التسجيل قائمة الأعضاء اجعل كافة الأقسام مقروءة



 
إطلاق مسابقة نور الأدب 2020 للشعر موضوعها: " صفقة القرن "
عدد مرات النقر : 794
عدد  مرات الظهور : 5,259,906

اهداءات نور الأدب

العودة   منتديات نور الأدب > مـرافئ الأدب > هيئة النقد الأدبي > الفعاليات والمسابقات الأدبية...
الفعاليات والمسابقات الأدبية... المسابقات الأدبية لمختلف أصناف الشعر والأدب

الإستطلاع: ما هي المقالة أو المقالات التي تعجبك وتمنحها علامات؟
خيارات إستطلاع
ما هي المقالة أو المقالات التي تعجبك وتمنحها علامات؟

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
قديم 09 / 05 / 2018, 05 : 08 PM   رقم المشاركة : [1]
هدى نورالدين الخطيب
مديرة الموقع المؤسس - إجازة في الأدب ودراسات عليا في التاريخ - القصة والمقالة والنثر، والبحث ومختلف أصناف الأدب - مهتمة بتنقيح التاريخ - ناشطة في مجال حقوق الإنسان


 الصورة الرمزية هدى نورالدين الخطيب
 





هدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond repute

بيانات موقعي

اصدار المنتدى: مدينة حيفا - فلسطين ( فلسطينية الأب لبنانية الأم) ولدت ونشأت في لبنان

Post استفتاء جماهيري - المقالة والدراسات - مسابقة نور الأدب الكبرى 2018


تحية نور أدبية وطنية عربية مثقفة ..
نبدأ على بركة الله نشر نصوص المقالة والدراسات المشاركة في مسابقة رمضان الكبرى 2018


قراءة ممتعة ومفيدة نرجوها لكم

مسابقة المقالة والدراسات
بانتظار القراءة والتقييم الذي سيكون له 25% من العلامات ، هذا ويحق للزوار المشاركة في الاستطلاع والتصويت

مع أعمق آيات التقدير والاحترام



hsjtjhx [lhidvd - hglrhgm ,hg]vhshj lshfrm k,v hgH]f hg;fvn 2018 lshfrm hgH]f hgYrhlm hg;fvn hsjtjhx


نور الأدب (تعليقات الفيسبوك)
توقيع هدى نورالدين الخطيب
 
[frame="4 10"]
ارفع رأسك عالياً/ بعيداً عن تزييف التاريخ أنت وحدك من سلالة كل الأنبياء الرسل..

ارفع رأسك عالياً فلغتك لغة القرآن الكريم والملائكة وأهل الجنّة..

ارفع رأسك عالياً فأنت العريق وأنت التاريخ وكل الأصالة شرف المحتد وكرم ونقاء النسب وابتداع الحروف من بعض مكارمك وأنت فجر الإنسانية والقيم كلما استشرس ظلام الشر في طغيانه..

ارفع رأسك عالياً فأنت عربي..

هدى الخطيب
[/frame]
إن القتيل مضرجاً بدموعه = مثل القتيل مضرجاً بدمائه

الأديب والشاعر الكبير طلعت سقيرق
أغلى الناس والأحبة والأهل والأصدقاء
كفى بك داء أن ترى الموت شافياً = وحسب المنايا أن يكن أمانيا
_________________________________________
متى ستعود يا غالي وفي أي ربيع ياسميني فكل النوافذ والأبواب مشّرعة تنتظر عودتك بين أحلام سراب ودموع تأبى أن تستقر في جرارها؟!!
محال أن أتعود على غيابك وأتعايش معه فأنت طلعت
هدى نورالدين الخطيب غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 09 / 05 / 2018, 17 : 08 PM   رقم المشاركة : [2]
هدى نورالدين الخطيب
مديرة الموقع المؤسس - إجازة في الأدب ودراسات عليا في التاريخ - القصة والمقالة والنثر، والبحث ومختلف أصناف الأدب - مهتمة بتنقيح التاريخ - ناشطة في مجال حقوق الإنسان


 الصورة الرمزية هدى نورالدين الخطيب
 





هدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond repute

بيانات موقعي

اصدار المنتدى: مدينة حيفا - فلسطين ( فلسطينية الأب لبنانية الأم) ولدت ونشأت في لبنان

رد: استفتاء جماهيري - المقالة والدراسات - مسابقة نور الأدب الكبرى 2018

1-

السلام المستحيل

هل كنّا بحاجة لثلاثة عُقود من الدخول في نفق التسويّة المظلم كي نكتشف استحالة تحقيق السلام في ظل موازين القوى المختلة لصالح العدو، أم كنا بحاجة لاكتشاف "إسرائيل" التي لا ترى في السلام أكثر من مفردةً بلاغية تنهج بها في المنتديات والمحافل الدولية وتستغلها كغطاء لمراكمة المزيد من المكاسب؛ وهو ما عبّر عنه شمعون بيرز سنة 1993م، بعبارة تختصر رؤية "إسرائيل" للسلام عندما قال "نحن لا نبحث عن سلام رايات بل نهتم بسلام الأسواق" فالسّلام من ناحيتها يتلخص في ابتلاع أسواق المنطقة والهيمنة عليها.

أمّا منظورها للسلام مع الشعب الفلسطيني فلا ترى فيه سوى محض استسلامٍ من جانب الفلسطينيين يشكّل لها مدخلاً للوصول الى سلام الأسواق كما وصفه شمعون بيرز أو السلام الاقتصادي كما عبّر عنه بنيامين نتنياهو، والآن وبعد مرور كل تلك السنوات من عمر التسوية لم يتحقق شيئاً ولم يستعد الفلسطينيين أيّ جزءٍ من حقوقهم ولا زلنا نطوف
في ذات الحلقة المفرغة، وهو ما يذكرنا بما قاله اسحاق شامير عشية مؤتمر مدريد عام 1991م "سأفاوض الفلسطينيين عشرين عاماً دون أنْ أعطيهم شيئاً" وها هي عملية المفاوضات قد شارفت على إتمام ثلاثين عاماً دون إحراز أي تقدمٍ في العملية التي جرى تسميتها بعملية السلام، حيث اكتشف الطرف الفلسطيني المفاوض أنّ رؤية "إسرائيل" لهذا السلام تنطوي على ترويض الفلسطينيين واجبارهم على القبول بشروطها وبالتالي فإنّه سلام اذعانٍ وليس سلام شجعان.

وقد عايشت عملية التسوية كل أشكال الحكومات "الإسرائيلية" اليمينية واليسارية وحكومات الوسط فضلاً عن كل أنواع القادة المتطرفين والمعتدلين والصقور والحمائم لنصل الى استنتاج أن ما يحكم إسرائيل طبيعتها وليس حكامها، وطبيعتها عدوانية وتوسعية وعنصرية ولا يمكنها أن تفهم السلام الا من منطق القوة والاخضاع،

أمّا الولايات المتحدة الأمريكية التي تفردت وحدها برعاية العملية وقبل الطرف الفلسطيني ومن خلفه الأنظمة العربية المتساوقة مع التسوية بهذه الرعاية المنفردة، فقد تقلبت خمسة إدارات أمريكية منذ جورج بوش الأب وحتى إدارة ترامب الحالية، وكانت كلها بالكامل منحازة "لإسرائيل" ولم يكن يهمها تحقيق السلام في المنطقة وانما كانت معنية بالعملية السياسية وليست معنية بالسلام واستخدمت هذه العملية كأداة ذل لإدارة أزمات المنطقة وابتزاز دولها، وبهدف إبعاد الدول الكبرى من الاقتراب من المنطقة وكانت في الواقع تتبني الرؤية "الإسرائيلية" للتسوية والخطوط الحمراء التي رسمتها "إسرائيل"، كما رأينا في مفاوضات كامب ديفيد وطابا وتحفظات شارون على خطة خارطة الطريق ومفاوضات أنابوليس لتأتي إدارة ترامب وتمثل ثروة الانحياز المطلق "لإسرائيل" من خلال مشروعها السياسي المتمثل بصفقة القرن التي تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية حيث كانت مسألة الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان والاعلان عن نقل السفارة الامريكية إلى قدس تمثل مقدمة لفرض هذه الخطة واجبار الفلسطينيين على القبول بها، فقد أعلنت "إسرائيل" منذ انطلاق قطار التسوية عن خطوطها الحمراء التي تجمع عليها كافة الأحزاب "الإسرائيلية" من أقصى اليمين وحتى أقصى اليسار وهذه الخطوط الحمراء (رفض عودة اللاجئين، دولة فلسطينية منزوعة السلاح، القدس عاصمة موحدة "لإسرائيل"، ضم الكتل الاستيطانية الكبرى، الحدود البرية والبحرية والأجواء تحت سيطرة "إسرائيل") وهو ما يدرك بالصميم الحقوق الوطنية الفلسطينية بحدودها الدنيا كما أن "إسرائيل" تدرك أنه لا يمكن للفلسطينيين القبول بهذه الشروط وكانت تتحين الفرص على نحوٍ يتيح لها فرض التسوية على قاعدة الإذعان لشروطها وكانت تبحث عن معطى سياسي أو تاريخي يشكل لها فرصة لفرض رؤيتها فقد حاولت ذلك في مفاوضات كامب ديفيد وفي أعقاب احتلال العراق وإعلان خطة خارطة الطريق وكذلك بعد الانقسام الفلسطيني وإطلاق مفاوضات أنابوليس وفي ظل إدارة ترامب تشعر "إسرائيل" أن الفرصة قد باتت مواتية لفرض هذه التسوية من خلال خطة صفقة القرن حيث يسود اعتقادٌ أقرب الى اليقين أن من رسم ملامحها الأساسية هو نتنياهو وليس ترامب، فهذه الخطة تكاد تكون متطابقة تماماً مع الخطوط الحمراء الإسرائيلية، أما اطلاقها في هذه المرحلة فانه يستند إلى الاعتبارات التالية:

أولاً: ترى "إسرائيل" في ذاتها أنها دولة قوية ولديها اقتصاد مزدهر ولا يوجد حالياً ما يهدد وجودها في ظل انشغال دول المنطقة في حروبها الطاحنة كما أنها لاترى خطراً وشيكاً من ناحية الفلسطينيين على شاكلة انتفاضة أو حرب من شأنها أن تزعزع أمنها واستقرارها.

ثانياً: ضعف الفلسطينيين وانقسامهم وفشلهم حتى اليوم بإنجاز وحدتهم الوطنية والاتفاق على استراتيجية وطنية موحدة تشكل تحدياً سياسياً "لإسرائيل" وبقاء السلطة متمسكة بنهج التسوية وعدم قدرتها على امتلاك خيارات سياسية وكفاحية أخرى.
ثالثاً: انشغال العالم العربي بأزماته وحروبه الأهلية الأمر الذي همش القضية الفلسطينية وأضعف العمق العربي المساند لها.

رابعا: تذاوق ما يعرف بدول "الاعتدال العربي" مع مشروع تصفية القضية الفلسطينية وترى هذه الدول خطراً ينبغي التصدي له وله الأولوية على أية قضايا أخرى، وهو ما وفر لهذه الدول الفرصة للتحالف العلني مع "إسرائيل".

خامساً: ترى "إسرائيل" بإدارة ترامب الفرصة الذهبية لتمرير وفرض رؤيتها بالتسوية، فــ ترامب بالنسبة "لإسرائيل" رئيس طيع ويتبنى الموقف "الإسرائيلي" بالكامل ولديهم الاستعداد للقيام بخطوات غير مألوفة لم يسبقه اليها رؤساء سابقين كالاعتراف القدس عاصمة "لإسرائيل" واعتزامه نقل السفارة الامريكية للقدس، وقطع المساعدات الأمريكية عن الفلسطينيين.

لكن كثافة اللحظة السياسية التي تمرّ بها المنطقة وتسارع الأحداث والتطورات، من شأنه أن يشوش على هذه الخطة ويحوّل دون إمكانية نجاحها، فالفلسطينيون أعلنوا صراحة رفضهم لهذه الخطة رافضين التساوق معها ومع مقدماتها المتمثلة بإعلان القدس عاصمة"لإسرائيل"، وكذلك اعلانهم عن رفض الوساطة الامريكية المنفردة في إدارة العملية السياسية؛ وهو موقف أفقد الإدارة الأمريكية صوابها وبات من المتعذر عليها البحث عن صيغة تجبر الفلسطينيين على القبول بهذه الخطة.

كما أنّ الحرب السورية أفرغت واقعاً من شأنه أن يضع علامة استفهام كبيرة أمام امكانية نجاح هذه الخطة فالوجود الإيراني في سوريا بات يقلق "إسرائيل" ويجعلها تعيد في حساباتها، أما الوجود الروسي في سوريا وتفسيرها السياسي على مختلف ملفات المنطقة بات يشغل الولايات المتحدة أكثر من أي مسألة أخرى أما ما يسمى بدول الاعتدال العربي فهي في موقف محرج وباتت متهمة بالتواطؤ مع المشاريع الامريكية و"الإسرائيلية" في تصفية القضية الفلسطينية بينما تنطوا ايران والقوى التي باتت تعرف بمحور المقاومة كمن يتصدى لمثل هذه المشاريع ويجعل من دول الاعتدال العربي في موقف ضعيف لا يؤهلها أنْ تضغط على الفلسطينيين لقبول خطة ترامب، كما أن انشغال نتنياهو في قضايا الفساد الموجهة له وإمكانية تقديم لائحة اتهام ضده وإبعاده عن الحالة السياسية يعرقل بمدى المنظور فرص انطلاق هذه الخطة.
أمّا العامل المهم الآخر فيتعلق بترامب ذاته صاحب الخطة فشخصيته المثيرة للجدل في الداخل والخارج تركت انطباعاً عاماً فإنّه يفتقد للاتزان والجديّة والموضوعيّة وهو ما مِنْ شأنه أنْ يفقده القدرة على تجنيد الدعم السياسي لهذه الخطة سواء على الصعيد العالمي أو على الصعيد الإقليمي.

إنّ هذه العوامل مجتمعة جعلت من خطة صفقة القرن خطة بلا أجنحة تُحلّق بها وهو ما أتاح للجانب الفلسطيني هامشاً للمناورة والافلات جزئياً من القبضة الأمريكية أو على الأقل التظاهر بالغضب أمّا بهدف تحسين شروطها وإمّا أنْ يكون مقدمة للبحث عن خيارات أخرى وهذا مرتبط بضرورة إعادة الاعتبار للداخل الفلسطيني واستعادة الوحدة الوطنية والاتفاق على استراتيجية موحدة وقد يكون من المبكر الحكم على موت صفقة القرن لكن الأطراف التي من المفترض أن تكون دافعاً باتجاه إخراجها إلى النور هي في موقف لا يساعدها على انجاحها وفرضها على الفلسطينيين.

وفي ظل هذا الواقع مطلوب منّا كفلسطينيين التمسك بالثوابت الوطنية والاستمرار في رفض الدور الأمريكي في عملية التسوية والمطالبة بمؤتمر دولي كامل الصلاحيات، والأهم من كل ذلك سحب الاعتراف "بإسرائيل" وهذا يستلزم قبل كل شيء استعادة الوحدة الوطنية ومغادرة نفق التسوية المظلم والبحث عن خيارات مغايرة لهذا المفر فالأعوام القليلة القادمة تنذر بتحولات عميقة على كافة الأصعدة وهذه التحولات ليست في صالح "إسرائيل" ولا الولايات المتحدة وما علينا سوى الصمود على المواقف.



توقيع هدى نورالدين الخطيب
 
[frame="4 10"]
ارفع رأسك عالياً/ بعيداً عن تزييف التاريخ أنت وحدك من سلالة كل الأنبياء الرسل..

ارفع رأسك عالياً فلغتك لغة القرآن الكريم والملائكة وأهل الجنّة..

ارفع رأسك عالياً فأنت العريق وأنت التاريخ وكل الأصالة شرف المحتد وكرم ونقاء النسب وابتداع الحروف من بعض مكارمك وأنت فجر الإنسانية والقيم كلما استشرس ظلام الشر في طغيانه..

ارفع رأسك عالياً فأنت عربي..

هدى الخطيب
[/frame]
إن القتيل مضرجاً بدموعه = مثل القتيل مضرجاً بدمائه

الأديب والشاعر الكبير طلعت سقيرق
أغلى الناس والأحبة والأهل والأصدقاء
كفى بك داء أن ترى الموت شافياً = وحسب المنايا أن يكن أمانيا
_________________________________________
متى ستعود يا غالي وفي أي ربيع ياسميني فكل النوافذ والأبواب مشّرعة تنتظر عودتك بين أحلام سراب ودموع تأبى أن تستقر في جرارها؟!!
محال أن أتعود على غيابك وأتعايش معه فأنت طلعت
هدى نورالدين الخطيب غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 09 / 05 / 2018, 27 : 08 PM   رقم المشاركة : [3]
هدى نورالدين الخطيب
مديرة الموقع المؤسس - إجازة في الأدب ودراسات عليا في التاريخ - القصة والمقالة والنثر، والبحث ومختلف أصناف الأدب - مهتمة بتنقيح التاريخ - ناشطة في مجال حقوق الإنسان


 الصورة الرمزية هدى نورالدين الخطيب
 





هدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond repute

بيانات موقعي

اصدار المنتدى: مدينة حيفا - فلسطين ( فلسطينية الأب لبنانية الأم) ولدت ونشأت في لبنان

رد: استفتاء جماهيري - المقالة والدراسات - مسابقة نور الأدب الكبرى 2018

2-
عن الحب وبراءة الأطفال والسجون



يختزن عالم الأسر آلاف الحكايات الطافحة بالمعاني الإنسانية والوجدانية النابضة بآمالها وأفراحها رغم بساطتها وأوجاعها، حتى وإن تشابهت في كثير من الأحيان غير أنها تنطوي على فسيفسائية ألوان الوجع الفلسطيني وتختصر الحكاية الفلسطينية في رحلتها الطويلة والشاقة نحو الحرية والانعتاق، حتى وإن بدت عادية ومألوفة فإنها تظل تنضج بتفاصيلها الاستثنائية التي تميزها عن باقي الحكايات الإنسانية.
في ظهيرة أحد الأيام كنت أستلقي فوق برشي حين أرسل لي أحد الأصدقاء من إحدى الغرف المجاورة أنه يحتاج بعض العبارات والأشعار التي تصلح للحب والغزل، فابتسمت لهذا الطلب، فأنا لا أملك إلا الاستجابة لما يعيشه هذا الصديق الطيب والخجول والمبتسم على الدوام، كما أنني كنت على تماس بسيط مع حكايته التي تعكس وجهاً من وجه المعاناة الفلسطيني، فصديقي هو واحد من بين ثلاثة أشقاء يقبعون في الأسر منذ سنوات طويلة، اثنين منهم يمضيان حكماً بالمؤبد أما هو فقد حُكم عليه بالسجن مدة 24 عاماً أمضى منها 15 عاماً ويتبقى منها 9 أعوام، وثلاثتهم ليسوا متزوجين، بينما تمضي أمهم في زياراتها لأبنائها حيث يقبع كل واحد منهم في سجن مختلف. ومنذ عامين لامست رغبة هذا الصديق الجامح في إنجاب طفل أسوة بغيره من الأسرى الذين نجحوا في تهريب النطف وإنجاب الأطفال، وقد زادت هذه الرغبة في الفترة الأخيرة حتى أصبحت هاجساً تنغص عليه حياته.
لقد كان هاجسه الخوف من أن يدركه الزمن مع أخوته وتحرم العائلة من الأبناء، وقد أخبرني أنه يرغب في إدخال الفرحة إلى قلب والدته ولا يريد أن يتركها وحدها في البيت، ولهذا أخذ يلح عليها أن تبحث له عن فتاة للزواج تقبل مبدأ الإنجاب من خلال الزراعة، لكن والدته رغم هذا الإلحاح لم تلبِ هذه الرغبة، إلا أنها ترددت كثيراً أمام إلحاحاته وبعد أن ضاق ذرعاً بهواجسه من إمكانية انقطاع نسله قالت له ساخرة ببرود الأمهات وصوتهن الدافئ" يعني يا ابني انت خايف على نسل صلاح الدين من الانقراض" انفجرت ضاحكاً وهو يروي لي جواب والدته الساخر أمام إلحاحه، لكن صديقي لم يستسلم ولم ينجح في إخفائه برغبته في إنجاب طفل وظل يتوق لهذه الرغبة، ولم يقطع الأمل في البحث عن فتاة تقبل الزواج منه على قاعدة الإنجاب من خلال زراعة النطفة.
وعندما أرسل لي كي أمده ببعض العبارات والأشعار توقعت أنه قد توفق بعلاقة ستؤدي به إلى الزواج، فسارعت بكتابة له بعض العبارات على عجل، وعند العصر لمحته في ساحات السجن، فابتسم بخجل واقترب مني وصافحني، وبدوري أخذت بمداعبته والمباركة له، ولكن عيناه كانتا تخفيان حزناً عميقاً وأن صدره يضيق على سرٍ يريد أن يبوح به، ولمست رغبة لديه أن ينفذ ما يعتمر في صدره، وقال لي " أود التحدث إليك" وذهب وأحضر كوبين من القهوة وجلسنا معاً في زاوية الساحة، وقال لي " أن حكايته ليست جديدة وأنه على علاقة مع صبية منذ عشرين عاماً وأنهما لا يزالان يتعاهدان على الحب والانتظار مهما كلف الثمن، تعارفا ونشأت علاقة بينهما كما تنشأ العلاقات وقبل أن تتوج هذا العلاقة بالزواج اندلعت شرارة الانتفاضة الثانية وغدى صديقي أحد نشطائها ولم يلبث أن دخل السجن، وها هو يكمل 15 عاماً في الأسر، أما الفتاة فقد تجمد الزمن لديها وظلت تنتظر رافضة الزواج ممن تقدموا لها، ونذرت نفسها لحبيبها، وراهنت ذاتها للحب بكل ما أوتيت من وفاء وصبر. وتمضي السنوات والعاشقان ينتظران أمل يخلصهما من عذاب الحرمان، تأكلهما نيران الأرق والزفرات الحارة ويطحنان تحت رحى قسوة الزمن ولوعة الغياب، وفي هذه الحالة سيكتسي الحب معنىً أكثر إثارة وتجريداً وهو يفقد بعده الحسي المباشر، ويمضي العمر وهما الآن على مشارف الأربعين.
حاول صديقي في السنوات الأخيرة إقناعها بالزواج منه والإنجاب كما هي عادة الأسرى من خلال زراعة النطفة، إلا أنها رفضت بعناد الاستجابة لعرضه وفضلت أن تهب له نفسها انتظاراً على مذبح الحب المقدس، ولأن صديقي يعيش هاجس الزمن الذي يلح عليه برغبة الانجاب، ألح عليها مراراً أن تقبل العرض وهي بدورها تشبثت بموقفها الرافض للفكرة، وتسبب ذلك بخلافات عكرت صفو العلاقات الإنسانية الدافئة بينهما وحدثت القطيعة بينهما، ورفضت الفتاة الرد على هواتفه، وأخذ يتجرع الأسى، وطوال ثمانية أشهر ظل يحاول مصالحتها واسترضائها إلى أن تصالحا مؤخراً، ولكن دون حسم لمستقبل العلاقة التي ظل يخيم عليها هاجس الإنجاب، قالت له " أنها مستعدة أن تنتظره حتى النهاية، وأنها ترهن ذلك للزمن" بعد أن أصغيت لحكاية صديقي قلت له معاتباً" لماذا تصر على مسألة الإنجاب؟ ألا يكفيك أنها ظلت وفية لك؟ لماذا لا تقدر هذه التضحية من جانبها، وفي الوقت الذي تصر أنت على تحقيق رغبة الأبوة فإن هذه الفتاة مستعدة للتضحية برغبة الأمومة، وهي أقسى حالات التضحية لدى المرأة وبهذا فإن هذه الفتاة تمثل موقفاً أكثر نضجاً من موقفك" قلت له أيضاً " إن أشد ما يؤلم المرأة العاشقة هو نكران الجميل مقابل الوفاء، فهي ليست مجرد وعاء لإنتاج الأطفال بل هي إنسانة ولها كينونة وعليك أن تقدر مشاعرها، إنها تعيش حالة حب صافية، وتشاطرك الألم والمعاناة، وترفض ابتذال هذه العلاقة من خلال تحويلها إلى مجرد وعاء لإنجاب الأطفال، ألا يكفي أنها رفضت الزواج وضحت بالأمومة من أجلك، فلو كانت تبحث عن الأمومة لكانت تزوجت من غيرك".
رد عليّ صديقي أنه يعشقها ويهيم حباً بها ولن يتزوج غيرها ولن يتصور حياته بدونها، لكنه يخشى الزمن، فقد تبقى له تسعة سنوات وفي هذه الحالة فإنه إن تحرر بعد هذه المدة فإنهما سيحرمان من إمكانية الإنجاب، ولهذا أراد أن يسابق الزمن ولم يقصد إهانتها أو عدم احترام مشاعرها.
سنجد من هذه الحكايات المتشابهة الشاهدة على وفاء المرأة الفلسطينية وأصالتها ونقائها، فنحن نشهد أساطير مجسدة يمتزج فيها الواقع بالخيال، وهي شاهدة على نبل المشاعر الإنسانية، وهنا يكتسي الحب معنىً عميقاً وهو يواجه هذا القدر المستحيل، وشاهدة على رحلة معاناة وعذاب شعبنا في طريق الحرية والخلاص، ففي الأسر يفقد الأسير إحساسه بالزمن ويشعر بالاغتراب ولا يغادره القلق والهواجس، ولا يتلامس زمن الأسر مع الزمن الطبيعي إلا عبر الزيارة، في هذه الحالة فإن الحب يصبح حدثاً استثنائياً يخترق جدران الأسر، ويصبح عابراً للزمن، وعندها يتعانق الزمنان زمن الأسر مع الزمن الطبيعي.
في الأسر يمتلك إحساس أنك خارج الزمن وهنا تنبثق الرغبات الإنسانية الكامنة بالرغبة الجامحة بالأبوة؛ فالأسير الفلسطيني يختلف عن أي أسير في العالم لأنه محروم من حقوقه الإنسانية بالكامل، ويخضع لظروف قاسية لا يخضع لها أي سجين آخر، فحكم المؤبد ليس محدداً بسنوات، وليس للأسير الفلسطيني أي حق من الحقوق أو التحرر بعد قضاء ثلثي المدة، ولا يتاح له الالتقاء بزوجته وأطفاله، وممنوع عليه استخدام الهاتف، وهنا يصبح فصل الأسير الفلسطيني عن الزمن الطبيعي فصلاً شبه مطلق؛ فالاحتلال يرى بالأسرى فئات معادية وتشكّل رأس حربة صراع مع الاحتلال، وبالتالي فإنه من خلال إجراءاته المدروسة بعناية يسعى لقتل الأمل لديهم وسحق إنسانيتهم وامتهان كرامتهم، وبهذا تستيقظ الهواجس الموجودة لدى الأسير الفلسطيني، وتصبح الحاجة لإنجاب الأطفال ضرورة ملحة، ففي السنوات الأخيرة اجتهد البعض لابتكار وسيلة لتهريب النفط والإنجاب من خلال الزراعة كجزءٍ من ثقافةِ المقاومةِ وتحدي المحتل وإجراءاته القاسية، وبهذه الطريقة وجُد إلى العالم عشرات الأطفال في السنوات الأخيرة.
وفي هذا الإطار يتعين علينا لفت الانتباه وضرورة تسليط الضوء على معاناة المرأة وبطولاتها، وهي تتحدى العادات والتقاليد وينجحن في تحقيق غاية الأمومة من خلال ظاهرة أقرب إلى المعجزات، وعدم الاكتفاء بتسليط الضوء على معاناة الأسير وإنجابه للأطفال، بحيث يجب تجاهل المرأة. بهذا المعنى فإن المرأة لا تختلف عن الأسير، بل تكتنفها ظروفاً أكثر صعوبة وهي تتحدى الواقع وتعيش وجع الانتظار.
وثمة قضية أخرى إنسانية وعاطفية ترتبط بقسوة الأسر ومعاناتها إنها مسألة الطفولة والبراءة التي يفتقدها عالم الأسر؛ فالأسرى الذين يمضون سنوات طويلة في الأسر لا يشاهدون الطفولة إلا من خلال التلفاز أو الصور أو من خلف زجاج الزيارات، ويتاح في بعض الأحيان إدخال الأطفال عند آبائهم بضعة دقائق في قاعة الزيارة؛ فالحاجة إلى الطفولة والبراءة حاجة إنسانية وتثير إحساساً مكثفاً لدى الأسير، ويرى ويلامس براءة الأطفال عن قرب.
وقد تصادفت زيارتي الأخيرة لوالدتي في السابع من آذار عشية يوم المرأة العالمي بينما أنا منهمكاً في الحديث مع والدتي عبر الهاتف من خلف الزجاج وإذ بطفلين أخوين ولد وبنت في عمر الزهور يدخلان قاعة الزيارة برفقة السجانات ويقتربان من والدهما الجالس قربي، كان حدثاً نادراً أن ترى طفلاً قربي. لم أقاوم براءة الطفولة، وأشرت للطفلة بأن تقترب مني، تركت السماعة جانباً بينما تقترب الطفلة نحوي بخجل الأطفال وبراءتهم وعفويتهم، وصافحتها وقبلتها ثم عانقتها، ولامست الطفولة وشممت عبيرها. كانت الطفلة ابنة الأربعة أعوام جميلة الوجه والعينين وناعمة كالحرير، لفح صدري هذا العبير، وعندها أحسست لحظتها بمعنى الحرمان.
أن تقبّل طفلاً في زمن الأسر كأن تهديك الحياة حلماً جميلاً وسط الكابوس، كأن تمنحك السماء غيثاً بعد سنوات من الجفاف، كأن تستيقظ فجأة سعادة في أعماقك.
سألت الطفلة عن اسمها، هتفت بهمس يشبه هديل الحمام " داليا" كانت تمزج بين حرف الدال وحرف التاء، فكان اسمها يخرج من فمها الصغير " تاليا"، وقد كنت أرغب أن تظل معي لوقت أطول بيديها الناعمتين الصغيرتين وبصوتها الذي يشبه تغريد الحساسين، وتعابيرها السوسنية أيقظت فيّ إحساساً راقداً منذ سنوات حسبته منطفأً بفعل سنوات الأسر الطويلة.
عادت الطفلة لوالدها فالتقطت السماعة وعدت أحادث والدتي، التي شهدت ما جرى أمامها، ومن خلف الزجاج رأيتها تهز رأسها بحزن، كانت على وشك البكاء، ثم ما لبثت أن تحدثت بغضب الأمهات " الله لو انك تزوجت كان ابنك في التوجيهي" أجل كانت نفحة سعادة نشرته الطفلة البريئة في قاعة الاسمنت الحديد والزجاج، تركت القاعة تشع بالفرح والسعادة، ولمعت بومضة إنسانية أضاءت دهاليز الأسر المظلمة.
لا يعترف بنا الاحتلال كبشر ولا بجدارتنا بالحب والزواج والإنجاب، ويحتقر عواطفنا الإنسانية فتنبح أركان الدولة الاحتلالية متشدقة بالأخلاق الإنسانية والاحتفاء بكل المناسبات والأعياد العالمية، وعشية يوم المرأة بينما كانت زوجات الأسرى وأمهاتهم وأطفالهم في قاعة الزيارة، كانت السجانات يقمن بدور الحراسة والمراقبة، سترافق السجانات الأطفال لجلبهم إلى آبائهم إلى قاعة الزيارة، دون أية مشاعر تساورهن حول عاطفة الأمومة دون مشاعر تضامنية مع المرأة الفلسطينية، التي لا ترى ابنها أو زوجها إلا من خلف الزجاج، ماذا فعلت " إسرائيل" بتلك النساء؟ أية تشوهات تركتها هذه الدولة في نسائها وهي تحولّهن إلى مجرد آلات خالية من المشاعر الإنسانية، فهؤلاء السجانين والسجانات يأتون من الطبقات الفقيرة، بعد أن قذف بهم المجتمع الصهيوني إلى الهامش لا يجدون مهنة سوى هذه المهنة الحقيرة التي تجردهم من إنسانيتهم، حيث يجري تصميمهم كالآلات بعد تلقيهم لدورات يتعلموا من خلالها أن يكونوا كالتماثيل الجليدية.
قال لي أحد السجانين ذات يوم " أنه مجرد برغي في آلة كبيرة" وهو تعبير بليغ ينطوي على احتجاجه على واقعه المظل بعد أن شوهت التربية الصهيونية إنسانيته، فتغدو الكراهية مفرد أصيل في المجتمع الصهيوني، فإن أردت أن تكون صهيونياً جيداً عليك أن تتجرد من إنسانيتك، هكذا كان يفعل النازيون، كانت التربية النازية تعتبر الانفعالات العاطفية والإنسانية تنطوي على ضعف ولا تليق بالجندي النازي الخالي من أية معانٍ أو قيمٍ إنسانيةٍ أو أخلاقيةٍ. ولأن الضحية تقلد السجان هكذا صُمم المجتمع الصهيوني وهكذا صممت مصلحة السجون سجانيها، ممنوع الانفعال أمام الطفولة، ممنوع إبداء التعاطف، وعليك التجرد من أية مشاعر.
هكذا استلبت وعيه ودمرت أرواحه وشوهت إنسانيته، وأحيت دولة الاحتلال يوم المرأة العالمي وهي تمتهن كرامة النساء الفلسطينيات واليهوديات على حدٍ سواء، لقد شوهت المرأة اليهودية بعد أن أفرغتها من إنسانيتها، وتباهت هذه الدولة قبل أيام بالمرأة المقاتلة في الجيش وبأول امرأة تقود دائرة حربية، تتحدث هذه الدولة في جميع المناسبات العالمية بيوم المرأة وبيوم الطفل وبيوم البيئة وبيوم الشجرة وبيوم العمال، ولا توجد دولة على وجه الأرض تحتقر الانسان والبيئة مثلما عليه الحال في " إسرائيل" وهو ما يعبّر عن حالة الانحطاط والانفصام في الشخصية لدى المجتمع والدولة على حد سواء.
وفي الوقت الذي يتحوّل فيه النص إلى مكان تنمو فيه المشاعر النبيلة وينعم فيه الأسرى بالحب والحرية وبراءة الطفولة، فإن دولة الاحتلال مستغرقة في فاشيتها، ويستعصي عليها تربية مجتمعها على القيم الإنسانية، بعد أن شوهت إنسانيته وطمست عواطفه وحولتهم إلى كائنات هلامية معطوبة، ومجرد براغي في آلاتها الجهنمية، ولن تلبث أن تتساقط البثور الأخلاقية الرقيقة التي تتمسح بها ولا يتبقى منها إلا حقيقتها الفاشية فقدر الحب والبراءة والحرية أن تنتصر دائماً على الكراهية والاستبداد، ولن يلبث أن يولد الوقت الجميل، وتشرق شمس الحرية على شعبنا، ولن يكون مصير دولة الاحتلال سوى التفكك والاندحار.
توقيع هدى نورالدين الخطيب
 
[frame="4 10"]
ارفع رأسك عالياً/ بعيداً عن تزييف التاريخ أنت وحدك من سلالة كل الأنبياء الرسل..

ارفع رأسك عالياً فلغتك لغة القرآن الكريم والملائكة وأهل الجنّة..

ارفع رأسك عالياً فأنت العريق وأنت التاريخ وكل الأصالة شرف المحتد وكرم ونقاء النسب وابتداع الحروف من بعض مكارمك وأنت فجر الإنسانية والقيم كلما استشرس ظلام الشر في طغيانه..

ارفع رأسك عالياً فأنت عربي..

هدى الخطيب
[/frame]
إن القتيل مضرجاً بدموعه = مثل القتيل مضرجاً بدمائه

الأديب والشاعر الكبير طلعت سقيرق
أغلى الناس والأحبة والأهل والأصدقاء
كفى بك داء أن ترى الموت شافياً = وحسب المنايا أن يكن أمانيا
_________________________________________
متى ستعود يا غالي وفي أي ربيع ياسميني فكل النوافذ والأبواب مشّرعة تنتظر عودتك بين أحلام سراب ودموع تأبى أن تستقر في جرارها؟!!
محال أن أتعود على غيابك وأتعايش معه فأنت طلعت
هدى نورالدين الخطيب غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 09 / 05 / 2018, 50 : 08 PM   رقم المشاركة : [4]
هدى نورالدين الخطيب
مديرة الموقع المؤسس - إجازة في الأدب ودراسات عليا في التاريخ - القصة والمقالة والنثر، والبحث ومختلف أصناف الأدب - مهتمة بتنقيح التاريخ - ناشطة في مجال حقوق الإنسان


 الصورة الرمزية هدى نورالدين الخطيب
 





هدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond repute

بيانات موقعي

اصدار المنتدى: مدينة حيفا - فلسطين ( فلسطينية الأب لبنانية الأم) ولدت ونشأت في لبنان

رد: استفتاء جماهيري - المقالة والدراسات - مسابقة نور الأدب الكبرى 2018

3-

بومة البيت الأبيض

في أثينا القديمة وفي عصرٍ كان يعج بالفلاسفة والمفكرين, كان ثمة مثلٍ دارج في العالم القديم يقول: (إن بومة أثينا لا تطير إلا عند الغسق), فالبومة في أثينا القديمة كانت رمزاً للحكمة, ومعني هذا المثل أن الحِكم وأفكار الفلاسفة كانت تنطلق وتتولد من عقولهم وقت الغسق قبل الغروب بقليل, فانتقلت البومة كرمزية للحكمة من أثينا إلى الغرب, بينما لدينا في الثقافة العربية وفي الشرق عموماً، البومة كانت ولا تزال رمزاً للشؤم.
واليوم الولايات المتحدة صاحبة التأثير الهائل على العالم, وفي البيت الأبيض وفي قلب العاصمة واشنطن تصنع السياسات الداخلية والخارجية, وتتخذ القرارات الهامة التي تترك تأثيرها على كافة أرجاء المعمورة, بوصفها الإمبراطورية العظمى في التاريخ كما صممها الآباء المؤسسون وخططوا لها أن تكون قائدةً للعالم.

فهذه الإمبراطورية العاتية التي قامت على أنقاض وجثث عشرات الملايين من السكان الأصليين الذين أُطلق عليهم "الهنود الحمر", وعلى عذابات ومشقات ملايين الزنوج (الأمريكيين السود) الذين كان يجري استعبادهم في بناء أمريكا والعمل الشاق في مزارعها الشاسعة, وعلى عرق وشقاء مليارات البشر في الوقت الحالي.

وهذه الإمبراطورية منذ تأسيس أول مستوطنة فيها مثلت النموذج اليهودي التوراتي في إبادة السكان الأصليين, فقد اُعتبرت هذه البلاد المكتشفة حديثاً بمثابة أرض الميعاد, أما المهاجرون "الأنجلو ساكسون-البروتستانت" الذين أخذوا باستيطانها اعتبروا أنفسهم شعب الله المختار, أما السكان الأصليين الذين جرت إبادتهم بالتدريج فقد جرى تشبيههم بالكنعانيين.

إن هذه هي الأيديولوجية التي قامت عليها الولايات المتحدة منذ تأسيسها بوصفها دولة الرب وشعبهم هو شعب الله المختار, و"جورج واشنطن" ليس مؤسس الولايات المتحدة ورئيسها الأول وحسب بل كان معروفاً بجرائمه الفظيعة بحق السكان الأصليين, كان يأمر قائده العام في الحرب على هنود الأروكوا بأن يدمر كل ما يجده على وجه الأرض، وكان يعزي هذه المذابح لإرادة الله, ففي خطابه الافتتاحي كرئيس للولايات المتحدة قال: (إن كل خطوة تخطوها الولايات المتحدة تحمل علامة تدخُل العناية الإلهية), حسب هذا المنطق فإن العناية الإلهية هي من أتاحت لأمريكا الظهور، وهذه العناية الإلهية هي من ترسم قدرها وسياساتها وممارساتها.

سنجد خليفته "جون آدمز" الرئيس الثاني يغزل على ذات المنوال, حيث كان قد كتب عام 1765 العبارة التالية (لقد أوجدت العناية الإلهية أمريكا لتكون مسرحاً يحقق فيه الإنسان مكانته الخاصة), و "آدمز" لا يختلف دمويةً عن "واشنطن" بحق السكان الأصليين، فقد عزى للعناية الإلهية رعايتها للولايات المتحدة في كل ما يصدر عنها من ممارسات كما بارك المذابح الرهيبة بحق السكان الأصليين.

أما الرئيس الثالث "توماس جفرسون" فقد صرح علانيةً أن الشعب الأمريكي هو شعب الله المختار, آمن بهذا الشعار وتمثل النموذج التوراتي بما فيها معالم "يشوع" الأسطورية, كان يأمر وزير دفاعه بسحق كل هندي يرفض التوسع الأمريكي, وأن يستخدم "البلطة" وكان يقول: (لن نرفع هذه البلطة عن رؤوسهم حتى يبادوا عن بكرة أبيهم أو يرحلوا إلى ما وراء نهر المسيسبي), وهذا ما حدث خلال قرون قليلة حيث جرت عملية إبادة لعشرات الملايين من السكان الأصليين.

هكذا كانت آراء ومواقف الآباء المؤسسين للولايات المتحدة الذين تمسحوا بالدين والعناية الإلهية لتبرير أفعالهم الشريرة والدموية, تمهيداً لمن سيأتي بعدهم، لتكون هذه الأيديولوجية هي من تحكم سياسات وممارسات الولايات المتحدة عبر التاريخ.

أما "ثيودور روزفلت" فقال: (الأنجلو ساكسون هو ابن كل مناخ, إنه رسول السماء إلى كل بقعة من بقاع الأرض), بما أنهم يتمثلون النموذج التوراتي، فإن الأنجلو ساكسون أي الأمريكي الأبيض هو رسول الحروب في كل بقعة من بقاع الأرض, فــ "روزفلت" يمثل حقبة مهمة في التاريخ الأمريكي, فبعد أن أنهت الولايات المتحدة إبادتها للسكان الأصليين وسيطرت على أراضيهم الشاسعة أخذت تتطلع لخارج حدودها في بدايات القرن العشرين, وهي الحقبة التي افتتحها الرئيس "ثيودور روزفلت" كانت بمثابة بدايات المرحلة الإمبريالية التي خرجت فيها الولايات المتحدة خارج حدودها, وأطلقت عنانها لنهب خيرات الشعوب.

ويقول "روزفلت" أيضاُ مدشناً هذا العهد الجديد: (إن انتشار الأنجلو ساكسون في الأرض هو توسيع لمملكة الله, وإذا اقتضى الأمر فليكن على جثث الأعراق الضعيفة), إن هذا النص الذي تفوح منه رائحة الفكر النازي يفتتح الحقبة الإمبريالية للولايات المتحدة بوصفها مملكة الله؛ لأن الأنجلو ساكسون هم شعب الله المختار تصبح كافة الشعوب الأُخرى مجرد كنعانيين وأعراق متخلفة وبدائية ويحق له إبادتها, لأنهم يشكلون حجر عثرة أمام توسع وجشع مملكة العم "سام" التي تدعي نسبها للسماء, وأن هذا الإله الذي تعتنقه وتؤمن به هو رب النموذج التوراتي المتعصب لشعبه, أَلم يَقُل الرئيس "جيمي كارتر" عام 1979 من على منصة الكنيست (إننا نتقاسم وإياكم الإرث المشترك في التوراة), فما هو هذا الإرث المشترك ؟! إنه الشعب المختار وثقافة الإبادات التوراتية والنسب إلى رب النموذج التوراتي.

أما الرئيس "وودرو ويلسون" 97 الذي جاء بعد "ثيودور روزفلت" وفي ظل التوسع الأمريكي الخارجي فقد زعم أن الله تحدث معه في ردهات البيت الأبيض, وأمره باحتلال جزر الفلبين, وهو ما يذكرنا بمعتقدات الرئيس "جورج بوش" الابن الذي كان يزعم أنه بسياساته كانت تطبق قرارات إلهية، تأتيه على شكل وحي بعد ضربات الحادي عشر من سبتمبر، كانت تحثه على احتلال أفغانستان والعراق وشن حرب على كل بقعة في العالم باسم الحرب على الإرهاب.

وإذا تأملنا تاريخ الولايات المتحدة وتصريحات رؤسائها سنجد أنها كلها تنطلق من أساس هذه الأيديولوجية التي تتمسح بالدين لشرعنة حروبها وإباداتها للشعوب وامتصاص ثرواتها, متمثلين النموذج التوراتي اليهودي, فهذا "باراك أوباما" في لقاءٍ صحفي عام 2008 قبل دخوله البيت الأبيض, تحدث عن عمق الفكرة الصهيونية والأخلاق اليهودية في تربيته وثقافته ومشاعره, وعن التزامهم بهذه الفكرة التزاماً تام.

وإذا تفحصنا سياسات كل رئيس من رؤساء الولايات المتحدة سنجدها متطابقة ومنطلقة من هذا الأساس الأيديولوجي, فالآباء المؤسسين رسموا هوية هذه الدولة, وشقوا طريق الإبادات والحروب لهيمنتها على العالم, والرئيس الحالي "دونالد ترامب" يمثل حلقة أُخرى في ذات السلسلة, فخلال عام ونيف من حكمه فاجئ العالم بعدد من القرارات الغريبة والغير مألوفة التي تنطلق من أساس تصورات الولايات المتحدة لذاتها, بوصفها شعباً مختاراً يسير في عين الرعاية الإلهية.

ومع أن "ترامب" لا ينتمي لتيار المحافظين ولا يستخدم العبارات الدينية والديباجة التوراتية المعهودة لدى الرؤساء السابقين, إلا أن قراراته تنطوي على نتائج خطيرة, فالرئيس الحالي يتصرف كإله وليس بحاجة إلى وحي يهبط عليه, أو إله يحدثه في ردهات البيت الأبيض بعد أن بات هو ذاته الإله وتصريحاته وأقواله يتعين التعامل معها كوحي يصدر عنه. وما أكثرها هي البومات التي باتت تطير من الرب الجالس على عرش البيت الأبيض, وطوال تاريخ الولايات المتحدة طارت أعداد هائلة من البومات الشريرة من دهاليز البيت الأبيض على شكل سياسات وقرارات شريرة من إبادات وحروب وانقلابات ومؤامرات تركت العالم ينوء تحت وطئتها لعقود طويلة, وإدارة "ترامب" هي حلقة أُخرى في سلسلة النموذج الأمريكي الاستعلائي المعادي للشعوب, والذي يضع العرق الأنجلو ساكسوني في قمة الهرم الإنساني, فكم من بومةٍ طارت من البيت الأبيض خلال عام ونيف من تربع "ترامب" على عرشه؟!

فمن فكرة بناء جدار على الحدود مع المكسيك وإجبار المكسيك على دفع تكاليف بنائه, ومن التهديد بطرد ملايين اللاجئين من الأراضي الأمريكية, إلى التهديد بتدمير كوريا الشمالية, إلى التهديد بإلغاء الاتفاق النووي مع إيران والتلويح بشن حرب جديدة, إلى الانسحاب من اتفاقية المناخ والبيئة, إلى خطة صفقة القرن, إلى الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل, إلى عشرات القرارات الداخلية والخارجية والتصريحات التي تنطوي على عقلية مريضة, ومؤخراً طارت بومة جديدة في الغسق, وهي إعلان الحرب التجارية على روسيا والصين, وكلها قرارات لا تبشر العالم بخير وإنما تفتح عهد جديد من الحروب وربما تبشر بالتدمير الشامل للبشرية.

فبومة البيت الأبيض باتت تطير في كل وقت, في الأصباح وفي الأماسي، ووقت الفجر، وفي الظهيرة وعند الغسق, بومات على شكل قنابل نووية وصواريخ "توماهوك كروز" والقنابل الذكية وطائرات "الشبح" التدميرية, بومات على شكل حروب وانقلابات ومؤامرات وسياسات اقتصادية وتجارية كارثية, لقد تحولت البومة من رمز للحكمة والعلم والفلسفة في أثينا القديمة إلى رمزٍ للبلطة في عهد "واشنطن" و"آدمز" و"جفرسون", وتطورت إلى القنبلة النووية في عهد "ترومان" إلى الأسلحة الذكية بأنواعها في عهد "ترامب".

إن بومة أثينا القديمة كانت تطير على شكل فلسفات وأفكار تنويرية, أما بومة البيت الأبيض فلا تطير إلا على شكل كوارث تزرعها في كل مكان, وإذا كان ثمة اختلاف بين الثقافتين الغربية والشرقية حول البومة بوصفها رمزاً للحكمة في الأولى وللشؤم في الثانية, فلا شك أن ثمة اتفاق في العالم بأن الغراب هو رمزٌ للشؤم والخراب, ويتطير البشر من نعيقه, لننتظر ونرى ونسمع المزيد من نعيق الغراب المتربع على عرش البيت الأبيض, وما يحمل من بشارات كارثية للعالم أجمع, مع الاعتذار الشديد للبومة والغراب.*

توقيع هدى نورالدين الخطيب
 
[frame="4 10"]
ارفع رأسك عالياً/ بعيداً عن تزييف التاريخ أنت وحدك من سلالة كل الأنبياء الرسل..

ارفع رأسك عالياً فلغتك لغة القرآن الكريم والملائكة وأهل الجنّة..

ارفع رأسك عالياً فأنت العريق وأنت التاريخ وكل الأصالة شرف المحتد وكرم ونقاء النسب وابتداع الحروف من بعض مكارمك وأنت فجر الإنسانية والقيم كلما استشرس ظلام الشر في طغيانه..

ارفع رأسك عالياً فأنت عربي..

هدى الخطيب
[/frame]
إن القتيل مضرجاً بدموعه = مثل القتيل مضرجاً بدمائه

الأديب والشاعر الكبير طلعت سقيرق
أغلى الناس والأحبة والأهل والأصدقاء
كفى بك داء أن ترى الموت شافياً = وحسب المنايا أن يكن أمانيا
_________________________________________
متى ستعود يا غالي وفي أي ربيع ياسميني فكل النوافذ والأبواب مشّرعة تنتظر عودتك بين أحلام سراب ودموع تأبى أن تستقر في جرارها؟!!
محال أن أتعود على غيابك وأتعايش معه فأنت طلعت
هدى نورالدين الخطيب غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 09 / 05 / 2018, 00 : 09 PM   رقم المشاركة : [5]
هدى نورالدين الخطيب
مديرة الموقع المؤسس - إجازة في الأدب ودراسات عليا في التاريخ - القصة والمقالة والنثر، والبحث ومختلف أصناف الأدب - مهتمة بتنقيح التاريخ - ناشطة في مجال حقوق الإنسان


 الصورة الرمزية هدى نورالدين الخطيب
 





هدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond repute

بيانات موقعي

اصدار المنتدى: مدينة حيفا - فلسطين ( فلسطينية الأب لبنانية الأم) ولدت ونشأت في لبنان

رد: استفتاء جماهيري - المقالة والدراسات - مسابقة نور الأدب الكبرى 2018

4-


الحب في الزمن الموازي



سيتذكر البعض عند مطالعته العنوان بعض الروايات التي تحدثت عن الحب في إطار الزمن من "الحب في زمن الكوليرا" لغارسيا ماركيز إلى " العشق والموت في الزمن الحراشي" للطاهر وطّار، أما " الحب في الزمن الموازي" فهي كناية عن " الحب بين جدران الأسر" خاصة في السجون الإسرائيلية. و" الزمن الموازي" هو عنوان مسرحية للأسير الفلسطيني وليد دقة الذي أمضى حتى الآن 32 عاماً في الأسر. ومغزى الزمن الموازي لدى وليد هو ذلك الزمن المختلف عن الزمن العادي الذي يعيشه البشر في حياتهم الطبيعية بحيث يصبح الزمن في الأسر موازياً للزمن البشري في الحياة العادية ولا يتقاطع معه إلا في أمور نادرة تخترق القواعد والإجراءات الصارمة التي يفرضها السجن على السجين، ويصبح هذا السجين معزولاً تماماً عن الزمن الطبيعي، ويغدو خاضعاً لشروط زمن من نوع آخر.
في المحصلة يفقد الأسير احساسه بالزمن وتغدو ساعاته الزمنية تقاس بالأحداث ولا تسير مع عقارب الساعة الاعتيادية، وفي هذا الزمن يشعر الأسير بالاغتراب إزاء الزمن الحقيقي الذي يواصل سيره، بينما زمن الأسر يبقى ثابتاً دون أن يشعر به الأسير إلا من بعض الأحداث التي يطل من خلالها على الزمن الحقيقي إما عبر الزيارة أو عبر وسائل الإعلام وحينها فقط يتلامس الزمنين بصورة مؤقتة وهو ما يُولّد في كثير من الأحيان مشاعر الألم والاغتراب لدى الأسير الذي يعيش الاغتراب فترات طويلة في الأسر.
أما الحب فلن نسعى لتعريفه فلا يكاد الجميع إلا خبره وعرف معناه ووقعه في النفس الإنسانية. وفي حالة الحب وهو يلتقي مع الزمن الموازي فإنه يصبح الحدث الهام الذي يتداخل فيه الزمنين : زمن الأسر والزمن الطبيعي وبهذا التداخل وبهذه العلاقة الجدلية بين الزمنين يكتسي الحب معناً أكثر إثارة ورونقاً وفانتازيا ويأخذ بعداً أكثر تجريداً، ويفقد صبغته الحسية المباشرة، وبهذا المعنى يصبح الحب عابراً للزمن في أرقى أشكال عبوره وتجليه في النفس الإنسانية.
ومن عايش تجربة الأسر الطويلة سيكون شاهداً على أغرب وأجمل حكايات الحب لنبلها ونقائها وجنونها، كما سيذكر هذا العالم نهايات الحب المفجعة لتأخذ بعداً مأساوياً، وسيشهد كذلك على معجزة في صمود الحب وتحديه المستحيل وولادة علاقات دافئة ونبيلة وجميلة أقرب إلى الأسطورة في تفاصيلها.
وفي كل الأحوال فإن عظمة هذا الحب وروعته تشهد على عظمة المرأة العاشقة في هذه الحالة، لأن المرأة هي من تضحي وتصمد وتقاوم أكثر من الرجل.
شهدت عشرات حكايات الحب في عالم الأسر، فمنها ما كان مبتذلاً، ومنها ما كان يمكن وصفه بالعادي، ومنها ما يلامس الحب المستحيل.
في هذا الحب المستحيل سنجد العلاقات أكثر غرابة وإثارة وسيقف فيها المتأمل فيها دائماً مندهشاً وكأنه يقرأ رواية رومانسية خيالية أو يشاهد فيلماً أو مسلسلاً مثيراً بمشاهده الحالية.
والاثارة في هذه العلاقات لا تنبع من أحداثها الدرامية، وإنما تنبع من بساطتها ووجعها ونبلها وصمودها وعمقها واستثنائيتها.
أبدأ بحكاية الأسير وليد دقة وزوجته سناء؛ فالأخيرة ربطت مصيره بمصير وليد قبل أكثر من عشرين عاماً وهي تعرف أنه محكوم بالسجن المؤبد، زارته أول مرة عام 1997 وهناك على شبك الزيارة ولدت قصة حب بين وليد وسناء وتتوج بعد عام بالزواج، وانفكت حكاية الحب هذه تتسع وتتجذر وتغدو أكثر إشراقاً ونضجاً وتحدياً كلما واجهتها العقبات ومهما طال عليها الزمن.
وسناء ارتبطت بوليد وهي في سنوات شبابها الأولى فلا ينقصها الجمال ولا الثقافة ولا المال ولا التعليم وستنتظر وليد بكل ما أوتيت من قوة وصبر وعزيمة، وسيمر عليها وعلى وليد عشرات الإفراجات وصفقات التبادل، وكلما اقتربت بشائر الحرية فوق رأسيهما كلما هبت الرياح والعواصف لتبعدها من جديد، ورغم ذلك تشبثت سناء بالأمل، رغم السنوات الطويلة والمرض الذي أصاب وليد في سنواته الأخيرة ورغم رحلة المعاناة الطويلة من العزل والاضرابات والتنقل بين السجون والزيارات والاعتصامات والمظاهرات.
ووليد حدثني عن تفاصيل حكايته مع سناء وهيامه بها ومع الوقت يغدو هذا الحب أكثر عمقاً، وسأصغي له بالكلام وهو يتحدث عن سناء بتلقائية وسلاسة وعن صدق حكايات غير متصلة ولكنها مكثفة، ومع هذه الحكايات سيكون بوسعك أن ترى عاشقاً مختمراً بالعشق، وستشهد له الحب في أكثر حالات صفاءه، وسترى أجمل حالات الحب في مرحلة النضال، وفي هذه الحالة لن يحتاج العاشق كما درجت حالة العشاق للتغزل بالعيون والقوام والقسمات فسيحدث هذا الحب بين فواصل الصمت وهو يتألق بوقار بين الزمنين الطبيعي والموازي.
سناء ووليد زوجان منذ عشرين عاماً لم يتلامسا أبداً ولن يكتفيان بالزيارة الدورية كل أسبوعين، ومن خلف الزجاج سيتلامس زمن وليد مع زمن سناء ويترابطان برابط عشقي يخترق الحديد والفولاذ والجدار الاسمنتي، ويخترق جدار الزمن الموازي . قبل سنوات قليلة هاتف وليد سناء في سجنه ليبلغها بأن لديه فحوصات في المستشفى. لمعت فكرة في رأس سناء بأن المشفى هو المكان الوحيد الذي سيكون بمقدورها أن تراه بلا زجاج . قالت له سناء " سآتيك إلى هناك لأراك على الطبيعة" وفي اليوم المحدد تخرج سناء صباحاً ليقودها قلبها إلى ما تعصف بها عواصف الشوق المجنونة، كان حلمها بسيطاً أن ترى وليداً بلا زجاج وانتظرت في ممرات المستشفى وأحست بتباطء الوقت ولم تلبث أن أطلت سيارة شرطة السجون وهي تقل وليد وستراه من بعيد وتشعر وكأن قلبها سيخرج من جسدها، وهي تراه مقيد اليدين والقدمين ومحاطاً بحراس السجن وهو الآخر سيراها من بعيد ضرب بعضهما في كرادور المشفى، وتظاهرات سناء بأنها زائرة أو عاملة بالمشفى اقتربت أكثر من وليد المحاط بحراس السجن ليغمرها عاصفة من الشوق والذهول، تلعثم لسانها ببعض كلمات حدقت بوليد اقتربت أكثر كان يبعد عنها مسافة ذراعين لا أكثر ، لم تتمالك نفسها لم تصمد وتهاوت عليه واحتضنته بشوق وانخرطت بالبكاء، ارتبك الحراس أمام هذا المشهد، وهو ما سمح لهما بعناق استمر لحظات أضفى القليل من الشوق الملتهب.
لأول مرة يلامس زمن وليد الموازي مع زمن سناء الطبيعي، قبلت سناء في هذه اللحظة الخاطفة التي جاد بها عليها عالم الزمن الموازي وستؤرخ هذا بمقياس زمنها العادي، بينما وليد الذي هطل المطر في صحرائه الجافة ستشرق روحه وسيؤرخ الحدث في مقياس زمنه الموازي عندما التقى سناء بالمشفى.
وليد المأسور منذ ثمانينات القرن الماضي قبل انهيار الاتحاد السوفيتي وسقوط جدار برلين حدثني عن قصة أخرى يوم زار المشفى قبل أكثر من عامين وشاهد حادثة غريبة رأى كل من يتواجد بالمشفى يحمل صحناً صغيراً من الزيت بيده اليسرى ويلمس بأصبع يده الأخرى السحن، لم يستطع تفسير ما تراه عينيه ظن أنه يحلم لكنه سيكتشف أن العالم تطور في غيابه وأن صحن الزيت ما هو إلا هاتف نقال جديد يعمل من خلال اللمس.
تعرفت على وليد قبل عام فقط أمضينا معاً بضعة أشهر في سجن جلبوع وهناك سأتعرف بعمق على وليد ...ثقافته وآرائه السياسية... حكايته الطويلة مع الأسر، وفي كل محطة وفي كل حكاية ستحضر سناء بكثافة الحضور المقدس، لا يمل ولا يكل في حديثه عنها وكأنها الروح التي تنزرع في شجرة ياسمين في أعماقه ويتنفس هواءه من رئتيها، يفتح ألبوم الصور ويريني صورها، صورة لها في فرنسا وأخرى في إيطاليا وأخرى أثناء اعتصام، وأنا أتعمد استفزازه وأطيل تحديقي بصورة سناء وأمتدح جمالها فيسارع لتقليب الصور، وأنا أبتسم وأسخر من غيرته، ومع كل زيارة كان وليد يبحث عني في الساحة إلى أن يجدني ليروي لي عن سناء.
وذات مرة عاد من الزيارة وبحث عني ولم يجدني في الساحة، ووجدته يفتح باب غرفتي وكنت منشغلاً في الكتابة على الطاولة سحب كرسياً وجلس قبالتي وأشعل سيجارة وتظاهر بالغضب.
أما أنا فتظاهرت بالتململ فاضطررت للتوقف عن الكتابة ورحبت به وسألته: " ما الأمر؟" فأجابني متظاهراً بالغضب " سناء" فسألته ثانية " ما بها سناء؟ " فأجابني " سناء تنوي فعل كذا... سناء قالت كذا" ، وحتى أستفزه سألته قائلاً " ألست رجلاً لتقرر لماذا تسمح أن تتحكم سناء بتفاصيل حياتك؟" ورمقني يومها بنظرة غضب، ثم ما لبث أن هدأ وأخذ يروي لي عن سناء، كانت عيونه تلمع، وكأن التظاهر بالغضب ما هو إلا غطاء رقيق يخفي خلفه عشقاً عاصفاً لسناء وثقة عمياء بها واعجاباً شديداً بشخصيتها، وسناء التي اندمجت كلياً في عالم الأسرى وصارت تعرف عن قضاياهم أكثر مما تعرف الحركة الأسيرة عن نفسها من مطالب وإضرابات وشروط حياة في الأسر...الخ، وفي الاضراب الأخير في نيسان الماضي كانت متحمسة وأخذت بتحذير وليد بضرورة عدم خوضه الاضراب بجانب الأسرى، وعندها سألها وليد "إذا أنا سأدخل الإضراب" فتجيبه " أنت غير مسموح لك بالإضراب بسبب أوضاعك الصحية، يكفيك ما خضت من إضرابات طوال سنوات اعتقالك "، ويعود وليد من الزيارة ويأتي إليّ كالعادة وهذه المرة سيروي لي موقف سناء من الإضراب، ولكي أستفزه بسؤال " وما شأن سناء بالإضراب ؟" فيجيب " إنها متحمسة قالت كذا وكذا" فأجيبه بسخرية " حسناً عليك أن تخوض الإضراب معنا وإلا فإنه غير مسموح لك بالإدلاء برأيك" وهو يعرف أننا لن نسمح له بخوض الإضراب بسبب أوضاعه الصحية، لكنه سينهمك في عملية التعبئة، وسيكتب عشرات التعاميم والنشرات، ويعقد العديد من الجلسات التعبوية.
سناء جعلت من وليد إنساناً حراً في عالم الأسر، جعلته إنساناً مرحاً ودمثاً ومبتسماً على الدوام، سيكون بمثابة الترياق بالنسبة لوليد ليغدو كاتباً لا يشق لقلمه غبار، ستغرقه بمئات الكتب التي تحرص على توفيرها في كل زيارة، ووليد يكتب كل يوم وملهمته سناء وستكون هي أول قارئ يخطر في باله أثناء الكتابة، وسيمارس رقابة ذاتية على كتاباته لأنه يفهم كيف تفكر سناء، وسيحرص دائماً على الكتابة ليبهر سناء قبل أي قارئ آخر، وسأستفزه مرة أخرى وأسأله " أنا لا أعرف لماذا تكتب عن كل شيء بينما أنت بخيل بالكتابة لسناء لو كانت لي زوجة أو محبوبة لكتبت لها طوال الوقت " فيثور غضبه ويقسم أنه كتب لها آلاف الرسائل، وأن سناء تحتفظ بها وتنظمها في ملفات خاصة".
ولا أدري من قال أن الحب هو فن الانتظار، وأظن أن سناء تسخر من هذا التعريف وستقول لنا "جئت بتعريف آخر يليق بحب تجاوز لهفة الانتظار، فلن يعلم أحد منا سناء معنى الانتظار ومع ذلك ما تزال سناء تواصل وقوفها على حواف الزمن الموازي ترقب انبلاج قمرها الأسير من عتمة السجن الطويلة.
أما صديقي علام كعبي فكانت له هو الآخر حكاية درامية تمازجت بها كل عناصر الإثارة وسأشهد فصلها الأول أثناء مطاردتنا خلال الانتفاضة الثانية، كنا في صيف العام 2002 في عز مرحلة الاجتياحات والحصار، وكان علام في حينها مخطوباً لمنار، ومن مخبئنا السري داخل البلدة القديمة في نابلس كان يتسلل إلى بيت منار الذي لا يبعد عنا سوى بضعة مئات من الأمتار، يمضي عندها سويعات قليلة قبل أن يعود يانعاً ومزهراً كأزهار الدفلي، وفي ظل احتياطاتنا الأمنية في الدخول والخروج كان علام بشخصيته الصاخبة يظل يتململ ولا يلبث إلا أن يفتعل مشكلة كي يغادر البيت ويذهب إليها، وبعد بضعة أشهر سندخل تباعاً عالم الزمن الموازي، وهناك في الأسر ستغدو منار منارة ليله الدامس، ولم يتأخر حتى حكم عليه بالسجن المؤبد تسعة مرات، وفي العام 2005 سيطحن علام بين رحى الزمن الموازي، وكان متشائماً من إمكانية التحرر من الأسر، ولهذا ظل يشعر بتأنيب الضمير، كيف له أن يربط فتاة في مقتبل العمر بمصيره الأسود وسيحترق غضباً ويكتشف معناً جديداً عن الحب بعد أن غدى حباً مستحيلاً، وفي سهراتنا الليلية كان يحدثني عنها، ويريني صورها ويطلعني على رسائلها وكنت منبهراً برسائلها لعلام ومفرداتها ونسقها الأدبي الجميل ونفسها الموزون الأقرب إلى الشعر، رسائل عاشقة تنذر نفسها انتظاراً على مذبح الحب المقدس، وأقول له " أن خطيبتك ستكون روائية كبيرة وعليك تشجيعها" وعلام العملي الصاخب يمطرني بسيل من اللعنات فيهتف " حل عني انتهى وقتك"، وفي تلك الأيام سننحت مصطلحاً بنكهة السخرية السوداء على عشاق الأسر ومنهم علام، وهذا المصطلح المنحوت من اللغة العامية في اللهجة القروية " البربكة" والفعل الماضي منه " تبربك" والمضارع " يتبربك" فهو كناية عن تباكي العاشق الأسير الذي ينزف ألماً وقهراً ويلوذ معظم ساعات يومه بقوقعته هائماً في محبوبته وحائراً فيما يتعين عليه فعله، وستبدأ الضغوط الخارجية على علام وسيبدأ صراعه الداخلي مع النفس، إنه يرغب ببقائها معه، وفي الوقت ذاته يأنبه ضميره على مستقبلها، ومن جهتها عاهدته منار في البقاء على العهد مهما كلفها الثمن، ومن ناحيتي عايشت تلك المرحلة وشجعته على استمرار الارتباط بحكم تفاؤلي بإمكانية تحررنا في قادم الأيام، وبحكم تشاؤمه من هذه الإمكانية حسم أمره ووقع الانفصال.
علام " يتبربك بصمت" ومنذ العام 2005 لم ألتقي مع علام، وكنا نتراسل وفي إحدى رسائله كان لا يزال " يتبربك" رغم مرور سنوات على الانفصال، وأشار لي إلى أنه عاد للتدخين، وهذا يعني ورود أخبار لا تسره على الصعيد العاطفي، وبعدها التقينا وفي ظروف أكثر قسوة، وفي إضراب سبتمبر 2011، جرى تجميعنا في أحد الأقسام القديمة في سجن " أهوليكدار" وكان عددنا يقارب المائة رفيق مضرب عن الطعام، وكانت الغرف التي نحتجز فيها مغلقة على الدوام، ولم يكن مسموحاً لنا باللقاء أو الخروج للساحة، وكلما طلبتني الإدارة بهدف المساومة والضغط لإنهاء الإضراب كنت في طريق عودتي أمر على باب غرفة علام نتحدث قليلا ًونسخر ونضحك، وفي اليوم الخامس عشر على الإضراب علمنا أن صفقة التبادل المعروفة بصفقة " شاليط" قد تم التوقيع عليها وأنه سيجري إنجازها خلال أيام، ووقع الخبر علينا كالصاعقة، ماذا سنفعل؟ كنا مضربين بهدف إخراج المعزولين وعلى رأسهم القائد سعدات من العزل، وكانت تتوارد أنباء عن إمكانية تحررهم في هذه الصفقة، كما أن جزءاً من المضربين كان يتوقع أن يتحرروا أيضاً، وكثر الجدل بيننا وصار الإضراب في خطر، ولم تلبث أن طلبتني الإدارة، وعادت تساوم على الإضراب ولم تتحدث إطلاقاً عن الصفقة المرتقبة، ولا عن إمكانية تحرر بعضنا بها.
وفي طريق عودتي للغرفة كنت بالممر بين صفين من الغرف، الجميع ينادي ويسأل عن الصفقة، فمررت على علام فكانت غرفته الأولى في صف الغرف وأخبرته بما حدث، وكان لا يزال متشائماً من إمكانية تحرره، وفي نهاية المطاف قررنا الاستمرار بإضرابنا مهما كلفنا الثمن، وبعد يومين جاء ضباط الإدارة يحملون سبعة ملفات لرفاق مشمولة أسمائهم في صفقة التبادل، وكل واحدٌ فينا كان يأمل أن يشمله التبادل على قاعدة "إذا أمطرت الدنيا بلحاً فافتح فمك"، أما علام فكان لا يزال متشائماً، وكنت أنا لا أزال متفائلاً وبعد قليل وصلوا عند غرفة علام ودعوه ليجهز نفسه بسرعة وبأن اسمه مشمول بصفقة التبادل، كاد أن يسقط أرضاً من ذهول الفرحة، وبعد ساعة تحرر سبعة رفاق بما فيهم علام المتشائم، تحرر المتشائم وبقي المتفائل بالأسر.
بعد يومين أنهينا الإضراب وسيجري نقلنا بالتدريج، وتوزيعنا على السجون، وكانت رحلتي هذه المرة إلى سجن " إيشيل" ببئر السبع، وهناك عرفت أن علام جرى إبعاده إلى غزة، وصباح اليوم التالي أيقظني أحد الرفاق وكان يحمل كرتونة بسكويت صغيرة الحجم، اعتقدت أنه أيقظني ليطعمني البسكويت فاعتذرت منه وعدت لنومي، ولكنه أيقظني ثانية وأشار إلى العلبة وهو يهمس " تليفون تليفون" وذلك الحين لم أكن قد لامست هاتفاً نقالاً في السجون، شرع الرفيق بإعداد الهاتف وربط الأسلاك بعملية معقدة ودعاني للتحدث مع أهلي، ولكن مع من سأتحدث لا أحفظ أرقاماً إطلاقاً، لكن جاء برقم علام وها هو علام تحرر من بيننا وصار له هاتفاً أكلمه عليه، وأصغي لعلام وكان مبتهجاً في عالم الحرية، وضحكنا وسخرنا، ثم هتف من أعماقه " سأتزوجها قريباً" فرحت له، بعد شهرين غادرت منار الضفة في رحلة طويلة ستمر خلالها على الأردن، ومن ثم إلى مصر ومن هناك على غزة ، وفي غزة ستعقد قرانها وستتزوج من علام وستحدث المعجزة، ويكمل الزمن الطبيعي دورته وينتهي هذه المرة بنهاية سعيدة، وتمر السنوات وأهاتفه كلما تيسر لي ذلك، وظل علام يتذمر وسيكون أكثر صخباً ويفتح النار على من حوله، وأداعبه بالقول " لقد نلت حريتك المستحيلة، واستعدت منارك فلماذا تتبربك" وفي غزة سيعيش علام ومنار زمناً آخر تحت الحصار والحروب، وكلما حملت منار كانت تضطر للسفر إلى الضفة لانجاب مولودها هناك لينال مواطنة الضفة، وهذه إحدى سخريات الأقدار الفلسطينية، وإحدى أوجاع معاناتنا تحت الاحتلال، وبهذا تكون حكاية علام ومنار قد عايشت ثلاثة أزمنة، الزمن الأول زمن الانتفاضة، حين يمتزج الحب بالثورة والتضحيات، وحين يتراقص على الدوام قبالة الموت، وسينجو علام من الموت بعد اشتباك مسلح برفقة رفيق دربه أمير ذوقان وسيكتب الجنرال بدمائه على الجدار عبارته المشهورة " كونوا على العهد" وتلك رسالة لكل من يهمه الأمر لرفاقه ولشعبه وربما لمناره التي بقيت هي الأخرى على العهد، والزمن الثاني هو الزمن الموازي في الأسر وكان الحب حينها يشهد لحظات توتر وآلام، وهناك ستغدو منار قديسته بلا منازع، والزمن الثالث هو زمن الحرية، حين يتعانق الحب مع الحرية، ولكن بنكهة الحصار وأدخنة الحروب في أرض غزة الإباء، وفي هذا الزمن سيولد أسامة ثم تولد نايا وأثناء حمل منار بابنها الثالث أحمد كان علام " يتبربك" ويشكو سوء أحواله المادية، ولن يكون بوسعه هذه المرة تسفيرها إلى الضفة، وقال ساخراً " سأوصلها إلى المستشفى وأولي هارباً" ولد أحمد، وذات مرة سألته عن أحوال ابنه الصغير عندها شتمه بشتيمة بذيئة وعندها انفجرت ضاحكاً " لن يتغير علام سيبقى صاخباً وفي غزة سيتشاجر مع الجميع " ومنار ابنة المدينة التي عشقت ابن الأزقة والمخيمات عجزت عن تهذيب علام، ربما أرادته هكذا وكما هو، ربما عشقت فيه صخبه وثورانه وبساطته وثورته الدائمة، كان حب على الطريقة الفلسطينية المليئة بأوجاعها وسخريتها، ومرة أخرى تكون المرأة صاحبة الانتصار في هذه المعركة.
أما حكاية خالد الحلبي وكلير فلها مذاق مختلف، فبدأت علاقتهما عام 1999 وفي زمن الانتفاضة الثانية اضطربت العلاقة بسبب ظروف مطاردة خالد، لم يشأ ربط مصير كلير بمصيره لمعرفته المسبقة بما ينتظره في حال أسره، واعتقل خالد عام 2002 واستمرت علاقته بكلير لمدة عامين ثم تنقطع، وحكم عليه بالسجن لمدة 28 عاماً وبعد انقطاع علاقته بها لمدة 8 سنوات عادت وتجددت عام 2012 وفي انبعاث العلاقة من جديد كانت كلير هي صاحبة المبادرة بعد أن نذرت نفسها لخالد مهما كان الثمن، وخلال خمس سنوات من هذه العلاقة تغير خالد وهو المعهود عنه بشراسته وسرعة غضبه، فتهذبه كلير وسيغدو عاشقاً وصامتاً وهادئاً وحالماً معظم الوقت، ولا يمل الحديث عن كلير التي استوطنت كل خلية في جسده واحتلت روحه وروضت فيه الشراسة والغضب، وتربي فيه العاشق الحالم والنبيه.
ويروي لي خالد في كل محطة ألتقيه عن كلير، وفي كل مرة كان يروي حكايته معها وكأنه يبدأ من جديد، يعشقها بكل ما أوتي من شراسة وعزيمة، تلمع حدقاته كلما استحضر طيفها، وبوسعك أن تجد تلك السجينة الراكدة في أعماقه، لقد طبخه الحب على نار هادئة وصار أكثر صفاءً وبهجةً وثقةً بالنفس.
أما الجديد مع خالد وكلير فكان ذلك القرار الشجاع بالارتباط وهو في زمن الأسر، وسيتعانق الزمنان على ضفاف المستحيل، ولن يسمحا للأسر بأن يشوش سعادة الحب النابضة، وتبقى لخالد اثنتي عشر عاما للتحرر، وخلال الأيام القادمة سيتوج خالد وكلير علاقتهما بعقد قرانهما بالأكليل متحديان كافة مستحيلات الأزمنة، ويظل خالد يحلم أن تنجب له كلير طفلة سيسميها كنزي، وستغدو كنزي في عالمنا الموازي كائناً حياً موجوداً في الحياة قبل أن يولد، وسيشترط على كلير أن يكون المولود انثى وستصبر كلير على دلال ودلع خالد لترهن ذلك للمعجزات التي يصنعها الحب المستحيل، أما نحن وقبل أسابيع سنشهد إحدى الطقوس التي لم يعرفها أي بشر على وجه الأرض، وسيهرب خالد النطفة التي ستحمل كنزي إلى الحياة، وتجري بعدها عملية فحص مخبرية للتأكد من سلامة النطفة، وبعدها ستتجمد كنزي في حضن الزمن إلى أن يجري عقد القران، ومن ثم عملية زراعة النطفة في أحشاء الأم، وبهذا سيتحدى الحب على الطريقة الفلسطينية كل الأزمنة المستحيلة وسينتصر الحب وسيسقط حجر آخر من قلعة " إسرائيل" الحصينة.
ومن يعرف خالد عن قرب فسيدرك أن الحياة لديه لا تتشكّل إلا من لونين الأسود والأبيض، وبفعل كلير غدى خالد فسيفسائياً يضج بالألوان وما أعظم المرأة حين تربي العاشق وتعيد تشكيله من جديد، ويأتي خالد لمحادثة كلير ويكون قبلها أشبه بالصحراء الجافة، وبعد المكالمة يخرج يانعاً كالزهور ومزهراً كالبساتين وباسماً كالشمس وصافياً كسماء نيسان، ونداعبه من الآن بابنته كنزي ليصغي إلينا بطريقة حالمة يسابق الزمن عشرين عاماً للأمام حين تغدو كنزي صبية جميلة ومتحررة ويكون هو عجوزاً لا حول له ولا قوة وتخرج كنزي رغماً عن أنفه لملاقاة عشيقها، ولأن خالد يعيش هذه الحكاية ويصدقها كما لو كانت في الواقع سترتفع وتيرة استفزازه ويبدأ منذ الآن بالاحتياط لهذا السيناريو، لننتظر ونرى ماذا سيخرج لنا العشق الساحر من قبعة الزمن الموازي، ومرة أخرى تكون الميزة في العاشقة وليست في العاشق فبهذه هذه المرأة العاشقة على حواف الزمن الموازي سيتركز العالم بكامل جلاله وجماله.
ولدى صلاح وشيرين نقف عن حكاية أخرى لا يقل سحرها عن الحكايات الأخرى، أتذكر صلاح حين كان شاباً طويل القامة ممتلئاً بالصحة يتجول دائماً على دوار المنارة في رام الله ولا يمكنك أن تتخيل صلاح مرتبطاً بذلك المكان برفقة عدد من الأصدقاء، أما شيرين فأتذكرها فتاة في الثانوية تأتي مع أخواتها أحياناً إلى الجامعة وهناك نشاكسها قليلاً، ستكبر شيرين وتدخل الجامعة ويأتي زمن الانتفاضة الثانية ويغدو صلاح ملاحقاً من الاحتلال، وستنشأ علاقة حب بينهما، حبٌ يصارعُ البقاء على ضفاف الثورة والنضال والمخاطر، وفي العام 2004 سيصاب صلاح في ساقه إصابة بالغة وسيجري اعتقاله ليدخل عالم الزمن الموازي، ويحاكم بخمسة عشر عاماً ولكن شيرين ستتمسك به، عرض عليها أن تعيش حياتها رفضت وأصرت على الانتظار، وتوجت العلاقة بالزواج على طريقة الزمن الموازي، وتمضي السنوات ولم يتحرر صلاح بدفعات الإفراجات، ولم يعد أمام العاشقان سوى الانتظار والتحلي بالصبر الجميل، كنا نناديه بأبي علي صلاح ولم يكن عليٌ قد جاء إلى هذه الدنيا بعد، واليوم نناديه بأبي علي صلاح وقد صار عمر علي عامين، كيف حدث السحر وهو لا يزال معنا بالسجن، شيرين هي من جعلت الحلم حقيقة قررت أن تهديه طفلاً، سيجري تهريب النطفة وسيجري زرعها في العروس البكر وستهديه مع ابنه علياً محبباً مكللاً بالوفاء الأبدي، ولا يستغربن أحداً تلك من غرائب عالمنا الموازي ونحن نحيى في قلب واحة " إسرائيل" الديمقراطية التي ينبح قادتها ليلاً نهاراً بالتغني بحضارتها، ومرة أخرى تنتصر المرأة؛ فبالمرأة الحرة يتركز جلال العالم وجماله.
أما صديقي العزيز نادر صدقة، فحكايته هي إحدى غرائب عالمنا الموازي، عرفت نادر منذ أكثر من عشرين عاماً وعايشت حكايته الغرامية ووقوعه في أكثر من حفرة عشقية منذ الجامعة وجنونها، مروراً برحلة النضال والمطاردة في زمن الانتفاضة الثانية، وليس انتهاءً بعالم الزمن الموازي، وفي هذا العام سيداوي جراحاته وينهمك من رأسه حتى أخمص قدميه بالعمل والنضال الاعتقالي، حيث يقضي حكمه بالسجن المؤبد، كنا قبل عام في سجن " جلبوع" منشغلين في التحضير لإضراب نيسان، وفي هذه الأثناء وعلى الهامش وفي لحظة صمت فاصلة باح لي بلامبالاة عن فتاة أردنية أرسلت له رسالة مطولة، وترغب من خلالها بإلحاح أن تتعرف إليه، ووصفها لي بالمجنونة وتظاهر بعدم الاكتراث، رمقته بطرف عيني وابتسمت ثم همست " هذه المجنونة ستكون قدرك " رد عليّ بهمس "بتحلم" وهمست ثانية " أعرفك أكثر من أمك سلام"، ومضت الأيام ونسينا الأمر وانشغلنا بالإضراب وبإشكالياته وملابساته، وبعد الإضراب وفي موسم الهجرة إلى الجنوب نقلتني إدارة السجون إلى سجن ريمون، وسيلحق بي نادر بعد أسبوعين، وهناك تواصل نادر هاتفياً مع الأهل والأصدقاء ليفاجئ بأن ثمة فتاة تقلب عليه العالم منذ ثلاثة سنوات، لم تترك سفارة ولا موقعاً الكترونياً ولا صديقاً محرراً ولا مؤسسة حقوقية إلا وبحثت عنه وتتبعت أخباره، وكان نادر لا يزال يتظاهر بعدم الاكتراث، وفي هذه الأثناء خرجت في زيارة لأحد الأقسام مدة شهر، وسيأتيني ثائر سكرتير المنظمة في جولته الأسبوعية على الأقسام، وجاءني مرة ينم على نادر بطريقة ساخرة ويتساءل " ألا تعرف ما هي آخر أخبار نادر؟ " أجبته بلامبالاة " كلا لا أعرف" أجابني بخبث " لقد وقع في الحب" تظاهرت بالغضب وهتفت"وهل هذا وقت غرامياته هل نسي أنه سيعود إلى جلبوع قريباً إذا تعلق بها سينسى كل شيء، وسينشغل بها" ابتسم ثائر وقال متخابثاً " حسناً اكتب له رسالة" هتفت " ماذا سأكتب لهذا المجنون؟" رد ثائر " اكتب له أي شيء" أخذت من ثائر قصاصة ورقية " ماذا سأكتب له ولم أجد ما أكتبه سوى هذه المقطوعة الشعرية " احذر لدغة الأمل الجريح"، وسأعود بعد شهر إلى القسم سأجد نادر هناك وأكاد أحبس برعماً يكاد يتفتح في أعماقه، شرع نادر يحدثني عن حكاية فتاة اسمها دانا تعمل في الصحافة قرأت تقريراً عن نادر في صحيفة مصرية أثناء زيارتها لمصر قبل سنوات، أحبت حكايته نبض شيء جميل في داخلها بحثت عنه في مواقع الشبكة العنكبوتية، وهناك عثرت على صورته وبعض المعلومات والتقارير، وعندها اكتمل المعنى عشقته برسم كيمياء الاسم والصورة والحكاية، وقلبها حدثها " أن نادر قدرها وهو تحديداً من تبحث عنه " وطوال ثلاث سنوات قلبت عليه العالم، أرسلت له رسائل معظمها لم تصل، اتصلت بالسفارات والمؤسسات وتتبعت أخباره، ولم تكن دانا في هذه الحالة تزاول مهنتها الصحافية، لقد كانت تتصرف كعاشقة بحثت عنه بإصرار بالإبرة والخيط إلى أن سمعت أنه في سجن " ريمون" وأنه ستسنح له الفرصة بالاتصال بها، عندها جن جنونها كثفت اتصالاتها للأهل والأصدقاء إلى أن نجحت أخيراً في سماع صوته وكانت تضحك ووصفها بالمجنونة وضحكت بهستيرية صارحته بحبها منذ المكالمة الأولى، فشرح لها أوضاعهم وحاول تطفيشها لكنها رفضت وتشبثت به أكثر من قبل، قالت له " سأنتظرك حتى آخر لحظة في العمر" .
سألني نادر بعد رواية هذه الحكاية عن رأيي أجبته ساخراً " أنت تعرف رأيي منذ البداية" رد بسخرية " أنت واهم" أجبته " ستعشقها" ثم أضفت " أنا شخصياً لا أثق ولا أحترم إلا هذا الطراز من النساء "وعندها استسلم نادر وقال " تعال معي " دخلنا غرفته وكنا وحدنا أخرج مظروفاً مكوناً من ستة أوراق إنها رسالة كتبها لها خلال الأيام الماضية وقال لي " اقرأ" وشرعت بقراءة الرسالة، لم أقرأ في حياة رسالة ببلاغتها وصراحتها وعمقها ودفئها الإنساني... رسالة يختلط فيها الحب بالثورة وبالفلسفة والأدب والشعر وكان يشرح وضعه محاولاً صدها، وكبح جماح جنونها، سألته " أين مسودة الرسالة" أجابني " إنها المسودة والرسالة كتبتها هكذا" قلت له " ستطير دانا فرحاً بها لم يسبق لي أن قرأت رسالة بهذا العمق" صمت نادر ثم هتف قائلاً" أنت تظن أن الأمر بهذه البساطة كيف لي أن أتظاهر بالحب أنت تعرف تفاصيل حياتي، كيف لي أن أحب فتاة تكاد تعرفت عليها؟!" أجبته " أن دانا تنتمي إلى ذات الطراز من النساء اللواتي لا يجود الزمان بها كل يوم، هذا الطراز من النساء بجنونهن ونقائهن ووفائهن ستجدهن يبرزن في كل زمان ومكان وينذرن أنفسهن بشئ أسمى من ما يعرفه البشر، وفوق كل ذلك إنها تستحقك كجائزة"، وعندها سكت نادر وأحسست أنه كان بحاجة إلى من يريحه بهذه الكلمات، قلت له " أما عن الرسالة كانت رائعة مع أنك كنت مرتبكاً ومنقلب الفؤاد أثناء الكتابة، وأنا واثق أنك ستكتب لها في قادم الأيام ما لم تكتبه في حياة أي امرأة أخرى" ولدى خروجنا إلى الساحة أمسكت به من ذراعه وقلت له ساخراً متشفياً " هذه الفتاة عظيمة قلبت عليك العالم طوال ثلاث سنوات، وبحثت عنك بين الركام إلى أن أمسكت بك من ذيلك ثم حاولت إخفاء وجهك بالأقنعة، وسرعان ما بدأت تنزع عنك الأقنعة قناعاً بعد الآخر إلى أن أوقعتك في حبها" ابتسم نادر ابتسامة واسعة، واكتفى بالصمت. وفي هذه الصحراء عثر نادر على عشيقة مجنونة، ظنها سراباً في البداية لكنها كانت حقيقة لا سراباً، لفحت أنفه بعبيرها من بعيد، وأمطرت على صحرائه ولم تلبث أن تفتح زهورها في أعماق قلبه.
وفي هذه الأثناء جاء اسم نادر للنقل إلى " جلبوع" أحسست أن لديه رغبة بالبقاء بهدف التواصل الهاتفي مع دانا، قلت له " لا بأس عد إلى مهمتك في الشمال، وأنا واثق أنك ستكتب لها من هناك أجمل الرسائل، وهي ستكتب لك كذلك أروع الرسائل، فالحديث على الهاتف سيضيع في الهواء، أما الكتابة فهي خالدة سيتاح للناس أن تقرأها في يوم ما، تلك التي سيكون لها نصيب في التاريخ من أدب السجون".
ومرة أخرى نقول أن الحب في هذه الحالة هو من الأسماء الحركية للمرأة وليست للأسير العاشق، لطالما تغنى الناس بالأسرى ممتدحين صمودهم الأسطوري، بينما ننسى النصف الآخر من القمر، ننسى أو نتناسى ذكر هؤلاء النساء القديسات المنتظرات بصمت وصبر على حواف الزمن الموازي، انهن مسجونات مرتين مرة لأنهن ربطن مصائرهن بمصائر أسرى يعيشون مستحيل الحرية، ومرة ثانية وهن يقاومن كل إجراءات العالم وينذرن أنفسهن على مذبح الحب المقدس، أما الأسير فهو لا يمتاز أكثر من كونه أسيراً، فهو لا يدفع ثمناً للحب كما تدفعه المرأة، وسيكون بمقدورنا سرد مئات وربما آلاف من الحالات المشابهة من زوجات وخطيبات الأسرى طوال تجربة الأسر الفلسطينية في تاريخها الطويل.
وهؤلاء النسوة لسن هاويات ومغامرات والمسألة ليست مجرد تعاطفٍ مع أسير، أو مشاطرته النضال الوطني وإنما المسألة أعمق بذلك بكثير إنها تعبّر عن حالة ثقافة راقية في رحلة نضال شعبنا نحو الحرية، وتعبّر عن حالات فريدة في الحب ربما لم تعرفها التجربة الإنسانية وبالذات دروسها الصعبة والقاسية والاستثنائية، وسيذكر تاريخنا العربي حكايات قيس وليلى، وكثير وعزة، وعنتر وعبلة وجميل وبثينة، وسينشغل النقد العربي بغراميات ولادّة بنت المستكفي مع ابن زيدون، وهي تعيش في قصر والدها المترف بينما تشكو في أشعارها لهيب حنينها لابن زيدون الذي لم تراه منذ أربعة أشهر، ماذا ستقول سناء دقة وهي تقرأ هذه الأشعار وتعليق النقاد عليها؟، وسيهتم التاريخ الأدبي بنقل حكايات الحب الارستقراطي والماجن في قصور الخلفاء والأمراء والسلاطين، وسينشغل النقد بفنون وصف الشفاه والعيون والسيقان في الشعر والنص الأدبي العربي، بينما لا يتذكر أحد أن يصف لنا روعة وصفاء ووفاء هذا الطراز من النساء العاشقات من أمثال سناء ومنار وكلير وشيرين ودانا والمئات من أمثالهن اللواتي يجسدن الحب في كمال حضوره الإنساني، وسينقل لنا تاريخ الأساطير حكايات عن آلهة الحب والجمال لدى الشعوب الغابرة، وسيتحدثون عن عشتار وفينوس وافروديت واللواتي كن نساء عاشقات وملهمات قبل أن يجري أسطرتهن وماذا سنقول عن هذه الأساطير المجسدة في الواقع هذه النساء اللواتي سجلن لنا صفحات ناصعة في تاريخ الحب والوفاء والإخلاص والتضحية والانتظار الجليل على حواف الزمن الموازي.
هذا من النوع لن نجد له تعريف لدى ابن حزم في طوق الحمامة، وهذا النموذج من النساء نادر في وجوده يعكس ثقافة في جمالية النفس البشرية التي طمستها التكنولوجيا والثقافة الاستهلاكية والذوق الرخيص في هذا العصر، فبماذا سنصف هذا النوع من النساء وهن يجسدن المعنى في أتم حضوره وقداسته ؟ هل سنتحدث عن عيونهن وقوامهن وشعرهن؟ أم نمتدح بطولاتهن وصمودهن ؟ أم نكتفِ بشعارات التكريم الفارغة، إذن فليبدأ الأدب العربي باشتقاق مفردات جديدة تليق بهذا السمو المجبول بالكبرياء والأصالة والنقاء، وبهذا الطراز من النساء المعجون بالتلقائية والوفاء والذوق الرفيع الذي يتجسد فيه معنى الحب الحقيقي، ويكتسي معناً تجريدياً لا حسياً لا علاقة له بتجارب العشق العادية، إنه حب عابر للأزمنة... وعابر للأديان... وعابر للجدران... وعابر للمستحيل، وهي أصعب حالات العشق وأكثرها جنوناً وعمقاً ونقاءً ووفاءً، وهذا الطراز لا يحتاج إلى المدائح، لن يحتجن لأحد كي يعلمهن معنى الحب وهن يجسدن المعاني كلها، لم يعتبن على الزمن، ولا يندمن على الاختيار، ولا يندبن حظوظهن ولا يتظاهرن بالتميز، ولا تغريهن المظاهر ولا المال والشهرة والمجد، طراز لا يتباكى تجدهن مثقفات ومتعلمات وجميلات وعاملات فلماذا لا يتمتعن بمسرات الحياة ومباهجها؟ وما الذي يدفعهن لربط مصيرهن بهذا المصير القاسي؟! انهن ببساطة يتصرفن بتلقائية الشمس والطبيعة فهو المعنى الجمالي للحياة، لشئ لا يفهمه البشر، وسيقال عنهن حالمات مجنونات مغامرات، وسيقال عنهن أيضاً كلمات تمتدح صمودهن وبطولاتهن وفي كل الأحوال لن تهتم احداهن بما سيقال عنهن إنهن بعشقهن الواحدة منهن تكون كالزهرة التي تنغلق على نفسها وتحتفظ بعبيرها وشذاها بداخلها، يلامسن عالماً غير مرئياً هو عالم الحب المقدس، وهكذا يكن قد رفعن قيمة الحب إلى مرتبة الجلال والشرف، وهي أرقى حالات الحب في الزمن، ستتبرم أمهات الأسرى وآبائهن وسيطلق المغرضون سهامهم وسيقولون " كبرت في العمر، وذهب سحرها وجمالها" سيقولون " لم تعد قادرة على الإنجاب" لكنهم لن يقولوا " كبر الأسير وترهل ونهشته الأمراض " وسيظلمون المرأة للمرة المليار ولن يفهموا عالمها أبداً، وبهذه الحالة فليسقط الرجال وتحيا النساء، وهذا الطراز من النساء لن يفهمهم بعمق سوى المتصوفين على مذهب ابن عربي، وسيجدون أن الحب مجسد في المرأة من هذا الطراز بكل صفائه وبهائه ونقائه، وحينها سيطلق عليهن ما قاله أحد المتصوفين " رَقّ الزُّجاجُ وَرَقَّت الخَمرُ، فَتشابَها فَتَشاكل الأَمرُ، فَكَأَنَّها خَمرٌ وَلا قَدح، وَكَأَنَّها قَدحٌ وَلا خَمرُ "، وهكذا يتجسد حب المرأة ويقول فرناندو بيسوا " أن نفكر معناه ألا نعرف كيف نمارس الهدوء " وبهذا النوع من النساء يصح أن نقول " أن نحب معناه أن نعرف كيف نمارس الهدوء ".
وفي كل الأحوال تشّكل المئات من نساء الأسرى جزءاً أصيلاً من الحكاية الفلسطينية بأوجاعها وتضحياتها وبهذه الثقافة في المقاومة وبهذا الشكل من الحب المقاوم نكون قد سجلنا أهدافاً في مرمى الاحتلال، واكتشفنا زيف ادعاءات دولته في الحضارة والتنور، وبهذا نعبّر عن نضالنا الراقي، ويكون أحد أسلحتنا في الدفاع عن حقنا في الوجود، وإلى أن ينكسر عالم الزمن الموازي ويولد العاشق من ظلمته، ستظل المرأة العاشقة على حواف الزمن الموازي تنتظر بزوغ قمرها من الأسر، لينير سمائها وتكون في هذه الحالة قد انتصرت مرتين بحبها مرة حين أحسنت فن الانتظار، والأخرى حين حظيت بعاشقها تحت الشمس، وعندها تكون قد تربعت على عرش القلب في كل الأزمنة.


توقيع هدى نورالدين الخطيب
 
[frame="4 10"]
ارفع رأسك عالياً/ بعيداً عن تزييف التاريخ أنت وحدك من سلالة كل الأنبياء الرسل..

ارفع رأسك عالياً فلغتك لغة القرآن الكريم والملائكة وأهل الجنّة..

ارفع رأسك عالياً فأنت العريق وأنت التاريخ وكل الأصالة شرف المحتد وكرم ونقاء النسب وابتداع الحروف من بعض مكارمك وأنت فجر الإنسانية والقيم كلما استشرس ظلام الشر في طغيانه..

ارفع رأسك عالياً فأنت عربي..

هدى الخطيب
[/frame]
إن القتيل مضرجاً بدموعه = مثل القتيل مضرجاً بدمائه

الأديب والشاعر الكبير طلعت سقيرق
أغلى الناس والأحبة والأهل والأصدقاء
كفى بك داء أن ترى الموت شافياً = وحسب المنايا أن يكن أمانيا
_________________________________________
متى ستعود يا غالي وفي أي ربيع ياسميني فكل النوافذ والأبواب مشّرعة تنتظر عودتك بين أحلام سراب ودموع تأبى أن تستقر في جرارها؟!!
محال أن أتعود على غيابك وأتعايش معه فأنت طلعت
هدى نورالدين الخطيب غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 09 / 05 / 2018, 13 : 09 PM   رقم المشاركة : [6]
هدى نورالدين الخطيب
مديرة الموقع المؤسس - إجازة في الأدب ودراسات عليا في التاريخ - القصة والمقالة والنثر، والبحث ومختلف أصناف الأدب - مهتمة بتنقيح التاريخ - ناشطة في مجال حقوق الإنسان


 الصورة الرمزية هدى نورالدين الخطيب
 





هدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond repute

بيانات موقعي

اصدار المنتدى: مدينة حيفا - فلسطين ( فلسطينية الأب لبنانية الأم) ولدت ونشأت في لبنان

رد: استفتاء جماهيري - المقالة والدراسات - مسابقة نور الأدب الكبرى 2018

5-

" يَـومْ أن بَـكَـتْ الطُـفـُولـَة "
والحكاية .. يوم أن بكى سعدون


اِحكِ يا سعدون ..
اليوم لا يُنسى .. و العام أيضاً ..
كنا في العام 1969 ..
و ذات ليل والأسرة تجلس أمام جهاز التلفاز تشاهد نشرة الأخبار ..
الأجواء الحماسية مُشتعلة .. البيانات العسكرية تُبث من التلفاز و كأنها نغم ساحر..
الروح الوطنية تملأ الدُنيا ..
الناس تتحدث بلغة واحدة .. و المفردات كلها زهو و عزة ..
لا صوت يعلو فوق صوت المعركة .. معركة الكرامة ..
فِلسطين ستعود ..
فِلسطين أيقونة المعركة و كرامة العروبة ..
أم كلثوم تُذهلنا بأنشودتها الرائعة :
إِنّـا فدائيون .. نفنى ولا نهون ..
وبينما الأسرة مجتمعة تتابع الأحداث من جهاز التلفاز .. و بعد أحد البيانات العسكرية
و الأب يصول و يجول متحدثاً عن البطولات والمعركة ..
يُذيع التلفاز أغنية فيروز " زهرة المدائن "
الأغنية من ألحان وكلمات الأخوين رحباني ..
لحن مذهل وكأنه نداء للعروبة أن هلموا بني العرب..
إن القدس تُناديكم ..
هكذا استوعب سعدون النداء أو لنقل الأغنية ..
تقول الكلمات : لأجلك يا مدينة الصلاة اُصلي ..
لأجلك يا بهية المساكن يا زهرة المدائن ..
يا قدس .. يا قدس .. يا قدس يا مدينة الصلاة اُصلي
عيوننا إليك ترحل كل يوم .. ترحل كل يوم ..
تدور في أروقة المعابد ..
تعانق الكنائس القديمة ..
و تمسح الحزن عن المساجد ..
عيوننا إليك ترحل كل يوم .. ترحل كل يوم ..
تدور في أروقة المعابد ..
تعانق الكنائس القديمة ..
و تمسح الحزن عن المساجد ..
يا ليلة الإسراء .. يا درب من مروا إلى السماء ..
عيوننا إليك ترحل كل يوم .. و إنني اُصلي ..
الطفل في المغارة وأمه مريم وجهان يبكيان ..
الطفل في المغارة وأمه مريم وجهان يبكيان ..
يبكيان .. لأجل من تشردوا ..
لأجل أطفال بلا منازل ..
لأجل من دافع و اِستُشهد في المداخل ..
و استشهد السلام في وطن السلام ..
و سقط العدل على المداخل ..
سقط العدل .. سقط العدل .. سقط العدل على المداخل
حين هوت مدينة القدس ..
تراجع الحب .. وفي قلوب الدنيا استوطنت الحرب
وحين هوت مدينة القدس ..
تراجع الحب .. وفي قلوب الدنيا استوطنت الحرب
الطفل في المغارة وأمه مريم وجهان يبكيان .. و إنني اُصلي
الغضب الساطع آتٍ .. الغضب الساطع آتٍ .. الغضب الساطع آتٍ وأنا كلي إيمان
الغضب الساطع آتٍ سأمر على الأحزان
الغضب الساطع آتٍ وأنا كلي إيمان
الغضب الساطع آتٍ سأمر على الأحزان
من كل طريق آتٍ .. بجياد الرهبة آتٍ
من كل طريق آتٍ .. بجياد الرهبة آتٍ
و كوجه الله الغامر .. آتٍ آتٍ آتٍ
الغضب الساطع آتٍ وأنا كلي إيمان
الغضب الساطع آتٍ سأمر على الأحزان
الغضب الساطع آتٍ وأنا كلي إيمان
الغضب الساطع آتٍ سأمر على الأحزان
من كل طريق آتٍ .. بجياد الرهبة آتٍ
من كل طريق آتٍ .. بجياد الرهبة آتٍ
و كوجه الله الغامر آتٍ آتٍ آتٍ
لن يُقفل باب مدينتنا فأنا ذاهبة لأُصلي
سأدق على الأبواب .. وسأفتحها الأبواب
و ستغسلُ يا نهر الأردن وجهي بمياهٍ قُدسية
و ستمحو يا نهر الأردن أثار القدم الهمجية
الغضب الساطع آتٍ .. بجياد الرهبة آتٍ
الغضب الساطع آتٍ .. بجياد الرهبة آتٍ
و سيهزِم وجه القوة .. سيهزِم وجه القوة .. سيهزِم وجه القوة
البيت لنا والقدس لنا ..
البيت لنا والقدس لنا ..
و بأيدينا سنعيد بهاء القدس ..
بأيدينا للقدس سلام ..
بأيدينا للقدس سلام ..
بأيدينا للقدس سلام ..
بأيدينا للقدس سلام ..
للقدس سلام آتٍ ..
للقدس سلامآتٍ ..
للقدس سلام آتٍ ..
للقدس سلام آتٍ ات ات ات
كانت الكلمات أقوى من إستيعاب سعدون و مشاعره الجياشة ..
حبه لفِلسطين كان حالة غريبة في صغره .. هكذا هو حينما يحب ..
ترك سعدون أسرته وقام مسرعاً إلى غرفته بالمنزل ..
و ما أن اِنفرد بنفسه إلا و انسابت منه الدموع تقهره ..
وكأنه يشعر بعجز يمنعه من الذهاب إلى أهله في فلسطين للذود عنهم وعن زهرة المدائن ..
عاشت فلسطين معه .. أبداً لا ينساها ..
و لا ينسى أنه ذات يوم بكاها من حُرقة وعجز ..
فلسطين حبه الأول ..
بقيت في قلبه ما بقى حبه الأول .. ويبقى السؤال ..
هل سيشهد يوماً زهرة المدائن .. و يبكي من فرح ..؟؟؟؟؟؟؟؟
توقيع هدى نورالدين الخطيب
 
[frame="4 10"]
ارفع رأسك عالياً/ بعيداً عن تزييف التاريخ أنت وحدك من سلالة كل الأنبياء الرسل..

ارفع رأسك عالياً فلغتك لغة القرآن الكريم والملائكة وأهل الجنّة..

ارفع رأسك عالياً فأنت العريق وأنت التاريخ وكل الأصالة شرف المحتد وكرم ونقاء النسب وابتداع الحروف من بعض مكارمك وأنت فجر الإنسانية والقيم كلما استشرس ظلام الشر في طغيانه..

ارفع رأسك عالياً فأنت عربي..

هدى الخطيب
[/frame]
إن القتيل مضرجاً بدموعه = مثل القتيل مضرجاً بدمائه

الأديب والشاعر الكبير طلعت سقيرق
أغلى الناس والأحبة والأهل والأصدقاء
كفى بك داء أن ترى الموت شافياً = وحسب المنايا أن يكن أمانيا
_________________________________________
متى ستعود يا غالي وفي أي ربيع ياسميني فكل النوافذ والأبواب مشّرعة تنتظر عودتك بين أحلام سراب ودموع تأبى أن تستقر في جرارها؟!!
محال أن أتعود على غيابك وأتعايش معه فأنت طلعت
هدى نورالدين الخطيب غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 09 / 05 / 2018, 23 : 09 PM   رقم المشاركة : [7]
هدى نورالدين الخطيب
مديرة الموقع المؤسس - إجازة في الأدب ودراسات عليا في التاريخ - القصة والمقالة والنثر، والبحث ومختلف أصناف الأدب - مهتمة بتنقيح التاريخ - ناشطة في مجال حقوق الإنسان


 الصورة الرمزية هدى نورالدين الخطيب
 





هدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond repute

بيانات موقعي

اصدار المنتدى: مدينة حيفا - فلسطين ( فلسطينية الأب لبنانية الأم) ولدت ونشأت في لبنان

رد: استفتاء جماهيري - المقالة والدراسات - مسابقة نور الأدب الكبرى 2018

6-

إشـيرائيل .. دراسـة

[align=justify]يمثل هذا العنوان مجرد فرضية تاريخية تلتمس محاولة الإسناد بأن مسمى " إسرائيل" هو اسم كنعاني وليس خاصاً باليهودية كجماعة ومعتقد ديني وتاريخي.
وقبل مقاربة هذه الفرضية وإبراز المعطيات التاريخية الخاصة بها أود الإشارة إلى أنني ترددت مراراً في الكتابة بهذا الشأن طوال السنوات الماضية لأنني ببساطة لست مؤرخاً أو متخصصاً في الميثولوجيا وتاريخ المعتقدات، وكل ما في الأمر أنني طوال سنوات أسري كنت قد استحوذت على وثائق من دراسات تاريخية ومعتقدات وأديان قديمة، فاستغرقت في القراءة لعشرات الدراسات والأبحاث على هذا الصعيد لأن الاطلاع على التاريخ القديم لاسيما فلسطين ومعتقدات الكنعانيين من ديانة ومعتقدات الشعوب القديمة من شأنه أن يساهم في كشف الستار عن الحقائق الغائبة والمغيبة والمزيفة في ظل ما يرتكبه الصهاينة من عملية تزييف الحقائق وطمسها، فها نحن نقاتل على جبهة لا تقل أهمية عن الجبهات السياسية والكفاحية ألا وهي الجبهة الثقافية والتاريخية، ومن جانب آخر فإن هذه المعتقدات لا زالت تفعل فعلها وتعكس نفسها، بل وتتغلغل في حياة البشر وعاداتهم وثقافتهم، فبعض هذه المعتقدات لا تزال قائمة وكامنة في ثقافتنا ولا تزال أسماء المدن والقرى الفلسطينية هي ذاتها منذ الحقبة الكنعانية.
ولعل أبرز ما شدني هو مسمى " إسرائيل"؛ فانهمكت أبحث عن أصل المسمى حيث خالجني شك بأنه قد يكون أحد المسميات الكنعانية فكان أن توصلت إلى استنتاج واقعي، بأن هذا المسمى ما هو إلا تزاوج إلهين أسطوريين كنعانيين، وطوال أكثر من عشر سنوات حاولت إجراء دراسة مطولة بهذا الشأن أو كتابة رواية أدبية بعنوان " اشيرائيل" إلا أنه وفي ظل عدم توفر المراجع اللازمة في السجن وكذلك بسبب ظروف الأسر وضياع المواد والتوثيقات والاقتباسات قد حال دون إنجاز هذه المهمة، ولكن الفكرة ظلت تلح عليّ إلى أن قررت إنجازها على شكل مقالة مع إرفاقها بالمعطيات بهدف طرحها لنقاش عام لعلها تكون محفزاً للباحثين والمختصين بهذه الفكرة لما للمسألة التاريخية والميثولوجية من أهمية فائقة، خاصة ونحن نخوض صراعاً مريراً مع هذا المحتل الغاشم على كل شيء الأرض والتاريخ والتراث والمعتقدات.
كما وأود أن ألتمس عذراً من القارئ لغياب التوثيق الممنهج والعلمي وتسجيل المراجع والاعتماد على الذاكرة فحسب بسبب ضياع الكراسات ومصادرتها من قبل إدارات السجون، ولكن للأمانة أكتفي بتسجيل أسماء بعض الباحثين والمختصين التي استندت هذه المقالة على دراساتهم وأخص بالذكر الدكتور "عبد الوهاب المسيري" وموسوعته القيمة " الموسوعة اليهودية" وكذلك المؤلفات العديدة "لفراس السواح" و"مشعل الماجدي" و"جورجي كنعان" و"أحمد سوسو" و"شلومو ساند" و"إسرائيل شاحاك"، فضلاً عن عشرات الدراسات والمؤلفات الأخرى التي لا يتسع المجال لذكرها، إضافة إلى التوراة اليهودية والأناجيل المسيحية الأربعة والقرآن الكريم كمراجع عامة.
يقول ماركس " إن الحاضر هو الذي يملك مفتاح الماضي وليس العكس". وفيما أننا نعيش الحاضر وما ينطوي عليه من صراعات مريرة وعملية خداع وتزييف للحقائق على أيدي الصهاينة وفي ظل عملية الطمس والتشويه للتاريخ الفلسطيني القديم الأمر الذي لا يستوجب سجناً وإدانة فحسب وإنما القتال على هذه الجبهة من خلال متابعة الأبحاث والدراسات التاريخية والميثولوجية الحديثة التي من شأنها أن تكشف وتفضح حجم التزوير والتشويه الذي يتعرض له تاريخنا، فلقد ازدهرت علوم الآثار والتاريخ والميثولوجيا في القرنين الأخيرين وهو ما ساهم في الكشف عن عشرات الحقائق المطموسة وإماطة القناع عن أكبر عملية تزوير للتاريخ متمثلة بالتوراة اليهودية التي تدعّي أنها خاصة باليهودي وتاريخهم، فيما أثبتت هذه الدراسات زيف الرواية التوراتية ومزاعمها الفارغة، وكان لهذه الدراسات والكشوفات الأثرية أن سلطت الضوء على مساحات هائلة من المجاهيل الخاصة في التاريخ الكنعاني القديم وهو ما يجهله الناس بشكل عام والفلسطينيون على وجه التحديد، وهو ما يملي علينا نحن الفلسطينيون أن نكون أولى من غيرنا في الاهتمام بتاريخنا السحيق الذي سعى الصهاينة على طمسه وتزويره ونسبه للتاريخ اليهودي المزعوم من خلال اللجوء إلى سياسات التضليل والتحريف والتلفيق.
حتى قبل أقل من قرنين من الآن كانت التوراة اليهودية تشكّل أقدم وأهم وثيقة تاريخية ومثلت مرجعاً رئيسياً إن لم يكن وحيداً للمؤرخين والباحثين وهو ما نجم عنه كتابة التاريخ البشري بصورة مغلوطة ومشوهة وغير علمية بوصفها كانت تمثل العهد القديم.
بالنسبة لمليارات المسيحيين فإن هذه الأعداد الكبيرة وقعت ضحية للتلفيق والخداع إلى هذا الوقت إلى أن ظهرت الدراسات التاريخية وعلم الآثار والميثولوجيا في القرن التاسع عشر والعشرين على نحو أتاح للمؤرخين والعلماء والباحثين فرصة الكشف عن آثار وتاريخ الأمم الغابرة والمجهولة، وهو ما جعل من التوراة كتاباً هامشياً ومضحكاً يغص بالخزعبلات وكان أشبه بكتب الفولكلور.
وكشفت هذه الدراسات عما تضمنته التوراة من أساطير وقصص ومعتقدات تروي تاريخ اليهود ما هي إلا أساطير ومعتقدات لشعوب أخرى جرى السطو عليها من قبل محررين التوراة طوال عشر قرون من الزمن، وهذه الدراسات الأثرية والتاريخية الهامة التي ظهرت في كافة أرجاء العالم لا سيما في مصر وفلسطين وبلاد الشام والعراق باعتبار هذه البلاد هي مهد الحضارات الإنسانية الأولى، حيث كشفت عن حضارات الفراعنة والسومريين والبابليين والآشوريين والآراميين والكنعانيين. والأهم من كل ذلك أن كل ما تناقلته آثار التوراة عن هذه الحضارات ما هو إلا عملية تشويه وتزوير للحقائق، والنتيجة أن هذه الأبحاث كشفت أنه ليس لليهودي أدب مبتكر وأن معظم ما تضمنته آثار التوراة من شخصيات ومعتقدات وأساطير ما هي إلا معتقدات وأساطير للشعوب القديمة جرى اقتباسها والسطو عليها ونسبها لليهود، وهي معتقدات وأساطير كنعانية وآرامية وسومرية وبابلية وآشورية وفرعونية وإغريقية ورومانية، حيث استمرت كتابة التوراة لأكثر من ألفي عام امتدت من القرن السادس قبل الميلاد وحتى القرن السادس الميلادي، وقد شكّلت المعتقدات الكنعانية والفلسطينية العمود الفقري للديانة اليهودية، ومن يتأمل آثار التوراة ويقارنها بالدراسات الحديثة سيدرك حجم الطمس والتشويه واللصوصية الذي تعرض له التاريخ الكنعاني، وكما تشير الدراسات أنه كان للشعب الكنعاني خامات حضارية وثقافية هامة كان لها تأثيرها العميق ليس على المنطقة فحسب وإنما على العالم القديم بأسره، ومما يجمع عليه المؤرخون أن أولى المستعمرات الزراعية في التاريخ البشري ظهرت قبل أكثر من عشرة آلاف عام في وادي الناطوف جنوب شرقي القدس، كما أن أقدم المدن في العالم ظهرت في فلسطين، ولا زالت موجودة حتى الآن منها: أريحا، يافا، عكا، أورشالم " القدس" ، شكيم " نابلس"، بيسان...الخ.
كما كان للكنعانيين أهم الاسهامات في صناعة السفن والتجارة البحرية، ولعل أهم المنجزات التي قدّمها الكنعانيون للإنسانية هي اختراع الأبجدية التي شكّلت أهم الأسس للحضارة البشرية، علاوة على المعتقدات الدينية الكنعانية التي تركت تأثيرها العميق على المعتقدات والأديان العالمية، وهذه المعتقدات هي موضوعنا في هذه المقالة، ولكن قبل الدخول مباشرة في معالجة هذه المعتقدات يتعين علينا الإشارة الهامة من هذه الحقائق أن الكنعانيين هم ذاتهم الفينيقيون حيث يجري خطأ التفريق بينهما وكأنهما شعبين مختلفين، والفينيقيون هو لقب أطلقه الإغريق ( سكان الجزر اليونانية في بحر ايجه) على السفن الكنعانية التي كانت تطل في البحر حاملةً الأعلام الارجوانية الحمراء ومعنى أرجواني أو أحمر في اللغة اليونانية ( فوينيكِس) ومن هنا تم تسميتهم بالفينيقيين أو الفينوكس، وفي هذا فإن المعتقدات ومظاهر الحضارة الفينيقية هي ذاتها الكنعانية، أما الحقيقة الأخرى فإن ما يُسمى اللغة العبرية هي ذاتها اللغة الكنعانية القديمة فلا يوجد في التاريخ لغة العبرانيين أو لغة اليهودي وإنما لغة الكنعانيين، أما اسم " كنعان" فتعني في اللغة الكنعانية " الأراضي المنخفضة" ( كنع)، أي منخفض وهي توازي (رام) أي (مرتفع) وفي هذا اُطلق اسم الآراميون على سكان الأراضي المرتفعة، والكنعانيون على سكان الأراضي المنخفضة، أما الشعوب التي كانت تعيش في بلاد الشام كلها تسمى "الأموريون" أو "العموريون" قسم منهم يُسمى " الآراميون" أي سكان الأراضي المرتفعة، والقسم الآخر يُسمى " الكنعانيون" أي سكان الأراضي المنخفضة، وفي الميثولوجيا القديمة للشعب الآموري كان اسم الإله الأول ( شمايم) أي (السماء) واسم زوجته الإلهة ( آدما) أي ( الأرض)، ومن هنا جاء مسمى ( بلاد الشمايم) أي ( بلاد السماء) أي المناطق المرتفعة، وأصبحت مع الوقت تُسمى ( بلاد الشام).
أما سكان الأرض ( آدما) حيث أطُلق على سكان الأراضي المنخفضة أو جزء منهم، ( فالأدميون أو الآدوميون وهي تعني الأرضيون مقابل السماويون سكان الأرض المرتفعة)، وحسب الميثولوجيا لهذه الشعوب أن ( الإله شمايم) أنجب من زوجته (آدما) ابنهما البكر وهو الإله (إيل).
حيث خاض هذه الإله الابن حرباً ضد والده ( شمايم) وانتصر عليه، وغدا هو الإله المركزي، و(إيل) في اللغة الكنعانية هو (عَل) أي العالي أو العلي، ولأن حرف العين لا تُلفظ في اللهجة الكنعانية وتُحوّل إلى همزة والهمزة تقتضي الكسر فتصبح ( إيل) وحسب هذه الأساطير فإن للإله ( إيل) كانت زوجة تُسمى ( عشيرة) ولقبها ( ايلات)، ولا تزال مدينة " ايلات" تحمل اسمها إلى اليوم، ولأن حرف العين في " عشيرة" أيضاً يحُوّل إلى همزة مكسورة فتصبح ( إيشرة) وقد اكتسبت الميثولوجيا الكنعانية أهمية فائقة في التاريخ القديم حتى أن قارتي آسيا وأوروبا هما في الأصل إلاهين كنعانيين، كما أنه ونتيجة لتزاوج الآلهة مع البشر أنجبوا أبناءً ضخام القامات سُميت الجبال بأسمائهم مثل جبل ( قاسيون) وجبل ( لبنان) كما تركت الآلهة القديمة بصماتها على أسماء المدن " كبيروت نسبة إلى الإلهة بارات" و"عنابة" نسبة إلى الإلهة " عنب".
وسنة 1929 تم العثور على مكتشفات أثرية مهمة في رأس شمرة قرب العاصمة القديمة " أوغاريت" في سوريا، وأبرز هذه المكتشفات هي ألواح الملك الكبير.
ويرى الأستاذ ( ديل ميديكو) استناداً إلى ألواح الملك الكبير أن فلسطين كانت تُسمى ( مريام) أو (موريم) قبل أن تحمل أي اسم آخر، و(موريم) تشير إلى ( آمور) أي ( بلاد الأموريين) وهم سكان البلاد وأهلها، ولا يزال جبل ( موريان) في القدس إلى اليوم يحمل ذات الاسم، وهو ذات الجبل الذي يُقام عليه الحرم القدسي، وهو ذاته المكان الذي ادعى اليهود أنهم أقاموا عليه هيكلهم المزعوم بعد أكثر من ألفي عام من تقديسه من قبل "الأموريين" أي قبل ظهور اليهودية بقرون، وأصل كلمة ( مريام) أو ( أموريا) يعود إلى الإلهة الوسطانية للأموريين حيث كانت الإلهة الأم للأموريين تدعيّ (يام) وكان إله السماء لديهم يحمل الاسم ( مُر)، كما وبرزت العادة لدى الشعوب القديمة أنه يجري تزويج الإله الذكر مع الإلهة الأنثى، وبهذا يصبح الاسم (موريام) أو (مريام) وتحوّل مع التاريخ إلى اسم ( مريم).
ومن بين المكتشفات الأخرى في الأوغاريت التوراة الكنعانية اليهودية، وفي ظل هذه التوراة سُجلت الصلوات والابتهالات والأساطير والمعتقدات الكنعانية، ومن بين هذه الأساطير المعروفة أن الإله (إيل) وزوجته (شيرا) أنجبا الإله ( بعل) ( إله المطر الكنعاني) والإلهة ( عنات) ( إلاهة الحب والجمال الكنعانية) ولا زلنا بعد مرور آلاف السنين نستخدم مفهوم الزراعة البعلية نسبة إلى الإله ( بعل)، أيضاً مدينة " بعلبك" في لبنان ما زالت قائمة، وكذلك بلدة " عناتا" قرب القدس نسبة إلى الإلهة الأسطورية (عنات) ، فهذه الأساطير والأسماء هي كنعانية بالأساس، ولا زالت مئات المدن والبلدات الفلسطينية إلى اليوم تحمل الأسماء الكنعانية ذاتها، واليهودية كما أسلفنا اقتبست معظم التسميات إلى جانب المظاهر الحضارية والثقافية والمعتقدات الكنعانية، ولا يزال اليهود يعبدون الإله الكنعاني ( إيل) وأيضاً بصيغة الجمع ( إيليهوم) أي ( رب الأرباب) ويتسمون بأسماء كنعانية إلى اليوم ( هنيباعل، عانات، ياعيت، راحيل، حبوعيل، أرائيل...الخ) أما المدن فلا زالت هي الأخرى تحمل هذه الأسماء الكنعانية (أورشالم، بيت لحم، عكا، يافا، بيسان، إيلات، شكيم...الخ)، إلى جانب أسماء المدن في الحقبة (البلاستية) ( كأشكلون، واسدود، وغزة) علاوة على مئات القرى والبلدات التي لا تزال تحمل أسماء كنعانية، وبعد الغزوة الصهيونية الحديثة جرى إعادة صياغتها على أنها أسماء وتراث يهودي توراتي.
لقد كشفت البحوث والدراسات التاريخية المستندة على المكتشفات الأثرية في بلاد الشام ( بلاد كنعان) عن نشأة حضارة عظيمة قبل ظهور اليهودية بآلاف السنين، وأن ما حملته أسفار التوراة اليهودية في معظمه ما هو إلا معتقدات كنعانية بالأساس إلى جانب الأساطير والمعتقدات الفرعونية والبابلية والسومرية والآرامية والفارسية...الخ، وكذلك اللغة المسماة " اللغة العبرية" هي " اللغة الكنعانية القديمة" فضلاً عن أسماء المدن والبلدات، فلمِ لا تكون " إسرائيل" أيضاً هي مسماً كنعانياً، وهذه الفرضية نطرحها استناداً على ما أسلفنا، ونصوغها على النحو التالي:
أولاً: الاسم " إسرائيل" ويسميها اليهود " يسرائيل" أو " يشرائيل" مع ضرورة الإشارة إلى أن حرف السين هو أيضاً حرف الشين في اللغة الكنعانية.
ثانياً: الإله (إيل)) هو الإله المركزي في الميثولوجيا الكنعانية، وقد درجت التسميات على إلحاق (إيل) بها مثل (سموئيل) ( أي سماء إيل)، ( عدنائيل) أي ( جنئيل)، ( روفائيل، يشفائيل، اشموئيل، يسماعئيل) إلى جانب ( راحيل وياعيل) ...ألخ.
كما توجد مسميات لمدن ومناطق جغرافية مثل الجليل (معناها جل إيل) أي (يجلى ائيل) أو الكرمل وتعني ( كرمائيل) أو ( كرم ايل) ...الخ.

ثالثاً: الإلهة (اشيرا) وهي زوجة الإله ( إيل).
رابعاً: لدى تزاوج الإلهين الكنعانيين (اشيرا + إيل) بمسمى واحد تصبح ( إشرائيل) أو ( إسرائيل أو يسرائيل)، ولدى قلبها تصبح ( إيلاسيرا) وتحُوّر إلى ( إيلي سار) وهي ذاتها التي يُنسب إليها تأسيس مملكة " قرطاج" المعروفة.
خامساً: أما سبب لفظها من جانب اليهود ( بإسرائيل) سنأتي بالمثل التالي ( مدينة أورشالم هي بالأساس عير شالم أي مدينة السلام، ولأن قلب العين إلى همزة يقتضي الكسر فإن اليهود يلفظونها يورشالايم، وبهذا فإن اشيرائيل تلُفظ بإسرائيل)، ومن المؤكد بأن مسمى " إسرائيل" أو " إشيرائيل" كان دارجاً ومألوفاً في الحياة الاجتماعية والثقافية الكنعانية، وقد ورُد في إحدى الألواح الطينية الفرعونية الذي جرى اكتشافه في أحد المواقع الأثرية المصرية قبل أكثر من قرن أنه في أحد الحملات الفرعونية على أرض كنعان جرى إخضاع أكثر من 200 مدينة وبلدة كنعانية، وكان من بين هذه البلدات بلدة تحمل اسم " إسرائيل" وهذه الحملة جرت قبل ظهور اليهودية بقرون، وهو ما يدلل على أن المسمى كان شائعاً قبل ظهور اليهودية.
ومن الواضح أنه قد جرى اقتباسه من قبل اليهود مثلما جرى اقتباس شتى المظاهر الثقافية والمعتقدات الكنعانية، ولم تذكر التوراة اليهودية سبب تسمية " يعقوب بإسرائيل"، ولم تشر إلى معناه الدقيق، وقد ورُد نصان في سفر التكوين عن هذه التسمية، ويقول النص الأول على لسان ملاك الرب الذي ظهر ليعقوب في الطريق (لاَ يُدْعَى اسْمُكَ فِي مَا بَعْدُ يَعْقُوبَ بَلْ إِسْرَائِيلَ، لأَنَّكَ جَاهَدْتَ مَعَ اللهِ وَالنَّاسِ وَقَدَرْتَ) (سفر التكوين – الأصحاح 32). وفي موضوع آخر (وَظَهَرَ اللهُ لِيَعْقُوبَ أَيْضًا حِينَ جَاءَ مِنْ فَدَّانِ أَرَامَ وَبَارَكَهُ، وَقَالَ لَهُ اللهُ: «اسْمُكَ يَعْقُوبُ. لاَ يُدْعَى اسْمُكَ فِيمَا بَعْدُ يَعْقُوبَ، بَلْ يَكُونُ اسْمُكَ إِسْرَائِيلَ». فَدَعَا اسْمَهُ «إِسْرَائِيلَ») (سفر التكوين-الأصحاح35).
وبهذا فإن المسمى التوراتي لا يشير إلى أي معنى وهو ما قد يدل على طمس مقصود للمسمى الفعلي، كما تدعّي هذه الفرضية أن الديانة اليهودية ليست ديانة توحيدية وإنما ديانة ثانوية تحمل رمزاً لإلاهين أسطوريين أنثوي وذكري.
والآن لنقارب هذه الفرضة من زاوية المعتقدات اليهودية ذاتها ارتباطاً بالمُسمى " إسرائيل":
أولاً: ( إيليا) هو أحد الأنبياء اليهود الكبار الذي وُرد ذكره في التوراة، و(إيليا) هو اختصار اسم (إيلياهو) وأصل الاسم هو تزاوج الإله الكنعاني ( إيل) مع الإله اليهودي (يهوا)، كما ويتسمى اليهود باسم (إيلاهم) وأصل هذا المسمى هو بتزاوج الإله الكنعاني ( إيل) مع الإله السومري ( آم)، وهذا يعني أن تزاوج الآلهة بالأسماء اليهودية عادةً دارجةً، وهو ما ينطبق أيضاً على مُسمى " إسرائيل".
ثانياً: الصوفية اليهودية التي تُسمى ( الكابالا) هي بالأساس عبارة عن تزويج الإله الذكر بالإلهة الأنثى، أما التعبير الأنثوي للإله وفقاً لـ( الكابالا) اليهودية تُسمى ( الشخيناه)، وهي كناية عن الشعب اليهودي بوصفه زوجة الإله المقدسة.
ثالثاً: الصلاة اليهودية هي في الأصل التقريب بين العريس الإله وبين العروسة الإلهة الأنثى أو (الشخيناه) ويقول اليهودي أثناء صلاته ( من أجل توحيد الواحد المقدس مع أنثاه).
رابعاً: أحد الأعياد اليهودية يُسمى عيد " بهجة التوراة" أو عيد " زفاف التوراة" بحيث يجري تشبيه التوراة بالعروسة التي يجري زفافها للإله الذكر.
خامساً: نشيد الإله التوراتي هو بمثابة زفاف الشعب اليهودي الأنثى إلى الإله الذكر.
سادساً: يعتقد اليهود أنه بعد هدم الهيكل الثاني على يد الرومان في القرن الأول الميلادي انفصل الإله الذكر عن أنثاه " الشخيناه" ولم يجرِ الاتصال ثانية بين الزوجين إلا بعد بناء الهيكل الثالث على يد المسيح المنتظر.
سابعاً: كما أن النجمة السداسية هي عبارة عن مثلثين متداخلين حيث يرمز المثلث المقلوب على القاعدة ورأسه إلى الأعلى للإله الذكر، بينما يرمز المثلث الآخر ذو الرأس للأسفل والقاعدة للأعلى إلى الإلهة الأنثى.
وفقاً لهذه المقاربة فإنه يمكننا الادعاء أن الديانة اليهودية ديانة ثانوية، وليست توحيدية تقوم على أساس تزاوج إلهين ذكراً وأنثى، وإذا صحت هذه الفرضية فإن مسُمى " إسرائيل" ما هو إلا اسم مركب من إلهين أسطوريين كنعانيين (شيرا + إيل).
والآن بعد هذه المقاربة أعيد التأكيد على أن ما ذُكر أعلاه حول مسمى " إسرائيل" هو مجرد فرضية مطلوب إثباتها، وهذا يحتاج إلى إجراء بحوث ودراسات من جانب الباحثين والمختصين.
وفي الختام، هي دعوة للشعب الفلسطيني ولعموم الباحثين العرب والمختصين إلى ضرورة الاهتمام بهذا التاريخ، وإعادة دراسته، ونحن أيضاً أجدر من غيرنا في الدفاع عن تاريخنا وتراثنا وحمايته من كل محاولات الطمس والتزوير، ففي هذا الصراع استخدم الصهاينة الماضي التوراتي الذي هو في الأساس ماضٍ وتاريخٍ كنعانيٍ ساطعٍ، ويتعين علينا استحضار هذا التراث واسترداده، فنحن الشعب العربي الفلسطيني نُعتبر امتداداً طبيعياً للشعب الكنعاني الأصيل، ولابد من الإشارة إلى ضرورة تبني أسماء المدن الكنعانية القديمة، فعندما نصر على القول أنها ( القدس وليست أورشاليم، أنها أم الرشراش وليست إيلات، أنها نابلس وليست اشكيم، وأنها بيسان وليست بيت شان، وأنها عكا وليست عكو، أنها يافا وليست يافو) نكون كأننا نعفي أنفسنا من التاريخ، ونمنح الصهاينة فرصة ذهبية للسطو على تاريخنا وتراثنا وإدعائه وتزييفه وتكييفه، بما يخدم الأهداف الصهيونية.
وأختم بهذه العبارة البليغة للمفكر العربي قسطنطين زريق" ( لسنا متخلفين فكرياً لأننا ننظر إلى تراثنا نظرة خاطئة، وإنما نحن ننظر هذه النظرة بسبب تخلفنا الفكري).
إنه تاريخنا وتراثنا ومعتقدات أسلافنا وأساطيرهم التي لا تزال تترك بصماتها الواضحة في هوية هذه الأرض رغم مرور آلاف السنين.
[/align]
توقيع هدى نورالدين الخطيب
 
[frame="4 10"]
ارفع رأسك عالياً/ بعيداً عن تزييف التاريخ أنت وحدك من سلالة كل الأنبياء الرسل..

ارفع رأسك عالياً فلغتك لغة القرآن الكريم والملائكة وأهل الجنّة..

ارفع رأسك عالياً فأنت العريق وأنت التاريخ وكل الأصالة شرف المحتد وكرم ونقاء النسب وابتداع الحروف من بعض مكارمك وأنت فجر الإنسانية والقيم كلما استشرس ظلام الشر في طغيانه..

ارفع رأسك عالياً فأنت عربي..

هدى الخطيب
[/frame]
إن القتيل مضرجاً بدموعه = مثل القتيل مضرجاً بدمائه

الأديب والشاعر الكبير طلعت سقيرق
أغلى الناس والأحبة والأهل والأصدقاء
كفى بك داء أن ترى الموت شافياً = وحسب المنايا أن يكن أمانيا
_________________________________________
متى ستعود يا غالي وفي أي ربيع ياسميني فكل النوافذ والأبواب مشّرعة تنتظر عودتك بين أحلام سراب ودموع تأبى أن تستقر في جرارها؟!!
محال أن أتعود على غيابك وأتعايش معه فأنت طلعت
هدى نورالدين الخطيب غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 10 / 05 / 2018, 35 : 02 AM   رقم المشاركة : [8]
محمد الصالح الجزائري
أديب وشاعر جزائري - رئيس الرابطة العالمية لشعراء نور الأدب وهيئة اللغة العربية -عضو الهيئة الإدارية ومشرف عام


 الصورة الرمزية محمد الصالح الجزائري
 





محمد الصالح الجزائري has a reputation beyond reputeمحمد الصالح الجزائري has a reputation beyond reputeمحمد الصالح الجزائري has a reputation beyond reputeمحمد الصالح الجزائري has a reputation beyond reputeمحمد الصالح الجزائري has a reputation beyond reputeمحمد الصالح الجزائري has a reputation beyond reputeمحمد الصالح الجزائري has a reputation beyond reputeمحمد الصالح الجزائري has a reputation beyond reputeمحمد الصالح الجزائري has a reputation beyond reputeمحمد الصالح الجزائري has a reputation beyond reputeمحمد الصالح الجزائري has a reputation beyond repute

بيانات موقعي

اصدار المنتدى: الجزائر

رد: استفتاء جماهيري - المقالة والدراسات - مسابقة نور الأدب الكبرى 2018

[align=justify]تمّ التصويت والحمد لله..شكرا لك أختاه على التواجد وهذا الجهد المبذول..[/align]
توقيع محمد الصالح الجزائري
 قال والدي ـ رحمه الله ـ : ( إذا لم تجد من تحب فلا تكره أحدا !)
محمد الصالح الجزائري غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 12 / 05 / 2018, 26 : 04 PM   رقم المشاركة : [9]
ليلى مرجان
موظفة إدارية-قطاع التعليم العالي-حاصلة على الإجازة في الأدب العربي

 الصورة الرمزية ليلى مرجان
 





ليلى مرجان is on a distinguished road

بيانات موقعي

اصدار المنتدى: المغرب

رد: استفتاء جماهيري - المقالة والدراسات - مسابقة نور الأدب الكبرى 2018

تم التصويت
شكرا جزيلا للأستاذة الفاضلة هدى نور الدين الخطيب على المجهودات المبذولة
والشكر موصول لكل من ساهم في إنجاح هذه المسابقة
ليلى مرجان غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
2018, مسابقة, الأدب, الإقامة, الكبرى, استفتاء, جماهيري, والدراسات


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
استفتاء جماهيري - القراءات النقدية - مسابقة نور الأدب الكبرى 2018 هدى نورالدين الخطيب الفعاليات والمسابقات الأدبية... 15 28 / 06 / 2018 15 : 03 AM
استفتاء جماهيري - الشعر - مسابقة نور الأدب الكبرى 2018 هدى نورالدين الخطيب الفعاليات والمسابقات الأدبية... 16 19 / 06 / 2018 08 : 04 PM
استفتاء جماهيري - الرواية - مسابقة نور الأدب الكبرى 2018 هدى نورالدين الخطيب الفعاليات والمسابقات الأدبية... 13 13 / 05 / 2018 34 : 11 PM
استفتاء جماهيري - القصة الموجهة للأطفال - مسابقة نور الأدب الكبرى 2018 هدى نورالدين الخطيب الفعاليات والمسابقات الأدبية... 7 12 / 05 / 2018 28 : 09 PM
إطلاق مسابقة نور الأدب 2018 الكبرى هدى نورالدين الخطيب رابطة نور الأدب 48 08 / 05 / 2018 28 : 10 PM


الساعة الآن 00 : 12 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.
Tranz By Almuhajir *:*:* تطوير ضيف المهاجر
Ads Organizer 3.0.3 by Analytics - Distance Education

الآراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الإدارة وتمثل رأي كاتبها فقط
جميع حقوق النشر والتوزيع محفوظة لمؤسسة نور الأدب والأديبة هدى نورالدين الخطيب © ®
لا يجوز نشر أو نسخ أي من المواد الواردة في الموقع دون إذن من الأديبة هدى الخطيب
مؤسسة نور الأدب مؤسسة دولية غير ربحية مرخصة وفقاً لقوانين المؤسسات الدولية غير الربحية

خدمة Rss ||  خدمة Rss2 || أرشيف المنتدى "خريطة المنتدى" || خريطة المنتدى للمواضيع || أقسام المنتدى

|