![]() |
مشاعر جامدة
هل تستطيع الظروف تغيير مشاعر البعض وتصرفاته مع الآخر؟ كان هذا سؤال صالحة وهي تتفنن في إبداع آخر اللمسات على لوحتها الجديدة..
أحست أنها لم تعد تبالي بأشياء كانت تهمها من قبل، وأن بعض الدعابات التي تثير ضحك رفقائها، لا تحرك فيها ابتسامة، لكنها مع ذلك تتأثر أيما تأثر بفرحة هذا أو دمعة تلك... حاولت أن تبحث عن جواب لسؤالها، فوجدته في الرمادي الذي ملأت به فراغات لوحاتها.. في الصباح التقت سيدة تعرفها، تفرح بملاقاتها دائما، وتقول لنفسها "سبحان الله، إنها تدخل الخاطر"، أخبرتها السيدة أنها اشتاقت لها، لكنها كانت تراها جامدة المشاعر أكثر منها، جافة، لا ملامح تعبر عن هذا الشوق، وترى في وجهها صلابة فهل تصدقها؟! ظلت حيرى، وزادت حيرتها حين همست لها السيدة "سأخبرك بسِر يَسُرّك، لم أخبر به أحدا قبلك"، ردت عليها بنظرة تأمُّل، ثم تابعت السيدة بجدية، وبلا أي تعبير حركي: "لقد نجحت في امتحان.... " ملأت الدهشة صالحة ولم تميز ما تبقى من كلمات السيدة، باركت لها النجاح بابتسامة واستغراب، دون أن تعرف في أي امتحان نجحت، ودون أن تُظهر ذلك للسيدة، ثم ودعتها والدهشة لا تُوَدَّع. هل تكون مثلها أو أكثر منها؟ ما الذي يجعلها جافة هكذا. صارت صالحة تنتبه لكل حركات وسكنات معارفها، وحتى من تصادفهم يتحدثون لبعضهم، بحثا عن لمسة تعاطف أو محبة أو مشاعر ما. في المساء زارت الخالة آمنة بيت أختها، وظلت تتحدث معها بعد أن وضعت صالحة صينية الشاي وصحنا مشكلا من "الفقاص، وكعب الغزال، والبريوات... ¹" ، وهي تلحظ العيون المتحاورة قبل اللسان، وركزت على ردود الفعل. أخبرت الأم بفرح يحلق بغرفة الجلوس: " يبدو أن الله كتب لي عمرة". وأسرعت صالحة بعينيها تتأمل وجه الخالة التي لم تظهر عليها أدنى علامات الفرح، لكنها نطقت ببضع كلمات مهنئة. كانت صالحة تحدث نفسها في صمت، مبتسمة كمن انتصر في نزال بالضربة القاضية، وردت أفكارها بصوت مرتفع متعمَّد: "نعم، كنت أعرف". استغربت الأم، فسألتها: وما الذي كنت تعرفين؟! بينما الخالة لم تغير ملامحها، ولا نبست بنت شفتها، فقد اكتفت بأن نقلت نظرتها من أختها إلى ابنة أختها. ردت صالحة بمرح : "كنت أعرف أن خالتي آمنة ستفرح لك". فنطقت الخالة : "ومن كان لديه شك في هذا، ربما فرحت لها أكثر منها، وهل لي أخت غيرها أسعد لسعادتها؟.. الله وحده يعلم كم دعوته لتزور ذاك المقام الشريف مثلما ذهبت إليه أنا العام الماضي." ودمعت عين الأختين، فتعانقتا بحنان، جعل صالحة تفهم كيف أن الأم لم تبد أي انزعاج من رد أختها البارد الجاف، لأنها تحس بها، وتدعو لها أيضا أن يفرج الله عنها صعوبات ما مرت به من أزمات وصدمات، تلقتها بصبر، ثم انهزمت أمامها فجأة ففوضت للواحد القهار أمرها متقينة ب {ومن يتوكل على الله فهو حسبه. إن الله بالغ أمره}.² استأذنت صالحة أمها وخالتها لتتحدث في الهاتف، والحقيقة أنها دخلت غرفتها تمسح دموعها، وتتأمل لوحتها الأخيرة التي أضافت عليها تعديلات صغيرة، وهي تفكر في السيدة التي تحبها، والتي نجحت في امتحان لا تذكر صالحة أي امتحان كان.. أدركت أنها سيدة طموح، تسعى للاجتهاد الدائم، تجتاز امتحانا بعد امتحان، تسجَّل بهذا المركز وذاك، وتلك الجامعة وأخرى.... فهي أقوى من أن تبتسم لأشياء عادية، جديتها لا تسمح لها بأن تشارك في أمور هزلية، ودراساتها وأعمالها التي لا تتوقف اعتادتها حتى صار النجاح شيئا مألوفا لا يدعو لفرح كبير، بينما الخالة انهالت المشاكل فجأة عليها فأفقدتها معنى الفرح، وكادت تعدمها مشاعرها، وتذكرت صديقة لها أفقدها حب فاشل كل الحب الذي يمكن أن تحبه لنفسها فتشعر بذاتها، أما هي فأحست أن مشاغل وأفكارا، وشيئا من غضب قد يضعف لديها مشاعر الفرح بعض الوقت. ولكنها يجب أن تقاوم لتحافظ على مشاعر إنسانية يجب أن تحيا دائما؟ وقد كانت الملاحظات، وتحليلها لحزن يبدو على شخصيتين رغم الفرح قد خلق لديها نوعا من المتعة. خرجت من غرفتها عازمة ألا تغادر خالتها البيت قبل أن تبتسم على الأقل. أخذت البندير³ الصغير، وخرجت منشدة كلمات تذكرها بجدتها: "أنا غدا ل لالة مكة العزيزة عليا، أنا غدا لرسول الله نطلب فيه حجة" âپ´ واستطاعت بذلك أن ترسم على ملامح خالتها ابتسامة وبهجة ولو لحين، ورددن معا ابتهالات وأمداح في جلسة شاي بهية. ¹. حلويات مغربية. ². الآية الثالثة من سورة الطلاق. ³. آلة موسيقية تقليدية عبارة عن طبلة بإطار خشبي. âپ´. عبارة دارجة مغربية، تعني أنا ذاهبة لمكة، التي أعزها، أنا ذاهبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم أقصد حجة. وكلمة لالة يقولها المغاربة للمرأة الأكبر سنا، وكذلك احتراما وتشريفا للمرأة وإن صغر سنها. |
رد: مشاعر جامدة
شكرا لك عزيزتي خولة على هذا القص الماتع المتبل بالتراث المكناسي القح،ابتداء من بريوات و كعب غزال الى" أنا غدا ل لا لا مكة العزيزة عليا..".
|
رد: مشاعر جامدة
سرد بتوابل مغربية اصيلة..افضل دائما السرد الذي يغوص في مسارب التراث المضمخ بعطر التاريخ وعبق المدن القديمة...شكرا جزيلا لك فراشة المنتدى..
|
رد: مشاعر جامدة
شكرا فراشة المنتدى على نص اتكأ على المشاعر الجامدة بفيض إحساس.
سرني هذا التنوع في حرفك دام مداده رقراقا. |
رد: مشاعر جامدة
اقتباس:
|
رد: مشاعر جامدة
اقتباس:
|
رد: مشاعر جامدة
اقتباس:
شكرا يا غالية |
| الساعة الآن 57 : 03 AM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
Tranz By Almuhajir *:*:* تطوير ضيف المهاجر
الآراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الإدارة وتمثل رأي كاتبها فقط
جميع حقوق النشر والتوزيع محفوظة لمؤسسة نور الأدب والأديبة هدى نورالدين الخطيب © ®
لا يجوز نشر أو نسخ أي من المواد الواردة في الموقع دون إذن من الأديبة هدى الخطيب
مؤسسة نور الأدب مؤسسة دولية غير ربحية مرخصة وفقاً لقوانين المؤسسات الدولية غير الربحية