أمّي.
سقطت أمّه على الأرض متأثّرة.
قام بحلاقة ذقنه بنفسه، هذا أوّل ما قام به عاطف بعد أن عاد إلى ذاته. مسح وجهه بماء الكولونيا، ولبس أجمل ما يملك من الثياب.
أطال النظر في المرآة، كان يبتسم ويبكي بصمت، لكنّه سرعان ما يمسح الدموع التائهة فوق وجهه.
بانت وسامته، كان طويل القامة، تقاطيع وجهه متناسقة، وقف أخيرًا أمامي وأضاف:
- كنت أرغب طِوال هذه الفترة بشيء واحد أيّها القبطان، كنت أرغب بالموت، كنت أصلّي صامتًا من أجل ذلك، كنت أعيش وحيدًا فوق جزيرة الصمت.
أسمع كلّ شيء، لكنّي لا أملك القدرة على الردّ أو المشاركة.
جسدي يذبل، يموت ببطء، روحي لا تقوى على التمرّد.
كنت حيث الفراغ المطلق!
أعرف بأنّ المطر قد توقف بعد أن أغمس بالماء، ثمّ يبدأ البرد بشقّ طريقه إلى خلايا جسدي.
كنت أشعر بالبلل في سروالي بعد أن أنتهي من فعلتي!
وكانت هذه المرأة (أمّي) وحدها تسارع لمساعدتي، والحرج يا قبطان يقضم أطراف روحي، يرميني نحو النهايات ولا بدايات!
تستطيل الدنيا بل أجدها مربّعة، يمتطّ الكلام، أكاد لا أفهم معنى العبارات، أقرأ الشفاه من الياء إلى الألف.
أجد الكأس ملأى حتى الوسط وفي الوقت نفسه مقلوبة.
كيف لا تتساقط قطرات الماء من كأس مقلوبة؟
أتدري كيف تكون مشاعري حين تبتعد الأكفّ عن بعضها البعض، يسمّون هذا بالتصفيق!
الآن فقط أدركت منطق الأشياء، رغبتي بالموت كانت قدر رغبتي بالحياة.
كنت تائها في سراديب كريهة، وغالبًا ما كنت أشعر بالرغبة بالتقيّؤ.
كنت أصرخ دون أن يسمعني أحد، صوتي مقيّد ميّت!
- والآن يا عاطف، ما هي مشاريعك؟ لقد عدت للحياة مجدّدًا.
- سأبقى بين ظهرانية أهلي بعض الوقت، ثمّ أنوي المضيّ في بلاد الله الواسعة. أريد أن أبحث عن بعض أجزائي المشتّتة هنا وهناك.
- ونحن لا بدّ لنا من المضيّ في طريقنا الطويل. دعونا نتبادل كلمات الوداع، ولقاء قريب بإذن الله.
- لا أظنّ ذلك، لن أسمح لك يا عاطف بالابتعاد عن ناظريّ أبدًا. كانت أم عاطف سعيدة للغاية، بعد أن عاد ابنها إلى الحياة مجدّدًا.















***   كل عام وانتم بخير  ***

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

ارفع رأسك عالياً/ بعيداً عن تزييف التاريخ أنت وحدك من سلالة كل الأنبياء الرسل..

ارفع رأسك عالياً فلغتك لغة القرآن الكريم والملائكة وأهل الجنّة..

ارفع رأسك عالياً فأنت العريق وأنت التاريخ وكل الأصالة شرف المحتد وكرم ونقاء النسب وابتداع الحروف من بعض مكارمك وأنت فجر الإنسانية والقيم كلما استشرس ظلام الشر في طغيانه..

ارفع رأسك عالياً فأنت عربي..

هدى الخطيب

إن القتيل مضرجاً بدموعه = مثل القتيل مضرجاً بدمائه
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

الأديب والشاعر الكبير طلعت سقيرق
أغلى الناس والأحبة والأهل والأصدقاء
كفى بك داء أن ترى الموت شافياً = وحسب المنايا أن يكن أمانيا
_________________________________________
متى ستعود يا غالي وفي أي ربيع ياسميني فكل النوافذ والأبواب مشّرعة تنتظر عودتك بين أحلام سراب ودموع تأبى أن تستقر في جرارها؟!!
محال أن أتعود على غيابك وأتعايش معه فأنت طلعت

عرض البوم صور هدى نورالدين الخطيب   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 09 / 05 / 2018, 11 : 03 AM   المشاركة رقم: 7
المعلومات
الكاتب:
هدى نورالدين الخطيب
اللقب:
المدير العام المؤسسة وصاحبة حقوق النشر والترخيص، إجازة في الأدب، دبلوم فلسفة، الترجمة، دراسات عليا في التاريخ - أديبة وقاصّة وصحفية - عدد من الأوسمة وشهادات التقدير الرسمية – مهتمة بتحقيق وتنقيح التاريخ القديم – مؤلفات أدبية وفي الدراسات المقارنة
الرتبة:

الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية هدى نورالدين الخطيب

البيانات
التسجيل: 11 / 12 / 2007
العضوية: 3
المشاركات: 10,209 [+]
بمعدل : 2.38 يوميا
اخر زياره : [+]
الدولة: canada
الاقامه : كندا-من مدينة حيفا فلسطين، ولدت ونشأت في لبنان ووالدتي لبنانية ، بانتظار العودة إلى حيفا - فلسطين
علم الدوله :  canada
معدل التقييم: 20378
نقاط التقييم: 101680
هدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond repute
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
هدى نورالدين الخطيب غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : هدى نورالدين الخطيب المنتدى : الفعاليات والمسابقات الأدبية...
رد: استطلاع جماهيري - الرواية - المشاركة في مسابقة نور الأدب الكبرى 2018

-6-

قرر سليمان البقاء في مدينة المحجّبين، قال خجلا:
- لقد تعبت عظامي من التجوال، أرجوكم دَعوني وشأني!
- وأنت يا صاحب الدرك؟
سألته وكنت أرغب جادًا ببقائه معنا حتّى النهاية.
- قبل أن أجيبك سيّدي القبطان على سؤالك، أرجو أن تجبني على سؤال أخذ يقلقني كثيرًا في الآونة الأخيرة. ً
- نعم، تحدّث.
- هل محطّتك الأخيرة مدينتي التي فارقتها يومًا؟
هززت رأسي موافقًا، وكان أن تبعني صاحب الدرك على الفور.
- الى آخر الدنيا أتبعك ما دام مسقط رأسي هو محطّتك الأخيرة.
يحزنني فراقك يا سليمان الحبيب، لقد قضيت معك أجمل سنوات العمر. روحي ترفض هذا الفراق، لكنّي أحترم قراره. لقد تعبت عظامه من كثرة التجوال، وأنا الذي لا يتعب من كثرة الترحال والبحث عن آفاق جديدة. تُرى، ما حاجتي لكلّ هذه الحقائق؟ ألا يكفي الإنسان حقيقة واحدة أحيانًا؟ قد يكون لقاءً وجدانيًا واحدًا جلّ ما يتمنّاه الفؤاد.
يا فؤادي، ما كلّ هذا الهوى؟
ألا يكفيك حبيبًا واحدًا في الحِمى؟
دوّامة من الأسئلة الظمأى، تنهمر الليلة من سماء المدينة كالندى.
مراكبي تحطّمت عند قدميك، ومضيت أبحث عن طبيب يعالج آثار السنين الغابرة دون طائل.
حسنًا، ابقَ في مدينة المحجّبين. يُقال بأنّ كلّ من شرب من مياه هذه المدينة، يعود إليها لا محالة. لكنّ سليمان كذّب هذه المقولة، وبقي في المدينة ولم يرحل عنها أبدًا. حضر لوداعنا الكثير من أعيان البلد. كنّا قد أصبحنا جزءًا من هذا المجتمع. حتّى زعماء العصابات والشرّيرين حضروا للوداع. كسر أحدهم وعاءً من الفخّار بجسم المركب العائم تفاؤلا بالخير. أطلقت زامور المركب، كنت قد نسيت صوته بعد أن صمت طِوال الوقت الذي أمضيناه هناك.
أخيرًا شعرت بالمياه تحملني فوق سطحها الأبديّ.
أخشى المياه بقدر ما أتوق لها!
لا أثق بها كثيرًا، لكنّي غير قادر على التخلّي عنها.
أعشق الليل لأنّه كتوم، يحميني من أصدقائي الأعداء،
يحميني من الشوك المحمول على ألوية الحرير، الخيانة، آه، كيف نسيت ذلك!
الخيانة تسيل مع الأمواج العارمة من تحتي. هل تعرفون بأنّ الأمواج تتحدّث! عندما بدأت العاصفة بحشد جيوشها، أخذت الأمواج تنقبض وترتجف من شدّة فرحها، من عظمتها وقدرتها التدميرية. أفهم لغتها وأصمت. أحاول أن أصلّي، أحاول أن أبحث عن أفئدة الأمواج لأطلب منها الصفح والسماح، أكشف لها عن ضعفي واتّكالي على أجنحتها. أحيانًا، تستمع الأمواجُ للنجوى. تصبح رحيمة، طيّبة، حانية، بل وحتّى ناعسة! وأحياناً تعلن عن معركة طويلة، تكاد لا تنتهي حتى تأتي على ما تبقّى من ألواح مراكبي. أضطرّ لحمل بقايا جسدي ثانية إلى الشاطئ وحيدًا، أبقى أعاني الصداع والقلق والخوف لأيامٍ طويلة بعد نجاتي.
البحر الذي أمتطيه الآن يبدو غريبًا عنّي، أكاد لا أفهم كنهه، أمواجه تحتفظ بسرّها ولا تجرؤ على الإفصاح بالكثير.
كنت مسروراً لأنّني وجدت القدرة على الخلاص من تلك المدينة. من الصعب في حالٍ من الأحوال الانفلات من وضعٍ خلقناه بأنفسنا وعشناه واستمتعنا بحيثيّاته وتفاصيله اليومية.
سليمان فضّل البقاء في المدينة، أخبرني يومًا بأنّ الأيّام هناك تسير على عجل. لكنّ ساعة الشروق باقية، منكسرة في أصل عينيه. لم يتخلّ عن الاستيقاظ كلّ صباح ليملأ روحه بعبق الفجر المقيم. قال لي يومًا:
- في مثل هذه الساعة، أجد نفسي ثانية على مركبك.
- هل أعود أدراجي الى بلدتي؟
كانت تلك أمنية الجميع، وما زلت أجهل وجهة بوصلتي، كأنّها تتذبذب أمام عينيّ.
- أنظر إلى النجوم تهديك إلى الوطن.
قال صاحب الدرك وقد أدرك حيرتي.
في تلك اللحظة بالذات، ظهرت غيوم سوداء حجبت السماء فوق رؤوسنا. لذتُ بالصمت بعض الوقت ثمّ قلت له:
- رغبتي لا تقل عن رغبتك بالعودة، لكن يلزمنا رضا الله ومرضاته يا صاحبي.
في الأيام الأولى لرحلتي الجديدة، شعرت بانّ المياه قد أصبحت ثقيلة. كلّما توغّلت في المياه ازداد ثقلها، شعرت بالمحرّكات قد ذبحت فأمرت بإطفائها، والنظر في الأسباب التي أدّت إلى ذلك.
لم يجرؤ أحد على الغوص في عمق المياه، كانت الصورة واضحة للغاية. كميّة كبيرة من الأسماك كانت قد انقلبت فوق سطح الماء على ظهرها ميّتة. لون المياه كان أقرب إلى السواد منه إلى الزرقة. يبدو بأنّ تلوّثًا كبيرًا قد ظهر في هذه البقعة من المحيط.
- أنظر يا قبطان، بعض الأسماك الكبيرة ما زالت تصارع الموت، هل لنا بمساعدتها؟
- وكيف يكون ذلك؟ ألا ترى السواد يحيط بكلّ ما حولنا؟ لا أدري كيف سننجو من هذه المحنة.
كنت أخشى هذا النوع من الكوارث بالذات، لأنّها من صنع الإنسان القادر على إلحاق أضرار كبيرة بالطبيعة، وهي بدورها لن تصمت على الأذى الذي تتعرّض له طوال الوقت.
- لا أدري ما العمل، أشعر بالشفقة تمزّقني وأنا أرقب هذه الحيوانات المتألمة وسط المياه، وما هي إلاّ لحظات حتى وجدت نفسي وسطها. كانت المياه ثقيلة، لزجة. كانت الكيمياء تفوح منها. ما الذي دعاني للقيام بذلك؟ كنت أشعر برغبة هائلة للتحدّث إليها، اقتربت من حوتٍ عملاق، درت من حوله حتى وصلت رأسه. بالكاد حرّك ذيله، لم يتمكّن من تحريك المياه الثقيلة وهو الذي كان يخلّف وراءه أمواجًا عملاقة إثر كلّ حركة.
مررت بيدي على جلده الناعم، لا أملك سوى الرغبة بمساعدته، ولكن كيف لي ذلك؟
مرّت لحظات شعرت خلالها بأنّ جسدي يحترق، روحي تتمرّد. مرّ الحوت المحتضر من تحتي، ثمّ رفعني عاليًا فوق المياه الداكنة. أخذ يطوف بي حول مركبي بهدوء، وكان الجمع يحدّق بِحيرَة. قرأت في عينيه الرغبة بمغادرتي المياه القاتلة، وضعني عند أصل المركب فصعدت على عجل. عندها أخذ الحوت يدفع بالمركب بعيدًا عن الفخّ الذي وقعنا فيه. كان يدفع بكلّ ما تبقّى في جسده العملاق من قوّة، وسرعان ما وصلنا مياه آمنة. دار المحرّك، وانطلقنا في طريقنا المجهول نحو آفاق جديدة، كان الحوت يرافقنا وكان هو أيضًا يبحث عن شاطئ عن مياهٍ ضحلة، لقد قرّر الموت انتحارًا وهربًا من جحيم التلوّث!
هل نترك هذا العملاق يموت وينتحر وِفقًا لقوانينه الجينية الخاصّة؟
في البعيد شاهدت ناقلة النفط تغرق ببطء، محدثة خلفها ضجيجًا وثورة خاطفة من الأمواج التي سرعان ما هدأت. لماذا تكون ناقلات النفط مطلية دائمًا باللون الأسود؟ كأنّها تحمل رموز الحداد قبل حضور الموت بدهرٍ يسابق الزمن!
غادر الركّاب المركب، أخذوا يدفعون الحوت إلى أعماق الماء وكان هذا التصرّف منتهى السذاجة والغباء. كيف لنا أن نحرّك هذه الكتلة العملاقة من اللحوم والشحوم المتراكم في جسد الحوت المنكوب؟ بقيتُ إلى جانبه، كنت أراقب عينيه البريئتين. اللعنة، كم من الزمن تحتاج هذه الروح لمغادرة الجسد إلى بارئها؟
بقيت طِوال الليل راقدًا إلى جانبه، وكنت على وشك الإصابة بالبرد. لكنّ حالة الموت القابعة أمامي بقيت مسيطرة على حواسّي، أبقتها متيقظة طِوال الوقت. سرعان ما يصبح الحوت مصدر رِزْقٍ لعشرات بل لمئات العائلات. سرعان ما سيبدأ البعض بتمزيق هذه اللحوم وتعليبها والاتّجار بها في الأسواق الجائعة.
عند الصباح، حصل ما كنت أخشاه. كان الحوت الجميل جثّة هامدة، حضر أهل البلدة الساحلية إلى المكان مسلّحين بالخناجر والسيوف القصيرة. جلسوا حول الحوت، وأخذوا يقرأون ما تيسّر من آيات الذكر الحكيم. كانوا يشكرون الله على تلك النعمة التي قذفتها المياه إلى الشاطئ.
أخذت الأسلحة الباردة تعمل في الجسد العملاق، وأخذت كتل اللحم تنطلق نحو الثلاجات. كان لا بدّ لتلك العملية أن تستمرّ طِوال أيامٍ للإنتهاء من نزع كلّ ما هو صالح للطعام من جسد الحوت، وبعد ذلك سيقومون باستئصال الكبد وزيته المفيد لنظر الإنسان، ثمّ جاء دور العظام الكبيرة، التي لم تنجُ أيضًا من الحفلة الدسمة. كان هذا العملاق بمثابة المنقذ المنتظر، إذ قدّم جسده وعظامه وأعضاءه الداخلية لراحة الإنسان وسعادته. شكروا الله وصلّوا لروح العملاق، ثمّ مضى كلّ في طريقه.

الغرباء

لم أعد قادرًا على المضيّ وحيدًا دون نجوى، شعرت بأنّي أرى الدنيا وأراقبها عبر روحها وجسدها. ذات صباح انطلقت وإيّاها نحو المدينة المتلفّعة في الظلام. كنت أحسبها مدينة صغيرة تفضّ الصباحات على استحياء، ثمّ يمضي كلّ إلى عمله أو لقضاء حاجته!. كم أكره المدائن المحرومة من إيقاعها الخاصّ. أنا نكرة في هذا المكان، تدفعني الأكتاف المتسارعة، تجعلني أشعر بأنّني مجرّد رقم عابر. تلفظني المدينة العملاقة في هوسها اليوميّ.
أنا لا أحد، مجرّد جسدي يتخبّط في زحام الحضارة. لون بشرتي يختلف قليلا بعد أن لوّح البحر حنطة جلدي.
أخذت الشوارع تضيق أمامي على الرغم من سعتها.
تبدو لي نهاية الشارع كمبسم الإبرة!
أنعطف إلى شارع آخر، وسرعان ما أشعر بالدوار يلاحقني.
- هل أنتِ بخير يا نجوى؟
- نعم، دعنا نجلس في مكانٍ ما. أرجوك.
فقدت صاحب الدرك. كان قد اختفى في أحد المتاجر، دلفت بعد حين إلى فندق صغير.
بعد ساعة كنت ونجوى نغطّ في نومٍ عميق.
كان الوقت عصرًا عندما استيقظت من نومي
دلفت إلى الحمّام وتركت المياه الساخنة تنهمر فوق
جسدي.
قبّلت جبينها وخرجت إلى باطن المدينة
كانت وكأنّها مسحورة؟
وكنت وكأنّي بلا عنوان!
عادني الإحساس نفسه، مجدّدًا.
قرّرت المضيّ في الشارع مهما كانت النتيجة.
لماذا يضيق الشارع دون منطقٍ فيزيائيّ معقول.؟
حين أشرف الشارع على النهاية وجدت نفسي أناضل لخلاص جسدي.
شعرت كأنّي علبة معدنية مضغوطة بقسوة غير معهودة.
بدأت أمشي بالعرض وكاد الشارع ينطبق عليّ.
توقّفت دون تردّد، توقّفت مرّة واحدة.
كنت أراقب الآخرين بطرف عينيّ، وكنت ما أزال النكرة ذاتها.
كنت غير مرئيّ، وكان الشارع اللعين يطبق بإحكام عليّ دون الاخرين!
بان لي شارع فرعيّ. كان عليّ أن أخطو خطوة واحدة حتى أقذف بجسدي في
فضاشه.
خطوة واحدة فقط، لكنّ المادّة السوداء لامست صدري.
شعرت بها صلبة وحادّة كالسكّين. شعرت بالدم يغطّي صدري لكنّي تخلّصت من مصيدة
الشارع.
جلست عند أوّل الشارع الفرعي وقرأت لافتة تحمل اسم "الغرباء".
وضعت يدي على صدري ثمّ نظرت إليها. كانت حمراء لزجة!
تذكّرت الجبل وسيّده الذي أرغمني على الشرب من ماء الحياة.
تُرى، ألا تساعدني قطرات الماء تلك على تخطّي هذه المحنة.
لاح لي رأس فتى من أحد الشبابيك. كان ينظر إليّ بوجل. أشار عليّ بالمضيّ
إلى طرفه.
قال هامسًا:
- أنت يا صاحب البشرة الحنطيّة، ألا تخشى التجوّل في شوارع المدينة؟
- ولماذا أخشى ذلك؟
- أنت مطلوب للعدالة، ألا ترى بأنّ الشوارع نفسها تحاول القضاء عليك!
- وماذا عليّ أن أفعل؟ هل أسلّم نفسي إلى العدالة؟
- تعال إلى بيتنا أيّها الغريب، هذا هو الشارع الوحيد الذي لن يحاول القضاء عليك.
- إنّه شارع الغرباء!
جلست في غرفة الاستقبال وحيدًا هَلِعًا، حضر بعد قليل الفتى نفسه.
جلس قبالتي وأخذ يدقّق النظر في ملامحي، ثمّ قال بعد وَهْلَة:
- أنا أيضًا غريب.
- ما الذي يحدث في هذه المدينة يا فتى؟ قلت بأسى ورجاء.
- كلّ شيء خاضع للمراقبة في هذا البلد. سيُلْقون القبض عليك آجلا أو عاجلا.
- أنا عابر سبيل! أنا لست إرهابيّاً!
- حاول ألا تذكر هذه الكلمة في حديثك.
- ماذا تقصد؟
- لا تعيدها أرجوك. لا تذكرها في بيتي، سيأخذون عيّنة بيولوجيّة من جسدك، سيكون لك ملفّ أمني، وقد يزرعون في أعماقك مجسًّا يكشف عن مكان تواجدك طِوالَ الوقت.
- أكاد لا أصدّق ما تقوله يا فتى!
- إنّها الحقيقة.
في تلك اللحظة سمعت دويّ صفارة لعربة أمن في البعيد. كان الصوت متقطّعًا ومتحديًّا وعابثًا.
كأنّ العالم يخضع لهذه السلطة بالكامل.
- مسألة وقت لا أكثر، مسألة وقت. قال الفتى وبان النعاس في عينيه.
- ماذا عليّ أن أفعل؟ سألته راجيًا.
- لا أستطيع تقديم أيّة نصيحة لك. كلّ إنسان مسؤول عن نفسه، لا أحد يجرؤ على تقديم نصيحة لآخر في هذا البلد.
- لماذا تساعدني إذًا؟ سألته والحيرة تملأ روحي وذاتي.
- أساعدك! ومن قال بأنّي أفعل ذلك؟
في اللحظة التالية، كان رجال الشرطة يحيطون بي من كلّ جانب.

-2-

كنت أتواجد في غرفة شبه مظلمة. وحيدًا دون بصيص أمل، دون أصدقاء أو أحبّة دون وجوه مألوفة! بقيت على ذلك الحال لساعات طويلة. دخل إلى الغرفة رجل قصير القامة وقال بهدوء:
- تحيّة سيدي القبطان! ما الذي تفعله في هذه المدينة؟
- رمى بي البحر إلى هذا الشاطئ، أنا عابر طريق.
صبّ لي بعض البيرة الباردة وقدّمها لي.
- لكنّي لا أشرب الكحول.
- هل ترفض دعوتي؟ كان في عينيه شيء من التحدّي.
تناولت قدح البيرة الكبير وتجرّعته على عجل.
بدأت أشعر بالهواء البارد يدلف إلى رحم الغرفة، من مكيّف عملاق ثبّت في إحدى الزوايا.
صبّ لي قدحًا كبيرًا آخر، ناولني إيّاه بصيغة آمرة.
تناولت القدح وبدأت ابتلاع السائل البارد على مهل. لكنّه أمرني بشربه بسرعة.
فعلت ذلك وازدادالجوّ برودة! كان المكيّف يعمل طوال الوقت بلا رحمة، وكان رفيقي أو معذّبي قد احتاط لذلك. ليتني أملك رداءً يشبه سترته الأنيقة الدافئة!
حين شاهدت القدح الثالث بين يديه، أدركت المغزى وراء ذلك. كانت مثانتي قد امتلأت بالسوائل، وبدأ الألم يمزّقني ويحيل جلستي إلى عذاب لا يُحْتَمَلْ. كنت على ثقة بأنّه سيرفض رغبتي في الذهاب إلى دورة المياه. قدّم قدح البيرة بغضب وحدّة. أخذت بشرب بعض محتوياته، وسال الدمع من عينيّ من شدّة الألم.
- أرجوك، أنا لا أقوى على ذلك!
- اشرب يا قبطان.
- أخبرني ماذا تريد؟ أنا إنسان مسالم، أعتقد بأنّي قادرٌ على الاعتراف وتقديم ما هو مطلوب منّي!
- عليك أن تشرب القدح قبل ذلك.
بدأت أرشف البيرة بمقادير قليلة وما زلت أتململ في مكاني، كنت على وشك الانفجار في أيّة لحظة.
- وقّع على هذه الورقة، وعندها ستذهب إلى دورة المياه.
لم أتمكّن من قراءة الأحرف. وقّعت على الورقة بسرعة، ثم وقفت ضاغطًا على أسفل بطني.
أشار إلى بابٍ جانبيّ، ركضت إلى هناك، وأدركت بأنّ قطرات البول الساخن قد وجدت الطريق إلى ملابسي الداخليّة. بقيت في دورة الحمّام ما يقارب خمس دقائق، كأنّي أفرغت بضعة كيلوغرامات من محتويات جسدي. كنت أخشى العودة إلى هناك، والبدء بمعايشة المعاناة مجدّدًا، ولكنّ. كان عليّ مغادرة الغرفة الصغيرة. حاولت تنشيف ملابسي الداخليّة بما توفّر من ورق الحمامات. أحسست بالقذارة تملأ تلافيف ذاكرتي، كأنّي سقطت من مرتفع شاهق إلى هاوية قذرة، كأنّي قُذِفْتُ إلى مكبّ النفايات! يا له من عقاب! كرامتي باتت مهدورة عند مداخل الخيانة. أدركت بأنّني سقطت في براثن الشرق، في زمن الخيانة المصلوبة عند مشارف القرن الواحد والعشرين وما بعد ذلك.
عدت خائفًا، وَجِلا. جلست في مكاني إيّاه، نظرت اليه مباشرة في عينيه.
- أنت الآن في أحضاننا.
- ما الذي تريدونه من بحّارٍ عابر؟
- أنت يا قبطان خطر للغاية. لقد سمعت عنك الكثير، وأشكرك لاستعدادك للتعاون معنا.
- أنا لا أملك أيّة خيارات! توقيعي هو الذي خلّصني من انفجار مثانتي، كان من الممكن أن أروي هذه الغرفة بالسوائل. سوائل ليست مقدّسة يا سيدي!
حاول الضحك، لكنّه أحجم. أخذت درجات الحرارة في الغرفة بالارتفاع، كان قد اطمأن بعد أن تمكّن من تحطيم إرادتي وإجباري على التوقيع. ولم أكن أعلم حتى تلك اللحظة فحوى الوثيقة التي وقعتها. أخذ الدفء يملأ خلايا جسدي، شعرت بالرجفة تهاجمني فجأة، لكنّي سرعان ما عدت إلى سابق حالي.
- نحن في خدمة أمير البلاد وهو حماه الله ورعاه، وأبعد عنه شرّ العباد، ذخرنا الذي نفخر به ولا نقدر على استنشاق الهواء بدونه. لهذا يجب علينا أن نعرف كلّ شاردة وواردة.
- وما الذي يخشاه أمير البلاد؟
هبطت يده ثقيلة وقاسية فوق وجهي قبل أن أنهي كلماتي.
- أمير البلاد حفظه الله ورعاه لا يخشى أحدًا أو شيئًا! هل تفهم يا غبيّ؟
- ولماذا صفعتني بهذه القسوة؟
- أنا الذي يطرح الأسئلة في هذا المكان؟
- وأنا لن أشرب بيرتك حتى وإن قطعت رأسي. لقد وقّعت على ورقة بيضاء قد تحوتي على حكم بإعدامي أو الاعتراف بارتكاب جريمة.
- هل تشكّك بعدالتنا؟
- نعم. أنا أشكّك بعدالتكم وأكره همجيّتكم. أنتم تكرهون العباد والضيوف. أنتم تخشون أخيلتكم وأحلامكم وحريّتكم. أنتم تخشون جمال الحياة المنعكس في مرايا نسائكم!
- بالمناسبة. قاطعني مشيرًا الى مدخل الغرفة. أهذه زوجتك نجوى؟
شعرت بالراحة والقلق عندما رأيت نجوى تحدّق بي باسمة. وسرعان ما شدّتها يدٌ بعيدًا عنّي ثمّ أغلق الباب على عجل.
- نساؤنا لا تعاني من عقد نقص يا قبطان. هذه بلادٌ آمنة بالطبع، وما نقوم به من واجب تجاه الوطن هو حقّ للإمارة علينا، ولن نتنازل عنه لأعداء الوطن مهما طالَ الزمن.
- أين أعداء الوطن يا رجل؟ أنتم تخشون اختفاء أعداء الوطن، لأن هذا يعني اختفاء وظائفكم الأمنيّة؟ كيف أهدّد أمن الإمارة بالله عليك؟ هذا غير معقول.
- هذه مجرّد إجراءات رتيبة ولا بدّ منها. ما الذي تخشاه على أيّ حال؟
- أخشى لون بشرتك الحنطيّ. إنّه لون بشرتي أنا أيضًا.
- ماذا تقصد؟
- أقصد بأنّي لست غريبًا. أو على الأقل، يجب أن لا أكون غريبًا في هذي البلاد!
- وهل تظنّ بأن أهل البلد أبرياء وغير قادرين على إيذائك؟
- لا أظنّ شيئًا. أخبرني لماذا تضيق الشوارع في وجهي؟
ضحك طويلا حتى كاد ينقلب على ظهره.
- لا بدّ أنّك تخبّطت وحاولت مناكدة الشارع. هل أصِبْتَ بأذى؟
- أخشى لون بشرتك. إنّه حنطيّ ولا يختلف كثيرًا عن لون بشرتي. يبدو أنّنا نتحدّث لغة واحدة. لهذا آلمتني صفعتك! لطمت الوجه الذي تجلّى الخالق في صنعه. لطمت الوجه الذي حيّر الفنانين بروعته. عيناي وخدّي وفمي وسائد للإنسانيّة.
- كلّ هذا من أجل صفعة؟
- ربّما كنت غبيًّا.
- بل تافه..
- رجال الأمن يحسنون اختيار الكلمات!
- ماذا تقصد؟
- لا مهادنة. مباشرون في كلّ شيء. لقد أحسن الأمير اختياركم والاعتناء بكم.
- لقد ذكرت الأمير عدّة مرّات في هذه الجلسة. عليك أن تحذر كثيرًا في اختيار عباراتك، وإلا ستتجدّد الصفعات ثانية!
- لقد داهمت الشارع بصدري، ظننته ضيّقًا وغير قادر على احتواء جسدي الضئيل. هل لي بمقابلة الأمير على أيّة حال؟.
عندها وقف كالملدوغ ونظر إلى تقاطيع وجهي متفحّصًا.
- هل تخشى طلبي المتواضع هذا؟ أحيانًا يصبح الجوابُ سؤالا.
- أنت تلعب بالنار يا قبطان!
- لكنّي لا أخشى هذه اللعبة. قوانينها لا تعنيني كثيرًا. يبدو بأنّك قد خسرت الكثير من جنودك في هذه المعركة غير المتكافئة؟
- لا تنسَ بأنّ نجوى بين أيدينا، هي وابنها، أقصد ابنك.
- هل ترغب بتبنّي الجنين؟
- أنت إنسان وقح.
- المهم أنّي إنسان. لقد اعترفت بهذا أخيرًا. والآن، إلى أين نمضي وقد لاحت في الأفق النجوم؟
صمت معذّبي وأدرك بأنّ رياحه تسير بما لا تشتهي السفن. كان يظنّ بأنّ وسائله قادرة على إخضاع روحي المتمرّدة، بالرغم من أنّ وسائله ليست سهلة بل أجدها قاسية ومؤذية للغاية.
ينقلب السحر على الساحر أحيانًا. هدّدني بطاعته المطلقة للأمير والإمارة، فطلبت منه لقاء الأمير وسيّد البلاد! هدّدني بزوجتي التي ترقد في الغرفة المجاورة، فعرضت عليه تبنّي ابني! لم أدرك حتّى اللحظة كنه هذه الأساليب الأمنية، ماذا تريدون من هذه المساءلة؟ ما هو الدور المنتظر أن أمارسه في هذه المدينة؟ أنا مجرّد قبطان وعابر سبيل. شاهدت بأمّ عيني كيف يُقْتَلُ حوت وتُباع أطنانَ لحومه في أسواق البطالة والعمالة والخوف والترقّب. هذا مجتمع غريب ولا املك القدرة على الذوبان بين فئاته. غاب المحقّق عن غرفة التحقيق لبعض الوقت، أغلق الأبواب خلفه واختفى في دهاليز المبنى.
-3-

كانت السيّارة تقلّني مع نجوى إلى الفندق إيّاه، وقبل أن نغادر دمغوا باطن ذراعينا بختم خاصّ. دخلوا إلى مكتب سجلات الفندق وهمسوا في أذن الموظّف. كنت على ثقة تامّة لتبعيتنا للنظام الأمني للمدينة، كانوا يسيطرون ويرقبون جميع تحرّكاتنا ونشاطاتنا.

حين أصبحت ونجوى وحيدين في الغرفة، تبادلنا نظرات طويلة، كانت تشعر بالخوف والفزع، لكنّ نظراتي كانت كافية لإعادة الطمأنينة لروحها وذاتها. في الواقع، كنت أشعر بالغثيان!
- أريد الصعود إلى مركبك والمضيّ بعيدًا عن هذه المدينة.

- تُرى، ما الذي حدث لصاحب الدرك يا نجوى؟

كنت أتمنى في تلك اللحظة، أن أقابل في غربتي رفيق دربي لمشاركتنا خطّتنا المتواضعة المتمثلة بالهرب من هذه المدينة الأمنية. وكانت نجوى تُدْرِكُ بأنّ مركبي لن يغادر بدونه على الأقلّ. كنت أفكّر بصوت مرتفع وأشعر بقلق شديد. كيف لنا بمغادرتها؟ يبدو الأمر مستحيلا وغير قابل للتحقيق!
أخذتها بين يديّ، مسّدت شعرها وجبينها، لم أكن أملك الكثير لأقدّمه لها سوى حبّي ورغبتي بتأمين ما تيسّر من السعادة، كان هذا جلّ ما أملك. طفر الدمع من عينيها وقالت هامسة:
- أشعر باليتم في هذه المدينة يا قبطاني الجميل. كيف يمكن للقسوة أن تكون مشروع حياة؟ كيف يمكن للعشق أن يصبح جملة من العبارات التي تنوء بها أكتاف العباد والرجال؟
لم أجد أجوبة لجميع أسئلتها، لكنّي كنت على ثقة من قدرتي على الخلاص القريب من هذا الكمين الذي وقعت فيه. شعرت بإنسانيّتي مصلوبة عند عتبات هذي المدينة الفانية.
تلك الليلة، طرق الموظّف المسؤول باب غرفتي، قدّم لي ظرفًا مختومًا بصمغٍ مخضّب بالعطر والصندل. سلّمني إيّاه برهبة ووجل، شكرته وأغلقت الباب خلفه. قرأت عنوان المرسل وأدركت لحظتها السبب وراء وجومه. كانت الرسالة قادمة من ديوان الأمير. كانت دعوة موجّهة لحضور حفلة يقيمها الأمير دون ذكر المناسبة بالطبع. يحقّ للأمراء أن يقيموا الحفلات كلّما طاب لهم ذلك، وكان عليّ التواجد خلال اليوم التالي في قصر التشريفات. طلب الأمير مقابلتي بعد أن أفشى له أعوانه ورجال الأمن بما تفوّهت به أمامهم، وما قلته في تلك الغرفة المعتمة.
لم تصدّق نجوى إمكانية حدوث جميع هذه التغيّرات خلال فترة زمنية قصيرة، لكنّها لم تشعر بالفرح واللهفة لمقابلة الرجل الأوّل في البلاد.
نجوى ابنة الجبل والسفوح المفتوحة على تيّارات الهواء المتدفّق من كلّ الجهات، تجد نفسها أسيرة مدينة تحاسبها على دفقات الحريّة التي تتعاطاها ليل نهار. لم يمضِ وقتٌ طويلٌ حتى تلقّيت مكالمة من رجل الأمن البغيض.
- كما ترى نحن لسنا وحوشًا، نتمنّى أن تلبّي دعوة الأمير نهار الغدّ. أرجو أن تتقيّد وزوجتك بأصول البروتوكول المتّبع في البلاط الأميري، سوف أرسل من يتكفّل بتأمين الملابس الضرورية لمثل هذه اللقاءات ليكون مظهركم وحضوركم متناسقًا مع الأصول المتّبعة في مثل هذه الحفلات.
- وإذا رفضت لقاء أميرك يا عزيزي؟ أنا لم أعلن موافقتي بعد!
ألقيت بهذه القنبلة دون تردّد. صمت للحظة، ثمّ سمعته بعد لحظات يتنفّس ويشهق بصعوبة واضحة. كان يختنق غيضًا من جرأتي وحدّتي غير المعهودة!
- قد توقّع شهادة وفاتك نتيجة لهذا التصرّف الأحمق يا قبطان!
- وشهادة وفاتك أيضًا. أنت السبب لدعوتي إلى حفل أميرك، هل نسيت؟
دقّ جرس هاتفه الجوّال، كنت على ثقة من نفوره وحنقه للقائي، وزجّ نفسه في هذا المأزق. من جهة أخرى، كان عدم حضوري يعني غالبًا الحكم عليه بالموت شخصيًّا، وقد يكون رفضي سابقة لم تحدث من قبل! لم تنقضِ على تلك المكالمة سوى ساعة أو يزيد قليلا. حضر إلى طرفي وكان القلق واضحًا في عينيه. كان في حيرة من أمره، كيف يمكن مناورني وإقناعي؟ أخيرًا حزم أمره حين قرأ آيات الجدّ في عينيّ. لم يعد في الإمكان استخدام أسلوب العصا، وكانت الجزرة آخر ما يملك من سلاح. لم أكن أعرف اسمه حتى تلك اللحظة. لم أسأله ولم يكن يهمّني التواصل معه إطلاقًا. بدا وجهه ممتقعًا وقال بعد عناء واضح:
- عدم حضورك لزيارة الأمير..
- لن أحضر للقاء أميرك يا فتى. قلت تلك الكلمات بحزم فاجأني شخصيًّا. لن أحضر ولا أظنّك تملك الأداة التي تجبرني على القيام بذلك!
- أرجوك، ربّما كنت قاسيًا معك بعض الشيء..
- أنت تافه ودنيء!
- هل تحاول الانتقام منّي الآن؟
- الانتقام من ماذا؟ أنا لم أفكّر بهذا الأمر لحظة واحدة. كلّ ما هنالك أنّي أشعر بالغثيان حين تكون بالقرب منّي.
- أرجوك لا تحكم عليّ بالموت، أرجوك يا قبطان!
ركعَ أمامي وكان على وشك أن يقبّل يدي.
- سيعلّقون رأسي عند أوّل شجرة في مدخل المدينة. لم يتجرّأ أحد على رفض لقاء الأمير يا قبطان حتّى اللحظة! وأنا وسيط هذا اللقاء، سيكون هناك حشد كبير. لكنّ هذا لا يعني شيئًا، لأنّ الغياب هو الأهمّ في لائحة المدعوّين يا قبطان. هناك شخصيّات ستحضر من آخر الدنيا لتسجيل..
- لتسجيل طاعتها وعادة ما تغادر نهار اليوم التالي أو بعد إنتهاء الحفل مباشرة. قاطعته بخشونة ودون رحمة.
- نعم، هذه هي الحقيقة.
- عدم حضوري يعتبر بمثابة سيف مسلّط على رقبتك؟
- نعم، هذا صحيح. أجاب بوجل ورجاء.
- هل كنت تتصوّر أنّ مصيرك مرتبط بإرادة ضحيّتك يا فتى؟
- لقد تمكّنت من تغيير كافّة مفاهيمي للحياة. لا أجد سببًا معقولا لقسوتي، يبدو بأنّ السلطة المطلقة تعمي الأنظار يا قبطان، يا لنا من جهلة!
شعرت بالندم يأكل أجناب روحه. لم يكن الخوف هو العامل الوحيد وفي تلك اللحظة قرّرت لقاء الأمير.
بدأت التحضيرات للقاء المرتقب في وقتٍ مبكّر من نهار اليوم التالي، وكان هذا يشمل ارتداء ملابس رسميّة فاخرة وأحذية جديدة لامعة. حتّى أنّهم أخبرونا بلطف، ضرورة زيارة المزيّن لتصفيف شعورنا، لم أصدّق عينيّ حين شاهدت نجوى وقد احمرّت شفتاها ووجنتاها، كنت أفضّل جمالها الطبيعيّ البسيط دون تكلّف. لكنّها بدت لي في تلك اللحظة شخصًا آخر. كان شعرها يقف كالطاووس معربدًا فوق رأسها، كلّ هذا التصنّع من أجل لقاء رجل فاني؟ من أجل مبادلته بضع كلمات عابرة، يا لها من مهزلة! علمت فيما بعد بأنّ اسم رجل الأمن المذكور "سعدي". وكان سعدي هذا قد خفض جناحه لي ممتنًّا، فقد شاءت الظروف أن يكون ضعفي مركز قوّة وتحدّي لا يستهان بهم.
كان بإمكانهم سحبي مكبّل اليدين في حضرة الأمير، لكنّ التحدّي الذي أظهرته قلب الأمور رأسًا على عقب. اعتبرني الأمير نِدّاً له، أو على الأقل شخصيّة تستحقّ المعرفة والمداولة لبعض الوقت. هذه الرغبة تطلّبت إجراءات كثيرة متسلسلة ومتعاقبة، والمثل القائل "مصائب قومٍ عند قومٍ فوائد" يصلح في هذا المقام. كانت مهمّة سعدي التحضير لهذا اللقاء وكان عقابه حال فشل مهمته، لا يقلّ عن العقاب الذي سينالني وزوجتي. لم ألجأ لتصعيد الأمور كيلا يحلّ الأذى عليّ وعلى أعدائي.
كان رجال الأمن يرتدون بزّاتهم السوداء ويضعون على أعينهم نظّارات سوداء قاتمة، وكانت السمّاعات الدقيقة موضوعة عند أصل آذانهم، وعلى ياقاتهم مكبّر صوت صغير للغاية.
غادرت مع نجوى بسيّارة فارهة الفندق، وكان سعدي يجلس إلى جانب السائق في الأمام. كان يرمقنا بنظرات قلقة بين الحين والآخر، وبعد انقضاء نصف ساعة على مسيرتنا توقّفت العربة أمام بوابة قصرٍ كبير.
كلمة السرّ (القبطان)، اقتربنا من نقطة الحراسة الثانية فالثالثة والرابعة. لم أكن أظنّ يومًا بأنّني سأكون محطّ الاهتمام إلى هذا الحدّ. غادرنا العربة وشاهدت نظرات الامتنان في عينيّ سعدي، وسرعان ما وجدت نفسي أقف في طابور طويلٍ من الزوّار. جميعهم كانوا شخصيّات مهمّة ومرموقة، شخصيّات رسميّة تشعرك بسموّ اللحظة ومهابة الموقف! ظننتهم يدلفون إلى داخل صالة الاستقبال الكبرى للسلام على الأمير. لكنّه فاجأ الجميع بظهوره الأميريّ الجليل. بدأ بتحيّة المصطّفين فردًا إثر الآخر وإلى جانبه معرّف ومستشار، ومن الخلف خمسة رجال مسلّحين بمسدّسات حديثة يصعب رؤيتها من تحت ستراتهم الداكنة اللون.
تبادلنا النظرات أنا ونجوى، وبقينا في حالة انتظار وصوله لطرفنا. عرّف مرافق الأمير بالرجل الذي يقف إلى يميننا. كان مدير المطار المدنيّ السيّد أحمد السندسيّ.

صافح المدير أحمد الأمير بحرارة، وأحنى رأسه في محاولة ناجحة لتقبيل يده. ربّت الأمير على كتف أحمد، لم يطل الوقوف عنده كثيرًا. وبعد ذلك، جاء دورنا، "القبطان وزوجته".
مدّ الأمير يده وأطال النظر إليّ، لم أحاول إطلاقًا تقبيل يده بالرغم من النظرات الناريّة التي أمطرني بها مساعده الأوّل.
- إنّه لشرف كبير لي يا صاحب السموّ.
نطقت بتلك الكلمات بطريقة تلقائيّة، كانت نبرة صوتي خالية من أيّ تعاطف يُذْكَرْ. أمّا نجوى فهمست بكلماتٍ مبهمة، ولم تنحنِ هي الأخرى لتقبيل يدِ الأمير.
حسنًا كنّا الوحيدَين اللذان لم ننحنِ لتقديم واجب الطاعة بتلك الطريقةِ البائسة، وكان الجميع يرقبون تداعي الأحداث. ابتسم الأمير ولم ينبسْ ببنت شفة.
سار كلّ شيء على ما أحسن ما يُرامْ خلال تلك الحفلة، وبدأ بعضُ الحضور يلتمِسون العذرَ من الأمير، وغادروا جماعةً وأفراد.
بعد قليل همس سعدي في أذني قائلا بأنّ الأميرَ يرغبُ بمقابلتي على انفراد.
انفضّ الحضورُ من صالة القصر، حضرت سيّدة البلاطِ والبلاد لتتأبّط ذراع نجوى وتتجاذب وإيّاها أطراف الحديث. أمّا أنا فمضيت وسعدي حتى وصلنا إلى مائدةٍ عامرة بكلّ ما تشتهيه الأنفس. جلست في المكان المخصّص لي، تناولت بعضَ العصيرِ الطازج.
لم أنتظر طويلا وسرعانَ ما حضر الأميرُ وجلس قبالتي. طلب من حرسه والمرافقين الابتعاد عن المكان، ثمّ رحّب بي قائلا:
- أنت قبطانٌ غنيّ عن التعريف، حدّثوني عنك كثيرًا. تُرى، ما الذي دعاك للحضور إلى مدينتي يا تُرى؟
- أنا إنسانٌ بسيط ومتواضع يا سعادة الأمير، أطال الله عمرك. أما دخولي المدينة، فجاء محض صدفة. لم أخطّط يومًا للبقاء هنا طويلا. أنا مجرّد عابر سبيل يرغب بالإستراحة برفقة طاقم مركبي وباقي المسافرين والمرافقين لبضعة أيامً معدودة، ثمّ أستمرّ بالسفر والإبحار.
- هل أعجبتك المدينة يا قبطان؟
- طبعًا أعجبتني.
عندها ضرب الطاولة برفق وقال بصوتٍ حادّ:
- دَعْكَ من المجاملة، كيف تجد مدينتي؟
نظرت إلى عينيه بحيرة وقلت:
- تبدو من الناحيّة العمليّة مدينة متطوّرة للغاية، لكنّها في الواقع، مدينة أشباح!
- ماذا؟ ماذا قلت؟!
- هل آمن على حياتي يا صاحب السموّ؟
- نعم، أنت في أمان. تحدّ ث، لقد فاجأتني بكلماتك هذه.
- يملأ الرعب أطراف المدينة وقلبها. قُوى الأمن تسيطر على كلّ شيء في البلاد.
- وهل هذا أمرٌ سيّء، لا بدّ للأمن أن يستبدّ في المدينة حتّى يعمّ الاستقرار.
- لكنّهم يصادرون حريّات الناس يا سعادة الأمير، يحاسبوهم على كميّة الهواء التي تدخل صدورهم، يمنعوهم عن البوح والكلام والفرح. المدينة تكاد تختنق برائحتها وعرقها وبرازها يا سعادة الأمير.
- هذا كثير!
- سعادتك طلبت رأيي بصراحة؟
- التقارير الواردة تشير إلى أنّ أعداء البلاد لا يقوون على الاقتراب.
- سعادة الأمير، لقد تجوّلت كثيرًا حول العالم، ولم أنتهِ من تجوالي وترحالي بعد! أعتقد أنّ الإنسان هو الذي يخلق الأعداءَ والأصدقاء على حدّ سواء.
- ماذا تقصد يا قبطان؟
- أنا لا أرى أعداءً يهدّدون بلادك يا سعادة الأمير! أرى بأنّ الوضعية الأمنية أكذوبة أوجدتها أجهزة الأمن كي يستمرّون في احتكار الامتيازات، صدّقني يا سعادة الأمير، يصعبُ على الحاكمِ البقاء على العرش بسلاح الخوف والعنف. قد ينكسر السيف يومًا، عندها لن يبقى في الأفق سوى شعبك وأهلك! لا تفرّط بهذه الثروة! المدينة تبحث عن وجهها وحضارتها ورونقها المسلوب.
- لا بدّ أنّك قرأت حكايات ألف ليلة وليلة!
- نهايتي حبل المشنقة أو النفي من البلاد دون العودة يومًا ما مجدّداً!
هناك احتمال آخر، أرجو أن تبقى في البلاد أطولَ مدّةِ ممكنة، أرجوك أن تقبل بمنصب مستشاري الخاص يا قبطان؟ أنت إنسان متنوّر، كُنْ ضيفي في هذا البلاط. هل تقبل؟
- سيدي، يا صاحب الإمارة، لقد جازفت بحياتي حين عبّرت بصراحة بما لديّ من أفكار، وانا على ثقة من أنّ هناك الكثير من أهل مدينتك المخلصين القادرين على تقديم الاستشارة والنصيحة. عليك أن تتمعّن في وجوه مريدينك. صحيح أنّ هناك الكثير ممن يركعون لسعادتكم ليلَ نهار! لكن لا بدّ من وجود بعض المخلصين ذوي الضمائر الحيّة. هم وحدهم قادرون على خدمتكم لأنّهم يُدْرِكونَ معنى الحياة الحرّة الكريمة. لا أظنّ أنّ قبطانًا كثير التجوّل والترحال قادرٌ على البقاءِ في مكان واحد وتقديم العون والإستشارة. الطريق واضح وسهل يا حضرة الأمير.
هزّ الأمير رأسه موافقًا. أضفتُ قائلا:
- لماذا لا تمدّ جسور المحبّة والودّ مع العالم الخارجيّ، من السهلِ معاداة الآخرين، لكنّ المحافظة على المشاعر الإيجابيّة في هذا العالم المتغيّر هي التحدّي الأكبر! قد يبدو كلامي طوباويًا، لكن لا بدّ من الإبقاء على علاقات حسن جِوار وعلى كافّة الأصعدة. العالم كبير يا سعادة الأمير ويستحقّ عناء الاكتشاف والمعرفة. عدا عن ذلك، أنتم بحاجة لحلفاء هذه أهمّ معالم قوانين اللعبة السياسيّة.

أطال الأمير النظر إلى عينيّ وقال:

- لقد حاصرنا أنفسنا طويلا في هذه البلاد، مضى علينا دهرٌ من الزمن، طال ويكاد لا ينتهي. أوجدنا أعداءً وهميين كثر! كنت على ثقة بأنّنا مستهدفون طِوالَ الوقت. أصبحتُ أخشى شوارعَ مدائني، أخشى صخبَ الحياة والأفراح على جنبات الطريق. لهذا منعتها وفرضت غرامات كبيرة ضدّ المخالفين، لأنّي لا أقدر على المشاركة. أمرت بقطع أعناق الأشجار وجزّ جذورها كيلا تصبح مأوى للغرباء، وها أنت الغريب تأتي من المجهول بقلبٍ مليء بالحبّ والسلام! أخبرني عن رحلتك الأخيرة. كيف وجدت نفسك بيننا؟
ابتسمت في تلك اللحظة، شعرت بالحبور والرِضا يملآن روحي وقلت:
- إنّها إرادة البحر يا سعادة الأمير، للبحر قوانينه الخاصّة. يفرضها دون قيد أو شرط. دفع حوتٌ أزرقٌ منتحرٌّ قاربي إلى شواطئكم. كانت المياه الملوّثة قد أزهقت روحه، كان يشعر بأنّه مدين لنا لأنّنا أظهرنا الرغبة لمساعدته.
- وكيف كان انطباعك الأول يا قبطان؟
- فاجأتني رطوبة المدينة وجفاؤها. شعرت أنّها حقيقة مدينة غرباء، ثمّ أخذت الشوارع تلاحقني وتُضيّق الخناق عليّ! وكان أن قابلت رجال الأمن الذين يملئون جميع نواحي المدينة، قبضوا علينا. وصلنا لقصرك في نهاية المطاف بعد أن أظهرنا الرغبة بالتحدّي والمواجهة.
- أخبروني بأنّك تحدّيت إرادتي!
- نعم، لقد فعلت. لكن ليس رغبة في سلطة أو مال أو جاه. كنت أحاولُ الحفاظَ على إنسانيّتي وكرامتي. كنت أحاولُ البحثَ عن ظلّ الله في بلادك المحفوفة بالخوف والهلع!
- لديّ سؤالٌ آخر يا قبطان؟ نظر إليّ مطوّلاً، قرأت عبارات الرجاءِ في عينيه قبل أن يقول:
- ما ثمن الحكمة؟
بادلته نظرات مليئة بالحيرة والسكينة. كان هذا من أصعب الأسئلة التي واجهتها يومًا ما.
- ثمن الحكمة يا أميرنا؟
- نعم، ما ثمن الحكمة؟
- لا يوجد ثمن ماديّ ومحسوس للحكمة يا سعادة الأمير. هذا سؤال صعب للغاية! لا أدري ما ثمن الحكمة. قد أحتاج لمزيد من التجربة والتيه كي أتمكّن من الإجابة على سؤالك أيّها الأمير!
أطرق الأمير مفكّرًا ولم يُضِفْ شيئًا.
- ماذا يمكنني أن أقدّم لك؟ قال الأمير دون أن ينظر إلى عينيّ مباشرة.
- أنا لست في عجلة من أمري يا سعادة الأمير. أرغبُ بالبقاء في المدينة لعدّة أيّام أخرى. أنتظر رياحي كي أغتنمها! أرجو أن تسمح لي بالمغادرة يا أمير البلاد.
- كما تشاء يا قبطان. أنت دائمًا على الرحب والسعة.
انضمّت الأميرة ونجوى إلينا في وقتٍ لاحق، وبقي الحديث يتراوح ما بين السمر والودّ والمجاملات الرسميّة المتصنّعة بين الحين والآخر، لكن الألفة بقيت مخيّمة على المكان، ومضى الليل إلى نهاياته المعهودة.
- ربّما أتمكّن من رؤيتك ثانية قبل أن تغادر المدينة يا قبطان؟
- هذا شرفٌ كبير لي يا سعادة الأمير.
بعد بضعة أيام، لاحظت أنّ وزارة الأشغال بدأت بزرع الأشجار في شوارع المدينة. شعرت بالحياة قد بدأت تدبّ عبر شراييني المتحجّرة، حتّى أنّ الدمعة سالت من طرف عيني. سالت ساخنة، حرقت وجنتيّ بصمت. أنا لا أحسن البكاء، ونادرًا ما تداهمني الدموع! مشاعري تلك حقيقية، يبدو أنّ منظر فسائل الأشجار كان باهرًا وبريئًا. بدت كالأطفال تشجو بأصواتها الرخيمة الصاخبة.
مساء ذلك اليوم، زارني سعدي في الفندق. اتّصل بي من مكتب الاستعلامات طالبًا مقابلتي. قال على استحياء:

- هل لنا بتناول فنجان قهوة يا سيّدي القبطان؟

- أكاد لا أفهم دعوتك، ما وراؤك يا سعدي؟

- لقاء شخصيّ يا قبطان، لن أسرق من وقتك الكثير، أعدك بذلك!

قرأتُ عبارات الرجاءِ في عينيه، وافقت على المضيّ معه إلى مقهىً قريبٍ من الفندق. جلسنا دون أن يتفوّه أحدنا بكلمة. وجدت أنّه من الضروري كسر حاجز الجليد الذي كان يفصل بيننا. فقلت بهدوء:
- ماذا وراؤك يا سعدي؟
- أرجو أن لا أكون قد أثقلت عليك لكنّي أردت أن أشكرك.
- تشكرني! لماذا يا سعدي؟ ما الداعي لكلّ هذا؟
- أتذكر حين صفعتك على وجهك؟
- وكيف لي أن أنسى؟
- قلت لي أنّ الوجه قد أبدعه الخالق!
- نعم، أذكر ذلك.
- الصفعة هي أقلّ عقاب ممكن في قاموس التنكيل والتعذيب الذي نمارسه في أجهزتنا الأمنية. عادةً ما نركل ونضرب ونستخدم الكهرباء من أجل انتزاع الاعترافات لجرائم لم تُرْتَكَبْ! مارستُ أنا شخصيًا أسوأ أنواع التعذيب التي قد تخطر على بال إنسان. لكنّ كلماتك كانت رادعًا كبيرًا، أصبت بصدمة حين قارنت بين الوجه وإرادة الخالق. تلك الصفعة كانت أقلّ خطيئة قُمْت بها. لا شيء يُذْكَر أمام عمليّات التعذيب التي نتقنها بحرفية مطلقة. شعرتُ آنذاك بالألم يتسلّل إلى خلايا يدي بعد أن صفعتك، وكأنّ الطريق المظلم إيّاه قد أصبح منيرًا أمام ناظريّ.
- سعدي! قد أكون قد ساعدتك في صحوة الإنسان الحائر في ذاتك. وهذا بحدّ ذاته يدلّ على أصالة جوهرك. كلّنا يمرّ بمراحل مختلفة خلال مشوار الحياة الذي قد يطول أو يقصر، لكن الإنسان في لحظة ما قادر على تغيير مسرى حياته نحو الأفضل، وقد لا تأتي هذه اللحظة أبدًا. أنتَ محظوظٌ لأنّك اكتشفت ذاتك وتوقفت عن التسبّب بالألم والمعاناة للآخري بسبب وبدون سبب! أشعر بالعناء حين أقوم بدور المعلّم والمرشد! حاولت فقط التحدّث بلسان حالك ويبدو بأنّني قد نجحت!
- نعم، أعتقد أنّي قد اقتنصتُ اللحظة. لقد طلبت الاستقالة من مركزي الأمني. أنا غير قادر على الاستمرار بهذه الطريقة. هذا المركز يتطلّب التخلّي عن المشاعر الإنسانيّة باسم الوطن والقانون. في مؤسستنا يبقى المتّهم مذنبًا حتى بعد أن تثبت براءته!

- ربّما تتحسّن الأمور في البلاد، التغيير يحتاج لمزيد من الوقت!

- يقوم الأمير بتغييرات سطحيّة ومزاجيّة ما بين الوقت والآخر. الحكم في البلاد يا عزيزي مركزيّ، وسيبقى الأمر كذلك. أعتقد أنّ التغيير يجب أن يبدأ من القاعدة العريضة من الشعب. لكنّ الخوف والرتابة ومشاكل الحياة اليوميّة تفرض التبعيّة والانسياق في هذا النمط الشرقي الخاصّ ذي النكهة التسلطيّة.

- يبدو بأنّك غاضب! كأنّك لم تكن يومًا جزءًا من الجهاز الأمني في هذا البلد!

- أدرك بأنّ شراستي موجّهة ضدّ الضعف أكثر ما تكون موجّهة ضدّ شخصٍ معيّن. ضعفي وضعف الآخري وفشلنا في مواجهة الحكم الإستبداديّ! لكنّي أبقى كالنورس التائه في السماء حين يحطّ خلال شهر شباط على الشواطئ الباردة. نورس واحدٌ لا تبشّر بصيف!

- ربّما يجب ترك الفرصَة سانحة أمامَ الأمير. قد يكونُ هو الآخر محقّ.

- أتمنّى أن تكون الأمور كما ذكرت، أرجو أن تسمح لي الآن بالذهاب، واعلم يا قبطان بأنّ في جعبتي أسئلة كثيرة.

- أرجوك، قُلْ كلّ ما لديك يا سعدي.

- هل هناك متّسع لشخص آخر فوق مركبك؟ دعني أصعد لمركبك حين يقترب الوقت لإبحارِك. أريد الابتعاد عن هذه المدينة، وأرجو أن يبقى هذا الأمر طيّ الكتمان بغضّ النظر عن إجابتك.

- أهلا وسهلا بك على مركبي. سيتمّ ذلك في وقتٍ قريب يا سعدي.
ابتعد سعدي عن المكان وبقي مترقًبًا ينظر ذات اليمين وذات اليسار. ربّما كان يخشى في تلك اللحظة صخب ضميره ونتائج قراره المفاجئ بالاستقالة والابتعاد عن أجهزة الأمن نهائيًا. في الواقع لم هناك من يراقبه سواي! ولم أنسَ ولو للحظة واحدة بأنّ الرقابة الذاتيّة هي الأدهى والأمرّ.
لا يمكن لطائر نورسٍ واحد أن يبشّر بفصل الربيع، واستقالة سعدي لا تعني الكثير لنظام السلطة الحاكم! هناك العشرات الذين ينتظرون الفرصة لملء الفراغ الذي سيتركه هذا الرجل وكان هو يعرف هذه الحقيقة.

سألتُ البعضّ عن الفسائل التي زُرِعَتْ وسط الشوارع وفي الساحات. ابتسموا وفضّلوا عدم الإجابة. هذه هي الرقابة التي تحدّثت عنها. الرقابة المزروعة في عمق الذات والوعي الداخليّ للمواطن. انعدام الثقة بالسلطة والرهبة من التعبير عمّا يعتمل في القلب، حتى وإن كانت المشاعر إيجابيّة وتصبّ في المصلحة العامّة للبلد، كانوا طوال الوقت كأنّهم ينتظرون فعل أمرٍ ما. ارقص، افرح، اطرب، لا تفكّر بنهار الغد كثيرًا، مارِس حياتك دون خوفٍ أو وَجَلْ.
انقضى يومان آخران وأنا في حيرة من أمري. لا أدري إذا كان موعد الانطلاق قد حان، أم أنّ الوقت ما يزالُ مبكّرًا للإبحار.
انقضى النهار والحيرة تأكلني، عمّ الوجوم في الفندق والشوارع المحيطة. سمعتُ إطلاق نيرانٍ كثيفة، كانت عربات الجيب العسكريّة الصغيرة تجوبُ المدينة. شعرت بالرعب وقد حطّ ضيفًا ثقيلا في كافّة أنحاء المدينة!
ندِمتُ في تلك اللحظة على تلكّؤي بالهرب من هذه المدينة ذات اللون الحنطيّ!
ما الحاجة لهذا العدد الكبير من الشرطة وقوات الطوارئ، التي أربكت المدينة بكاملها؟
لم أجرؤ نهارَ ذلك اليوم على الخروج من إلى مركز المدينة، ولم أكن الوحيد الذي اختفى عن الأنظار وعند المساء، لم أتمكن من التحكّم بأعصابي وذهبت أستطلع الأمر. عندها علمتُ بأنّه قد جرت محاولة اغتيال فاشلة ضدّ الأمير. وسيتمّ قريبًا تعليق الانقلابيّين على أعواد المشانق!
كانت عناصرُ الجيش والأمن تُراقِبُ الطرق مصوّبة بنادقها في جميع الاتّجاهات.
بعد أيام ظهرت للعيان مناظر المشانق الباردة والمرعبة، كانت تنتظر ضحاياها ببرودة مخيفة!

نظرت إلى الأفق البعيد، لاح لي البحر بحلّته الزرقاء وكبريائه المعهود. تُرى، هل كان عليّ مُراقبة مناظر الموت المنتظرة؟
أكرهُ هذه اللحظات الثقيلة، كأنّ الزمن توقّف عن مُقارعةِ الإنسان والإنسانيّة. كلّ شيءٍ توقّف عن التطوّر والمضيّ نحو مستقبل آخر!
توقّفت الوزارات عن العمل، أغلقت المحال التجاريّة أبوابها. كانت المدينة كتلة رماديّة، مقيّدة بضبابيّة جنون مُطْبِقْ. وكان الجميع يستعجلون الموت من أجلِ الحياة. يا لها من مُفارَقَة.
لا أدري إن كان بإمكاني مقابلة الأمير خلال الأيامِ العصبية المتسارعة! كنت أفضّل البقاءَ بعيدًا عن عالم الأمراء، لا بدّ أنّه يعيش في حالة من الشكّ تّجاه كلّ ما حوله.
حاولتُ معرفة موعد الإعدام العلنيّ. فاجأني الكثير حين أخبروني بأنّ يوم غد هو اليوم المشهود. حاولت معرفة أسماء الأشخاص الذين شاركوا في محاولة الانقلاب والاغتيال الفاشلة. قالوا بأنّ وزير الدفاع شارك شخصيًّا في تلك المحاولة. كاد أن ينجح لولا بسالة الحرس الخاصّ، الذين بذلوا كلّ ما بوسعهم للدفاع عن حياة الأمير. دافعوا عنه بأجسادهم ووقعت خسائر عديدة بينهم.
شعرت بالأسى الشديد. علمت أيضًا بأنّ سعدي دفع حياته ثمنًا لهذه البطولة قبل مغادرته المدينة بأيام، يا لها من حكاية بائسة! ابتلعت عبراتي المخنوقة، حاولت منع نفسي عن الاختناق في لجّة المكان.
أدركتُ بأنّ هذه المدينة تأكل لحمي وروحي، مدينة لا تتوانى لحظة عن نهش وجودي ليلَ نهار، كأنّ الزمن توقّف عند حافّة الطريق. أصبح هاجسي الوحيد الابتعاد عن المدينة في أقرب وقتٍ ممكن.
أخيرًا تمكّنت من مقابلة صاحب الدرك، كان يحدّقُ في جميع الجهات وفي الوجوه المحيطة من حوله. كانت هناك حشودٌ غفيرة تحدّق بالمشانق التي رُفِعَت في وجهِ السماء.
- عاشَ الأمير، عاشَ، عاش.
أخذت الجماهير تردّد هذا النداء، وتمكّنتُ من الوصول لصاحب الدرك. أمسكته من طرف ياقته، وما أن أدرك وجودي حتى رمى بنفسه في أحضاني باكيًّا.
- أين اختفيت يا قبطان؟ أين أنت بحقّ السماء؟
عرفت مكان إقامته وطلبت منه مراقبة مركبي. أخبرته بأنّي سأغادر المدينة قريبًا. أخبرته أيضًا بمكان إقامتي، لكنّي نصحته بعدم الحضور لزيارتي. سألني إذا كنت سأحضر حفلة الإعدام الجماعيّة المنتظرة؟ فأجبته بأنّ هذا آخر ما أفكّر به. اختفى بعد ذلك، وعدت أنا إلى الفندق. كنت قلقًا بخصوص نجوى بعد أن تقدّمت بالحمل!












***   كل عام وانتم بخير  ***

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

ارفع رأسك عالياً/ بعيداً عن تزييف التاريخ أنت وحدك من سلالة كل الأنبياء الرسل..

ارفع رأسك عالياً فلغتك لغة القرآن الكريم والملائكة وأهل الجنّة..

ارفع رأسك عالياً فأنت العريق وأنت التاريخ وكل الأصالة شرف المحتد وكرم ونقاء النسب وابتداع الحروف من بعض مكارمك وأنت فجر الإنسانية والقيم كلما استشرس ظلام الشر في طغيانه..

ارفع رأسك عالياً فأنت عربي..

هدى الخطيب

إن القتيل مضرجاً بدموعه = مثل القتيل مضرجاً بدمائه
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

الأديب والشاعر الكبير طلعت سقيرق
أغلى الناس والأحبة والأهل والأصدقاء
كفى بك داء أن ترى الموت شافياً = وحسب المنايا أن يكن أمانيا
_________________________________________
متى ستعود يا غالي وفي أي ربيع ياسميني فكل النوافذ والأبواب مشّرعة تنتظر عودتك بين أحلام سراب ودموع تأبى أن تستقر في جرارها؟!!
محال أن أتعود على غيابك وأتعايش معه فأنت طلعت

عرض البوم صور هدى نورالدين الخطيب   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 09 / 05 / 2018, 28 : 03 AM   المشاركة رقم: 8
المعلومات
الكاتب:
هدى نورالدين الخطيب
اللقب:
المدير العام المؤسسة وصاحبة حقوق النشر والترخيص، إجازة في الأدب، دبلوم فلسفة، الترجمة، دراسات عليا في التاريخ - أديبة وقاصّة وصحفية - عدد من الأوسمة وشهادات التقدير الرسمية – مهتمة بتحقيق وتنقيح التاريخ القديم – مؤلفات أدبية وفي الدراسات المقارنة
الرتبة:

الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية هدى نورالدين الخطيب

البيانات
التسجيل: 11 / 12 / 2007
العضوية: 3
المشاركات: 10,209 [+]
بمعدل : 2.38 يوميا
اخر زياره : [+]
الدولة: canada
الاقامه : كندا-من مدينة حيفا فلسطين، ولدت ونشأت في لبنان ووالدتي لبنانية ، بانتظار العودة إلى حيفا - فلسطين
علم الدوله :  canada
معدل التقييم: 20378
نقاط التقييم: 101680
هدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond repute
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
هدى نورالدين الخطيب غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : هدى نورالدين الخطيب المنتدى : الفعاليات والمسابقات الأدبية...
رد: استطلاع جماهيري - الرواية - المشاركة في مسابقة نور الأدب الكبرى 2018




-5-


يرغب الأمير برؤيتك على الفور، الآن وحدك!
كنت أرتدي ملابسي الاعتياديّة عندما طلبني موظّف الاستعلامات على عجل. أخبرني رجلٌ يضع نظّارات سوداء فوق عينيه بضرورة المضيّ معه بناءً على طلب الأمير، لم أدرِ كيف أتصرّف ولم أجرؤ على الرفض.
- أنا لست مستعدًّا للقائه الآن، أرجوك دعني أرتدي ملابسي لو سمحت!
- لا بأس يا قبطان، الملابس ليست مشكلة، فنحن في حالة طوارئ.
لم أصدّق ما يحدث في تلك اللحظة، كأنّ التاريخ بصدد كتابة صفحة فريدة ونادرة.
كنت أظنّ بأنّ كلّ شيء قد انتهى مع فشل الانقلاب على السلطة.
لماذا أعلنتم حالة الطوارئ؟
صعدت إلى العربة وأغلقت عينيّ. لكزني أحد المرافقين قائلا:
- الملابس؟
كانت دهشتي أكبر حين قدّموا لي بزّة عسكريّة. ارتديت اللباس الأخضر اللون على عجل ودون جدال.
انتابني إحساس بأنّني قد أصبحت أفعى في تلك اللحظة. كيف رضيت بخلع جلدي بهذه السرعة. كانت البزّة خالية من جميع الرتب والإشارات العسكريّة المميّزة. لم أكن أمثّل مركزًا في الهرم العسكريّ. لم أكن أمثّل شيئًا في المؤسّسات الحكومية ولم يكن لي أيّ دور رسميّ في تسيير شؤون البلاد، لذا بدوت مضحكًا في تلك اللحظة.
طلبوا منّي البقاء في إحدى الغرف، كان منظري مريبًا وأنا أجلس وحيدًا مرتديًا اللباس العسكريّ، يبدو بأنّني أصبحت جزءًا من سلطة الأمير شبه المطلقة!
بعد لحظات دَلَفَ عليّ الأمير مرحّبًا باسمًا. كان يضع شارات عسكريّة تدلّ على مرتبته الرفيعة كقائد عامّ للجيش، كانت النجوم والتيجان ترصّع صدره وكتفيه.
- عزيزي القبطان!
شعرت برغبة هائلة بالانحناء، لقد تعرّض هذا الرجل للاغتيال قبل أيام. منعني الأمير في اللحظة الأخيرة قائلا:
- حتى الأنهار تنحني لي في هذه البلاد، أرجوك يا قبطان. كُن الاستثناء الذي عرفته طِوالَ هذه الأيام.
- لقد طلبتني يا سعادة الأمير أطالَ الله في عمرك؟
عندها قرأت مشاعر الألم في عينيه وقال:
- تصوّر، انقلب عليّ أقرب الناس إليّ! صدّقني ليس لديهم أيّ برنامج بديل سوى الاستيلاء على السلطة.
- وهل هذا قليل يا سعادة الأمير؟ أجبت مبتسمًا. السلطة قمّة الطموح الإنسانيّ، هؤلاء المقرّبين يستشعرون مفاتيح السلطة أكثر من غيرهم.
- لم تجبني على سؤالي يا قبطان؟
- يبدو بأنّني قد سرحت قليلا، المعذرة يا سيادة الأمير، ذكّرني أرجوك. نظرت إليه مستغربًا، لكنّ انتظاري لم يطل.
- ما ثمن الحكمة يا قبطان؟
- آه، ذاك السؤال! تلك الأمسية، كان من الصعب عليّ الإجابة لكنّي اليوم أرى بأنّ ثمن الحكمة هو الحياة.
- الحياة هي ثمن الحكمة، يا لها من معادلة! حياة من تقصد يا قبطان؟ حياتي أم حياة وزيري وربّما حياتك هي الثمن؟
- الحياة بمفهومها العام. أنت وأنا ندرك بأنّ الانقلاب انتهى ويمكن تقييمه بأنّه فاشل يا سعادة الأمير. وزيرك غامر بحياته ومركزه وهو الآن جثّة هامدة، بالرغم من أنّه يتنفّس. انتهى دوره من الناحية العملية، اختفى عن الخارطة السياسية ولعبة السلطة.
- تتحدّث دائمًا بالألغاز يا قبطان!
- لقد تعوّدت قولَ الحقيقة دائمًا، الصراحة هي مفتاح الثقة. لا تحرمني هذه النعمة أرجوك!
ضحك الأمير بعد ذلك مطوّلا وقال:
- أنت حقيقة تحيّرني يا قبطان. لا يوجد بين حاشيتي من يجرؤ على مناقشة كلماتي أو أوامري! للسلطة هيبتها وحرمتها يا عزيزي، هذه حقيقة أزلية.
- ما الذي سيخسره الأمير إذا حافظ على حياتهم. إنّهم الآن في قبضة يدك على مدار الوقت، لقد جُرّدوا من كافة مناصبهم وامتيازاتهم.
- وما الذي أجنيه إذا فعلت ذلك؟ هل تشكّك بحجم جريمتهم وخيانتهم؟
- أنت الرجل الأول في البلاد، لا يمكن لسيادتك معالجة الأمور بمبدأ الربح والخسارة. من المفترض أن تكون أبًا للجميع! في هذه الحالة فقط يمكنك التسامي فوق الموت. الحفاظ على الحياة هو القرار الأصعب دائمًا. القتل لا يحتاج إلى جهدٍ كبير.
- أترى بأن أطلق سراحهم؟
- ليس بالضرورة يا سعادة الأمير، ليس بالضرورة.
أطرق الأمير مفكّرًا، هزّ رأسه وقال:
- وأنت ماذا تريد يا قبطان؟ ما هي أمنياتك التي لم تتحقّق في مدينتي بعد؟
- أمنية واحدة فقط. أمنية واحدة فقط.
- أمنية واحدة. قلها، ماذا تنتظر؟
- لا أريد أن أكون شاهدًا على وليمة الموت التي تنتظر المدينة، أرجو أن تسمح لي بمغادرة المدينة قبل أن تعلّق رقابهم على أعواد المشانق، هذه هي أمنيتي الوحيدة.
- ألهذه الدرجة تكره الموت؟
- أنا ابن الحياة. أنا ابن البحر.
- والبحر يقتل يا قبطان. ماذا لو قتلوني في محاولة الانقلاب هذه؟
- احتمال ضعيف لكنه وارد بالطبع. لاحظتُ بأنّ رجال الأمن يكنّون لك الكثير من الحبّ والإخلاص. لقد قضى دفاعًا عن سيادتك رجل قريب إلى نفسي واسمه سعدي.
- نعم، هذا صحيح، لكنّي أعيد السؤال عليك ثانية، ماذا لو قُتِلْتُ في تلك المحاولة؟
- عندها سأعمل جاهدًا الحفاظ على حياة حاشيتك وأهل بيتك. أنا ابن الحياة يا أمير البلاد. أنا دائمًا كذلك. على أيّة حال، أتمنّى أن يحفظك الله ويبعد عنك كلّ مكروه.
- كلامك جميل، لكن الحياة تصبح أحيانًا بلا قيمة! سأفكّر مليًّا في عرضك وفلسفتك الخاصّة. أعدك أن تكون بعيدًا عن المدينة إذا قررت تنفيذ أحكام الإعدام، لكنّي الآن أرجوك أن تبقى لتناول الطعام في القصر.
- لي طلبٌ آخر يا سعادة الأمير، هل تسمح لي بمقابلته؟ أقصد وزير الدفاع الذي قام بمحاولة الانقلاب. أوافق على مشاركة أيّ شخص من طرفك خلال اللقاء.
- لا، لا ضرورة لذلك يا قبطان، لكنّي أريد معرفة رأيك به بعد ذلك؟ أعتبرك منذ اللحظة مستشار البلاط الخاص في القضايا السياسيّة.
مستشار سياسي، يا له من منصب! لا أدري لماذا طلبت مقابلة الوزير المخلوع؟ ربّما كان هذا مجرّد عناد ورغبة في المضيّ في سبر الأمور حتى النهاية. عدا عن هذا، كان الوزير يعلم بما سيؤول إليه مصيره حال فشل الانقلاب ونجاة الأمير. كان يدرك بأنّ الموت بانتظاره. هل تغيّرت مشاعره الآن، هل كُسِرَتْ شوكته؟ لم أكن أشعر بالشفقة تجاهه حتى وإن نفّذ الأمير حكم الإعدام، وحال العفو عنه ستصبح حياته بلا قيمة، سيصبح عبدًا للقصر وللأمير، وسيضطرّ للدعوة بطول عمر حياة الأمير ليلَ نهار! طلبت مقابلته بهدف معرفة الأسباب التي جعلته يقوم بهذه الخطوة. أردت أن أسبر أعماقه، لماذا أراد الاستيلاء على السلطة؟ قد يكون تصرّفي أنانيًّا، لكنّي أحاول أن أكون مخلصًا لذاتي طِوال الوقت.
حصلت أخيرًا على بطاقة مغناطيسيّة تمكّنني من الدخول والخروج للقصر وقتما أشاء، دون العودة للأجهزة الأمنيّة المختصّة.
لماذا التصقتُ بهذه البقعة من الأرض التي تحمل لون الحنطة. تتلاطمُ الأمواج والأفكار في مخيّلتي وذاكرتي المتعبة، يناديني البحر بكلّ ما أوتي من عنفوان. في تلك اللحظة، كنت أمارس فعل الخيانة بحقّ مراكبي وأصدقائي ونجوى. ولكن ماذا عن نورا؟ تلك المرأة التي غيّبها القدرُ مرّة واحدة. هل تكفيني المعرفة بأنّها على قيد الحياة، هناك حيث المجتمعات المهزومة؟ مجتمعات غارقة في جحيمها الخاصّ، هناك حيث أصيبت عيناي بالشلل ولم أعد أميّزُ ما بين اللونين الأبيض والأسود، وكان عليّ أن أطوف الدنيا لأدرك أطياف الألوان ووهجها.
كلّ هذا العشق لا يكفي الليلة، وأنا تائه ما بين البحر واليابسة. أنا المصلوب عند حدود اللامعقول. لم أخشَ زنّار وعِنّابة، ومضيتُ نحوَ فضاء الروح، خسرت خمس سنوات من عمري القصير من أجل خلاص نورا. مضيت نحوَ إله الجبل، تحدّيت إرادته وجبروته فكافأني بماء الحياة. شربتُ لأنقذ عاطف من ظلمات النسيان، ورافقتني نجوى نحو المجهول، بالرغم من أنّها ترعرعت في بيادر ومدارات حرّة تتّسع لمخيّلة الشعراء والأدباء، أسلمتني هذه المرأة روحها دونما حساب. وأنا ما زلت أبحث عن ظلّي وسطَ هذا السراب. المعذرة يا أمّي، نسيتُ بصماتي وما زالَ في القصّة بقيّة.
النوافذ المغلقة


-1-

إنّه الواقع الشرقيّ المضنيّ المخنوق في شفافيّته الرماديّة. لا يمكن للأمور أن تنعكس بصورة تناقضُ الإحساسَ بمأساويّة الحضور. حتى النار متّشحة بالسواد بدلا من اللون الأحمر القاني، كأنّها تعلن حالة حداد أزليّة! وما أن تبلغ الفتاة سنّ الرشد حتى تبدأ المساومة حول مصيرها الأنثويّ كأمٍ لجمهرة من الأطفال، ومرضعة وزوجة مطيعة مؤهلة لأن تصبح أرملة، وسط هذا الكمّ الكبير من الموت والحروب وقهرِ السلطة الموجّه.
أجيال من الرجال يذوبون في بحر من الألم والشقاء الشرقيّ المقيم. هنا وهناك يلوح في الأفق بعض الفرح، يتدفّق كنسيم البحر، يدغدغ المشاعر حتى الصباح. يدعو الفتيات والشباب الذين غزى الشعر الأسودِ وجوههم إلى شبك الأيدي في محاولة للرقص. تلطم أقدامهم الفتيّة الأرض، ويستمرّ جموح المشاعر حتى الصباح. يسقط القمر في الغسق الأحمر، يعلو قرصُ الشمسِ فوق الأفق، يدغدغ الأحلام الورديّة ويحضرُ في جعبته لكلّ فردٍ فوق البسيطة رزمة أحداثٍ، يخطّها دون تلكّؤ في كتاب لا يغلق دفّتيه أبدٍا.
فضّت جدائلها، فَرَشَتْها فوق البسط الخضر. استلقت تحت صفحة السماء، وأخذت تبحث عن نجمتها الساطعة. في تلك اللحظة، عبر حدود أحلامها فارس، ناجى شبابها وجمالها. كانت تثق بالريح الناعسة قبل أن تشتدّ وتصبح عاصفة عارمة، لكنّها بقيت مستلقية على ظهرها، تنتظر فارسها الموعود لعلّه يعود ويقتحم نهايات عالمها الأنثويّ.
إنّه الواقع الشرقيّ الغارق بالانقلابات العسكرية والقمع الممارس يوميًّا تجاه الفكر واستقلاليّة الذات المبدعة. لماذا كلّ هذه الخيانة؟ كان هذا سؤالي الأول.
-2-
سرتُ في دهاليز مبنى مخابرات أمن الدولة، كانت الدرجات تبتعد أمام ناظريّ نحو الأسفل، وكنّا نتفادى المرور في معابر ودهاليز محدّدة، كانت على ما يبدو مخصّصة لسجناء رغبت السلطة إبقاءهم طيّ النسيان.
كنت أستمع لبعض الأنين ما بين الحين والآخر، وكانت الصرخات ونوبات التعذيب تتوالى مصحوبة بوابل من الشتائم. ولكن، ألم تبدأ الإنسانيّة مشوارها بالقتل بعد أن أفنى هابيل حياة أخيه قابيل أو العكس؟
لا يمكن للإنسانيّة أن تستمرَّ دون فعل القتل والهدم والتدمير، يتبع ذلك حالة تعمير وبناء ناطحات سحاب ترتفع في كلّ زاوية ومكان.
- قسم الأحكام الخاصّة. تردّدت هذه العبارة عدّة مرّات، ثمّ وجدت نفسي أخيرًا في مكتب مسؤول القسم المذكور. رحّب بي وأشار عليّ بالجلوس.
- حضرة القبطان، زيارتك شرفٌ كبير لنا. أخبروني بأنّك ترغب بمقابلة عبد السلام الديمومي، بالرغم من عدم ديمومته من وجهة نظرنا الأمنيّة.
- الديمومة له وحده. نظرت إلى الأعلى وتركت له حريّة فهم عبارتي.
- لم يجب على ملاحظتي. لكنّه أضاف وقد بانت شبح ابتسامة على وجهه.
- نصف ساعة تفي بالغرض؟
- بل ساعتين.
كنت أتحدّى إرادته وسلطته المطلقة وسط هذه النوافذ المغلقة.
- لديّ تصريح رسميّ موقّع من أمير البلاد.
- أطال الله عمر الأمير. انتهى الحديث عند هذا الحدّ، وطلب من الحارس إرسالي إلى الزنزانة رقم 2 والانتظار هناك لمدّة ساعتين.
- لماذا الزنزانة رقم 2 تحديدًا؟ سألت بحيرة.
- الزنزانة رقم 1 تودي إلى ساحة الإعدام مباشرة.
أطرقت رأسي ومضيت خلف الحارس دون التعقيب على كلماته، بالرغم من أنّها كانت محمّلة بمشاعر الثقة المطلقة. تُرى هل سيبقى عبد السلام الديمومي في الزنزانة التي تحمل رقم (2)، أمّ أنّه سينتقل إلى الزنزانة الأولى في انتظار لحظة الموت؟ على أيّة حال، كنت على ثقة تامّة من أنّ زيارتي ستؤثّر بشكلٍ ما على مصير هذا الرجل المنكوب.
- السجين رقم (235).
صاح السجّان بصوتٍ مرتفع مجلجل، فُتح باب الزنزانة وظهر السجين واقفًا على أهبة الاستعداد. كانت الزنزانة ضيّقة للغاية بالرغم من أنّها مخصّصة لشخصٍ واحدٍ فقط. أُغْلِقَ الباب من خلفي وصدر عن ارتطامه صوت مزعج وصرير ارتطام كتل الحديد الثقيلة.
- من أنت؟
- أنا في زيارة ودّيّة. صمتّ ولم أجد الكلمات التي أعبّر بها عن هذا الوضع الغريب الذي وجدتُ نفسي في غمرته.
- ولكنّي لا أعرفك!
- أنا أعرفك.
- الجميع يعرفوني الآن. لقد أصبحت مشهورًا مؤخرًا! سينفّذ حكم الإعدام بحقّي مرتين قريبًا، المرّة الأولى في ساحة السجن والأخرى وسط المدينة.
- وهل يضيرك الإعدام الثاني، بعد أن يصبح جسدك كتلة هامدة؟
- أكرّر سؤالي ثانية، من أنت؟
- حسنًا، أنا قبطانٌ سفينة رحّالة، شاءت الظروف أن أصبح جزءًا من اللعبة السياسيّة في هذه البلاد، أنا الذي أكره وألعن السياسة ليل نهار، أصبحت مستشار القصر في الشؤون السياسيّة!
- أنت تراهن على ورقة خاسرة. لا يمكنني أن أنجو من المقصلة يا قبطان، لماذا لا تركب البحر وتمضي بعيدًا عن هذه القذارة؟
- وهل يمنع هذا من إتمام هذه المقابلة؟
- حسنًا، أعرف الآن هويتك! بالمناسبة، لماذا لا تجلس على حافة دنياي هنا، عند طرف السرير؟ أنصحك بحرق ملابسك بعد عودتك إلى المنزل، كلّ شيءٍ هنا يطفحُ بالمخلوقات المؤذية وأقلّها وطأة القمل بشتّى أنواعه وألوانه.
حاولت أن أبتسم، لكنّي أحجمت عن ذلك في اللحظة الأخيرة، كان الرجلُ يعيش في عالم من الكوميديا السوداء، يمثّل هو شخصيًا دور البطولة المطلقة.
- سيّد عبد السلام، أنا مهتمٌّ بالمشرقِ بكلّ تناقضاته، أريدُ أن أسألَكَ مباشرةً، لماذا كلّ هذه الخيانة؟ هل الخيانة جزءًا من تركيب العقيدة في المشرق؟
- يا له من سؤال! لا أظنّ الوقتَ المتبقّي من حياتي يكفي للإجابة عن سؤالك! على أيّة حال، الخيانة أنواع، خيانة الوطن، خيانة الزوجة، خيانة الضمير. عن أيّ خيانة تتحدّث يا قبطان؟
- لنتحدّث عن خيانة الضمير والأمير.
نظر إلي عبد السلام مطوّلا وقال:
- خيانة الضمير قضيّة فلسفية يطولُ الحديث عنها. والولاء للأمير يصبح دون معنى حين يحاول الأمير نهب الثروات والتحكّم بمصائر الشعب.
- هذا حال السلطة في كافة أنحاء العالم، تختلف الوسائل من مكان إلى آخر بالطبع. وأنت تتمتّع بمركز مرموق، أنت تمتلك القرار، أنت وزير الدفاع، شخصيّة متنفّذة وقادرة على إحداث التغيير.
- لكنّ هذا لا يكفي لصنع مستقبل أفضل. أنا لست الرقم الأول!
- نعم، أنت لست الرقم الأول. ولكن أخبرني عن رؤيتك السياسية وبرنامج عملك، هل تختلف عن سياسة وتوجّهات الأمير؟
- تصلح للعب دور محامي الشيطان يا قبطان! قال عبد السلام ممتعضًا.
- بل أبحث عن الحقيقة، أبحث عن ذاتي أيضًا. مشكلتي أنّ لون بشرتي حنطيّ!
- وأين أنا من كلّ هذا يا رجل؟ دعني أواجه مصيري دون أن تتدخّل.
- دعنا نعقد صفقة أيّها الوزير. لقد سمحوا لي بلقائك ومحادثتك لمدّة ساعتين، يرغب الأمير بعدها أن يستمع لرأيي بشأنك. ساعتان فقط، ثمّ أذهب في طريقي، ربّما تنتقل بعدها إلى الزنزانة رقم (3). من يدري؟ بل قد تنتقل لأبعد من ذلك، من يدري؟
فكّر عبد السلام مليًّا وقال:
- حسنًا، ساعتان من الزمان ثمّ تمضي في سبيلك.
- ماذا تعني لك السلطة؟ لماذا قمت بمحاولة الانقلاب سيّد عبد السلام؟
- سأكون صريحًا معك، الآن وبعد انقضاء هذه المدّة، لا أجد تفسيرًا مرضيًا ومقنعًا لما قمت به، لم يكن لديّ تصورًّا محدّدًا بشأن مستقبل السلطة والبلاد. كنت غاضبًا وحانقًا، وكانت لا تتجاوز التغيير وبأيّ ثمن فقط.
- لكنّ هذا التصرّف مراهقة سياسيّة! كيف كان من الممكن أن تتحّكم بمجريات الأمور لو نجح الإنقلاب؟
- أسئلتك كثيرة عزيزي القبطان. هل تجدَ الأمورَ مختلفة الآن؟
- قلت بأنّك ترغب بالتجديد، لا بدّ بأنّ لديك البديل في هذه الحالة؟
صمت الوزير المخلوع قليلا وقال:
- قد يكون كلامك صحيحًا، يبدو بأنّ الجميع في هذه البلاد يعانون من المراهقة السياسية، لكنّ التغيير بحدّ ذاته مفيد وضروريّ. كيف يمكن لشخصِ واحدٍ أن يكون الرقم الأول طوال الوقت؟
- كان من الممكن أن تصبح صورة طبق الأصل عنه يا سيّد عبد السلام! لهذا سألتك عن تصوّرك لمستقبل الأمور حال نجاح انقلابك. هل كنت ستقتل وتعدم الأمير وأتباعه وحاشيته؟
- هل أنت محامي الأمير؟ قلت لك بأنّك تبدو كأنّك محامي الشيطان بعينه.
- لقد اتّفقنا على إجراء حوارٍ صريحٍ لمدّة ساعتين فقط.
- قد أفعل كلّ ما ذكرت، ولكنّي سأجري انتخابات برلمانية وتشريعيّة بين الحين والآخر.
أدركت عندها بأنّ هذا الرجل ينتمي إلى مدرسة الأمير السياسيّة نفسها، لأنّ الفكر الشمولي مترسّخٌ لديهم جميعًا، لا يوجد لدى هؤلاء بدائل عن سياسة الأمر الواقع، إنّهم يؤمنون بأنّهم الرقم الأول والوحيد طوال الوقت. الشعب لا يمثّل من وجهة نظرهم سوى أرقام متتالية طيّعة، تدفع الكثير خلال مسيرة العمر لتحصل على الفتات كلّ شهر. تمنّين لو كان هذا الرجل – الوزير الذي حاول الإطاحة بالسلطة متنوّرًا ويحمل أفكارًا إيجابية قادرة على تنمية وتطوير البلاد، لكنّ آمالي باءت بالفشل! انتهت مرحلة البحث لديّ. أنا على ثقة تامّة من عدم العثور على ضالتي في هذه البلاد، لا ولا حتّى في سجونها! هناك قصورٌ تاريخيّ في النهج السياسيّ الذي لا يعرف سوى التسلّط والانفراد في كلّ شيء في هذا العالم الحنطيّ اللون. نهجٌ لا يؤمن بالتعدّدية الحزبية وتبادل إدارة شؤون البلاد من خلال أطر قانونيّة يشرف عليها برلمان، وليس بين الحين والآخر كلّما شاء الرقم الأول أو أمثال عبد السلام الديمومي! في تلك اللحظة وبالرغم من جدران السجن الشاهقة، سمعت صوت الأمواج تتحطّم عند الشاطئ. قاربي كان في الانتظار، لقد حان وقت الرحيل.
- لماذا صمتّ يا قبطان؟
- انتهى الوقتُ يا عبد السلام؟
- وقتي أم وقت الزيارة؟ لا تنسَ ذِكري هناك على أيّة حال، أكره انتظار الموت، أكره انتظار الموت!
- لكلّ شيءٍ ثمنه، موتك الآن أصبح عديم الجدوى، موتك لا يلبّي أهداف الأمير ولا يفي بفواتيره، فجميعها باهظة الكلفة. أعتقد أنّك ستنتقل إلى الزنزانة العاشرة أو حتى الخمسين.
- تقصد بأنّني قد أصبحت نكرة؟ نظرت إليه مطوّلا ولم أجب على سؤاله، وسرعان ما ضربت الحديد بيديّ، كنت في عجلةٍ من أمري، لم يعد هذا العالم يتسّع لأحلامي وهمومي. أريد المضيّ نحو الحقيقة القابعة هناك بين الأمواج المتطايرة في الفضاء الرحب. أطلّ الحارس من النافذة الصغيرة، صرخت عليه بكلّ ما أوتيت من قوة:
- أريد مغادرة المبنى الآن يا ابني.
- وهو كذلك يا سيدي.
-3-

تنشّقت جرعة كبيرة من الواقعيّة في هذه المدينة الغارقة في همومها الخاصّة. شعرت بالذهول حين قابلت في طريقي إلى الفندق حفل زفاف صاخبن لكنّ سرعان ما عاودني الشعور بالهدوء والطمأنينة، كانت هذه إشارة تدعوني لمواصلة الطريق المرسوم بين الأمواج والأخاديد المائية.
حين وصلت إلى الفندق كانت نجوى تصرخ من شدّة الألم. لقد حان وقت المخاض، وقريبًا ستضعُ مولودنا الأوّل. أخيرًا سأصبح أبًا لطفلٍ يجوب البحار صغيرًا ورضيعًا. نقلتها إلى مستشفى قريب، حيث كان بانتظارنا طبيبُ الأميرِ الشخصيّ، جلست في ردهة الانتظار طويلا، شعرتُ كأنّي في صالة الترانزيت المؤديّة إلى واقعٍ آخر. تذكرت تفاصيل حياتي الماضية، كأنّي سقطت في دوّامة غير مرئية! كنت محاصرًا بالبحر ومفرداته اللعينة. كنت أسعى للخلاص من الذات الماديّة المتراميّة على جناب المشرق. هذا العالم الحنطيّ المترهّل. وأخيرًا سمعت صراخ طف، يبدو على ما يبدو صوت طفلي!
- ألف مبروك يا أبا حمّاد.
ليكن حمّاد مساعدي في طيّ صفحات النسيان ورفيقي في أعالي البحار، حيث ينتظر ضمير الماء المتقلّب كالأفعى! كانت نجوى مرهقة ومتعبة ذات الوقت، قالت لي ضاحكة:
- من كان يتوقّع أن أضع حمّاد في مدينة التناقضات هذه؟
- اسمه جميل يا نجوى وأنا والده القبطان.
- قريبًا سنرحل؟
- لقد نسيت اسمي في هذه المدينة، عدت بذاكرتي إلى أيام خلت في البعيد. أيام مليئة بالشجون. نسيت انتمائي للمياه المالحة، وقضيت سنواتًا طويلة تائهًا في سراديب الواقع الرماديّ. أنا كسير الجناح، أحتاج إلى الأمواج كما الآلهة حين ترسل برموزها - الأنبياء.
- أسمع صوتَ الكمان الحزين يا قبطان.
- الموسيقى رجعُ الحياة يا نجوى.
رفعتُ قطعة اللحم بين يدي. يا للبراءة! سيصبح ذات يوم إنسانًا قادرًا على التمتّع بالخطيئة، سيدرك معنى الجموح ولن يقف في وجهه حاجز. ذات يوم سيدرك دروب العشق والليل الذي لا ينتهي.
ذهبت في اليوم التالي للقاء الأمير بناءً على رغبته. كان فَرِحًا وقدّمَ لي قطعة من الماسّ عربون لصداقة وهدية متواضعة للصغير. هناك الكثير من الأسباب التي جعلته يبذل المستحيل، من أجل بناء حاشية من المُريدين. جيشٌ من المريدين وطابور من الزبانية. جمهور من المصفّقين الضاحكين الساخرين.
- أشكرك يا سعادة الأمير لقد أكرمت وأفضت.
- لا يا قبطان. أنت كالملحِ في الطعام في هذه المدينة، كم أوّد لو تبقى هنا لتتبوّأ مركزًا يليق بك وبشخصيتك الفذّة.
- شكرًا لمشاعرك النبيلة يا سعادة الأمير، لكنّي أنتمي للبحر ولا بدّ لي من السفر قريبًا.
- أخبرني يا أبا حمّاد عن اللقاء الذي تمّ في السجن؟
- نعم، هذا صحيح. ما زلت يا مولانا أفكّر بسؤالك عن ثمن الحكمة.
تفكّر الأميرُ قليلا ولاحت على وجهه ملامح جادّة. تفحّصني بعمقٍ وقال:
- يبدو بأنّ الثمن يتغيّر يومًا بعد يوم! بالأمسِ كان ثمن الحكمة الحياة.
- الحياة أثمن من الحكمة يا مولانا. لقد فكّرت بالأمرِ كثيرًا وتوصّلت إلى هذه النتيجة. ألا ترى بأنّ الحكمة تزول مع انتهاءِ الحياة. هزّ الأمير رأسه وقال:
- هذا أمرٌ نسبيٍّ للغاية، لقد تعلّمت احترام الحياة وسطَ هتاف الموتِ يا قبطان. الشرقُ يعاني من ركودٍ قاتل وكريه، والحياة تمضي ولا تمضي. جلّ ما أكره هذا النفاق الذي يحيط بي من كلّ جانب. لا أدري من سيرفع يده تّجاهي ومتى؟
- أنت محقّ، لهذا أرغب إن سمحت لي..
- كيف لا؟ أرجوك استمرّ في حديثك.
- مولانا، لا تجعل مصير البلاد مرتبطًا بشخصٍ واحد فقط، حتى وإن كان هذا الشخص سعادتكم. هذا أمرٌ مرهقٌ وغير مُجْدي! أتركوا الوزير يمارس مهمّته ووظائفه دون التدخّل في التفاصيل، حاسبه على نتائج أفعاله فقط فيما بعد.
- ليتك تجلس مكاني بعضَ الوقت. السلطة تحتاج إلى الكثير من الأمن والاستقرار لتنهض البلاد وتمضي في ركبِ الحضارة. أتدري يا قبطان؟ لقد تعلمت أمرًا ثمينًا منك خلال هذه الفترة القصيرة من الزمن. الحكمة قيمة غير ثابتة، لكنّها في نهاية الأمر تعني الحياة! هل وجدت بعض الفرق في شخصية عبد السلام الديمومي قبل الحادثة وبعدها؟
- إلا هذا السؤال يا مولانا الأمير.
- هذا السؤال ولا شيء غيره يا قبطان!
- لماذا ترى بأنّ رأيي مهمًّا إلى هذا الحدّ؟ أنا إنسان، وقد أخطئ كما الكثير في هذه الدنيا!
- أرى في رأيك عمقَ البحار.
- مجرّد طرح هذا السؤال يغيّر كلّ شيء. تصرّفاتك المستقبليّة سيدي الأمير ستحدّد مدى تميّز سعادتكم! لقد مررت بمرحلة تحدّ كبيرة للغاية، كانت حياتك وحياة عائلتك مهدّدة بالفناء. جرحك عميق، وأنا شخصيًا أجد تبريرًا لكافة تصرّفاتك، مهما كانت قاسية. لو كنت مكانك، لوجدت نفسي في حيرة لا تقلّ عن الحيرة التي تأكل قلبك. لا أدري كيف يمكن أن تحدّد قراراتك في اللحظات الحرجة يا سيدي، خاصة عندما يصبح الغضب والزهو سيد الموقف. سألتني عن عبد السلام، وأخبرك الآن بأنّه أصبح مجرّد اسم عابر في سماء البلاد. كنت أظنّه يمتلك طرحًا مستقلا لإدارة شئون البلاد، لكنّي وجدته عاريًا لا يملك سوى الرغبة بالاستيلاء على السلطة. اسمح لي بالرحيل يا مولانا. لقد تعبت من هذا الخواء السياسي.
- لك هذا يا قبطان، يا لك رجل!
-4-

لم أكن أتوقّع الكثير من الأمير، لكنّه أزال المشانق حقًّا من مركز المدينة، أبقى على مشنقة واحدة فقط! أبقاها لتذكير الجميع بأنّ استخدامها ممكنًا، وقد لا يطول انتظار المعنيين لتعليقهم في تلك الحبال. كانت ترمز إلى عنصر الترهيب من محاولة تطاول أحد ما على نظام الحكم القائم، وكنت على ثقة من أنّ عبد السلام الديمومي سيبقى في عالم النسيان. للمرة الأولى توجّهت نحو مركبي، وجدته غريبًا، واهنًا. أهذا هو المركب الذي جاب البحار يومًا ما؟ مركبي الذي وقف في وجه عتاة البحر ومردته. تترامى الأسئلة أمامي بلا نهاية. عالمي في تلك اللحظة كان نجوى وحمّاد. نسيت طيف نورا، بالرغم من أنّني ما زلت أرتعش كلّما سمعت اسمها، أو عبرت مخيّلتي على عجل. فهل أنا خائن؟ مجرّد رجل شرقيّ حنث بوعده تجاه امرأة، ومضى يبحث عن سراب. كيف أقسم قلبي بين امرأتين، الأولى رفضت مرافقتي وبقيت أسيرة كيانها وعالمها، والأخرى لم تتردّد لحظة واحدة في المضيّ معي حتّى آخر الدنيا! وها قد أصبحتُ والدًا للمرّة الأولى.
إنّه مركبي وعلى متنه جثّة رستم، لا، لم أنسَ هذه الحقيقة. في مكانٍ ما على هذه الخليقة، ينتظرني فارس وحورية، كأنّهم بالأمس صعدوا إلى مركبي. أشعر بالحنين لعالم التيه، لماذا لم أولد نورسًا يا
حبيبتي؟ نورسٌ ليومٍ واحدٍ فقط.

-5-

كلّ هذا الرحيل!
كنت أقفُ وحيدًا إلى جانب مركبي، بدأت بغسله وتنظيفه دون انتظار مساعدة من أحد. انضمّ إليّ صاحب الدرك فيما بعد، ثمّ حضر بعض الرجال والنساء الذين لم يفقدوا الأمل بالعودة إلى الديار. حاولت المقارنة ما بين انطلاقتي الأولى وانطلاقتي نهار اليوم، التي أراها يتيمة وكئيبة. غريبٌ أمر هذه الدنيا! هناك، ليس بعيدًا عن مركبي، شاهدتُ رجالَ الأمن ببزّاتهم السوداء غامقة اللون ونظاراتهم السوداء. لم يجرؤ أحد من سكّان المدينة على الاقتراب من مركبي. كان عليّ أن أرحلَ وحيدًا مع ثلّة من أصحابي المخلصين. بدت لي المدينة صامتة وغارقة في ضجيجها الخاصّ. بدت لي أسيرة فرحها وترحها ومخاضها الدائم. كانت مدينة شرقية بكلّ ما تعني الكلمة من معنى. لم أكن أتصوّر فراقي دراميًا لهذه الدرجة، كأنّي أعود إلى رحم أمّي البحرَ ثانية. كنت أشعر بالخوف والقلق، كنت أشعر بالحزن يمزّق شرايين قلبي المثقل بهمومٍ يرفضها مبدأ الملاحة. إنّه الرحيل، وحمّاد يصرخ تارة، ويضحك تارة أخرى.
رفعت علمي الخاصّ أعلى الناصية، أطلقت العنان للألعاب النارية لوداع الشاطئ وأهله ومن بعيد، لاحت زوارق حربية خفيفة. وقفت بمحاذاتنا وأطلقت النيران في السماء الزرقاء تحيّة لي ولرفاقي، وقبل أن أبتعد في فضاء البحر الأزرق، شاهدت بقايا الحوت الأزرق الذي شدّني ورماني عند شواطئ المدينة. أخذت بعض عظامه الصغيرة كذكرى أحارب بها شبح النسيان، وسرعان ما مضيت في طريقي نحو التيه وغياهب الحقيقة.
ملأت رياحُ البحر رئتيّ الظمأى للحريّة. نسيت مرّة واحدة جميع المتاعب التي عانيتها في هذه المدينة حنطيّة اللون والهوى، وسرعان ما رمتني الأمواج إلى أعالي المحيط. أصبحت جزءًا من المياه المتلاطمة في الزرقة اللامتناهية. كنّا نعبّ دروب الدهر بعربات الزمن، كنّا نبحث عن أخاديد جديدة لمواجهة النسيان. للمرّة الأولى منذ سطر الوعي الحروف الأولى لإنسانيّتي أصبح حمّاد ونجوى ذاكرتي ومأواي، لهذا غبت في نومٍ عميق. تحرّرت أحلامي من الشوق، لأنّ الشوقَ أصبح يرقد إلى جانبي.












***   كل عام وانتم بخير  ***

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

ارفع رأسك عالياً/ بعيداً عن تزييف التاريخ أنت وحدك من سلالة كل الأنبياء الرسل..

ارفع رأسك عالياً فلغتك لغة القرآن الكريم والملائكة وأهل الجنّة..

ارفع رأسك عالياً فأنت العريق وأنت التاريخ وكل الأصالة شرف المحتد وكرم ونقاء النسب وابتداع الحروف من بعض مكارمك وأنت فجر الإنسانية والقيم كلما استشرس ظلام الشر في طغيانه..

ارفع رأسك عالياً فأنت عربي..

هدى الخطيب

إن القتيل مضرجاً بدموعه = مثل القتيل مضرجاً بدمائه
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

الأديب والشاعر الكبير طلعت سقيرق
أغلى الناس والأحبة والأهل والأصدقاء
كفى بك داء أن ترى الموت شافياً = وحسب المنايا أن يكن أمانيا
_________________________________________
متى ستعود يا غالي وفي أي ربيع ياسميني فكل النوافذ والأبواب مشّرعة تنتظر عودتك بين أحلام سراب ودموع تأبى أن تستقر في جرارها؟!!
محال أن أتعود على غيابك وأتعايش معه فأنت طلعت

عرض البوم صور هدى نورالدين الخطيب   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 09 / 05 / 2018, 38 : 03 AM   المشاركة رقم: 9
المعلومات
الكاتب:
هدى نورالدين الخطيب
اللقب:
المدير العام المؤسسة وصاحبة حقوق النشر والترخيص، إجازة في الأدب، دبلوم فلسفة، الترجمة، دراسات عليا في التاريخ - أديبة وقاصّة وصحفية - عدد من الأوسمة وشهادات التقدير الرسمية – مهتمة بتحقيق وتنقيح التاريخ القديم – مؤلفات أدبية وفي الدراسات المقارنة
الرتبة:

الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية هدى نورالدين الخطيب

البيانات
التسجيل: 11 / 12 / 2007
العضوية: 3
المشاركات: 10,209 [+]
بمعدل : 2.38 يوميا
اخر زياره : [+]
الدولة: canada
الاقامه : كندا-من مدينة حيفا فلسطين، ولدت ونشأت في لبنان ووالدتي لبنانية ، بانتظار العودة إلى حيفا - فلسطين
علم الدوله :  canada
معدل التقييم: 20378
نقاط التقييم: 101680
هدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond repute
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
هدى نورالدين الخطيب غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : هدى نورالدين الخطيب المنتدى : الفعاليات والمسابقات الأدبية...
رد: استطلاع جماهيري - الرواية - المشاركة في مسابقة نور الأدب الكبرى 2018

السؤال المئة

-1-

ازدادت المياه زرقة، شعرت بأنّ مركبي ريشة تتهادى، تتقاذفها الأمواج. فقدت القدرة على تحسّس الطريق نحو الوطن. تبدو الجهات جميعها متشابهة، بالرغم من أنّني قضيت معظم حياتي أجوب البحار. أخيرًا أسلمت مركبي لإرادة البحر، قضيت جلّ وقتي فوق سطح المركب دون أن أعير أحدًا أيّ أهتمام. قد تكون هذه فرصتي الأخيرة لمناجاة السماء ومراقبة النجوم السيّارة. كان بعضها مألوفًا، لكن ذاكرة الوطن كانت قد ابتعدت كثيرًا عن عالمي الصغير الدنيويّ في تلك اللحظة. شاهدت في البعيد ضبابًا أخذ بالتكاثر وسرعان ما أصبح كثيفًا. وقبل أن يدخل المركب في أجوائه، طلبت مساعدة الجميع خاصّة صاحب الدرك. كان هو أيضًا قد أصابه الخوف والقلق، وكانت رغبته بالعودة لا تقاوم. أجابني بأنّه فقد القدرة على تحديد طريق العودة نحو الوطن. أشار بخجل لإحدى الاتّجاهات، لكنّه سرعان ما تراجع عن قراره. حتى النجوم اختفت وتركتنا دون دليل. يا رحمة السماء! لذت بالصمت ولم أشأ أن أثبّط عزمه، سألت بعض ركّاب المركب، لكنّهم جميعًا كانوا يجهلون الطريق نحو الوطن. في تلك الأثناء، دخلنا رحاب الضباب.
انعدمت الرؤيا بالكامل، كان الضباب كثيفًا وثقيلا. أغمضت عينيّ، لكن النتيجة كانت واحدة. عندها سمعت أوّل الأسئلة.
- من أنت؟
- أنا القبطان أبو حمّاد، من يسأل؟
نظرت إلى المكان الذي اعتقدت وجود نجوى في رحابه، وسألتها: هل سمعت السؤال الأول؟ لكنّها صاحت خائفة وأجابت بأنّها لم تسمع أيّة أسئلة. أضافت فزعة: من يسأل؟ توقّف المركب، كان قد ارتطم بمادّة لزجة. أصابتني الحيرة، هل نمضي قدمًا نحو الأمام؟ لا بدّ من اكتشاف المكان، أحسست بأنّني أمام اختبار كبير لا يوصف، أدركت بأنّ كامل طاقم المركب لم يسمعوا أيّة أسئلة في فضاء المركب. إنّها العتمة، تسيطر على مشاعرنا وأحاسيسنا، أمسكت نجوى بيدي، كانت تبحث عن الدفء والمحبّة. لماذا يا تُرى اختارها قلبي الذي ما يزال أسيرَ امرأة أخرى؟ كيف يتخلّى المرءُ عن عاطفته وخياراته المصيرية في لحظة من الزمن؟ أحيانًا تصبحُ الرتابة والتعوّد أهمّ من جميع الخيارات المتوفّرة، يدرك المرءُ بأنّ الوجهَ الذي يألفه ويلقي عليه تحيّة الصباح والمساء، هو الذي يستحقّ الثقة. تأتي المحبّة دون حواجز، ينفتح القلبُ على مصراعيه، ثمّ يرتبط بعشقٍ جامح. أحبّها بكلّ جوانحي ووعيي وكياني وباطني الذي لا أدرك كنه معالمه وأسرار سراديبه. أراقب نجوى بعيني الثالثة، وحمّاد ثمرة ثمينة يحمل جيناتها وبعض ملامحها. حمّاد هو الجسر الذي بنيته بشرايين قلبي.
- لا تلمسوا شيئًا، سنهبط إلى هذا المكان بسلام. لا تأكلوا أو تشربوا من خيرات المكان! وجهت كلماتي لجميع المتواجدين فوق المركب.
الوحيد الذي سمع السؤال كان صاحب الدرك. أجابني بصدق بأنّه شعر بخوفٍ كبير حين سمع الصوت يطرح الأسئلة بهدوء غريب.
وجاء السؤال الثاني.
- لماذا يا قبطان؟
- إنّها مشيئة الله.
لقد سألت نفسي آلاف المرّات السؤال نفسه. وفي كثيرٍ من الأحيان كانت الإجابة بين يديّ، دون أن ألحظ ذلك، أحيانًا تبتسم لي الأجوبة كحسناء تنعكس صورتها في مرآة روحي. لهذا تناسيت هذا السؤال ولم أطرحه أمام المرآة ثانية. لماذا يبكي الوليد حين يغادر رحم أمّه، بينما يضحك الآخرون ويحتفلون بولادته؟ يشعل الهواء الرئتين حين يلامسهما. بداية الإنسان ألمٌ وبكاء، ثمّ تنجلي المشاعر. لا تسألني هذا السؤال مرّة ثانية، لقد أجبت عليه مطوّلا، أجبت بقلبي ووعيي الباطني.
انكشف بعضُ الضباب أمام ناظريّ حين انتهيت من السؤال الثاني. وطأت خطواتي اليابسة اللزجة الطرية، كانت أوراق الشجر مبتلة. يا له من مناخ غريب الأطوار!، ثمّ تبعني الآخرون إلى عمقِ المكان. سمعت همسًا ثمّ اشتدّت اللجة والجلبة. أصخت السمع وأدركت بأنّ هناك عشرات الأسئلة التي تدور وتحلّق في فضاء المكان. كانت تندلق الواحدة تلو الأخرى. كيفَ، لماذا، وأين ومتى. يبدو هذا الامتحان وجوديًّا بامتياز!
- أين أنت يا حمّاد؟
- أنا أقربُ ما أكون إلى القلب.
إنّه النداء الكونيّ الذي أبحثُ عنه في كلّ لحظة وثانية. لم تعد جغرافية المكان مهمّة، لدى قدوم اللحظة التالية. قد أكون في أكثر من مكان حين يدقّ القلب مفعمًا بالحياة.
- نورا، ماذا عن نورا يا قبطان؟ عندها سال الدمع سخيًّا على وجنتيّ.
- إنّها نُسُغ الحياة. قد تكون امرأة أوجدها خيالي المتعب! نورا حفنة عشق عابرة. تلتصقُ بين أصابع اليد، تندى فوقَ جفنيّ. تسلخني من الحضور السلبيّ الذي ارّق تيهي طِوالَ هذا التجوال. نورا تقذفني دفعةً واحدة نحوَ رحمِ الحياة. وتسألني بعد كلّ هذا عن نورا! نورا أمّي وأختي وحبيبة قلبي، نورا..
- أسكت، أرجوك. لا تقل أكثرَ من ذلك!
كان هذا صوت نورا. عرفته على الفور، صوتٌ مليءٌ بالدفءِ الواعد.
- هل أنتِ حقًّا نورا؟ سألت بشغفٍ لم أتمكّن من إخفائه.
- ولم السؤال يا قبطان؟ أنا دومًا متواجدة إلى جانبك. جناحيّ تحميك من عبث الأقدار، ألم تشعر بذلك؟
- أنا أحلم، لا بدّ أنّ كلّ هذا مجرّد حلم.
- ولم لا يا قبطان؟ الحياة عبارة عن حلم يتخلّله الواقع. يُمضي الإنسان جزءًا كبيرًا من حياته في النوم والسعي الحثيث نحو السعادة في عالم الأحلام.
- وفؤادي يكادُ ينفطرُ يا نورا. نبضات فؤادي تتسارع بعد أن كانت تتهادى. أين الخلاص في كلّ هذا التيه؟ انكشف مزيدًا من الضباب، وجاء صوتها مجدّدًا:
- اتبع فؤادك يا قبطان ولن تندم، ما زالَ في جعبتي الكثير من الأسئلة.
لماذا صوت نورا بالذات؟ بقيت متشبّثاً بنجوى، كانت بالنسبة لي أكثرَ من صوت حبيب.


-2-

عناقيد العنب الأسود والأصفر الفاقع. كروم العنب في كلّ مكانٍ من حولنا، أو هكذا تهيّأ لي في تلك اللحظة.
- لا تأكلوا العنب يا أصدقائي! لكنّهم أكلوا حتى دارت الدنيا أمامَ أعينهم. إنّه مبدأ القاعدة التي يتوق الجميع لكسرها وعدم الالتزام بها. فلتكن إرادتكم خلال هذا اليوم. قالها صاحب الدرك بعد أن اعتلى صخرة قبالة البحر.
- أنا متعبٌ من دوّامة الأسئلة يا قبطان. الآن فقط توقّف دفقها إلى رأسي المثقل بعبق الوطن. أودّ الآن أن أنام مطولا في بيتي الصغير. وضعت يدي على جبينه وهمست في أذنه: ولم لا تنامَ الآن يا رفيق الدرب؟ قريبًا سنمضي في طريقنا بعد الانتهاء من هذا الامتحان. أعدك بذلك.
عندها استلقى تحت كرمة وارفة الأوراق وراحَ في سباتٍ عميق.
- الرياحُ تراقص الجبال، كيف يكون هذا؟ سؤالٌ آخر هاجمني على حين غفلة.
- هذه سهلة يا نورا، الرياحُ لا تقدر على جرفِ الجبال الشامخة في وجوهها. لهذا تراقصها إجلالا، لكنها ذات الوقت تهذّب صخورها وتعرّيها من الغبار العالق بأطرافِ جدائلها. ضحكت نورا طويلا وقالت.
- أنتَ مسكونٌ بالشِعْرِ يا قبطاني الجميل.
انكشف مزيدٌ من الضباب أمام ناظريّ، أصبحت الرؤية ممكنة إلى حدّ بعيد. هذه الأسئلة آخذة بالتعقيد، والإجابة عليها تتيح لي الفرصة لاستعادة ذاكرتي، والعودة نحوَ البدايات المسطّرة في قاموس الخليقة. فليكن صوتك يا نورا هاجسي والقاضي الذي يمارس سلطة الضمير تجاه ما تبقّى من عالمي. ضمير حديث الولادة يحلّق في فضاء واعد. للمرّة الأولى تنفرج أساريري وأشعر بقوّة النور تتدفق عند مداخل روحي. وأنا وأنتِ يا نورا، وأنا وأنتِ يا نجوى. قصّة غرام عبرت حدود الزمن لتستقرّ في رحم العبث الإنسانيّ.
- أما زلت تذكرُ لونَ عينيّ؟
- هذا ليس مجرّد سؤالٍ عابرٍ يا نورا! كأنّك تسألين "أما زلتَ تذكرني؟" لهذا لن أجيب عن سؤالكِ يا عزيزتي. سألتزم الصمتَ الآن.
ازدادت كثافة الضباب مجدّدًا، يبدو أنّ القوانين قويّة بما يكفي لقراءة ما يعتملُ في الصدور. حسنًا، أوافقُ على هذا العقاب، لكنّني لن أسمحَ للضباب أن يشقّ طريقه إلى روحي.
أخذ الصوت يختلف ويتميّز، ضاعَ صوت نورا بين ملايين النبرات، وتوضّح بعد ذلك صوت رضيع بدأ يسألُ بإلحاح.
- هل حقًا نسيت لون عينيها؟ أعادَ الرضيعُ السؤالَ عشرات المرّات. ولم ألبث أن صرخت بملء فمي:
- اخرس. لون عينيها عسليّ. انفجر الطفل الرضيع بضحك هستيريّ. عرفت بعد حين بأنّه صوت ابني الصغير حمّاد. نظرت إليه فوجدته يغطّ في نومٍ عميق. يا لها من لعبة قذرة تلك التي تنسجها مجسّات الإرادة.
- متى يمكنني الخلاص من غياهب التيه؟ انقطع صوت الطفل فجأة، وسمعت صوت رجلٍ يهمهم بصوتٍ خفيض.
- أنت تطرح الكثير من الأسئلة، بالرغم من أنّ دورك لا يتجاوز الإجابة!
- لكنّك بهذا تلغي وجودي!
- وجودك! ما هذا الهراء؟ أنت حتى لم تجرؤ على تناول العنب، هل تخشى كرومي؟
- بل أخشى المزيد من الأسئلة.
- أسئلتي رجعُ الذاكرة، لا تخشاها يا قبطان.
- كرومك حلوة كالشهد. قد يسكرني رحيقها!
- وهل هذا أمرٌ سيّء؟
- تصعب عليّ محادثتك. أنتَ الآن لا تحسن سوى طرح الأسئلة.
- وهل هذا أمرٌ سيّء؟
- يصعب عليّ الحكم على نواياك أيضًا.
- أنت الذي قصدتني، أنت من جاءَ إلى دياري دون دعوة. أحسنت استقبالك، وأطعمتك ورفاقك من خيراتي الكثيرة. هل تنكر ذلك؟
- مزيدًا من الأسئلة. على أيّة حال، سارت المياه بما ترغب السفن، ولا مانع لديّ من مغادرة المكان على الفور.
- ليس قبلَ الإجابة عن السؤال المئة.
- السؤال المئة! ما زلنا في بداية المشوار يا قبطان! عليك الانتظار حتى السؤال الأخير، ثمّ يمكنك المضيّ في طريقك نحو الوطن بعد الإجابة عليه.
- الوطن؟
- أرجو أن يقتصر دورك على الإجابة فقط. هذه الأسئلة تعيدك إلى الوراء كثيرًا يا عزيزي.
- أشعر بأنّني كتابٌ مفتوح، يقرأني الصغير قبل الكبير في هذا السجن المقيت.
- إنّه سجن الروح، حاول أن تحرّر روحك لتمضي في طريقها نحو الفضاء. عندها فقط يمكنك بلوغ الحكمة.
- لقد سمعت هذا الكلام من قبل. أنا لم أبلغ بعد ملكوت الحكمة. آه، تذكرت الآن لهفة الأمير في سبر أغوار الحكمة. كان هذا هاجسه الدائم. ربّما سيضطر لارتكاب الكثير من الأخطاء، بما في ذلك مجازرَ دامية ليدرك دروب الحكمة. طريقها مرصوف بالدمِ القاني والألم.
- لأنّه طريق يتيم. عندما ينفصلُ المرءُ عن حضارته يصاب باليتم، ويبدأ بالبحث عن مسلّمات الأشياء العابرة. عندها يفقد القدرة على التواصل مع الذاكرة.
- ما هو سؤالك التالي؟
- أخطأت ثانية يا قبطان. ألم أخبرك أن تتجنّب طرح الأسئلة؟
- لقد نسيت. ربّما عدت إلى نقطة البداية، الضباب يعود كثيفا أمام مركبي كأنّي أصبت بالعمى!
-3-

أحيانًا تعودُ الذاكرةُ مرّةً واحدة. بدا لي المكان مألوفًا، بالرغم من الضباب الكثيف الذي يلفّ المكان. أدركت بأنّ قراري بعدم تناول أيّ من الثمار كان صحيحًا. أستأذنتُ الأصوات والأخيلة قبل أن أمدّ يدي للثمار وعناقيد العنب. لكنّ جميع الذين فعلوا ذلك أصيبوا بفقدان الذاكرة.
- أنا بانتظار كلّ أسئلتك، اطرح ما في جعبتك! قد تكون الأمور قد اختلطت عليّ لغاية الساعة، لكن الأوان حانَ لكشفِ كافّة الأوراق.
اختفى الصوتُ لعدّة أيام، والغريب أنّني لم أشعر بالجوع أو العطش خلال تلك الفترة من الزمن. حمّاد بدوره كان يكبر وينمو، ونجوى تزدادُ جمالا وتألقًا. قالت لي يومًا:
- اشتقت إلى يوميات الحياة الرتيبة يا قبطاني، اشتقت للأعراس والطهور والحزن والفرح والعزاء. اشتقت للأعياد ولفنجان القهوة عند الصباح!
- قريبًا يا نجوى، قريبًا سنبتعد عن هذه الأجواء القاتمة. سيكون لنا غدًا واعدًا على متن نجمة.
- بل أفضّل الخيمة على النجمة! أنا امرأة بسيطة تسعى للسعادة. لا تعقّد الأمور أكثر من ذلك، لقد سئمت هذا الضباب. أرغب ببعض الشفافية يا قبطان، أعِدْ لي حياتي الأخرى. أعِدْ لي ما انقضى من ابتساماتي وهموم حياتي التقليدية، الغسيل وكيّ الملابس وقمصانك البيضاء. هذا كلّ ما أرغب به الآن يا قبطان!
أصابني الترقّب والصمت وبوحها المفاجئ بحيرة لا تنتهي. كنت أدفع ثمن خطايا كثيرة. كنت أحاول الهرب من المجتمعات المهزومة، لكنّها متواجدة في كلِّ مكان. كنت أنتحلُ عشرات الوجوه وأرتدي ثيابًا لم تفصّل لي ولا تليق بحضوري! كنت على وشك الانتهاء من هذه الرحلة المضنية، وأنا فعلا قادرٌ على ذلك.
- كيف حالك اليوم، أين البداية؟
- بخير يا صديقي. أشعر بالملل والإحباط. أمّا البداية فأقرأها اليوم في عيني نجوى وحمّاد. يفنى الجسد وتبدأ الروح رحلتها نحو بدايات أخرى. قد تصاب بالدوار بعض الوقت وتضيع بين العوالم السرمدية.
- لماذا هذه السوداوية؟
- إنّه الضبابُ الذي يقتلني على مدار الوقت! لقد عقدنا وإيّاك صفقة يا جاري العزيز قبل سنوات، هل نسيت؟
- هل هذا سؤال؟
- لم يعدْ هناك ما يخيف. اعتبره سؤالا إذا شئت. حللت بضيافتك يومًا ما. تراودني ذكرياتٌ لا يَقدر الزمانُ على طيّها. هل عرفتني يا قبطان؟
- أظنّ ذلك.
- ولماذا لا تصرّحُ باسمي؟
- تعلّمت ألا أستبق الأمور.
- إنّها الحكمة. لقد بدأت تدرك خفاياها. لماذا ابتعدت عن ثماري الوفيرة؟ دعوتك لأكثرَ من مرّة إلى مائدتي!
الضبابُ إلى زوال! يومًا ما هاجمنا ثمار هذه الجزيرة، تبيّن لنا بعد ذلك بأنّ الثمار أجنّة تنتظر اكتمال أعضائها وأطرافها.
- هل عرفتني؟
- هذا سؤال آخر، لكنّه ليس الأخير. هذا ليس السؤال المئة!
- هل تريد السؤال المائة؟
- نعم أرجوك، لو سمحت.
- غدًا يا قبطان، غدًا.
-4-

نمت طويلا تلك الليلة، ما أن حطّ الظلامُ حتى احتضنت نجوى. عانقتها، قبّلتها، شربتُ رحيقَ فيها، تُهْتُ في سراديب أنوثتها، سكبتها في تلافيف ذاكرتي، مسّدتُ شعرها، لثمتُ خدّها وعنقها. شعرت بها ترتجفُ بين يديّ. طِوالً تلكَ الليلة لم أتركها لحظة واحدة. وعند الصباح كانت قد تفتّحت كالورد لجوري الأحمر النديّ.
كانت نجوى تخاطبُ الربّ شاكرة. كانت مستعدة للموت بعد أن تيقّنت من محبّتي واشتياقي وحضوري.
- صباح الخير يا قبطان، انشقّ الضباب.
- صباح الخير يا سيّدة السيّدات، صباح الخير يا نجوى.
لن يكون هناك أسئلة أخرى.
- وماذا عن السؤال المئة.
- أنتِ السؤال المائة يا نجوى.
- لا أفهم.
- لا تفكّري كثيرًا يا عزيزتي، لقد انقضى كلّ شيء. الآن فهمت ما لم أستطِعْ فهمه وإدراكه منذ مئات السنين.
- إنّها مجرّد ليلة واحدة.
- بل العمر كلّه. إنّه الغرام الذي ينقذ الإنسانية من براثن المشاعر الآسنة. إنّها الحياة تدبّ مرّةً واحدة في شراييني الجافة. أنت السؤال المئة. تجوّلت في الجزيرة المألوفةن كنت أبحث عن أبي سنونو في الأنحاء، لكنّي فوجئت حين شاهدت فتى قويًّا يتجولُ هناك.
- مرحبًا.
- أهلا بالقبطان.
- أتعرفني؟
ضحك الفتى وابتعد. دقّقتُ النظر في تقاطيع وجهه، كان يحمل عينيّ حورية الجميلة وأنف فارس، يا لها من مفاجأة!
كنت فرحًا وحزينًا ذات الوقت. بدا طريقُ العودة واضحًا، إنّها المحطة الأخيرة تأخذني نحو لعنة الظلام.
انطلقت أبحث عن القبطان الآخر. جموحٌ بلا حدود، ورغبة بالتوحّد والانطلاق. كنت أظنّ نفسي حرًّا طليقًا، لكنّ الشمع اندلق فوق شفتيّ. أطبقت شفتيّ ولم أعد قادرًا على النطق والبوح كلّما اعتلت الشمس صهوة السماء، لتخصب وجه الأرض عند الصباح.
- مرحبًا يا قبطان، لقد اجتزت الامتحان. كان أبو سنونو يقف قبالتي مبتسمًا.
- لقد قُتِلَ رستم. كانت رغبته بأن يدفن في أرض الجزيرة.
- نعم، أدركت ذلك في لحظة موته. أشكرك باسمي وباسم أهل الجزيرة. كان لا بدّ من دفنه في مسقط رأسه.
- هذا واجبي يا سيدي. ولكن ماذا عن السؤال المئة؟.
- لماذا تسأل يا قبطان؟ لقد انقضى الأمر.
- لكنّ السؤال بقي طيّ الكتمان، لماذا أبقيته في جعبتك؟
- من النادر طرح السؤال المئة مباشرة. ألم تخبر نجوى بأنّك أدركته؟
- مجرّد تخمين. لا أدري إن كنت قادرًا على تصديق حدسي.
- السؤال المئة تجده في ذاتك. ربّما تمتلك الإجابة عنه منذ زمن بعيد. لا تقلق بهذا الشأن. لقد انتهة رحلة التيه والضياع، لم يعد هناك ما تخشاه، لماذا لا تتذوّق العنب، إنّه إكسير الحياة!

-5-

بدأت مراسم دفنَ رستم.
حضر المئاتُ الحفلَ وشاهدت في الصفوف الأولى فارس وحورية، كأنّ الزمن لم يطأ عتبة جيناتهم الوراثية.
- حورية، جئت من أجلك أنتِ وفارس. لقد حان وقت العودة.
لم تجرؤ على النظر في عينيّ. أدركت بأنّها ترغب بالبقاء فوق الجزيرة، ربّما كانت تخشى ظهور ليلى أخرى في مكانٍ ما. امرأة قادرة على خطف فارس لبعض الوقت، من يدري؟
- فارس، أرجوك أن تعود مع عائلتك إلى أرض الوطن. نحن على وشك الإبحار قريبًا. بقي مطأطئاً رأسه، لم يجرؤ على النظر هو الاخر في عينيّ.
- حسنًا، كما تشاؤون! مضت سنوات طويلة على وجودهم فوق الجزيرة، ربّما أصبحوا جزءًا من عالمها الداخليّ.
عند المساء، أقاموا وليمة لإحياءِ ذكرى رستم. تحدّثت طويلا عن مآثره وبطولاته. أخبرتهم كيف أنقذ المركب لأكثر من مرّة. لكنّ القضاء كان نافذًا، ومضى رستم للقاء ربّه! بكى البعض وتأثر آخرون، وسرعان ما شربنا نخبه.
عند المساء، أويت إلى سريري. كانت النجوم تتراقص في عينيّ واقتربت لحظة العودة والوداع.
حان وقت العودة نحو البدايات، وكنت أخشى ذلك. هل أنا مستعدٌ لمواجهة بداية أخرى مماثلة؟ وكان طيف نورا يهاجم مخيّلتي طِوالَ الوقت.
يصمت الصغير حين أحمله بين يدي، يشعر بالأمان والهدوء والطمأنينة. وحين أضعه جانبًا، يثور ويبدأ بالبكاء والصراخ. تبدو ردود فعله أجوبة!
في صباح اليوم التالي، حزمت أمري وقررت الإبحار دون تأخير. تركت الخيارات مفتوحة أمام الجميع، ليبقى من يرغب بذلك. وكان صاحب الدرك أوّل من صعد إلى المركب، كان متلهّفًا للعودة إلى الوطن.
وقف صاحب الدرك عند مقدّمة المركب، كان يحمل بين يديه منظارًا نحاسيًا صغيرًا. وبين الحين والآخر كان يشير بيده إلى مكانٍ ما في زرقة المياه!
كنّا حفنة من الرجال والنساء، نجترّ الذاكرة ونسعى لاكتشاف بقعٍ جديدة في الكتلة الرمادية للدماغ. كنّا نسعى لبلوغ الشاطئ البعيد القريب، الذي كان على مرمى النظر من أعلى مركبي.
عند المساء، لاحت في الأفق بقع من الأضواء، آلاف الأضواء الناعسة. كانت المدينة تتوهج بأنوار الحياة. كانت الأضواء تبدو كأنّها أرواحًا تتدافع مرحبّة. أوقفت المركب وانتظرت بعض الوقت عند أصل الشاطئ.
كنت أخشى أن يداهم القذى عينيّ.
كنت أخشى ثِقَلَ السنين.
كنت أخشى ذاتي وحضوري المخضّب بالحنّاء ورائحة المشرق.
كنت أخشى مواجهة فؤادي حين أنظر في عينيّ نورا.
في تلك اللحظة، حضنتْ نجوى كتفي وقبّلت وجنتيّ، شعرت بالراحة والدفء والغبطة. وهناك من خلفي، كان حمّاد يكبو، ثمّ يقف ويضحك.
كان حمّاد يكبو، ثمّ يقف ويضحك، لحظات قبل أن أدخل رحم المدينة.
---------------
انتهت












***   كل عام وانتم بخير  ***

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

ارفع رأسك عالياً/ بعيداً عن تزييف التاريخ أنت وحدك من سلالة كل الأنبياء الرسل..

ارفع رأسك عالياً فلغتك لغة القرآن الكريم والملائكة وأهل الجنّة..

ارفع رأسك عالياً فأنت العريق وأنت التاريخ وكل الأصالة شرف المحتد وكرم ونقاء النسب وابتداع الحروف من بعض مكارمك وأنت فجر الإنسانية والقيم كلما استشرس ظلام الشر في طغيانه..

ارفع رأسك عالياً فأنت عربي..

هدى الخطيب

إن القتيل مضرجاً بدموعه = مثل القتيل مضرجاً بدمائه
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

الأديب والشاعر الكبير طلعت سقيرق
أغلى الناس والأحبة والأهل والأصدقاء
كفى بك داء أن ترى الموت شافياً = وحسب المنايا أن يكن أمانيا
_________________________________________
متى ستعود يا غالي وفي أي ربيع ياسميني فكل النوافذ والأبواب مشّرعة تنتظر عودتك بين أحلام سراب ودموع تأبى أن تستقر في جرارها؟!!
محال أن أتعود على غيابك وأتعايش معه فأنت طلعت

عرض البوم صور هدى نورالدين الخطيب   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 09 / 05 / 2018, 47 : 03 AM   المشاركة رقم: 10
المعلومات
الكاتب:
هدى نورالدين الخطيب
اللقب:
المدير العام المؤسسة وصاحبة حقوق النشر والترخيص، إجازة في الأدب، دبلوم فلسفة، الترجمة، دراسات عليا في التاريخ - أديبة وقاصّة وصحفية - عدد من الأوسمة وشهادات التقدير الرسمية – مهتمة بتحقيق وتنقيح التاريخ القديم – مؤلفات أدبية وفي الدراسات المقارنة
الرتبة:

الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية هدى نورالدين الخطيب

البيانات
التسجيل: 11 / 12 / 2007
العضوية: 3
المشاركات: 10,209 [+]
بمعدل : 2.38 يوميا
اخر زياره : [+]
الدولة: canada
الاقامه : كندا-من مدينة حيفا فلسطين، ولدت ونشأت في لبنان ووالدتي لبنانية ، بانتظار العودة إلى حيفا - فلسطين
علم الدوله :  canada
معدل التقييم: 20378
نقاط التقييم: 101680
هدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond repute
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
هدى نورالدين الخطيب غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : هدى نورالدين الخطيب المنتدى : الفعاليات والمسابقات الأدبية...
رد: استطلاع جماهيري - الرواية - المشاركة في مسابقة نور الأدب الكبرى 2018

لقد قمت بنشر الرواية أعلاه أولاً لما تحتاجه من وقت طويل جداً ، لا تحتاجه أي من النصوص المشاركة
والآن سأقوم بنشر الرواية الثانية المشاركة
أود التنويه هنا أني سأقوم بعد انتهاء التصويت وإعلان نتائج المسابقة بفصل الروايتين حتى تكون كل رواية منهما في ملف خاص بها منفصل يحمل اسمها
وشكراً لكم ولصبركم












***   كل عام وانتم بخير  ***

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

ارفع رأسك عالياً/ بعيداً عن تزييف التاريخ أنت وحدك من سلالة كل الأنبياء الرسل..

ارفع رأسك عالياً فلغتك لغة القرآن الكريم والملائكة وأهل الجنّة..

ارفع رأسك عالياً فأنت العريق وأنت التاريخ وكل الأصالة شرف المحتد وكرم ونقاء النسب وابتداع الحروف من بعض مكارمك وأنت فجر الإنسانية والقيم كلما استشرس ظلام الشر في طغيانه..

ارفع رأسك عالياً فأنت عربي..

هدى الخطيب

إن القتيل مضرجاً بدموعه = مثل القتيل مضرجاً بدمائه
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

الأديب والشاعر الكبير طلعت سقيرق
أغلى الناس والأحبة والأهل والأصدقاء
كفى بك داء أن ترى الموت شافياً = وحسب المنايا أن يكن أمانيا
_________________________________________
متى ستعود يا غالي وفي أي ربيع ياسميني فكل النوافذ والأبواب مشّرعة تنتظر عودتك بين أحلام سراب ودموع تأبى أن تستقر في جرارها؟!!
محال أن أتعود على غيابك وأتعايش معه فأنت طلعت

عرض البوم صور هدى نورالدين الخطيب   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
2018, مسابقة, الأدب, المشاركة, الرواية, الكبرى, استطلاع, جماهيري

*=== (( ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد )) ===*

الرسالة:
خيارات



الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
استفتاء جماهيري - القراءات النقدية - مسابقة نور الأدب الكبرى 2018 هدى نورالدين الخطيب الفعاليات والمسابقات الأدبية... 15 28 / 06 / 2018 15 : 03 AM
استفتاء جماهيري - الشعر - مسابقة نور الأدب الكبرى 2018 هدى نورالدين الخطيب الفعاليات والمسابقات الأدبية... 16 19 / 06 / 2018 08 : 04 PM
استفتاء جماهيري - القصة الموجهة للأطفال - مسابقة نور الأدب الكبرى 2018 هدى نورالدين الخطيب الفعاليات والمسابقات الأدبية... 7 12 / 05 / 2018 28 : 09 PM
استفتاء جماهيري - المقالة والدراسات - مسابقة نور الأدب الكبرى 2018 هدى نورالدين الخطيب الفعاليات والمسابقات الأدبية... 8 12 / 05 / 2018 26 : 04 PM
إطلاق مسابقة نور الأدب 2018 الكبرى هدى نورالدين الخطيب رابطة نور الأدب 48 08 / 05 / 2018 28 : 10 PM


Powered by vBulletin® Version 3.8.6, Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir

 دعم وتطوير : النوفي هوست

______________ الآراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الإدارة وتمثل رأي كاتبها فقط ______________ جميع حقوق النشر والتوزيع محفوظة لمؤسسة نور الأدب والأديبة هدى نورالدين الخطيب © ®
______ لا يجوز نشر أو نسخ أي من المواد الواردة في الموقع دون إذن من الأديبة هدى الخطيب _____ ___مؤسسة نور الأدب مؤسسة دولية غير ربحية مرخصة وفقاً لقوانين المؤسسات الدولية غير الربحية__

خدمة Rss ||  خدمة Rss2 || أرشيف المنتدى "خريطة المنتدى" || خريطة المنتدى للمواضيع || أقسام المنتدى

|