أنت غير مسجل في منتديات نور الأدب . للتسجيل الرجاء إضغط هنـا
 
رفعتُ يديّ لربِّ السماء
بكيتُ وأجريتُ دمعَ الرجاء
بأن يجعلَ الله كلَّ فضائي
وعمري وروحي رؤايَ هوائي
زمانا من الحبّ دون انطفاء


اهداءات نور الأدب


آخر 10 مشاركات رحلة إلى ضواحي عمان للشاعر غالب أحمد الغول    <->    طرابلس لبنان/ للشاعر غالب أحمد الغول    <->    خبر عاجل    <->    أبكيها حية    <->    أيحقُّ لي ؟    <->    نصائح لتحتفظي به!    <->    لماذا تتجسس عليك الشركات التقنية ! ؟    <->    وعند جهينة الخبر اليقين    <->    من ذاكرة نور الأدب    <->    آخـــــرُ أوراقي    <->   
مواضيع ننصح بقراءتها طرابلس لبنان/ للشاعر غالب أحمد الغول
   
 
العودة   منتديات نور الأدب > مـرافئ الأدب > هيئة النقد الأدبي > الفعاليات والمسابقات الأدبية...
التسجيل المنتديات موضوع جديددعوة الأصدقاء التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة
 
   

الفعاليات والمسابقات الأدبية... المسابقات الأدبية لمختلف أصناف الشعر والأدب

الإستطلاع: ما هي القراءة النقدية أو القراءات التي تعجبك وتمنحها علامات؟
خيارات إستطلاع
ما هي القراءة النقدية أو القراءات التي تعجبك وتمنحها علامات؟

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
قديم 10 / 05 / 2018, 26 : 07 PM   المشاركة رقم: 1
المعلومات
الكاتب:
هدى نورالدين الخطيب
اللقب:
المدير العام المؤسسة وصاحبة حقوق النشر والترخيص، إجازة في الأدب، دبلوم فلسفة، الترجمة، دراسات عليا في التاريخ - أديبة وقاصّة وصحفية - عدد من الأوسمة وشهادات التقدير الرسمية – مهتمة بتحقيق وتنقيح التاريخ القديم – مؤلفات أدبية وفي الدراسات المقارنة
الرتبة:

الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية هدى نورالدين الخطيب

البيانات
التسجيل: 11 / 12 / 2007
العضوية: 3
المشاركات: 10,202 [+]
بمعدل : 2.39 يوميا
اخر زياره : [+]
الدولة: canada
الاقامه : كندا-من مدينة حيفا فلسطين، ولدت ونشأت في لبنان ووالدتي لبنانية ، بانتظار العودة إلى حيفا - فلسطين
علم الدوله :  canada
معدل التقييم: 20371
نقاط التقييم: 101680
هدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond repute
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
هدى نورالدين الخطيب غير متصل
وسائل الإتصال:

المنتدى : الفعاليات والمسابقات الأدبية...
t7leel استفتاء جماهيري - القراءات النقدية - مسابقة نور الأدب الكبرى 2018




تحية نور أدبية قارئة ناقدة داعمة ومثقفة ..
نبدأ على بركة الله نشر القراءات النقدية المشاركة في مسابقة رمضان الكبرى 2018


قراءة ممتعة ومفيدة نرجوها لكم

مسابقة القراءات النقدية
بانتظار القراءة والتقييم الذي سيكون له 25% من العلامات ، هذا ويحق للزوار المشاركة في الاستطلاع والتصويت

مع أعمق آيات التقدير والاحترام
للمزيد من مواضيعي

 




hsjtjhx [lhidvd - hgrvhxhj hgkr]dm lshfrm k,v hgH]f hg;fvn 2018 lshfrm hgH]f hgkr]dm hg;fvn hgrvhxhj


نور الأدب











***   كل عام وانتم بخير  ***

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

ارفع رأسك عالياً/ بعيداً عن تزييف التاريخ أنت وحدك من سلالة كل الأنبياء الرسل..

ارفع رأسك عالياً فلغتك لغة القرآن الكريم والملائكة وأهل الجنّة..

ارفع رأسك عالياً فأنت العريق وأنت التاريخ وكل الأصالة شرف المحتد وكرم ونقاء النسب وابتداع الحروف من بعض مكارمك وأنت فجر الإنسانية والقيم كلما استشرس ظلام الشر في طغيانه..

ارفع رأسك عالياً فأنت عربي..

هدى الخطيب

إن القتيل مضرجاً بدموعه = مثل القتيل مضرجاً بدمائه
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

الأديب والشاعر الكبير طلعت سقيرق
أغلى الناس والأحبة والأهل والأصدقاء
كفى بك داء أن ترى الموت شافياً = وحسب المنايا أن يكن أمانيا
_________________________________________
متى ستعود يا غالي وفي أي ربيع ياسميني فكل النوافذ والأبواب مشّرعة تنتظر عودتك بين أحلام سراب ودموع تأبى أن تستقر في جرارها؟!!
محال أن أتعود على غيابك وأتعايش معه فأنت طلعت

عرض البوم صور هدى نورالدين الخطيب   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 10 / 05 / 2018, 13 : 08 PM   المشاركة رقم: 2
المعلومات
الكاتب:
هدى نورالدين الخطيب
اللقب:
المدير العام المؤسسة وصاحبة حقوق النشر والترخيص، إجازة في الأدب، دبلوم فلسفة، الترجمة، دراسات عليا في التاريخ - أديبة وقاصّة وصحفية - عدد من الأوسمة وشهادات التقدير الرسمية – مهتمة بتحقيق وتنقيح التاريخ القديم – مؤلفات أدبية وفي الدراسات المقارنة
الرتبة:

الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية هدى نورالدين الخطيب

البيانات
التسجيل: 11 / 12 / 2007
العضوية: 3
المشاركات: 10,202 [+]
بمعدل : 2.39 يوميا
اخر زياره : [+]
الدولة: canada
الاقامه : كندا-من مدينة حيفا فلسطين، ولدت ونشأت في لبنان ووالدتي لبنانية ، بانتظار العودة إلى حيفا - فلسطين
علم الدوله :  canada
معدل التقييم: 20371
نقاط التقييم: 101680
هدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond repute
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
هدى نورالدين الخطيب غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : هدى نورالدين الخطيب المنتدى : الفعاليات والمسابقات الأدبية...
رد: استفتاء جماهيري - القراءات النقدية - مسابقة نور الأدب الكبرى 2018



1-
ملامح الواقعية النقدية الساخطة في قصة "القلم الخامس" للأديبة بشرى كمال"



1- لمحة موجزة عن الواقعية في الغرب.
لاجرم أن الواقعية النقدية كمدرسة وفلسفة وتيار أدبي، ظهر في الغرب وانتشر في كل أصقاع العالم بفعل التثاقف والاحتكاك بين الشرق والغرب، مما خلف أدبا رصينا يحبل بمفارقات وتناقضات الواقع بكل آلامه ومأساته وعنفه وشراسته على الطبقات المسحوقة في المجتمع، والتي تعاني الويلات والظلم من الطبقات التي تعيش بدخا وثراء، لأنها تنتج البؤس والظلم وتستهلك حقوق الكادحين.
ولاريب أن الواقعية مدرسة فنية ليست محصورة في الرقعة الأدبية قط، بل في الفن التشكيلي والسنما أيضا وغيرها من ضروب التعبير الإنساني الذي عرفته البشرية مد زمن بعيد. وقد بزغ نورها بين أحضان الغرب ولعل من أعلام هذه المدرسة كما هو شائع دائع نجد "أونوريه دي بلزاك" الذي برزت موهبته في عام 1828م. فجمع رواياته التي قاربت المئة في (الكوميديا البشرية)، ويعد من رواد الأدب الفرنسي في القرن التاسع عشر من الفترة التي أعقبت سقوط نابليون، فبرع في السياق الواقعي لتعلقه بالواقعية الحالمة[1]، ثم نجد الكاتب الواقعي "ستنداك" أحد أساتذة الفكر في عصره، والذي أتى في أوج الرومانسية فرفضها رفضا قاطعا، وارتاد واقعية نفسية تنقب عن بواعث الأسرار وتحلل الأمور تحليلا ذكيا، حتى ذهب الأمر بالناقد هيبوليت تين للقول عنه:" لقد علمنا ستنداك كيف نفتح أعيننا وننظر"[2].
ثم برز لنور الوجود بعده الأديب والروائي المشهور" إيميل زولا" صاحب أعمال مشهورة "الأرض، الحلم، الوحش البشري، الانهيار..."، ليأتي بعده "موباسان" الذي تميزت أعماله بطابع السخرية والتشاؤم والعطف على البؤساء والمنكوبين، والذي أشتهر بأعمال عظيمة "حياة صاخبة، الصديق الجميل، قوي كالموت"، و"غوستاف فلوبير" الواقعي المتصف بالروح العلمية والتحليل الهادئ للحالات النفسية، فنزل للمجتمع وراقب أحوال المجتمع، وانتقد الطبقة البورجوازية، وله أعمال واقعية شهيرة منها روايته التي كتبها عام 1826م، بعنوان " التربية العاطفية" التي تميزت بالملاحظة الواقعية الدقيقة للأخلاق البورجوازية[3].
إضافة إلى علم واقعي مشهور عالميا هو "مكسيم غوركي" الروائي والمسرحي الروسي، الذي نشأ في عهد القيصرية وعاش مرارة الفقر واليتم، وقدم أعمال كبيرة وشاقة ليكسب لقمة العيش، فكتب أعمال خالدة منها "مواطنون مأفوفون، ذكريات من طفولتي، المشردون..."[4].
2 - نبدة وجيزة عن الواقعية في المشرق والمغرب.
لقد كان لعامل التثاقف والاحتكاك مع الغرب والصحافة دورا جوهريا في بزوع القصة في الأرض العربية، ولا مرية فالمدرسة الواقعية بوصفها (مدرسة للشعب) بعدما ظهرت في الثلث الثاني من القرن التاسع عشر في الغرب كرد فعل على المدرسة الرومانسية إثر تعلقها بالعاطفة والخيال وتمردها على مشاكل الواقع الاجتماعي دون إيلائها أية أهمية تذكر للمحيط السوسيوثقافي، فقد ظهرت في الوطن العربي بداية من النصف الثاني للقرن العشرين الواقعية واستثمر الأدباء العرب فهمهم للواقعية في الغرب خير استثمار، فوظفوها مستثمرين مشاكل البلاد العربية بمحنها السياسية وتخلفها عن الركب اجتماعيا وثقافيا وفكريا، معبرين عن ظروف الأمة العربية الخاصة ضمن السياق العربي الذي يسعى لتدشين وعي خالص يفهم الواقع بكل أفانينه.
ولا ريب فهذه الدعوة أخذت منحى أدبيا وروائيا وقصصيا وشعريا، فكانت دعوتهم للإصلاح عبر فكرهم ضمن قالب أدبي، ولا أدل على ذلك مما قدمه الأزهري العظيم والناقد الحصيف عميد الأدب العربي "طه حسين " كداع من دعاة الاصلاح، خاصة في أعماله "المعذبون في الأرض" والتي صور فيها التفاوت الاقتصادي بين فئة استحوذت على كثرة كثيرة من المال الحرام وهي قليلة، وكثرة جائعة من عامة الشعب وهي كثيرة، مصورا ذلك في تفاوت طبقي صارخ دفع ثمنه الفراعنة ومن ثمة نفس الأوضاع في العالم العربي.
كما كتب المسرحي والأديب العظيم توفيق الحكيم عدة أعمال خالدة وسامقة من ألمعها "يوميات نائب في الأرياف"...وغيرها كثير، كما أبدع كتابات واقعية القاص المشهور "محمد تيمور" فأينعت ولمعت الأقصوصة وبلغت قمتها على يده، وتواصلت الإنتاجات الواقعية في مصرعلى يد الأديب المصري الحائز على جائزة نوبل "نجيب محفوظ" رائد الواقعية في الأدب العربي من خلالنشره روايتَهُ الأولى "عبث الأقدار" التي تقدم مفهومَهُ عن الواقعيَّة التاريخيَّة، ثم" القاهرة 30"، اللص والكلاب"... وغيرها من الأعمال الكبيرة.
وبعدما شاع وذاع صيت الواقعية في المشرق جاء الدور على المغاربة لولوج هذا المنجز الهام في التعبير عن واقعهم كذوات لها تاريخها ومشاكلها ومأساتها بحيث عاش المغرب تحت رحمة الاستعمار الفرنسي، كما ظهر للوجود رواد يكتبون قصصا وروايات واقعية وعلى رأسهم نجد الأديب الواقعي ابن فتاة الرغيف "محمد شكري" الذي عرى عن المكبوتات وفضح الواقع كصورة مطابقة بأدب جميل وقمة في الواقعية، ولذلك يقول عنه الباحث هشام الحراك :"محمد شكري هو ذاك الكاتب الذي قال عن نفسه إن شهرة سيرته الذاتية "الخبز الحافي" سحقته سحقا.. والواقع أنها لم تسحقه كإنسان صارت الشهرة تجلب له بعض المتاعب، وإنما كقاص قدم روائع في مجال القصة القصيرة، وتحديدا في مجموعتيه القصصيتين: "مجنون الورد" و "الخيمة".[5] كما أن الكتابة عند هذا الأديب تتغدى من تجارب حياتية ومن إلتصاق باليومي المعيش، ولذلك كان يقول في هذا الصدد:" لقد علمتني الحياة أن أعي لعبة الزمن وأن أنتظر، بدون أن أتنازل عن عمق ما استحصدته.. قل كلمتك قبل أن تموت، فإنها حتما سوف تعرف طريقها"[6].
كما نعرف أن الروائي المغربي " محمد زفزاف" يعتبر أن الكتابة مسألة مرتبطا أيان ارتباط بالمعيش اليومي ولا تفارقه مطلقا، ولعل من أبرز أعماله روايته الشهيرة "محاولة عيش" حيث عبر عن قمة الواقعية ونبش في أعماق المجتمع المغربي من خلالها، وهذا ما عبر عنه الباحث هشام حراك بقوله عن زفزاف أيضا :"إن كتابة القصة القصيرة عند محمد زفزاف هي كتابة "من المجتمع وإليه"...هي كتابة ملتصقة باليومي والمعيش لدى الشرائح الاجتماعية المهمشة… يقول في هذا الصدد: "أن يعرف الإنسان مجتمعه الحقيقي لا بد وأن يعيش داخله، وأن يعود إلى نفسه، وأن يتأمل ما رآه وعايشه وشاهده، وإذاك يستطيع هذا الكاتب استخلاص ما يمكن استخلاصه من التجربة الحياتية اليومية، لأن روح الكتابة هو محايتثها لليومي والمعيش"[7].
أما بالنسبة للقاص المبدع إدريس الخوري فهو نادى بالواقعية من خلال مجموعاته القصصية المعروفة "ظلال، حزن في الرأس والقلب، البدايات، الأيام والليالي...وغيرها". ويقول عنه هشام حراك: " فالخوري نمام، لكنه نمام إنساني محب للخير.. يقول في مقدمة مجموعته القصصية “ظلال”: الكتابة، إذن، في جانبها الحكائي القصصي، والروائي أيضا، نميمة مقروءة لأنها تقوم بعملية الإخبار عن أشخاص كناهم وسيكونون في زمان ومكان محددين ذهنيا (…) وهي تستمد مشروعيتها من واقعها، ولأن هذا الواقع جد متشابك، تصبح الكتابة-النميمة وسيطا بيننا وبين واقع كان وسيكون...هذا هو الاحتمال الممكن لعملية الكتابة التي تتأرجح بين الصدق والاحتمال. إنها تصبح ممكنا لما ينبغي أن يكون"[8].
3 - دراسة جوانية للمتن القصصي لقصة "القلم الخامس".
إن دراسة النصوص الإبداعية من الداخل مسألة هامة في الدراسات النقدية للقصة القصيرة، ولذلك سنسائل ونستنطق هذا النص مساءلة جوانية (داخلية) لا برانية (خارجية)، بحيث يظهر لنا السخط الواقعي في قصة "القلم الخامس" انطلاقا من قول المبدعة في بداية النص "يا إلهي هذا القطر لا يريد أن يتوقف"[9]. فهي تركع للرب وتناجيه مترجية وهي متأسفة بطريقة ساخطة متعجبة متفاجئة كي يتوقف هذا القطر عن سيلان الماء المباغث والفجائي، كما يزداد سخطها اللاذع وعدم تقبلها للوضع الراهن الذي صار مثل شلال باغث هذا اللامأوى المهمش البسيط، حيث تعود لتقول "تبا لهذا القطر الذي لايتوقف... سحقا لهذا المطر اللعين"[10]، فهي تنتقد هذا المطر وتتأسف على واقعها المأساوي بقولها "تبا، اللعنة" ساخطة ناخطة على وضعها الميؤوس والقلق الشقي المحزون، وتصل درجة غضبها إلى العدمية والبؤس القاتم، وهي تسب وتلعن المطر الذي يعده الإسان في الثقافة العربية مصدرا ومنبعا للخيرات، بحيث ينتظره المرء أثناء تأخره بالدعوات والصلوات (صلاة الاستسقاء)*[11] طوال الموسم على أحر من الجمر، لكن الوضع الخطير للمبدعة جعلها تيأس من هذا المطر وتسبه لا باعتباره منبعا لتراكم الخيرات؛ بل مصدرا للجحيم والمعاناة التي عاشتها هذه الأسر والحي بأكمله.
فحينما يتحول المطر من مصدر خير وبركة ليصبح موسم الفلاح وكل الناس قاطبة مباركا من لدن الإله، فإن هذه الفئة المتضررة تعاني بؤسا شديدا، فيتحول ما كان مصدرا للنعيم والعطاء الى جهنم جحيمية في بيوتات غير مهيكلة وبنيتها التحتية هشة بهشاشة ساكينها، ليغدو المطر لعنة إلهية خانقة وحارقة تكتوي بشواظ لهيبها أسر ضعيفة الدخل سلبت منها أبسط شروط العيش الكريم.
وتعبر المبدعة عن هذا السخط والهلع المفاجئ والماء يهاجم بيتهم الهش وهم لا حولة ولا قوة لهم بصده ورده لكي لا تسوء حياتهم وأحوالهم بقولها في مشهد صعب "وقفنا نراقب مستوى الماء وهو يرتفع رويدا رويدا، وقلبي يدق كالطبل وبلا طرق، ولا قرع، ولا أي صوت دخل الماء بيتنا كأنه من أصحابه"[12]، فيزداد خوفها وهوسها حيال هذه الكارثة الفاجعة التي أصابتها بمعية أسرتها، وهي انقطاع التيار الكهربائي بسبب المطر اللعين بقولها " حينها انقطع التيار الكهربائي عن الحي بأكمله، واشتغلت المصابيح اليدوية بعد ان انتفض كل واحد من مكانه"[13]. فهذا الاجتياح المفاجئ يبدو أنه يصعب إصلاحه بيسر لأن هذه الأسرة معوزة وضعها ميؤوس منه كأغلب الأسر المغربية التي تعاني الويلات في هذا الوطن، لأنه لما باغتهم التيار قامت الأم في مشهد تراجيدي بتكديس الأواني لكي لا تتبلل، وقام الأب برفع الكتب المدرسية والأوراق إلى مرفع قريب من السقف، والغريب في الأمر هو أن أباها صنع هذا المرفع القريب من السقف ليس لقضاء حوائج ضرورية، وتصميمه لا يدخل في وظائف طبيعية يؤديها وموجودة في أغلب البيوت؛ بل كما تقول القاصة " صنعه بنفسه للطوارئ، وبدأ إخوتي يعلقون ملابسنا المكدسة في الأكياس على الجدران"[14]، بمعنى أنه غدا لهذا المرفع القريب من السقف وظيفة أخرى صنعتها عبقرية الأب المتكيفة مع هذا الواقع اللاواقعي ليتمكن من انقاد الكتب وبعض الملابس أثناء مباغثة التيار المائي "المطر اللعين" الآتي لينغص عليهم حياتهم ويخربها ليزداد بؤسهم بؤسا مضاعفا وأكثر حدة.
ولعل تأزم وضع هذه الأسرة المأزومة والمكلومة المفجوعة يزداد معاناة نفسية خطيرة ويصل حده من الألم السيكولوجي والعقاب اللاواقعي عكس الفئات المستفيدة من خيرات الوطن، بحيث تصاب الأم باليأس والنحيب عندما يتبلل فراشها التي تقدسه كما تقدسه كل امرأة مغربية، لكونه يعتبر رمزا لما كسبته من دار أبيها كما هو معروف في موروثنا الشعبي الأصيل، فحيال المطر اللعين الفجائي يضيع ولايعود صالحا لأي شيء من الأشياء، ذاك أن البيت على حد تعبير القاصة " أصبح مسبحا بالكامل".
4 - المفارقات اللاواقعية ولامعقولية المطر.
تجلو هذه القصة ثلة من المتناقضات بحيث عمدت القاصة إلى تغييب مفهوم للزمن واضح وعملت على عدم بيانه وخاصة حينما يتعلق الأمر بتعاقب الفصول السنوية، لكونها لا تفرق بين الشتاء والصيف والليل والنهار والصباح والمساء فالزمن هنا زمن نفسي، زمن البؤس والألم وفواجع ومواجع الشخصيات التي تعاني بشدة، وتتضح المفرقات فيما يحياه هذا البيت الصفيحي المهمش "الخيام" الذي سكانه لا حول ولاقوة لهم، بحيث هدهم الزمن وهزمهم الواقع الفادح حتي في مطره الذي حول بيتهم إلى بركة مائية فواقعهم نتن بئيس بشع، وتعبر الكاتبة عن ضراوة هذا المشهد بقولها:" إن المسبح في الصيف شيء مستحيل...هو غال...وليس للفقراء مثلنا، غير أننا في كل شتاء يأتينا المسبح إلى بيتنا الفقير، ونسبح حتى البكاء"[15]، فهذه مشاهد تراجيدية بكائية تصل بشخصيات العالم القصصي حد النحيب عن آلام الذات القاسية وملاذ الفقراء الذين لا يجدون رعاية ولا رحمة من طرف المسؤولين نفسهم، فأن يسبح بيت وكافة سكانه في خطر مهول ومميت في غياب أبسط شروط الإنسانية التي يتمتع بها الكثير من البورجوازيين الذين يسكنون القصور ويستحودون على كل الرغيف مفارقة في زمن يدعون أنه متطور، فلواقع المبدعة والفتاة "نهد" الشخصية التي تعرضت للحادث وأشباهها الغوص حتى الأخمصين في شتاء الصيف المميت داخل بيت مهمش، هنا تبزع المفارقات في قساوة عنفها فينفلت مفهوم الزمان لانشغال هؤلاء السكان بطوق النجاة من الموت.
5 - اللاإنسانية والرحمة المفقودة عند الأم.
تظهر ملامح غياب الرحمة والعطف بين شخصيات المتن القصصي في حوارات عدة اتضحت بين ثنايا وتلابيب السرد، فنهد الفتاة قد تتعرض للعقاب من طرف الأم إذا لم تنجو بذاتها بسلام؛ لأن بصيص الأمل هذا ينبغي أن تستغله الطفلة وتكون أكثر ذكاء ولا تضيع قيد أنملة من دقائق النجاة من الموت والخطر المهول، بقول المبدعة:" مازال بإمكانك الخروج من هنا بأمان...لا لعب...لانزهات...لا أحاديث...لا صداقات في الطريق. ولو غرقت في بركة الشتاء سأبرحك ضربا". فلا موطن للرحمة لدى هذه الأم في ابنتها "نهد" والعنف هو جزاء المتضررين كعقاب من الكل حكاما وواقعا؛ بل حتى من طرف قوانين الطبيعة التي لم ترحمهم، وكذا التقسيم غير العادل لثروات هذا الوطن. ويتبين هذا بكل دقة بقول القاصة أيضا:" صاح أخي: إلى عمتي الآن...إذا أصابتك الحمى هذه السنة أيضا أنا من سأعاقب..."، فالأخ الذي يحتاج الرعاية سيتحمل هو وأخته مسؤولية إصابة العمة بالحمى، لكن من يتحمل مسؤولية كل هذا العذاب والمحن القاسية والممقوتة !
6 - الحلم والطموح كهروب من الواقع.
لا غرو أنه أمام واقع حزين كهذا لا يجد الفقراء سوى الحلم والطموح في غد مشرق كسبيل للتغلب على الواقع والتنكر له، فأضرار ومأساة اليوم يمكن التعويض عنها بالصبر الجميل والقبيح في ذات الوقت، ويظهر هذا الحلم في أبهى تجلياته بقول القاصة عن هذه الشدائد:" لا تنتهي حتى أكبر، وأصبح وزيرا، وأبني سورا يمنع المطر اللعين من الوصول إلى بيتنا[16]"، لكن هذا الحلم مندفع وكيف سيتحقق وهذه الأسر لا تملك أبسط حاجياتها لتحقيق حياة كريمة دون أن يباغثها المطر اللعين ويغرق بيتهم فيشكل خطرا على حيواتهم. وتقدم المبدعة الحل وهو عنوان القصة إنه "القلم الخامس"، نعم وحي القلم ببؤسه فهو الشيء الجميل الذي سقط ووجدته "ذاك القلم الفاخر الذي وجدته"، لكنها لشدة مأساتها وكآبتها رمته من النافدة الزجاجية الملونة وهي تقول في آخر القصة :"اغرق في المطر...اغرق في الوحل أيها القلم اللعين...أكرهك أيها القلم اللعين...أكرهك أيها العالم...أكرهك أيها القصر...أكرهك أيها القصر"[17]، فقد سلطت في الأخير جم غضبها بعد صبر طويل على القصر مؤكدة مدى عبثه بأقدار الشعوب والأسر في عالم لا يعرف تقسيما عادلا للثروات، وأعلنت بؤسها للعالم والمطر والقلم، لأن القلم كحلم أصبح يكتب الألم والحزن العميق بعمق ألم ضحايا هذا اللامأوى المقرف.
7 - رمزية المطر بين "أنشودة المطر" و"القلم الخامس".
يتلون المطر في قصة "القلم الخامس" للأديبة "بشرى كمال" بلون قاتم فيرمز للدمار والخراب عوض العطاء والخير، وبهذا يلتقي في رمزيته المدمرة مع ديوان "أنشودة المطر" للشاعر العراقي "بدر شاكر السياب"، ويبدو هذا من خلال تعبير المبدعة "اللعنة للمطر...وتبا لهذا المطر اللعين"، فهي تنظر للمطر نظرة انتقامية لأنه سبب الدمار والخراب، وبذلك تلتقي في هذه النظرة مع ما كان يقوله بدر شاكر السياب في قصيدة "أنشودة المطر":
"مطر/مطر/مطر /أتعلمين أي حزن يبعث المطر؟/وكيف تنشج المزاريب إذا انهمر؟/وكيف يشعر الوحيد فيه بالضياع؟/ بلا انتهاء-كالدم المراق، كالجياع /كالحب كالأطفال، كالموتى /هو المطر !... وفي العراق جوع/وينثر الغلال فيه موسم الحصاد/ ليشبع الغربان والجراد/...رحى تدور في الحقول حولها بشر/مطر/مطر/مطر"[18].
فالمطر في قصيدة السياب ليس تعبيرا عن الخيرات والنماء والخصوبة كما استوحى ذلك من أسطورة "عشتار"ّ*[19]، بحيث حور هذه الأسطورة ليمنح المطر صفة المدمر والعابث بأقدار الناس، فهو رمز للدمار والجوع والموت والخراب الذي عاشته العراق، ومن ثم يعبر عن وضع الأمة العربية انسجاما مع النكبة (1948) والنكسة (1967) اللتان غيرتا مجرى التاريخ، وكذا بطش الحكام والتكالب على القضية العربية وعزت وشرف الإنسان التي تعرضت للذل والمهانة.
8 - استنتاجات:
وصفوة القول إن قصة "القلم الخامس" للأديبة "بشرى كمال "حابلة بواقعية ساخطة ناخطة بروح تشاؤمية عدمية جراء المحن والمأساة التي تعرضت لها الطفلة نهد والأم وشخصيات القصة، ولعمري فهذه القاصة دشنت واقعية نحتاجها في إبداعنا وقصصنا المغربية، وكم أترجى أن تبدع بقلمها واقعية ساخطة أكثر من هذا النص، ورغم لعنها للقلم سر البوح عليها أن لا ترميه من النافدة الزجاجية لأن الواقعيين قلة قليلة في الكون وهي واحدة منهم وإلا سأرفع القلم وأمده لها ولو في عالم تخييلي، ولا أجد ما أقول سوى ترديد حكمة شهيرة لأحد الكتاب الذين شكلوا وجدان الاجيال في القرن العشرين وهو رائد من رواد الواقعية المصري "توفيق الحكيم": "لا شيء يجعنا عظماء غير ألم عظيم".






[1] - قحطان بيرقدار، مقالات متعلقة "لمحة عن بعض أعلام المذهب الواقعي في الغرب"، تاريخ الإضافة 25.08.2012.
[2] - المرجع نفسه.
[3] - المرجع نفسه.
[4] - قحطان بيرقدار، مقالات متعلقة "لمحة عن بعض أعلام المذهب الواقعي في الغرب"، تاريخ الإضافة 25.08.2012.
[5] - هشام الحراك، القصة القصيرة الواقعية في المغرب: الرواد المؤسسون، هسبريس، الاثنينن 04 يونيو 2012 - 11:54.
[6] - المرجع نفسه.
[7]- المرجع نفسه.
[8] - هشام الحراك، القصة القصيرة الواقعية في المغرب: الرواد المؤسسون، هسبريس، الاثنينن 04 يونيو 2012 - 11:54.
[9] - القلم الخامس، بشرى كمال.
[10] - المرجع نفسه.
[11]- صلاة الاستسقاء هي صلاة نافلة تصلى طلبا لنزول المطر ليقطع الجفاف أو يقضي حاجة أخرى في نية المصلي. وهي ركعتان تصليان جماعة بإمام.
[12] - المرجع نفسه.
[13] - المرجع نفسه.
[14] - القلم الخامس، بشرى كمال.
[15] - المرجع نفسه.
[16] - القلم الخامس، بشرى كمال.
[17] - المرجع نفسه.
[18]- بدر شاكر السياب، ديوان أنشودة المطر، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، ص124.125.
[19]- (عشتار) هي إلهة الخصب والأم الأسطورية وهي عاشقة لتموز، الأسطورية البابلية التي تعتبر رمزا لإعادة الحياة إلى الأرض، وهذه الأسطورة يتحدث عنها في قصيدة تحت عنوان "أنشودة المطر"، من ديوانه المعنون بنفس عنوان هذه القصيدة.
-------------------------












***   كل عام وانتم بخير  ***

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

ارفع رأسك عالياً/ بعيداً عن تزييف التاريخ أنت وحدك من سلالة كل الأنبياء الرسل..

ارفع رأسك عالياً فلغتك لغة القرآن الكريم والملائكة وأهل الجنّة..

ارفع رأسك عالياً فأنت العريق وأنت التاريخ وكل الأصالة شرف المحتد وكرم ونقاء النسب وابتداع الحروف من بعض مكارمك وأنت فجر الإنسانية والقيم كلما استشرس ظلام الشر في طغيانه..

ارفع رأسك عالياً فأنت عربي..

هدى الخطيب

إن القتيل مضرجاً بدموعه = مثل القتيل مضرجاً بدمائه
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

الأديب والشاعر الكبير طلعت سقيرق
أغلى الناس والأحبة والأهل والأصدقاء
كفى بك داء أن ترى الموت شافياً = وحسب المنايا أن يكن أمانيا
_________________________________________
متى ستعود يا غالي وفي أي ربيع ياسميني فكل النوافذ والأبواب مشّرعة تنتظر عودتك بين أحلام سراب ودموع تأبى أن تستقر في جرارها؟!!
محال أن أتعود على غيابك وأتعايش معه فأنت طلعت


التعديل الأخير تم بواسطة نور الأدب ; 08 / 06 / 2018 الساعة 53 : 01 AM
عرض البوم صور هدى نورالدين الخطيب   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 10 / 05 / 2018, 06 : 09 PM   المشاركة رقم: 3
المعلومات
الكاتب:
هدى نورالدين الخطيب
اللقب:
المدير العام المؤسسة وصاحبة حقوق النشر والترخيص، إجازة في الأدب، دبلوم فلسفة، الترجمة، دراسات عليا في التاريخ - أديبة وقاصّة وصحفية - عدد من الأوسمة وشهادات التقدير الرسمية – مهتمة بتحقيق وتنقيح التاريخ القديم – مؤلفات أدبية وفي الدراسات المقارنة
الرتبة:

الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية هدى نورالدين الخطيب

البيانات
التسجيل: 11 / 12 / 2007
العضوية: 3
المشاركات: 10,202 [+]
بمعدل : 2.39 يوميا
اخر زياره : [+]
الدولة: canada
الاقامه : كندا-من مدينة حيفا فلسطين، ولدت ونشأت في لبنان ووالدتي لبنانية ، بانتظار العودة إلى حيفا - فلسطين
علم الدوله :  canada
معدل التقييم: 20371
نقاط التقييم: 101680
هدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond repute
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
هدى نورالدين الخطيب غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : هدى نورالدين الخطيب المنتدى : الفعاليات والمسابقات الأدبية...
رد: استفتاء جماهيري - القراءات النقدية - مسابقة نور الأدب الكبرى 2018



2-
ضيق العبارة واتساع الوجع.
قراءة في القصة القصيرة جدا "عقيم" للقاصة هدى نورالدين الخطيب


تواصل القاصة والصحافية الفلسطينية المقيمة بكندا هدى نورالدين الخطيب تشييد عالمها الأدبي المتكامل والمنفتح على أكثر من جبهة؛ ما بين الشعر والقصة والرواية والترجمة والتمريض والصحافة، شأنها شأن الشعب الفلسطيني الأبي المناضل والمُوِاجه والمُوَاجه من كل المواجع والجبهات.
لكن، تبقى الكتابة سلاح الفلسطيني، ألم يتساءل الشاعر الكبير محمود درويش: "ما الذي يجعل من الكلمات بنادق؟".
من هذا المنطلق، لم يكن الأدب الفلسطيني أدبا من فلسطين وإلى فلسطين فحسب، بل كان وما يزال أدبا إنسانيا خالصا يخاطب الإنسان أينما وجد، وتلك سمة الأدب الخالد.
وخير الأدب ما كان ممتعا ومؤنسا، يضحك ويبكي، موجعا وسريعا موجزا يصيب الهدف دون كلل أو ملل لقارئه، ومن ثم كانت البلاغة هي الإيجاز، وهو شيء محبب عند العرب.
ويتخذ الإيجاز التعبيري أشكالا متعددة في أدبنا العربي المعاصر وإن كان مستمدا في غالبيته العظمى من الروافد الأجنبية على اختلافها، وتأتي في مقدمته القصة الومضة والقصة الشذرة، وقصيدة الومضة والخاطفة والشذرة والقصيدة القصيرة، والقصيرة جدا، وقصيدة الهايكو، ثم القصة القصيرة جدا.
فإذا كانت الأقصوصة "هي الشكل الأدبي المطابق لمجتمعنا المفتّت المحروم من أي وعي جماعي"1 حسب تعبير المفكر المغربي الكبير عبد الله العروي، فإن القصة القصيرة جدا في العالم العربي الأن، هي الشكل الأدبي السردي الأكثر غوصا وكشفا عن عورتنا العربية، ووخزا للضمير العربي المتجمد..
قرأت ضمن ما أقرأ للأديبة هدى نورالدين الخطيب في مجالات عدة، وأغلب ما تنشره في موقع "نور الأدب" ومن ضمن هذا المقروء القصة القصيرة جدا الموسومة بـ"عقيم" والتي جاءت على الشكل التالي:

(( زرع عجزه في رحمها صحراء قاحلة، طمست أمومتها الفطرية رأفة وصبرت... خانها ليثبت رجولته، ولما أثقلتها سنوات العمر هجرها إلى نساء أخريات بلا قطرة ماء تغسل فيها تعبها...)


أهم ما يميز هذه الكبسولة القصصية القصيرة جدا: الايجاز، التكثيف، التقطير، تقزيم الحدث، الشعرية، الوجع، الصراع، ضيق العبارة، اتساع الرؤية/ الرؤيا، المباغثة...

العقيم: يعتبر العنوان مدخلا رئيسيا وسياجا للإحاطة بالمعنى العام للنص والدخول إلى أفانينه، وما هو إلا كشف لزيف العلاقات الإنسانية وعقمها وتكلسها في هذا العالم العربي الرديء.

تستفيد هذه القصة القصيرة جدا من التقنيات الشعرية وألوان الصور البلاغية القائمة على التضاد التقابلي ( زرع/ العجز) (الرحم/ الصحراء) ( الطمس/ الرأفة) ( الخيانة/ الصبر) ( المرأة/ الرجل) (الحبيبة/ الأخريات) (الماء/ التعب) وعبر هذا الوثب السردي التقابلي يتوتر ويتخلق الحدث.
استطاعت الأديبة (وهي تجمع ما بين كتابة الشعر والقصة القصيرة) أن تضطلع بنص قصصي قصير جدا شاعري، مع حفاظها على الروح السردية التي تنبض بها القصة على اختلاف أشكالها، ثم "إن القصة القصيرة جدا مزيج من القصة والشعر، فهي تأخذ من كلا الفنين بطرف ونصيب، مشكلة لنفسها خصوصية أجناسية في الشكل والمضمون والوظيفة".2.
من هذا المنطلق، والحالة هذه، استطاعت هذه الكبسولة القصصية أن تستفيد من الشعر باعتباره جنسا أدبيا أقرب إلى العاطفة، بغية التأثير في القارئ والإصابة في المعنى.
لا تصور هذه القصة العقم بما هو حالة صحية ونفسية مرتبطة برجل وامرأة( بطلا القصة) بل وجها عقيما للحياة العربية الراهنة، والعقيمة على أكثر من مستوى، الثقافي والأدبي والسياسي والقومي والاجتماعي.
ولم يكن استهلال القصة بفعل "زرع" اعتباطيا، لتتولى بعده الألفاظ "الرحم"، "الأم"، "الصبر"، "الصبر"، "قطرة"، "ماء"، "الغسل"... حيث يشكل كل لفظ حبة من حبات المسبحة لا يخرج عن دائرتها العضوية والدلالية، هذه الحقول الدلالية المهيمنة في النص والتي تستمد مرجعيتها من البعث والولادة، ما هي إلا تأكيد واستدعاء وبلورة لرؤية تموزية بعثية وإحيائية جديدة.
الحدث والتعدد الدلالي:
ظاهريا؛ تحكي الق، ق، جدا، حدثا ناميا ومتطور هو: زرع الرجل للعجز في رحم امرأة، ثم خانها، وبعد هاجرها.
في تأملنا لهذا الحدث، يتبين لنا أنه بسيط وعادي ومألوف في عالمنا العربي، لكن باطنيا؛ فالحدث القصصي المركز والمكثف أبعد من هذا، حيث يخفي داخله أو وراءه أنساقا ثقافية مضمرة ومخاتلة تحتاج تأويلات بعيدة وجهدا للوصول إلى فاكهة المعنى الذي يتعدد مذاقه حسب التكوين الثقافي والحس الذوقي للمتلقي.
ويبقى في نظري أن القصة القصيرة جدا وقصيدة النثر هما الشكلان الأدبيان الأكثر تمثيلا لمواجعنا العربية الراهنة، بلغة مواربة تجنح نحو التركيز الشديد والمعنى الطاعن المباغت، إنها صغيرة وفيها انطوى عالم كبير، وكأني بالصوفي ابن عربي يقول عن القصة القصيرة:
وتحسب "أنها" جرم صغير /// و"فيها" انطوى العالم الأكبر.
أو "كلما اتسعت الرؤيا، ضاقت العبارة" عبارات قصصية ضيقة ووجع عربي كبير، وللمتلقي واسع التأويل كما يؤكد الشاعر المغربي الجميل الدكتور عبد السلام المساوي.





++ لائحة المصادر والمراجع++

ــ 1 ــ عبد الله العروي، الايدلوجيا العربية المعاصرة (صياغة جديدة) منشورات المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط1، س 1995، ص: 243.
ــ2 ــ سعيد بكور، بلاغة الإيجاز في القصة القصيرة جدا، مجلة العربي، عدد أبريل701، س 2017، ص: 114.













***   كل عام وانتم بخير  ***

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

ارفع رأسك عالياً/ بعيداً عن تزييف التاريخ أنت وحدك من سلالة كل الأنبياء الرسل..

ارفع رأسك عالياً فلغتك لغة القرآن الكريم والملائكة وأهل الجنّة..

ارفع رأسك عالياً فأنت العريق وأنت التاريخ وكل الأصالة شرف المحتد وكرم ونقاء النسب وابتداع الحروف من بعض مكارمك وأنت فجر الإنسانية والقيم كلما استشرس ظلام الشر في طغيانه..

ارفع رأسك عالياً فأنت عربي..

هدى الخطيب

إن القتيل مضرجاً بدموعه = مثل القتيل مضرجاً بدمائه
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

الأديب والشاعر الكبير طلعت سقيرق
أغلى الناس والأحبة والأهل والأصدقاء
كفى بك داء أن ترى الموت شافياً = وحسب المنايا أن يكن أمانيا
_________________________________________
متى ستعود يا غالي وفي أي ربيع ياسميني فكل النوافذ والأبواب مشّرعة تنتظر عودتك بين أحلام سراب ودموع تأبى أن تستقر في جرارها؟!!
محال أن أتعود على غيابك وأتعايش معه فأنت طلعت

عرض البوم صور هدى نورالدين الخطيب   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 10 / 05 / 2018, 11 : 09 PM   المشاركة رقم: 4
المعلومات
الكاتب:
هدى نورالدين الخطيب
اللقب:
المدير العام المؤسسة وصاحبة حقوق النشر والترخيص، إجازة في الأدب، دبلوم فلسفة، الترجمة، دراسات عليا في التاريخ - أديبة وقاصّة وصحفية - عدد من الأوسمة وشهادات التقدير الرسمية – مهتمة بتحقيق وتنقيح التاريخ القديم – مؤلفات أدبية وفي الدراسات المقارنة
الرتبة:

الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية هدى نورالدين الخطيب

البيانات
التسجيل: 11 / 12 / 2007
العضوية: 3
المشاركات: 10,202 [+]
بمعدل : 2.39 يوميا
اخر زياره : [+]
الدولة: canada
الاقامه : كندا-من مدينة حيفا فلسطين، ولدت ونشأت في لبنان ووالدتي لبنانية ، بانتظار العودة إلى حيفا - فلسطين
علم الدوله :  canada
معدل التقييم: 20371
نقاط التقييم: 101680
هدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond repute
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
هدى نورالدين الخطيب غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : هدى نورالدين الخطيب المنتدى : الفعاليات والمسابقات الأدبية...
رد: استفتاء جماهيري - القراءات النقدية - مسابقة نور الأدب الكبرى 2018



3-

سرد الغربة والوعي بالاختلاف بين الذات والآخر
في قصة "بردى" لرشيد الميموني
يحاول القاص المغربي رشيد الميموني في قصته "بردى" أرشفة تجربة إنسانية ضمن الكتابة السردية، هذه التجربة وجدتها قد تفردت بموضوعة منعشة وحية؛ وهي تعرية غربة الذات في الجغرافيا، ثم والوعي بمآلات العلاقات بين الذات السورية والآخر المغربي المتمثل في شخصية المدرس، لذلك جاءت لتلبي رغبة يمكن أن نكشف عنها بالقول إنها قصة تطمح نحو احتضان الاختلاف، ذلك أن الذات الساردة في القصة وقعت في أزمة الحوار أدب التعامل مع من هو في مقام الضيف، وفي سياق القصة العام نجدها تعري عن الكيفية التي ينظر بها السوري للآخر المغربي؟ وكيف ساهم هذا المغربي في خلق تمثل خاطئ عنه دون أن يدرك؟
تحكي القصة عن مدرس مغربي يجلس منفردا في مقهى بمرتيل، وتجمعه الصدفة بأب سوري يدعى نور الدين وابنته بردى، يشاركانه المائدة بالمقهى بعد أن تعبا من صعود الجبل، بعدها حاور الأبُ المدرسَ وكشف عن أشياء تبدو خصوصية تتعلق به وبابنته بردى، الشيء الذي يجعل المدرس يتساءل، في نفسه، عن سبب البوح اللامنتظر، حتى أن ابنته كانت ممتعضة من ذلك. وبعد أن افترق معهما وجد المدرس رسالة من السوري يعبر له سعادته باللقاء وأشياء أخرى ستكشف القراءة عنها الآن.
ويمكن لقارئ هذه القصة أن يفعل ما أمكن من العلامات المشكلة للنص القصصي قصد الكشف عن المعاني الممكنة فيه. ففي بداية القصة نصادف العنوان: بردى، كلمة تأخذك للشام، نهر بردى، ثم ما يمكن للإنسان الشامي أن يستعير هذا الاسم ليخلعه على أشخاص أو أمكنة تضاهي نهر بردى جمالا وقيمة في نفسية المسمِّي. وتحضر مدينة مرتيل المغربية ضمن استهلال القصة، ليبدو الاختلاف منذ البداية مع اسمين مختلفين؛ 'بردى' و'مرتيل'، بردى نهر في الشام، ومرتيل مدينة مغربية، السارد يفتتح القصة بحدث جلوسه الانفرادي في المقهى طلبا للراحة.
كثيرة هي العبارات التي تنفتح على دلالات الشعور بالوحدة والفراغ والتيه، عبارات في بداية القصة وأخرى في منتصفها، فقد عبر المدرس قبل لقائه بالأب السوري وابنته عن اشتياقه لتلامذته الذين ألفهم: "لا أنكر في هذه اللحظة أتمنى لو كانوا معي رغم شغبهم البريء وحركاتهم الدائمة والمتعبة"، ويمكن أن نزكي دلالة الحالة التي هي عليها المدرس من وحدة واشتياق لأي شيء سيضفي الامتلاء على وقت المدرس بالعبارة التي قالها المدرس في نفسه: "هل آن أوان فراق هذين الشخصين وبكل بساطة أحس كأنهما ملآ علي الدنيا؟".
كثيرة هي الصور التي تنبعث من القصة، أهمها صور السوريين اللاجئين، كيف يمكن للمكان والغربة والتاريخ والحرب أن يغيروا للإنسان نظرته للحياة، والناس، والوجود...؟ كيف أنه ينتظر شفقة الناس على وضعه، وفي الآن نفسه يقتنع بأنه في غنى عن ذلك، ربما كل هذه الانتظارات سببها ضرورات الثقافة العربية، وربما الإنسانية، بمعنى ماذا يمكن أن يفعله الإنسان لأخيه الذي هو في وضعية صعبة كما يعرف الجميع، فأن تجد الآن سوريا وابنته يجوبان المغرب فستفهم أنهما في حاجة للعناية والاهتمام وكل ما تفرضه شمائل العروبة والإسلام والإنسانية.
نور الدين يقضي وقته في المغرب في لحظة لجوئه إلى المغرب، الذي يجده فضاء خارجيا بالنسبة إليه، ولو أنه يوجد فيه، الغربة تخيم عليه بسبب فقدانه للوطن. فالفضاء الداخلي هو سوريا، التي يحملها معه، ولو تغير المكان فلن يتغير الوطن، منذ استيقاظه صباحا يدرك نفسه سوريا وليس مغربيا، يبحث عن ذاته الضائعة والمتشظية، إنه يقول متخيلا: أنا هنا، أنا هناك، في انتظار العودة إلى الوطن. حتى وهو في غربته لا زالت عزة النفس بادية على الوجه وساكنة عروق الذات، يقول نور الدين في رسالته بعد كلمات الشكر: "قد تستغرب من شيء سيدي، وهو أنني أنحني لك إجلالا وإكبارا على عدم استضافتك لنا ولا عن تلميحك لرغبتك في بردى، رغم أن كل شيء كان يصيح بذلك في عينيك" بعد هذا الاستنكار من السوري تجاه المغربي يمكن القول إن المدرس المغربي بمقام المضيف، كما أنه قد أعرب في نفسه عن لهفته الشديدة لاستضافة الرجل وابنته، لولا شعورا ما جعله يعزف عن ذلك، ترى ما هو هذا الشعور؟ أما نور الدين السوري فهو بمقام الضيف يعبر عن استنكاره في رسالته للمدرس عن عدم استضافة هذا الأخير له، رغم أن الرغبة كانت بادية على في عينيه.
يشترك المدرس ونور الدين في رغبة وهي الاستضافة، الأول يمكن أن نبني الجواب عن السبب في عدم التعبير عن رغبته في استضافتهما بسؤال ممكن؛ هل الخوف من الغرباء هو السبب؟ ترى هل دعوة السوري للمغربي لمائدة أكل جاءت صدفة أم أنه فعل ذلك ليذكره بدرس حول خلق الكرم؟ فالمدرس قد أبان عن شعوره المليء بالدهشة والخجل. يقول:"وهو يدعوني لتناول الشوارما عند أحد مواطنيه"، فكيف يعقل أن يُكرِم من هو بمقام الضيف (نور الدين) الذي هو بمقام المضيف (المدرس)؟
حينما أعرب عن اسم ابنته بقوله بردى، قال له المدرس المغربي: "اسم جميل يحمل من سميه الكثير من البهاء" ثم رد عليه نور الدين بجملة واحدة: "رحمة الله على ذلك البهاء". هذه العبارة الأخيرة تلخص كل دلالات الفقد والضياع، لم يعد لكل شيء معنى، إلا معنى الغياب، إنها عبارة تعكس رغبتي الحنين والنسيان. ثم يرد نور الدين بسؤال "شو بتشتغل حضرتك" كان يريد أن يقطع خيط بوح سيفتح ذكريات جرح لم يبرأ بعد. بعدها أجاب المدرس بقوله: "مدرس". أردف عليه نور الدين بالحديث عن أشياء مختلفة رغبة في تقويض شعوره بالفرق بينه وبين المغربي، إذ فتح ذاكرته المخبأ فيها بعض أحلامه وأحلام زوجته والمسار الدراسي المتميز لبردى. فأن يرى نور الدين دلالات الحضور والامتلاء في غربته، فإنه مجبور على أن يتذكر ما يعلق به من غياب وفراغ قاتم كان قد بدأ ويستمر معه. ويمكن لكل قارئ لهذه القصة أن يتساءل منذ متى لم يتحدث هذا السوري مع شخص ما؟ حتى قدر له أن يلتقي بالمدرس ليفرغ ما في جعبته من خبر عنه وعن ابنته. فالمدرس شعر بثقة زائدة عند نور الدين، فكيف لهذا الأخير أن يحدث الغرباء عن نفسه؟
فعل القراءة لهذه القصة يثير سؤالا آخر يتعلق بالكيفية التي ترجم بها محتوى الرسالة من الورقة إلى القصة؟ هل بالفعل كتبت كما استقبلت أم تم تضمينها بالشكل المرغوب من الكاتب؟ ثم إن قصة بردى لا تبين عن تفاصيلها الخفية إلا بعد الحدث الأخير من القصة وهو استقبال الرسالة التي تركها نور الدين للمعلم. رسالة مليئة بالتناقضات، حيث يفتتح بالشكر ومن ثم الاستنكار بطريقة تشبه الطبخ على النار الباردة؟ زد على ذلك بعد أن ينتهي القارئ من هذه القصة ترى هل تساءل عن التاريخ الذي يحدد وقوع الأحداث ويعطيه بعدا مرجعيا؟ فهل يعني وجود أب وابنته بالمغرب أنهما لاجئان، أم أنه على القارئ أن يربط السابق باللاحق، والظاهر بالمضمر من القصة.












***   كل عام وانتم بخير  ***

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

ارفع رأسك عالياً/ بعيداً عن تزييف التاريخ أنت وحدك من سلالة كل الأنبياء الرسل..

ارفع رأسك عالياً فلغتك لغة القرآن الكريم والملائكة وأهل الجنّة..

ارفع رأسك عالياً فأنت العريق وأنت التاريخ وكل الأصالة شرف المحتد وكرم ونقاء النسب وابتداع الحروف من بعض مكارمك وأنت فجر الإنسانية والقيم كلما استشرس ظلام الشر في طغيانه..

ارفع رأسك عالياً فأنت عربي..

هدى الخطيب

إن القتيل مضرجاً بدموعه = مثل القتيل مضرجاً بدمائه
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

الأديب والشاعر الكبير طلعت سقيرق
أغلى الناس والأحبة والأهل والأصدقاء
كفى بك داء أن ترى الموت شافياً = وحسب المنايا أن يكن أمانيا
_________________________________________
متى ستعود يا غالي وفي أي ربيع ياسميني فكل النوافذ والأبواب مشّرعة تنتظر عودتك بين أحلام سراب ودموع تأبى أن تستقر في جرارها؟!!
محال أن أتعود على غيابك وأتعايش معه فأنت طلعت

عرض البوم صور هدى نورالدين الخطيب   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 10 / 05 / 2018, 30 : 09 PM   المشاركة رقم: 5
المعلومات
الكاتب:
هدى نورالدين الخطيب
اللقب:
المدير العام المؤسسة وصاحبة حقوق النشر والترخيص، إجازة في الأدب، دبلوم فلسفة، الترجمة، دراسات عليا في التاريخ - أديبة وقاصّة وصحفية - عدد من الأوسمة وشهادات التقدير الرسمية – مهتمة بتحقيق وتنقيح التاريخ القديم – مؤلفات أدبية وفي الدراسات المقارنة
الرتبة:

الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية هدى نورالدين الخطيب

البيانات
التسجيل: 11 / 12 / 2007
العضوية: 3
المشاركات: 10,202 [+]
بمعدل : 2.39 يوميا
اخر زياره : [+]
الدولة: canada
الاقامه : كندا-من مدينة حيفا فلسطين، ولدت ونشأت في لبنان ووالدتي لبنانية ، بانتظار العودة إلى حيفا - فلسطين
علم الدوله :  canada
معدل التقييم: 20371
نقاط التقييم: 101680
هدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond repute
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
هدى نورالدين الخطيب غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : هدى نورالدين الخطيب المنتدى : الفعاليات والمسابقات الأدبية...
رد: استفتاء جماهيري - القراءات النقدية - مسابقة نور الأدب الكبرى 2018



4-

قراءة في قصيدة (ماذا جرى) للشاعرة رجاء بنحيدا

إن المتأمل في الشعر العربي الحديث، يدرك ودون عناء كبير أنه عرف تغيرا وتبدلا في المفهوم الشعري ووظيفته، وذلك بالتمرد على القوالب الشعرية التقليدية التي كانت تفرضها القصيدة العربية القديمة. سواء من حيث الشكل أو المضمون، وقد قاد هذا التطور والتغيير جملة من الشعراء المرموقين من قبيل " بدر شاكر السياب، نازك الملائكة، ثم محمود درويش، وغيرهم من الشعراء الذين حملواعلى عاتقهم راية التجديد والتحديث.
وتعد الشاعرة رجاء بنحيدا من بين الشاعرات اللواتي تبنين هذه النظرة المعاصرة، في نظم الشعر، فإلى أي حد استطاعت شاعرتنا من خلال قصيدتها التي تحمل عنوان " ماذا جرى" تمثيل هذا النموذج الشعري الحديث؟
ومما لاريب فيه ،أن العنوان يشكل عتبة من عتبات النص التي يحتاج القارئ الوقوف عندها، خاصة وأن العنوان أمسى علامة سيميوطيقية دالة على معاني خفية ومدخلا لعمارة النص، الأمر الذي جعل الدارسون والنقاد يعيرونه اهتماما بالغا.
والمتمعن في عنوان القصيدة التي بين أيدينا " ماذا جرى" يبصر هذه الوظيفة التعبيرية، إذ أن الشاعرة أضفت عليه طابعا استفهاميا يدفع القارئ إلى استحضار ذهنه من أجل الوصول إلى الجواب، ولا يتأتى ذلك إلا من خلال الغوص في ثنايا القصيدة واستبطانها. وكأني بالشاعرة تستنكر الوضع الذي يحدث، وتستفهم عنه بطرح هذا السؤال، بحيث تقول: ما الذي يجري حتى صار الوضع إلى ما هو عليه من يأس وعجز يخيمان بظلالهما على الواقع المعيش، ولعل الدلالة النصية تفصح لنا عن هذا الأمر منذ مستهل القصيدة، حيث تقول الشاعرة: إن الذي يجري هو أن هناك حظا ندثره بسجيل النقم.
ومما هو خليق بالإشارة إليه ،أن الشاعرة في قصيدتها هذه تعكس لنا تجربة نفسية متأزمة ناتجة عن التأمل في واقع مرير يطبعه الظلم والاستبداد، الأمر الذي أدى إلى فقدان الأمل واليأس في الحياة والسخط عليها، حيث نجد الشاعرة تتعجب وتستنكر حلول السلام والأمان، مادام المجتمع العربي غارقا في الظلم، بل وفي سباته العميق الذي يدفع إلى الحيرة والتساؤل؛ أهو ناتج عن حزن قهره ودفع به إلى الصمت والتأمل؟ أم أن الزمن الذي يعيش فيه هو زمن البكم لا زمن الكلام؟
وتجلو لنا دلالة هذه القصيدة من خلال حقلين دلاليين هما:
الحقل الدال على اليأس:ومن المفردات الدالة عليه، نذكر ( النقم، السأم، العجز، اليأس...)
والحقل الدال على المعاناة والآلام: ولعل من بين المفردات التي عكسته ما يلي: (الأسى، البكاء، الظلم، الحمم...)
وبملاحظتنا الأولية لهذين الحقلين الدلاليين، نشف أنهما تضافرا من أجل الإفصاح عن موقف الشاعرة من الوضع المهترئ الذي يتخبط فيه المجتمع العربي.
وعلى الرغم من هذا، فإن الشاعرة لم تغفل البعد الفني والجمالي في القصيدة، حيث إنها توسلت في تبليغ مضمون رسالتها إلى القارئ بجملة من المقومات الفنية من قبيل : الإيقاع التي تشكلت معالمه من خلال الاعتماد على السطر الشعري الذي ينتهي بانتهاء الدفقة الشعورية للشاعر وذلك عكس ما ألفناه في القصيدة العربية القديمة التي تقوم على وحدة البيت، ومن الواضح أن إقامة الوزن في الشعر الحر يحتاج إلى الاختيار بين صنفين من البحور وهما: البحور الممزوجة والبحور الصافية، مثل بحر الوافر والمتدارك والمتقارب ثم الكامل، ولعل هذا الأمر قد استجابة له الشاعرة بحيث اعتمدت على البحر الكامل المضمر الذي يمثل صنف البحور الصافية، وتفعيلاته هي "متفاعلن "، ولعل الأسطر الشعرية التي بين أيدينا قد وشحت بهذا الوزن، وفيما يلي توضيح لهذا الأمر: تقول الشاعرة:

حَظٌّ نُدُثٍّرُهُ بِسِجِّيلِ النِّقَم = عَجْزُ يُدَارٍكُنًا ومًا أبقى لنا إلا
متْفاعلن مُتَفاعلن مُتْفاعلن= متْفاعلن مُتَفاعلن مُتْفاعلن متفا





السأم
علن

والملاحظ أن الشاعرة قد اعتمدت عل التدوير باعتباره تقنية من تقنيات القصيدة الحديثة بحيث تتوزع التفاعيل فيها على نهاية السطر وبداية السطر الذي يليه، مما ينم على أن ثمة ترابطا وتماسكا بين الأسطر التي تأخذ معانيها من خلال علاقتها بالأسطر الأخرى، علاوة على اعتماد القافية المتداركة جرسا لأسطرها مع تنويع طفيف في حروف الروي. وقد عززت الشاعرة هذا الإيقاع الخارجي بإيقاع داخلي نجد فيه حضورا قويا لمكون التكرار حيث تكررت مجموعة من الحروف من قبيل: الميم، السين، حروف المد، مما أضفى على القصيدة إيقاعا موسيقيا وتوازا صوتيا انسجم والحالة النفسية للشاعرة ، فضلا عن تكرار جملة من الكلمات، مثل: العجب، كيف، نعم، وغيرها مما يفيد الزيادة في التأكيد على المعاناة والآلام.
ولا يخفى على الباحث الحصيف، ما للصورة الشعرية من وظيفة تعبيرية وانفعالية تؤثر على القارئ وتجذبه إليها. بحيث يصبح متفاعلا معها من خلال البحث عن فك شفراتها ورموزها ،لذلك نجد أن الشاعرة قد أولتها اهتماما بالغا من أجل تعبيد الطريق في الوصول إلى القارئ وإقناعه. إذ وظفت جملة من الرموز الطبيعية واللغوية من قبيل: العدم، الصمت، القهر، الفهم... وغيرها من الرموز الأخرى، ناهيك عن التأليف الإشعاري بحيث نجد الشاعرة تسند صفات لموصوفات لم تكن لها في الأصل ،حيث أسندت الولولة التي تصدر عن الإنسان إلى الصدى. وإسناد صفة البكم للزمن، وغيرها من الإسنادات الأخرى التي تخرق المألوف وتتجاوزه، بغية تكثيف الدلالة والدفع بالقارئ إلى سبر أغوار القصيدة واستنباطها للوصول إلى المعنى.
أما بالنسبة للأزمنة التي تخللت هذه القصيدة فنجد الغلبة للزمن المضارع من خلال الأفعال التالية: يولول، تبكي، تلهو، تنم... للدلالة على الحركية والاستمرارية في اليأس والحيرة من السبات العميق الذي يعيشه المجتمع العربي. أما فيما يتعلق بالأساليب الموظفة فنجد طغيان الأساليب الإنشائية ممثلة في الاستفهام حيث تبحث الشاعرة من خلالها عن جواب لما آل إليه وضع المجتمع. حيث لم يعد قادرا على استنهاض همه والدفاع عن وجوده، ولعل من الأمثلة الدالة على ذلك قول الشاعرة:
كيف الأمان... ومن يرى شظى الحمم
عن طفلة
تبكي وتلهو... لم تنم
وتجدر الإشارة إلى أن الشاعرة قد سخرت لغة إحيائية رمزية تعتمد على التلويح عوض التصريح، وهو الأمر الذي نبه إليه البحتري قديما حيث قال:
الشعر لمح تكفي إشارته = وليس بالهدر طولت خطبه

الأمر الذي ذلل الطريق للشاعرة في تبليغ تجربتها وموقفها للقارئ، وكذا تحقيق تلك الشعرية الرمزية التي يبحث عنها المتلقي.
تأسيسا على ما سلف، فإن قصيدة "ماذا جرى" للشاعرة رجاء بنحيدا قد صورت لنا موقفا قلقا اتجاه واقع مرير يخيم عليه العجز والسبات، وبالتالي الخضوع للظلم والاستبداد.
كل هذا استطاعت الشاعرة أن تصوغه للقارئ في قالب فني باذخ بدءا من البنية الإيقاعية ومرورا

بالصور الفنية والجمالية ممثلة في الرموز والتأليف الاستعاري، وصولا إلى الأساليب الإنشائية من خلال نموذج الاستفهام، مما يبين أن النص قد مثل أنموذجا من نماذج تكسير البنية وتجديد الرؤيا في القصيدة الحديثة باعتبارها تجربة شعرية استطاعت الثورة على الشكل والمضمون على حد سواء.












***   كل عام وانتم بخير  ***

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

ارفع رأسك عالياً/ بعيداً عن تزييف التاريخ أنت وحدك من سلالة كل الأنبياء الرسل..

ارفع رأسك عالياً فلغتك لغة القرآن الكريم والملائكة وأهل الجنّة..

ارفع رأسك عالياً فأنت العريق وأنت التاريخ وكل الأصالة شرف المحتد وكرم ونقاء النسب وابتداع الحروف من بعض مكارمك وأنت فجر الإنسانية والقيم كلما استشرس ظلام الشر في طغيانه..

ارفع رأسك عالياً فأنت عربي..

هدى الخطيب

إن القتيل مضرجاً بدموعه = مثل القتيل مضرجاً بدمائه
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

الأديب والشاعر الكبير طلعت سقيرق
أغلى الناس والأحبة والأهل والأصدقاء
كفى بك داء أن ترى الموت شافياً = وحسب المنايا أن يكن أمانيا
_________________________________________
متى ستعود يا غالي وفي أي ربيع ياسميني فكل النوافذ والأبواب مشّرعة تنتظر عودتك بين أحلام سراب ودموع تأبى أن تستقر في جرارها؟!!
محال أن أتعود على غيابك وأتعايش معه فأنت طلعت

عرض البوم صور هدى نورالدين الخطيب   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 11 / 05 / 2018, 30 : 08 AM   المشاركة رقم: 6
المعلومات
الكاتب:
هدى نورالدين الخطيب
اللقب:
المدير العام المؤسسة وصاحبة حقوق النشر والترخيص، إجازة في الأدب، دبلوم فلسفة، الترجمة، دراسات عليا في التاريخ - أديبة وقاصّة وصحفية - عدد من الأوسمة وشهادات التقدير الرسمية – مهتمة بتحقيق وتنقيح التاريخ القديم – مؤلفات أدبية وفي الدراسات المقارنة
الرتبة:

الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية هدى نورالدين الخطيب

البيانات
التسجيل: 11 / 12 / 2007
العضوية: 3
المشاركات: 10,202 [+]
بمعدل : 2.39 يوميا
اخر زياره : [+]
الدولة: canada
الاقامه : كندا-من مدينة حيفا فلسطين، ولدت ونشأت في لبنان ووالدتي لبنانية ، بانتظار العودة إلى حيفا - فلسطين
علم الدوله :  canada
معدل التقييم: 20371
نقاط التقييم: 101680
هدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond repute
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
هدى نورالدين الخطيب غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : هدى نورالدين الخطيب المنتدى : الفعاليات والمسابقات الأدبية...
رد: استفتاء جماهيري - القراءات النقدية - مسابقة نور الأدب الكبرى 2018



5-
الهمس والجهر في قصيدة " العشق نهايات الأسرار" للشاعر محمد حمدي غانم

أنموذجا

لقد أ كد العديد من الباحثين على وجود علاقة بين الصوت والمعنى في دراسة النص الأدبي عموما والنص الشعري بوجه الخصوص رغم أن سوسير نفى هذه العلاقة في مقال له بعنوان:" اعتباطية الدليل اللغوي" من كتاب "درس في اللسانيات العامة"، لكن هل حقا هذه الاعتباطية حقيقية؟ فالمعروف أن الأصوات ليست مستقلة استقلالا تاما، أي أنها ليست ذات معنى خاص بها ، إذ أنها لا تعني شيئا في نفسها، وإنما وظيفتها تكمن في تكوين وحدات أكبر تتشكل بدورها لتخلق المعنى والدلالة في النص الأدبي.[1] لذلك يؤكد همبوليت وجسبرسن وماريوباي على هذه العلاقة يقول هذا الأخير: " إن أصوات العلة والأصوات الساكنة تكوِّن ما يسمى بجزيئات الكلام، ولهذا توصف بأنها فونيمات جزيئية أو تركيبية، أي أنها نقطة الإنطلاق للاهتداء إلى المعنى .
ثم إن مستويات الدرس اللساني تنطلق من المستوى الأصواتي، ثم المستوى الصوتي، فالتركيبي فالدلالي، وبعدها التداولي. وكل مستوى من هذه المستويات يخدم المستوى الذي بعده، لتخدم كل المستويات في الأخير الدلالة والمعنى.
لا يختلف اثنان في أن المؤثرات الصوتية النوعية في النص الشعري تتمثل في الإيقاع اللغوي الذي يتشكل بدوره من التماثل في الوحدات الصوتية مع بعضها البعض كالجهر والهمس والشدة والرخاوة والتفخيم والترقيق وعلامات الفصل والوصل والجرس الصوتي ، والأصوات الصفيرية والتكرارية، والأوزان الشعرية... تحدث أثرا في النص الشعري على مستوى المعنى والدلالة الإيقاعية.
إن ما يهمنا هنا بعد هذا التقديم النظري ، هو دراسة قصيدة " العشق نهايات الأسرار" من هذا المنظور، وسنقتصر على دراسة الجهر والهمس لنرى كيف تخدمان المعنى، وكيف أنهما لا تقفان عند حد التشكيل الإيقاعي فحسب، بل تساهمان في تشكيل المعنى الدلالي الذي يطرحه النص الشعري الذي بين أيدينا.
يشكل التناسب الصوتي للأصوات المجهورة والمهموسة مع بعضها البعض بعدا إيقاعيا على مستوى هذه القصيدة، وهذا الإيقاع بدوره يتناسب في كثير من الأحيان مع الحالات الشعورية والنفسية بل والدلالية التي تطرحها القصيدة التي بين أيدينا، إذ إن الملاحظ في المقطعين قيد الدراسة أن الأصوات المهموسة تتضارب مع الأصوات المجهورة بشكل يجعلهما في حرب مواقع، إلا أن الغالب فيها هو الأصوات المهموسة الرخوة، مثل ( حرف السين الذي يتكرر أكثر من سبعة عشر مرة في القصيدة بأ كملها، وحرف الكاف الذي يتجاوز العشرين، وحرف الشين والصاد والهاء والثاء والتاء)، أما بالنسبة لأصوات الجهر الشديدة ، فحضورها يعتبر قليلا بالمقارنة مع الأصوات الأخرى.

إن العاشق تظهر عليه علامات العشق حتى وإن أراد إخفاءها، ففي العشق كما قال الشاعر نهاية للأسرار، وبوح للمحجوب والمستور، فكل الأسرار تفضح داخل الحب والعشق، وقد أكثر الشاعر في استعمال الأصوات المهموسة للدليل على أن هناك الكثير من الأسرار التي تختلجنا ولا نقدر على البوح بها للعيان، لكنه ينهي قافية كل سطر شعري بحرف الباء، الصوت الجهري الشديد :( موهوب ، مقلوب، محسوب، المكذوب، مرهوب، غروب، معصوب، مصبوب، مححجوب، ثم مغلوب...) لكي يؤكد فكرة معينة هي أن نهاية كل سر إشهار وجهر به للعيان ، والجهر ببعض الحقائق والخبابيا صدمة في بعض الأحيان.

وقد ترتبط هذه الحقائق التي يخفيها الشاعر في بدايات أسطره ليعلن عنها في نهاياتها حقائق تتعلق بالأمة العربية جمعاء، هذه الأمة التي قال عنها الشاعر: "هل تهرب عاقلة من لذة عشق يترصدها كالكنز الموهوب" إنه يسألها سؤالا استنكاريا مفاده كيف يا أمتي أن تظلين ساكنة في ركودك وجمودك وبين يديك الحل للنجاة من مشنقة هذا التدهور ؟. كيف لك يا أمتي أن تبقين إمعة، غنما تابعة للراعي (الدول الكبرى)؟ إن هذا كله سر يختلج الشاعر وكل إنسان عربي، لكن حب الشاعر لأمته جعله يجهر بكل الخبايا فيقرر إنقاد أمته من هذا الظلم بقوله: '" لكن ما فات الوقت لكي أنقذها من هذا الفكر المكذوب، فبحبي سوف أعلمها...." ويرجع الحل إلى الوحدة بين الدول العربية التي تجعل الأمة العربية يدا واحدة تَهزم لا تُهزم عندما يجمع كل الدول هدفا وغاية واحدة ، يقول: "هل ضعف لو صارت ضعفا، حين يُوَحِّد غايتنا درب العمر قبيل الغروب". لكن هذه الوحدة تحتاج إلى الثقة في النفس يقول الشاعر: " لو سمَعَت حجَّة فطرتها ، فستعبر فوق مخاوفها واثقة ونهاها معصوب".

إننا إذا تمعنا في صيغة الكلمة التي ينتهي بها كل سطر شعري وجدناها على صيغة اسم المفعول، وهذا ما يؤكد على أن الشاعر يريد إيصال فكرة أن االأمة العربية أمة مفعول بها، دوما الدول القوية تفعل فعلها فيها، وهو الشيء الذي جعله يتحسر ألما وحزنا على أمته العربية التي يطمح إلى أن ترفع رأسها عاليا أمام الملأ تبرز ذاتها أمام كل الأمم، وحزنه هذا تمثل في هيمنة الأصوات المهموسة التي تدل على النبرة المنخفضة للشاعر وإحساسه بخيبة الأمل، لكنه لا يستسلم لهذا الوضع، والدليل هو الأصوات المجهورة التي تدل على أن الشاعر يتحدث بحرقة كبيرة هدفها التغيير .

وأخيرا إن الشاعر هاهنا يستعمل الأصوات المهموسة والمجهورة للعزف على أوتاره النفسية بشكل يتناسب ويتناغم مع تجربته الشعرية، فضلا عن المساهمة في تشكيل الإيقاع الداخلي ، ومن ثم تشكيل للمعنى" فلا يمكن أن يوجد أي معنى بدون صوت يعبر عنه"[1]


[1] : محمد صابر عبيد: القصيدة العربية للبنية الدلالية والبينة الإيقاعية، اتحاد الكتاب العرب، دمشق 2001, ص، 23.
[1] : مراد عبد الرحمان مبروك: النظرية النقدية من الصوت إلى المعنى، نحو نسق منهجي لدراسة النص الشعري، الجزء الأول، النادي الأدبي الثقافي بجدة، عدد 162، الطبعة الرابعة، 2012م.



ملاحظة : حاولت كثيراً ولم أتمكن من إضافة الصورة التي أورها المشارك للقصيدة ... سأضيف رابط القصيدة لاحقاً













***   كل عام وانتم بخير  ***

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

ارفع رأسك عالياً/ بعيداً عن تزييف التاريخ أنت وحدك من سلالة كل الأنبياء الرسل..

ارفع رأسك عالياً فلغتك لغة القرآن الكريم والملائكة وأهل الجنّة..

ارفع رأسك عالياً فأنت العريق وأنت التاريخ وكل الأصالة شرف المحتد وكرم ونقاء النسب وابتداع الحروف من بعض مكارمك وأنت فجر الإنسانية والقيم كلما استشرس ظلام الشر في طغيانه..

ارفع رأسك عالياً فأنت عربي..

هدى الخطيب

إن القتيل مضرجاً بدموعه = مثل القتيل مضرجاً بدمائه
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

الأديب والشاعر الكبير طلعت سقيرق
أغلى الناس والأحبة والأهل والأصدقاء
كفى بك داء أن ترى الموت شافياً = وحسب المنايا أن يكن أمانيا
_________________________________________
متى ستعود يا غالي وفي أي ربيع ياسميني فكل النوافذ والأبواب مشّرعة تنتظر عودتك بين أحلام سراب ودموع تأبى أن تستقر في جرارها؟!!
محال أن أتعود على غيابك وأتعايش معه فأنت طلعت

عرض البوم صور هدى نورالدين الخطيب   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 11 / 05 / 2018, 22 : 09 AM   المشاركة رقم: 7
المعلومات
الكاتب:
هدى نورالدين الخطيب
اللقب:
المدير العام المؤسسة وصاحبة حقوق النشر والترخيص، إجازة في الأدب، دبلوم فلسفة، الترجمة، دراسات عليا في التاريخ - أديبة وقاصّة وصحفية - عدد من الأوسمة وشهادات التقدير الرسمية – مهتمة بتحقيق وتنقيح التاريخ القديم – مؤلفات أدبية وفي الدراسات المقارنة
الرتبة:

الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية هدى نورالدين الخطيب

البيانات
التسجيل: 11 / 12 / 2007
العضوية: 3
المشاركات: 10,202 [+]
بمعدل : 2.39 يوميا
اخر زياره : [+]
الدولة: canada
الاقامه : كندا-من مدينة حيفا فلسطين، ولدت ونشأت في لبنان ووالدتي لبنانية ، بانتظار العودة إلى حيفا - فلسطين
علم الدوله :  canada
معدل التقييم: 20371
نقاط التقييم: 101680
هدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond repute
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
هدى نورالدين الخطيب غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : هدى نورالدين الخطيب المنتدى : الفعاليات والمسابقات الأدبية...
رد: استفتاء جماهيري - القراءات النقدية - مسابقة نور الأدب الكبرى 2018



6-

قراءة في قصة" عصافير الوطن الصغير"
للأديب طلعت سقيرق


تعد القصة القصيرة من بين الأجناس الأدبية الحديثة الظهور، من حيث شكلها كفنّ أدبي له قوامه و خصوصياته المميزة له عن غيره من الأجناس الأخرى. لكن خضوره، كنشاط لغوي، له امتداده عبر التاريخ البشري القديم.
عصافير الوطن الصغير. قصة قصيرة لصاحبها طلعت سقيرق. هو شاعر فلسطيني ولد في لبنان في 18 من آذار عام 1953، ونشأ في دمشق حيث تلقى بها تعليمه الجامعي.
تستهل القصة التي بين أيدينا حديثها بتصوير حالة الحكي أو السرد في الثقافة العربية القديمة، القائمة أولا على السرد الليلي كألف ليلة وليلة، أو كما يسميها كيليطو بكتاب الليالي، إلى جانب هذا اقتصار فعل السرد على الكبار دون الصغار وعلى الأنثى دون الذكر، نموذج شهرزاد في كتاب الليالي، ونموذج الجدة في الثقافة الشعبية العربية القديمة والحديثة. لأجل ذلك، اقتصر فعل الحكي على شخصية الجدة، لم الجدة بالذات؟ يحضر هذا النوع من الشخصيات داخل الكتابة السردية وفي طياته جملة من الدلالات التي تشكل زاوية نظر للقارئ، لعل من بين ما تتركه شخصية الجدة، من دلالات مكن الإشارة إلى الذاكرة الشفهية، أي ذلك الرصيد الحكائي والنفس القصصي اللذان يحضران بالأساس في شخصية الجدة والمستمر أيضا تقول القصة قيد التحليل:" عودتنا الجدة قبل أن ننام على سرد واحدة من حكاياتها الجميلة والآسرة".. يمكن أن نتساءل هنا عن علاقة النوم بالسرد؟ ببساطة نحن نتحدث عن الحاجة إلى السرد. فالثقافة العربية عرفت ذلك التحول من الهيمنة الشعرية إلى السيطرة السردية، التي تدخل القارئ وسط عوالم ممكنة بلغة إيكو.
إن الحكي لا يتم من فراغ، كما أن تلقي الحكي لا يتم من فراغ، جاء على لسان الجدة باعتبارها باثة للخطاب، والموجَه إلى متلقي (الأطفال الصغار): "اسمعوا يا أولادي وانتبهوا فهذه القصة تحمل الكثير.. لا تنظروا إلى ظاهرها فقط، بل فكروا بما تحمل".
يقتضي هذا الملفوظ السردي مجموعة من القراءات، من بينها أن القصص الماضية لم تكن تحمل الكثير، وأن هذا الأخير يقتضي السماع المرفق بالانتباه، إضافة إلى أن الجدة لم تكن تدعوهم إلى التفكير في ما وراء السطور، الأمر الذي يبيّن ضرورة التحول في طريقة التعامل ما يحكى. هذا ما سنحاول القيام به مع ما تبقى.
لم تعد الشخصيات السردية، سواء في مجال الرواية أو القصة، تقتصر على أداء الأحداث فقط، وإنما أصبحت تسخر وفي عمقها دلالات ورموز تفتح القارئ على أكثر من قراءة.
تبدأ شخصية الجدة حكايتها بالبسملة والصلاة على النبي. إنه استهلال سردي ذو طابع ديني، لتدخل الجدة عوالم السرد، وتدخل معها الأطفال الصغار بل ونحن القراء أيضا: " كان يا ما كان في مدينتنا حيفا شجرة قريبة من البيت" ، تكتسي الجملة الأولى من كل نص سردي أهمية بالغة، بحيث إنها تعتبر موجها أساسيا في فعل القراءة، مفهوم الشجرة في هذا البيت باعتباره قوى فاعلة داخل القصة يحضر كرمز للوطن أو الأرض، هذا الثابت في المكان والمتغير عبر الزمن.
تدافع القصة عن فكرة أساسية مفادها أنه لا ينبغي أن نستغني عن أشيائنا التي صارت ضعيفة، وألا نفقد الأمل في نمائها من جديد، فالوطن كالشجرة الكبيرة التي يبدو لنا أنها لم تعد صالحة، ويمكننا الاستغناء عنها، لكن الأمر غير كذلك: الأوطان لا تتقدم إلا بأهلها وتموت عندما نفكر في البديل.












***   كل عام وانتم بخير  ***

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

ارفع رأسك عالياً/ بعيداً عن تزييف التاريخ أنت وحدك من سلالة كل الأنبياء الرسل..

ارفع رأسك عالياً فلغتك لغة القرآن الكريم والملائكة وأهل الجنّة..

ارفع رأسك عالياً فأنت العريق وأنت التاريخ وكل الأصالة شرف المحتد وكرم ونقاء النسب وابتداع الحروف من بعض مكارمك وأنت فجر الإنسانية والقيم كلما استشرس ظلام الشر في طغيانه..

ارفع رأسك عالياً فأنت عربي..

هدى الخطيب

إن القتيل مضرجاً بدموعه = مثل القتيل مضرجاً بدمائه
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

الأديب والشاعر الكبير طلعت سقيرق
أغلى الناس والأحبة والأهل والأصدقاء
كفى بك داء أن ترى الموت شافياً = وحسب المنايا أن يكن أمانيا
_________________________________________
متى ستعود يا غالي وفي أي ربيع ياسميني فكل النوافذ والأبواب مشّرعة تنتظر عودتك بين أحلام سراب ودموع تأبى أن تستقر في جرارها؟!!
محال أن أتعود على غيابك وأتعايش معه فأنت طلعت

عرض البوم صور هدى نورالدين الخطيب   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 11 / 05 / 2018, 03 : 08 PM   المشاركة رقم: 8
المعلومات
الكاتب:
هدى نورالدين الخطيب
اللقب:
المدير العام المؤسسة وصاحبة حقوق النشر والترخيص، إجازة في الأدب، دبلوم فلسفة، الترجمة، دراسات عليا في التاريخ - أديبة وقاصّة وصحفية - عدد من الأوسمة وشهادات التقدير الرسمية – مهتمة بتحقيق وتنقيح التاريخ القديم – مؤلفات أدبية وفي الدراسات المقارنة
الرتبة:

الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية هدى نورالدين الخطيب

البيانات
التسجيل: 11 / 12 / 2007
العضوية: 3
المشاركات: 10,202 [+]
بمعدل : 2.39 يوميا
اخر زياره : [+]
الدولة: canada
الاقامه : كندا-من مدينة حيفا فلسطين، ولدت ونشأت في لبنان ووالدتي لبنانية ، بانتظار العودة إلى حيفا - فلسطين
علم الدوله :  canada
معدل التقييم: 20371
نقاط التقييم: 101680
هدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond repute
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
هدى نورالدين الخطيب غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : هدى نورالدين الخطيب المنتدى : الفعاليات والمسابقات الأدبية...
رد: استفتاء جماهيري - القراءات النقدية - مسابقة نور الأدب الكبرى 2018



7-

قراءة سيميائية لقصيدة: النهر بريء كمشاعرنا

للشاعر محمد حمدي غانم



يسألني صديقي عن كيفية تحليل قصيدة شعرية. أجد نفسي في حرج شديد إزاء هذا السؤال. أعرف أن مقصده يتمحور حول خلطة سحرية تمكنه من الولوج إلى عالم النص. أراوغه، علّي أنجو من المأزق الذي وضعني فيه. لكنني، في الأخير، أصارحه: لا توجد وصفة سحرية جاهزة لتحليل النصوص، كل ما يوجد محاولات لإزالة الصدى والغبش عن وجه القصيدة. قلت عن "وجه القصيدة"، ربما سقطت هذه الكلمة مني سهوا، لكن ماذا لو اعتبرناها جسدا، هل سيكون مجازنا في محله؟ ربما لن نجانب الصواب إذا ما نظرنا إليها هاته النظرة، إذ إن كل قصيدة لها رأس وبطن وأرجل. لكن ماذا عن الأيدي وباقي الأعضاء الأخرى؟ لن نعدمها إذا بحثنا عنها، وربما سنحصل على أشياء لم تكن لتخطر لنا ببال. ولنفترض أن النص الذي نحن بصدده، الآن، جسد، فمن أين سنبدأ التحليل؟ سيقول قائل: لنبدأ من البطن. تروقني الفكرة، وأذهب معه في مسعاه. لكن، ماذا يقتضي البطن؟ للوهلة الأولى يمكن أن نقول: إنه يقتضي الأمعاء. فهل الأمعاء جديرة بالتحليل؟ لست متأكدا بأنها لا تصلح لذلك، غير أن هناك ما هو أهم وأكثر بناء للمعنى. ترى ما هو ؟ سيأتي شخص آخر ويقول: إنها الأرجل، هي التي تحمل القصيدة، وبها تتوجه إلى أي مكان شاءت، بها تعرض نفسها أمام العالمين، وتخترق الحدود. سأجيبه: الأرجل هنا كناية عن آخر القصيدة، كناية عن الشظايا المتطايرة من جسد النص، تلك التي استقرت هناك في الطرف القصي من هذا الكيان، فهل بإمكانها أن تنتج معنى كالذي نرومه؟ بعد هذين القولين سيأتي دوري، باعتباري قارئا فعليا، وأقول: سأبدأ من الرأس، به تستوطن كل الأشياء التي تمكننا من التعرف على الشخص، به الوجه الذي هو أهم عضو ظاهر في الجسد. إذن، فهو المدخل الأساس للولوج إلى عالم النص. ترى أين يتموقع رأس القصيدة؟ إنه في العنوان.

يقال إن أول ما نواجه في النص هو تلك العتبة المتعلقة بالعناوين، وهذا صحيح. ففي قصيدة محمد حمدي غانم" النهر بريء كمشاعرنا" نكون إزاء مركب اسمي فيه المبتدأ والخبر وحرف التشبيه والاسم المجرور. وهذا يعني أن العنوان جملة تامة الدلالة، وهو ما يوحي بأن ما سيأتي بعدها لن يكون سوى تتمة لهذا الاكتمال. هذا من الناحية التركيبية، فماذا عن دلالته؟ تطالعنا المعاجم بمعنى كلمة "نهر"، فتقول: إنها تعني الماء إذا جرى في الأرض وجعل لنفسه مجرى. أما كلمة بريء فتلتصق عادة بالإنسان. ولهذا، نقول: شخص بريء أي خال مما اتهم به، غير مذنب. أما المشاعر فهي العواطف والإحساسات. وعلى هذا الأساس، فإن المعنى المعجمي يصب في مجرى أن النهر بريء مما اتهم به، كبراءة مشاعر من يتحدث الشاعر باسمهم.

يسلمنا المعنى المعجمي إلى متاهة من الفرضيات التي نظن أنها مدار (طوبيك) للقصيدة:

1- القصيدة تتحدث عن حلول كارثة بقوم ما، هذه الكارثة أرجعت إلى النهر.

2- النهر في القصيدة تعبير عن الصفاء الذي تعيشه المشاعر رغم ما يشوبها من شوائب ليست من صميمها.

3- القصيدة حديث عن مشاعر الشاعر تجاه محبوبته وما رافق هذه المشاعر من حب وألم واتهام...

كل هذه الفرضيات القرائية وغيرها يمكن أن تتحملها القصيدة، غير أن ما يؤكد مركزية واحدة على حساب أخرى هو تلك المؤشرات النصية. ولهذا، فإن القراءة المتأنية للنص ترجح كفة الفرضية الثالثة وذلك انطلاقا من الأشطر التالية:

_قلبي قيثارة ولهان لم يبدأ عزفه.

_إني طفل يبحث عن أحد يمسك كفه.

_هل تدرين معاناة الشاعر حين يلملم من أزهارك حرفه؟
وهكذا، فالقصيدة في مجملها، تسير وفق ما رسم في الفرضية الأولى. لكننا في هذه الفرضيات القرائية اقتصرنا على ما
جاد به علينا المعجم، فماذا ستهبنا الموسوعة؟ لنأخذ كلمة "النهر " التي سبق وأن عرفناها معجميا، ولننظر أول ما تطالعنا به مكتبة المكتبات، بتعبير أمبيرتو إيكو. يقال إن هناك نهرين مؤمنان ونهرين كافران، فالمؤمنان النيل والفرات، والكافران دجلة ونهر البلخ. وعلى هذا الأساس، فإن هناك من الأنهار المؤمن، وهناك أيضا الكافر، فهل يا ترى نهر القصيدة مؤمن أم كافر؟

يقتضي الكفر البطش والطغيان، فالنهر الكافر هو ذاك الذي يأكل الأخضر واليابس، يشرد الأسر، ويحمل من كل ألوان الشر طرفا. فهل هذه الصفات متوفرة في هذا النهر؟ بما أن أهل الدار هم الأدرى بما فيها، فإننا سنحتكم إلى الشاعر، إذ يقول:

"ما النهر سيفصل عصفورين

النهر بريء كمشاعرنا

لم يعزل كلا في ضفة"

تنبني هذه الأشطر على مجموعة من القيم الإيجابية من قبيل: عدم فصل الآخر عن الآخر، البراءة، وهناك أيضا نفي العزل والتهميش... كل هذه القيم تتضافر لترسم صورة عن نهر القصيدة، إنه نهر إيجابي. فبما أنه لم يفصل، ولم يعزل، ولم يشرد، فإنه لا يأتي إلا بالخير . وهنا، نجد أن مثل هذه الأنهار قامت حولها العديد من الحضارات، كالحضارة الفرعونية والحضارة الصينية القديمة، وهذا ما يعطي نظرة عن مكانة الأنهار في تاريخ الحضارات.

لعل "نهر" القصيدة من الأنهار المباركة، تلك التي لا تحجب النعيم عن الآخرين، بل تجلبه لهم، حاملة إليهم كل البشارات، ولذلك فهو بريء. حين يجعل الشاعر النهر بريئا كمشاعره هو ومحبوبته، فإنه قد جعله بمثابة إنسان، إذ إن النهر يمر من ثلاث مراحل هي مرحلة الشباب ومرحلة النضج ومرحلة الشيخوخة، وهذا هو حال الإنسان، مع اختلاف طفيف بينهما. إن جعل النهر بريئا كالمشاعر، يرسم في ذهنية القارئ شيئا من التأنسن بالنسبة للنهر، وشيئا من النهرية بالنسبة للمشاعر. وهنا، نجد أن السمات الممغنطة في النهر هي: زائد ماء، زائد منساب، زائد خرير بسيط، زائد خير، زائد متعة... أما السمات الممغنطة في المشاعر فهي: زائد إحساس، زائد رقيقة، زائد بريئة، زائد إنسانية... وعلى هذا الأساس، فإن ما يشتركان فيه هو الخير والبراءة، إضافة إلى سمات تستشف من القصيدة، من قبيل: الحياة والإنسيابية والتجدد الدائم...

إن قصيدة "النهر بريء كمشاعرنا" تعبير صادق عن قيم الحب والجمال داخل الذات الإنسانية. هذا الحب لا يخلو من عراقيل وعوائق، وهي عوائق لا يمكن النظر إليها في صورتها السلبية، إذ هي ما يؤجج لهيب الشوق ويزيد الحب اتقادا. إن هذا الحب قادر على تخطي كل ما يواجهه، فهو حب كل ما يقال عنه إنه يزيد بتزايد البعد والفراق..
***


رابط القصيدة:
http://www.nooreladab.com/vb/showthread.php?t=31990&highlight=%C7%E1%E4%E5%D1+% C8%D1%ED%C1+%DF%E3%D4%C7%DA%D1%E4%C7












***   كل عام وانتم بخير  ***

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

ارفع رأسك عالياً/ بعيداً عن تزييف التاريخ أنت وحدك من سلالة كل الأنبياء الرسل..

ارفع رأسك عالياً فلغتك لغة القرآن الكريم والملائكة وأهل الجنّة..

ارفع رأسك عالياً فأنت العريق وأنت التاريخ وكل الأصالة شرف المحتد وكرم ونقاء النسب وابتداع الحروف من بعض مكارمك وأنت فجر الإنسانية والقيم كلما استشرس ظلام الشر في طغيانه..

ارفع رأسك عالياً فأنت عربي..

هدى الخطيب

إن القتيل مضرجاً بدموعه = مثل القتيل مضرجاً بدمائه
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

الأديب والشاعر الكبير طلعت سقيرق
أغلى الناس والأحبة والأهل والأصدقاء
كفى بك داء أن ترى الموت شافياً = وحسب المنايا أن يكن أمانيا
_________________________________________
متى ستعود يا غالي وفي أي ربيع ياسميني فكل النوافذ والأبواب مشّرعة تنتظر عودتك بين أحلام سراب ودموع تأبى أن تستقر في جرارها؟!!
محال أن أتعود على غيابك وأتعايش معه فأنت طلعت

عرض البوم صور هدى نورالدين الخطيب   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 11 / 05 / 2018, 34 : 09 PM   المشاركة رقم: 9
المعلومات
الكاتب:
هدى نورالدين الخطيب
اللقب:
المدير العام المؤسسة وصاحبة حقوق النشر والترخيص، إجازة في الأدب، دبلوم فلسفة، الترجمة، دراسات عليا في التاريخ - أديبة وقاصّة وصحفية - عدد من الأوسمة وشهادات التقدير الرسمية – مهتمة بتحقيق وتنقيح التاريخ القديم – مؤلفات أدبية وفي الدراسات المقارنة
الرتبة:

الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية هدى نورالدين الخطيب

البيانات
التسجيل: 11 / 12 / 2007
العضوية: 3
المشاركات: 10,202 [+]
بمعدل : 2.39 يوميا
اخر زياره : [+]
الدولة: canada
الاقامه : كندا-من مدينة حيفا فلسطين، ولدت ونشأت في لبنان ووالدتي لبنانية ، بانتظار العودة إلى حيفا - فلسطين
علم الدوله :  canada
معدل التقييم: 20371
نقاط التقييم: 101680
هدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond repute
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
هدى نورالدين الخطيب غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : هدى نورالدين الخطيب المنتدى : الفعاليات والمسابقات الأدبية...
رد: استفتاء جماهيري - القراءات النقدية - مسابقة نور الأدب الكبرى 2018



8-
تمثيل الذاكرة والوعي المتعدد بالذات
في قصيدة آنست بابا للشاعر عبد اللطيف الوراري
لقد أتت قصيدة آنست بابا[1] للشاعر عبد اللطيف الوراري، بصفتها نموذجا اشتغل على تمثيل الذاكرة، وقد كشف الشاعر فيها عن كينونة الذات المتحولة عبر الزمن، واستعان ببعض الإحالات والشواهد والآثار، والتي كانت بمثابة نسق سميوطيقي يؤثث فضاء الهوية في تعددها. وسيتبين للقارئ أن الذات الشاعرة تتحاور آنيا مع الماضي، كما أنها تتجاور معه، دون أن يكون ذلك واضحا في المعيش اليومي. فالتحاور والتجاور (الانوجاد) بين الآن والماضي يكون بتفاعل الذات مع ماضيها: انطباعاتها عن الماضي وتصوراتها عنه، ثم بقايا الماضي التي تحضر في المكان والطلل... فالإحالات والشواهد والآثار التي أبان عنها الشاعر في قصيدته تقلدت وظيفة توليد آخبار مكنت الشاعر في أن يكون الضيف والمضيف في ذاكرته. فالتذكر هو أن تتذكر آخرك، أنت عينك كآخر. أن تستضيف ذاتك.
1- النص الموازي وتمخض المعنى:
يمكن فتح دلالات عنوان القصيدة على دلالات عنوان الديوان؛ من علو هاوية، يمكن التساؤل: من علو هاوية، ماذا؟ هل هو سقوط من هذا العلو؟ سقوط ماذا؟ السقوط يعني الموت، النهاية. نهاية ماذا؟ أهي نهاية علاقة حب؟ أم انتحار ذاكرة؟ أم انقضاء أمل ما؟ يعود بنا التساؤل، هل اتخذ الشاعر من علو الهاوية مكانا للعزلة الذاتية والهروب من الواقع المتناقض؟ ترى هل يحاول في هذه العزلة أن يحاور معجم الموت أو النهاية أو الهلاك؟ أم هو مجالسة علو الهاوية للاستمتاع بمنظر الطبيعة الخلاب في ذاك العلو الذي يصور الوجود صغيرا في عين الشاعر؟ ونختم أخير بالتساؤل: ما علاقة 'آنست بابا' ب 'من علو هاوية؟' فـ 'آنست بابا' تم تصريفها في زمن الماضي، وهنا دلالة على الذاكرة، بابا كان للشاعر أملا، ورفيقا لحالة الانتظار التي يعيشها الشاعر. فهل فقد الشاعر ذلك الأمل؟ هل فُتح الباب؟ هل ظل مسدودا؟ ومن ثم انقطع الأنس ولم يبقى للشاعر سوى علو هاوية. هل اتخذ من علو هاوية مكان بديلا للأنس والألفة؟ هل رمى الشاعر أمله المعقود منذ سنين على حافة الهاوية وتخلص منه ليجدد العزم على مَشَاوِرَ جديدة للحياة؟
تتعدد عتبات النص وتتعد دلالاتها لتتحد في بعد خطابي لتقول شيئا ما، فبعد عنواني القصيدة والديوان يمكن الانفتاح على صورة الغلاف التي تتقدم الديوان، حيث نرى ثلاثة دوائر متداخلة أولاها تكون بالرمادي وتخترق جزءا منها دائرة أخرى بلون أسود ثقب كأنه منحدر أو هوة عميقة. أما الدائرة الثالثة التي تشكل معهما حلقة تلتحم بها، فهي ذات لون بنِّي. وبجانبهم فضاء أبيض. فالدوائر الثلاثة متلاحمة ومتماسكة ببعضها، كأن الأنس والرفقة تجمعهما، هل تحاكي الدوائر ما وقع للشاعر في قصيدته آنست بابا في حالة الانتظار والتجاور؟ هل الدوائر تنتظر شيئا ما؟ ولماذا يوجد ثقب وهوة بالدائرة الوسطى ذات اللون الأسود؟ هل ستكون تلك الهوة محل سقوط وردم للدوائر المجاور والتي تتداخل معها ببطء؟
2- ماذا يمكن أن تقوله القصيدة؟ أو البحث عن الطفل الذي كنته:
يقول الشاعر مفتتحا:
آنسْتُ باباً / كان شاهدةً، / وكان وديعةً / من أربعين صدىً ونيِّفْ.
ونخلص منها إلى أن الباب عين على الذاكرة ومرجع وإحالة لها، وهو أمانة يحرسها الشاعر منذ أمد بعيد. ومنه فالشاعر يحاول وصف تجربة الحنين التي تتوقد بفعل الذاكرة المتشظية التي لم يبق من معابرها سوى باب و حائط يريد أن ينهدَّ، وبعض علامات هوية من زمن مضى.

يقول الشاعر متذكرا:
البابُ أسمعهُ هُناك بِداخلي / مِنْ وَشْوشات الطَّائر الطينيِّ إِذْ وَلَّى
حينما تنبعث شرارة ما من رماد الذاكرة، التي نراها غيابا وليس حضورا كما يقول الشاعر، لا يبقى للذات سوى المواجهة وفتح الحوار مع سجلات الماضي الدفين للبحث عما يروي لهفة الحنين، هذه الشرارة المنبعثة كانت رسائل مشفرة على شكل وشوشات من زمن الطفولة، حيث شبه نفسه طائرا طينيا، يقول:

الباب أسمعه هناك بداخلي. / من وشوشات الطائر الطيني إذ ولى.
عندما نتأمل كلمة وَلَّى ضمن سياقها النصي نجدها تعني انبعاث الطفل في ذات الشاعر الذي كان منذ أربعين عاما، حيث بدأ يوشوش له؛ معناه أنه يهمس له بكلام غير واضح، متقطع، يحتاج لترميم دلالي، لهذا فهذه الوشوشة تكون بالنسبة إليه ذاكرة متشظية المعنى. لا نعرف سبب التشظي لزمن الماضي في الذاكرة، أهو النسيان؟ أم فجع الفقدان هو الذي سبب الأزمة الذاتية للشاعر، والتي تتجلى في ضعف إدراك صور الذاكرة؟

في هذه اللحظة؛ لحظة الغياب، لم يكن للشاعر سوى حضور سجلات ناقصة، تحيل إلى زمن طفولته، سجلات لم تُشفِ عليل مهجته، وعطش حنينه. حيث ظل ينتظر من الباب أن يبادله الشعور، أن يعينه في ترميم الذاكرة ولم شتاتها، ويجعل من الغياب حضورا. ثم ظل يحفر في الذاكرة بالسؤال ولم يجد شيئا بعد ما انهارت مراجع الذاكرة وتبعثرت مواضعها. وهذا ما جعله يعود للتخيل والتوهم ليروي عطشه وحنينه بما وجد.

يقول:

أَطرقْتُ ساعاتٍ / أُصيخُ لِجرّةٍ / مِنْ حائطٍ هارٍ: / سمعتُ نُواحَ طِفْلٍ خارِجًا للتوٍّ من رحم الغياب / وفي مسافة لوحتَيْن سمعتُ ظِلّي / هكذا، ثَرْثرتُ عُمْرًا إِذْ سمِعْتْ


يحضر المكان في هذه القصيدة بقوة، إذ يعتبر حاملا ذاكراتيا وأرشيفا يقوم بوظيفة المرجع من الحاضر إلى الماضي، حيث تحضر أزمة الإحالة من الآن والهنا إلى الماضي والهناك، أزمة كشف لدلالة الماضي واستحضار كل ما هو غائب.
يقول الشاعر:
أَطرقْتُ ساعاتٍُ، / أصيخُ لِجرّةٍ.
نخلص هنا إلى أن الشاعر يقاوم في حواره مع الذاكرة العصية عن الفهم، إذ نجده يستمع لجرة، لبقايا طلل من الجدران التي تكاد تتشابه مع جدران البيوت الأخرى بفعل التآكل. بعدها تعود الذات الشاعرة للظفر ببعض الأمل حيث تستجيب الذاكرة وتبعث بلقطات من الماضي الأليم. يقول:


سمعتُ نُواحَ طِفْلٍ خارِجًا للتوٍّ من رحم الغياب، / وفي مسافة لوحتَيْن سمعتُ ظِلّي.

يختم الشاعر بالتعبير عن شعوره ببعض الأمل حيث ظفر ببعض صور الذاكرة الغائبة. لكن للأسف فيحدث أن تنقلب الذاكرة على الذات، فبإمكان الذاكرة أن تعري عن كل صورها منها الجميل ومنها ما دون ذلك، فهل تستطيع الذات أن تفتح سجلات الذاكرة وترى ما يعجبها وتشيح ببصرها عما لا يعجبها.
بعد ما ننتقل مع الشاعر للسطر الرابع عشر حتى السطر الخامس والثلاثين. نكتشه دلالات جديدة وتجاويف إبداعية أخرى تشكل استمرارية للقصيدة ومقاومة الذات للإحساس المختلف باختلاف علاقاتها مع الوجود.
يضيف شاعرنا داعيا ربه:
يا ربِّ، / ماذا داخل الأَحْلامِ يَحْصلُ لي؟ / ألا فتّحْتَ بابَكَ أيُّها النِّسيانُ.
يبرز واقع الذات وينكشف ضعيفا حين تنادي الشاعر يا رب، وتكمل أسئلتها الوجودية مع الذاكرة، وتعلن استسلامها وترضى بالنسيان بديلا عن الحنين الذي يخلف أزمة عيش في الذاكرة.
ينتهي الشاعر من بوحه بما جادت عليه الذاكرة، وما رأى عبر كوتها. مترجيا أن تكون هذه الذاكرة رحيمة، دون أن توجع حسه، إذ تجد أفق الشاعر ينحبس حيث يرغب في النسيان. ونختم مع الشاعر بالتساؤل منذ متى تتحول رغبة الذات من رغبة في الحنين إلى رغبة في النسيان؟
في هذا المقطع يعيش الشاعر لحظة تشظ للوعي بالذات بين الرغبة في الحنين وبين الرغبة في الهروب مذعورا نحو النسيان، لم تعد الذاكرة موطنا رحيما يقدر مشاعر الذات التي تكنها للماضي. ومن ثم يعود راجيا من النسيان أن يحضنه في عش مثل طير زيز، ليعوضه الفقدان.
ويقول بعدُ:

بي جُوعٌ إلى النّجْمات / تمسح، تحت ضوء الشّمْع، وجْهَ أبي.
يمكننا تفكيك السطرين الأخيرين للإمساك بالدلالة في تشظيها، فالشاعر يصرح بشعور مرتبط بجوع ما، والجوع يرتبط بالمعدة، وحينما وظفه الشاعر وظفه بشكل منزاح عن دلالته المباشرة إلى دلالة جديدة تحيى كل ما قرئت القصيدة.
ويمكن الخلاصة إلى أن الشاعر عبر عن طموحه وحاجته للنجمات ليقتبس من نورها وعلوها، ومن ثم يعوض ويجازي ويعترف لأبيه بعطائه المغدق والمتفاني. ونعود مع الشاعر بناء على الهاجس الذي اعترى الذات وهو ضيافة الذاكرة بين الحنين؛ الذي يشبع بدلالة اللهفة والرغبة في الانفتاح على الذاكرة وكل ما ينبعث من الماضي وبين النسيان؛ الذي يضم كل الدلالات المنفتحة على الرهبة والخوف والاضطراب لحظة الحضور الذاكرتي للذات، وذلك بلا شك راجع لأسباب مختلفة. ومنه نتساءل هل كان الشاعر يفتح سجلات الذاكرة ليحاور أبيه ويخبره بتحقق رغباته وأحلامه أملا في مسح عرق الجبين المقطر من اعتصار ذات الأب؟ هل كان الشاعر يحاول استحضار أصدقاء الطفولة وكل من له مكانة عنده، ويحتل مكانا في ذاكرته، وذلك ليتسنى للشاعر محاورته ومفاتحته في مستجدات الحياة ومعالم الوصول التي بلغها الشاعر؟
ولا زال الوعي بالذات لم يكتمل إذ يحاول الصراخ في البئر ليستشعر الأثر الوجودي لكينونة الذات. ومنها ليعود إلى الكشف عن خيوط الذاكرة، حيث يقول:

البابُ، / في شَكْلٍ دراميٍّ / يميلُ عليَّ؛ / يَجْذبني؛
بعد هذا النداء والغواية بين الشاعر والباب، تنقلب رغبة الشاعر من رغبة في النسيان إلى رغبة في المغامرة بنفس جديد وأمل كبير، إذ يشعر أن هناك شيئا ما يشده إلى الباب، ويقف أمامه مذهولا وغير واثق، يتساءل في قريرة نفسه من سيفتح الباب؟ رغم الأنس الذي يجمعه بالباب، والانتظار الذي أعيا الشاعر، هل الشاعر ضيف ينتظر من يفتح له الباب؟ هل الباب باب منزل الشاعر؟ إذا كان الباب يعود لأربعين عاما ونيف، فهل بقي أحد يسكن هذا البيت ذو الباب الصدئ الذي ظل شاهدة؟


آنسْتُ باباً / كان شاهدةً / وكان وديعةً

نجد من معاني الشاهدة؛ هي تلك الحجر المستطيلة التي تدل على القبر، ومن ثم نفهم بأن كل المنازل انهدت وأصبحت بقايا أطلال، ولولا الباب لما عرف الشاعر بيته. ويمكن افتراضا القول إن الباب أحد الكوات المطلة على الذاكرة. وبعد الانتظار ترى من سيفتح الباب هل الشاعر أم غيره ممن يسكن المنزل؟ لكن للأسف لا ليس غيره سيفتح الباب.
ثم يقول:




"أيُّهُمْ فينا يُفاتح آخَرَهْ؟ / ورفعْتُ رَأْسي: "هَلْ هُوَ انْتْ!"

تبعثنا القراءة نحو التساؤل، بعد هذا الانتظار لكي يفتح الباب، هل كان الشاعر يجرب الانتظار ليعوض الفقدان ويتوهم أن له أهلا ينتظرون عودته هو المسافر، الغائب. حيث يطرق الباب ساعات، ويعود بعد ذلك يفتح الباب ويتخيل أن هناك من يفتح له الباب ليستضيفه، ومن ثم نتأسف معه، حيث يصبح هو الضيف والمضيف.

يحدث أن يكون البحث عن الذات في الذاكرة كالبحث عن إبرة في كومة قش، فحتى خيوط الذاكرة انمحت، والجدران تآكلت، وبقي منها بقايا أطلال، لولا الباب لفقد الشاعر أمله في البحث عن ذاته، وسقط ضحية الشعور بالخيبة.

ختاما، يمكن القول إن الشاعر عبد اللطيف الوراري في هذه القصيدة حاول أن يبث واقعة عاطفية وذاتية في نسيج القصيدة وبنياتها المختلفة، إذ انفتح على مواضيع مختلفة وحقول دلالية متنوعة مكنت القصيدة من بلوغ مستويات دلالية غنية منفتحة على التعدد القرائي. فتارة تجد القصيدة تحكي عن الذاكرة والحنين والنسيان، وتارة تجدها تسحب من القارئ ممكنات التلقي إذ تجعله يعتقد أنه أمام حلم وليس قصة واقعة. كل هذا لتمنح القصيدة ممكنات أخرى للتلقي تثير دهشته وتجعله في حيرى من حيث محاولاته القبض على معنى محدد.
وقد عرَّت القصيدة عن أزمة وعي بالكينونة الذاتية التي بدأت في الماضي واستمرت إلى زمن معين إذ ملأت الحيرى نفسية الشاعر، وذلك جلي في رغبة ولهفته العارمة في التعبير عن حنينه ومشاعره الرهيفة تجاه الذاكرة، حيث وظف كلمات اشتغلت كإحالات ذاكراتية إلى الماضي والتي نذكرها كالتالي: آنست بابا، كان شاهدة، وكان وديعة، من أربعين صدى ونيف، الباب أسمعه بداخلي. وبعد تعبيره عن حالته التي نراها طبيعة، ينقلنا من حالة ثابتة إلى حالة متشظية في المعنى، انطلاقا من قوله: ماذا داخل الأَحْلامِ يَحْصلُ لي؟ ألا فتّحْتَ بابَكَ أيُّها النِّسيانُ. فأن يجتمع الحنين للذاكرة والرغبة في النسيان والتساؤل المحير الذي عرضه الشاعر تجاه الأحلام. فأن يرغب الشاعر في النسيان فهذا دليل وعلامة على شعور منفتح على دلالات القلق والفزع اللذان يدفعان الذات نحو الهروب. وهنا نتساءل مع الشاعر هل يمكن للذاكرة أن تمارس الغواية والقهر في آن واحد؟














***   كل عام وانتم بخير  ***

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

ارفع رأسك عالياً/ بعيداً عن تزييف التاريخ أنت وحدك من سلالة كل الأنبياء الرسل..

ارفع رأسك عالياً فلغتك لغة القرآن الكريم والملائكة وأهل الجنّة..

ارفع رأسك عالياً فأنت العريق وأنت التاريخ وكل الأصالة شرف المحتد وكرم ونقاء النسب وابتداع الحروف من بعض مكارمك وأنت فجر الإنسانية والقيم كلما استشرس ظلام الشر في طغيانه..

ارفع رأسك عالياً فأنت عربي..

هدى الخطيب

إن القتيل مضرجاً بدموعه = مثل القتيل مضرجاً بدمائه
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

الأديب والشاعر الكبير طلعت سقيرق
أغلى الناس والأحبة والأهل والأصدقاء
كفى بك داء أن ترى الموت شافياً = وحسب المنايا أن يكن أمانيا
_________________________________________
متى ستعود يا غالي وفي أي ربيع ياسميني فكل النوافذ والأبواب مشّرعة تنتظر عودتك بين أحلام سراب ودموع تأبى أن تستقر في جرارها؟!!
محال أن أتعود على غيابك وأتعايش معه فأنت طلعت

عرض البوم صور هدى نورالدين الخطيب   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 11 / 05 / 2018, 12 : 10 PM   المشاركة رقم: 10
المعلومات
الكاتب:
هدى نورالدين الخطيب
اللقب:
المدير العام المؤسسة وصاحبة حقوق النشر والترخيص، إجازة في الأدب، دبلوم فلسفة، الترجمة، دراسات عليا في التاريخ - أديبة وقاصّة وصحفية - عدد من الأوسمة وشهادات التقدير الرسمية – مهتمة بتحقيق وتنقيح التاريخ القديم – مؤلفات أدبية وفي الدراسات المقارنة
الرتبة:

الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية هدى نورالدين الخطيب

البيانات
التسجيل: 11 / 12 / 2007
العضوية: 3
المشاركات: 10,202 [+]
بمعدل : 2.39 يوميا
اخر زياره : [+]
الدولة: canada
الاقامه : كندا-من مدينة حيفا فلسطين، ولدت ونشأت في لبنان ووالدتي لبنانية ، بانتظار العودة إلى حيفا - فلسطين
علم الدوله :  canada
معدل التقييم: 20371
نقاط التقييم: 101680
هدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond reputeهدى نورالدين الخطيب has a reputation beyond repute
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
هدى نورالدين الخطيب غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : هدى نورالدين الخطيب المنتدى : الفعاليات والمسابقات الأدبية...
رد: استفتاء جماهيري - القراءات النقدية - مسابقة نور الأدب الكبرى 2018





9-

هيفاء وضوء القمر

طلعت سقيرق، من مجموعته هيفاء وضوء القمر





ضحك القمر وألقى التحية على هيفاء التي كانت تجلس قرب والدها، تقرأ وتدرس بعض الدروس .. لذلك لم تنتبه ولم تلتفت لتجيب القمر الذي استغرب تجاهل هيفاء له ..

قال الوالد :

- ما بك يا هيفاء ؟؟.. هاهو القمر بكل جماله وبهائه يمد يده ليصافحك .. يا الله ما أجمل القمر .. انظري إليه يا هيفاء .. ردي السلام يا حبيبتي .. سيحزن القمر حين تهملين رد السلام عليه ..

ابتسمت هيفاء وقالت :

- لا شك أن القمر جميل يا والدي .. لكن أريد أن أسألك ما الفائدة منه الآن ؟؟..

قال الوالد مستغربا :

-القمر يا ابنتي عنوان الليل .. عنوان الجمال والبهجة ، انظري كيف ينير السماء فتضحك النجوم وترقص حوله مزغردة .. هل هناك أجمل من القمر .. يا الله ما أحلاه ..

قالت هيفاء :

- لكن مع وجود الكهرباء لم نعد بحاجة إليه . هذه هي الحقيقة يا والدي ولن تتغير هذه الحقيقة لأن العلم في تطور مستمر ..

نظر الوالد إلى ابنته عاتبا مستاء .. أراد أن يقول لها أشياء كثيرة عن القمر وفوائده .. لكن قبل أن يفتح فمه كان القمر قد انسحب بهدوء آخذا نوره الفتان الجميل ، فأظلمت السماء ، وحزنت النجوم ، واصبح الجو مليئا بالكآبة .. ارتعشت هيفاء خوفا ورمت نفسها في حضن أبيها وقالت بصوت مليء بالخوف :

- ماذا جرى يا والدي ، أصبح الجو مخيفا ، كل شيء محاط بالظلمة.. قبل قليل كان كل شيء رائع الجمال فماذا جرى ؟؟..

ربت الوالد على كتف ابنته وقال :

- هل عرفت الآن قيمة القمر ؟؟!!..

قالت هيفاء :

- نعم يا والدي عرفت .. بالله عليك عد أيها القمر الحبيب .. أعترف أنني كنت مخطئة ، وأطلب أن تسامحني ..

قال الوالد :

- يبدو أن حزنه كبير لذلك لن يعود هذا المساء ..

قالت هيفاء :

- لكن القمر يحب الأطفال يا والدي .. وقد اعترفت بخطئي .. ألا تسمعني يا قمري الغالي ، بالله عليك عد ..

عندما سمع القمر صوت هيفاء ، وعرف أنها حزينة لغيابه ، عاد لينير كبد السماء من جديد ، وعادت النجوم لترقص وتغني بفرح ، قالت هيفاء :

- كم أنت جميل ورائع يا قمري العزيز ..


خاطبها القمر قائلا :

- اسمعي يا هيفاء ، كل شيء في الدنيا له فائدة ، الله سبحانه وتعالى لم يخلق شيئا إلا وله وظيفة يؤديها .. وأنا القمر يا هيفاء أما سمعت كم تغنى الشعراء بي ؟؟..

قالت هيفاء :

- أنت صديق رائع وجميل ومفيد .. سامحني يا صديقي ..

قال القمر :

- أنت صديقتي يا هيفاء ، وقد سامحتك منذ البداية .. وثقي أننا سنبقى أصدقاء أوفياء ..

ضحكت هيفاء وعادت لدروسها سعيدة مسرورة ..

تحليل للقصة القصيرة:
تعتبر القصة القصيرة من الفنون الأدبية الحديثة، التي تهدف إلى تقديم حدث معين ضمن فترة زمنية قصيرة، ومكان محدد، فهي تعبر عن موقف من مواقف الحياة، عبر حدث مركز، وببداية ووسط ونهاية؛ فالقصة من بين الأجناس الأدبية الحديثة التي ترتاح لها النفوس؛ يقول الأديب العالم الفيزيائي أحمد زكي " ليس ألذ في أحاديث الناس من قصّة، وليس أمتع فيما يقرأ الناس من قصة، والعقول قد تخمد من تعب، ويكاد يغلبها النوم، حتى إذا قلت قصّة ذهب النوم، واستيقظت العقول، وأرهفت الأذان ..."[1] وقد عرفت القصة القصيرة درجة عالية من النضج في العالم العربي على أيدي كتاب كبار؛ أمثال يوسف إدريس من مصر، وأحمد بوزفور، ومحمد زفزاف من المغرب، وزكرياء تامر من سوريا، وطلعت سقيرق من فلسطين.
وإذا كان «فن القصة القصيرة» ـ كما يرى جابر عصفور ـ فنا صعباً «لا يبرع فيه سوى الأكفاء من الكتاب القادرين علي اقتناص اللحظات العابرة قبل انزلاقها على أسطح الذاكرة، وتثبيتها للتأمل الذي يكشف عن كثافتها الشاعرية بقدر ما يكشف عن دلالاتها المشعة في أكثر من اتجاه"[1] فإن طلعت سقيرق من هؤلاء القصاصين الأكفاء، الذي تنوعت كتاباته بين الشعر والرواية والقصة، وكذا القصة القصيرة جدا، إضافة إلى النقد الأدبي؛ وقد خلف مجموعة من الأعمال التي تتوزع بين هذه الأجناس الأدبية السالفة الذكر من بينها:
? الخيمة: قصص قصيرة جدا 1987م؛
? السكين: قصص قصيرة جدا 1987م؛
? أشباح في ذاكرة غائمة ؛ رواية 1979م؛
? قمر على قيتارتي، شعر 1993م؛
? عشرون قمرا للوطن، دراسة، دار النمير، دمشق 1996م؛
وتعتبر قصة هيفاء وضوء القمر لطلعت سقيرق، ضمن مجموعته " هيفاء وضوء القمر" نصا قصصيا مشوقا موحيا بدلالات عميقة ومكثفة بأسلوب سردي بسيط، وبلغة بيانية تعتمد على السرد والوصف والحوار.
ولعل مايثير القارئ أو المتلقي في هذا النص القصصي؛ العنوان باعتباره عتبة رئيسة لكل عمل أدبي أو إبداعي يطوق إلى شد
القارئ وتملكه روحا وجسدا، قبل تصفحه، وقد جاء العنوان حاملا دلالة عميقة تسافر في مسالك التأويل ورحابته، " هيفاء وضوء القمر" يحمل دلالتين: الدلالة الأولى ظاهرية فاسم " هيفاء " اسم علم مؤنث معناه ضامرة البطن، و " ضوء القمر " نوره وضياءه. أما الدلالة الثانية فالعنوان يوحي بالأمل والانتصار، وبزوغ فجر جديد للأراضي الفلسطينية المحتلة...
إن القاص الفلسطيني " طلعت سقيرق " قدم لنا هذا النص القصصي مجزأ إلى ثلاثة أجزاء، وكل جزء يظهر بأحداث جديدة، وغير متوقعة؛ وذلك لإثارة المتلقي وشد انتباهه، وبالتالي خلخلة أفق توقعه فنجد في الجزء الأول: يبدأ القصة بـــ " ضحك القمر وألقى التحية على هيفاء التي كانت تجلس قرب والدها ..." فهنا أعطانا السارد إطارا عاما للقصة تدورها أحداثها في ليلة مقمرة؛ القمر فيها ضاحكا مستبشرا، ملقيا التحية على هيفاء، لكن سرعان ما ستتحول الأحداث من مجراها الهادئ إلى مجرى غير متزن، وهذا جلي حينما أدرك القمر تجاهل له ولم تلتفت إليه كي ترد التحية.
الجزء الثاني: فقد اختار له السارد خصيصة سردية وهي الحوار بين شخصين رئيسين: " الوالد " و " هيفاء "، وشخصية ثانوية وهي "القمر"؛ فالحوار تضمن استغراب الوالد من هيفاء وتصرفها تجاه القمر، وفي الوقت نفسه يريد أن يقنعها بجماله و ضيائه يقول: " هاهو القمر بكل جماله وبهائه يمدّ يده ليصافحك يا الله ما أجمل القمر، انظري إليه يا هيفاء، ردي السلام يا حبيبتي...سيحزن القمر حين تهملين ردّ السلام" فكلام الوالد يحمل بعدا اجتماعيا وإسلاميا يتجلى في المصافحة؛ فحين تصافح شخصا بيدك، فإنك في الوقت ذاته، تصافحه في قلبه فيشعر بك، وأما البعد الإسلامي فيظهر في ردّ السلام، فالمسلم هو الذي يلقي السلام ويردّه، أرأيت يوما صهيونيا يلقي السلام على فلسطين وأحجارها وأبريائها...؟ طبعا سيكون الجواب بألف لا.
الجزء الثالث: يبدأ حينما قابلت هيفاء كلام والدها بابتسامة مرفوقة بسؤال قائلة لأبيها: " أريد أن أسألك ما الفائدة من القمر؟ وكأنما تريد أن تقول ما جدوى تلك المفاوضات التي تدعو إلى السلام، وفلسطين تحترق ليل نهار. سيجيبها والدها " القمر يا ابنتي عنوان الليل، عنوان الجمال، والبهجة انظري كيف ينير السماء فتضحك النجوم وترقص حوله مزغردة ...هل هناك أجمل من القمر يا الله ما أحلاه" فمهما اشدت أزمت فلسطين والتوت الحبال على عنقها سيتنفس في حلكتها وسواد ليلها قمر منير وصبح قريب ويرفع علم السلام ويضحك الفلسطينيون ويرقصون فرحا بانتصارهم، إن نصر الله قريب.
قاطعته هيفاء قائلة" لكن مع وجود الكهرباء لم نعد بحاجة إليه هذه هي الحقيقة يا والدي ولن تتغير هذه الحقيقة"، فالحروب التي يخوضها الصهاينة داخل الأراضي الفلسطينية كهربت الإنسان والشجر والحجر، وهذه حقيقة لن ينساها التاريخ مهما تراكمت السنون.
لم يتحمل الأب كلام ابنته، فنظر إليها والاستياء يغلف وجهه " أراد أن يقول لها أشياء كثيرة عن القمر وفوائده...لكن قبل أن يفتح فمه كان القمر قد انسحب بهدوء وأخذ نوره الفتان الجميل؛ فأظلمت السماء وحزنت النجوم، وأصبح الجو مليئا بالكآبة" فالقمر لم ينتظر ما سيقوله الوالد لابنته، وإنما انسحب وأفل في هدوء، حاملا معه نوره الطبعي، وتاركا سواد الليل وظلمته، لتغدو النجوم حزينة كئيبة، وهنا ستدرك هيفاء قيمة القمر وقدره حينما " ارتعشت خوفا ورمت بنفسها في حضن أبيها وقالت بصوت مليء بالخوف: ماذا جرى يا والدي أصبح الجو مخيفا كل شيء محاط بالظلمة " فالأشياء لا ندرك قيمتها إلا عند فقدانها ذلك هو حال الإنسانية جمعاء، وحال الدول العربية على وجه الخصوص... لا تعرف قدر وقيمة رجالها حتى يضمهم التراب؛ فيقولون يا ليتنا كنا لهم صاغين، ومتعضين بكلامهم ...لكن هيهات هيهات.
فقيمة القمر عند هيفاء لم تعرف حقيقته حتى غاب عن أنظارها وملكها الرعب، حينها ستلتمس العذر منه، وستقول : " بالله عليك عد أيها القمر ... أعترف أنني مخطئة وأطلب أن تسامحني ..." ولعل الجميل في قول هيفاء اعترافها بالخطأ، وقيمة الاعتراف لا يفقهها إلا العظماء في زمن تردّت القيم، وانحطت فيه الأخلاق. فالقمر سيعود لكن في الليلة المقبلة، خلاف الإنسان إذا خطفته المنية، فلن يعود ولن يعود.
فالشهداء الفلسطينيون لن يعودوا، حتى وإن عاد السلام، إلى الأراضي الفلسطينية؛ سيعود حزينا مرّا؛ لأن نجومه قد غابوا وأفلوا في هدوء دون استسلام " فبعدما سمع القمر صوت هيفاء وعرف أنها حزينة لغيابه عاد لينير كبد السماء من جديد وعادت النجوم لترقص وتغني بفرح" ها هو القمر يعود وفي جبته نور وضياء للكون جميعا، فسماء فلسطين غدت مظلمة؛ غيومها سوداء لا تمطر مطرا، بل رصاصا، وكم تشتاق هذه السماء إلى قمر يغسل دموع الفلسطينيين، ويشفي غليلهم من بني صهيون، فالقمر والليل في صراع دائم، كما السلام والحرب ...لكن القمر والسلام لا يفترقان، فالانتصار حليفهما.
و بعد غياب لم يدم طويلا عاد القمر ملبيا نداء هيفاء ومعه نوره وضياءه مخاطبا هيفاء بكلام لطيف " اسمعي يا هيفاء، كل شيء في الدنيا له فائدة؛ الله سبحانه وتعالى لم يخلق شيئا، إلا وله وظيفة يؤديها، وأنا القمر يا هيفاء أما سمعت كم تغنى الشعراء بي؟؟ إن كل شيء في هذه الحياة الدنيا إلا وله وظيفة يؤديها، فالقمر في قلبه نور وضياء، وسلم وسلام، فهو الانتصار الكبير على قيم الشر والعدوانية، فمهما أفل هذا الضياء في أرض فلسطين، فسيبزغ طال الزمان أو قصر.


الرؤية السردية
لقد وظف السارد طلعت سقيرق في قصته " هيفاء وضوء القمر" الرؤية من خلف، فالسارد عارف عن الشخصية أكثر مما تعرفه عن نفسها، ويعرف كل أسراره، بل ويعرف كل رغباتها النفسية والادراكية الواعية، وقد ثم حكي هذه الأحداث بضمير الغائب المتجلي في " ضحك القمر " و " ألقى التحية " و " تقرأ دروسها " ...
الشخوص
تتضمن قصة هيفاء وضوء القمر شخوصا متمثلة في:
الوالد: أب الطفلة / حنون / ...
› هيفاء: تلميذة / تعترف بذنبها تقول: " أعترف أني كنت مخطئة وأطلب أن تسامحني/ تخاف من الظلام...
› القمر: شخصية ثانوية غير أدمية، استنطقها الحوار في القصة يتميز بالنور والضياء..
الزمن
تدور أحداث القصة في الزمن الماضي، وذلك جلي من الأفعال التي استخدمها السارد من قبيل: " ضحك القمر " و " ابتسمت " و " ارتعشت هيفاء خوفا " و " رمت بنفسها " ...
المكان
لقد حدد السارد المكان في القصة منذ البداية وهو المنزل باعتباره المكان الحاضن لكل شخوص القصة ( الوالد/ هيفاء/ القمر...)
خلاصة
نستشف من خلال تحليلنا لقصة " هيفاء وضوء القمر " لطلعت سقيرق الفلسطيني أنها استوفت لجميع معايير وشروط القصة من شخوص وزمان ومكان، كما أنه استعمل لغة شعرية بيانية تعتمد المجاز والحوار، وحاملة لمجموعة من التأويلات والقراءات التي تتعدد بتعدد القراء. فالقصة بؤرة لعدد من القيم والرسائل الضمنية التي تحتاج عقل راجح مؤول كي ينفذ إلى أعماق معانيها، ويستخرج ما تؤول إليه هذه القصة، فهي تناقش واقعا اجتماعيا في أراضي فلسطين المغتصبة، والتي تنتظر هذا القمر البازغ كي يبزغ في أرضها، ويطرد الليل الأسود المحتل الذي استوطنها ألاف السنين وكهرب الأحجار والأشجار والركع السجود...












***   كل عام وانتم بخير  ***

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

ارفع رأسك عالياً/ بعيداً عن تزييف التاريخ أنت وحدك من سلالة كل الأنبياء الرسل..

ارفع رأسك عالياً فلغتك لغة القرآن الكريم والملائكة وأهل الجنّة..

ارفع رأسك عالياً فأنت العريق وأنت التاريخ وكل الأصالة شرف المحتد وكرم ونقاء النسب وابتداع الحروف من بعض مكارمك وأنت فجر الإنسانية والقيم كلما استشرس ظلام الشر في طغيانه..

ارفع رأسك عالياً فأنت عربي..

هدى الخطيب

إن القتيل مضرجاً بدموعه = مثل القتيل مضرجاً بدمائه
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

الأديب والشاعر الكبير طلعت سقيرق
أغلى الناس والأحبة والأهل والأصدقاء
كفى بك داء أن ترى الموت شافياً = وحسب المنايا أن يكن أمانيا
_________________________________________
متى ستعود يا غالي وفي أي ربيع ياسميني فكل النوافذ والأبواب مشّرعة تنتظر عودتك بين أحلام سراب ودموع تأبى أن تستقر في جرارها؟!!
محال أن أتعود على غيابك وأتعايش معه فأنت طلعت

عرض البوم صور هدى نورالدين الخطيب   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
2018, مسابقة, الأدب, النقدية, الكبرى, القراءات, استفتاء, جماهيري

*=== (( ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد )) ===*

الرسالة:
خيارات



الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
استفتاء جماهيري - الشعر - مسابقة نور الأدب الكبرى 2018 هدى نورالدين الخطيب الفعاليات والمسابقات الأدبية... 16 19 / 06 / 2018 08 : 04 PM
استفتاء جماهيري - الرواية - مسابقة نور الأدب الكبرى 2018 هدى نورالدين الخطيب الفعاليات والمسابقات الأدبية... 13 13 / 05 / 2018 34 : 11 PM
استفتاء جماهيري - القصة الموجهة للأطفال - مسابقة نور الأدب الكبرى 2018 هدى نورالدين الخطيب الفعاليات والمسابقات الأدبية... 7 12 / 05 / 2018 28 : 09 PM
استفتاء جماهيري - المقالة والدراسات - مسابقة نور الأدب الكبرى 2018 هدى نورالدين الخطيب الفعاليات والمسابقات الأدبية... 8 12 / 05 / 2018 26 : 04 PM
إطلاق مسابقة نور الأدب 2018 الكبرى هدى نورالدين الخطيب رابطة نور الأدب 48 08 / 05 / 2018 28 : 10 PM


Powered by vBulletin® Version 3.8.6, Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir

 دعم وتطوير : النوفي هوست

______________ الآراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الإدارة وتمثل رأي كاتبها فقط ______________ جميع حقوق النشر والتوزيع محفوظة لمؤسسة نور الأدب والأديبة هدى نورالدين الخطيب © ®
______ لا يجوز نشر أو نسخ أي من المواد الواردة في الموقع دون إذن من الأديبة هدى الخطيب _____ ___مؤسسة نور الأدب مؤسسة دولية غير ربحية مرخصة وفقاً لقوانين المؤسسات الدولية غير الربحية__

خدمة Rss ||  خدمة Rss2 || أرشيف المنتدى "خريطة المنتدى" || خريطة المنتدى للمواضيع || أقسام المنتدى

|