عرض مشاركة واحدة
قديم يوم أمس, 51 : 12 AM   رقم المشاركة : [1]
خولة السعيد
مشرفة / ماستر أدب عربي. أستادة لغة عربية / مهتمة بالنص الأدبي


 الصورة الرمزية خولة السعيد
 





خولة السعيد will become famous soon enough

بيانات موقعي

اصدار المنتدى: المغرب

مقاربة قرائية لنثيرة رثاء أم الشاعر الحسين زينرحو


الحسين زين رحو سيزيف صاحب الحب المتوجع، والآهات الطويلة، المعبر دوما عن حبه للطبيعة وتعلقه بذكرياته، نصاحبه اليوم بحنين جديد، يزاوج بين الحب والحزن، بين الشوق والحنين، يعرف أن النهاية ختم وقدر لا هروب منه، ولكن نهاية كهذه لا يمكن إلا أن تكون حزينة، وهل بعد الأم بداية؟
يشدنا سيزيف بنثيرة جديدة مطولة جمعت ثلاثة مقاطع، اختار لكل منها عنوانا محددا، بينما لا يوحد المقاطع أي عنوان غير ما يمكن أن يتصوره القارئ وهو يشارك الحسين حزنه، إذ لم يتمكن من تحمل وداع الأم، ويكفي أن تقرأ العناوين لتجد نفسك أنت أيها القارئ تعبر معه عن الشوق والحنين، أو تبحث له عن جواب، أو تسدل ستار التعابير حين تعجز عن مواساته بالعيد في غياب أغلى الناس.
يحمل المقطع الأول عنوان "أماه! اشتقت اليك" وتتكرر هذه العبارة أربع مرات، ثم نجد عبارة "اشتقت" إليك تتكرر منفردة مرتين، بالإضافة إلى الفعل "اشتقت" الذي وإن كان ماضيا فإنه يرمز إلى أن الاشتياق ثابت لا يتغير، ونجد أن كلمة "الشوق" تكررت أيضا أربع مرات وفي كل مرة تأتي مسبوقة بواو استئناف تبدأ وجعا مريرا جديدا:
"والشوق في دواخلي/ والشوق في جوانحي/ والشوق في بواطني/ والشوق في دمائي.
وفي المرات الأربعة كانت معرفة، فالشوق المتعلق بالأم معروف لا يشبه شوقا آخر، ولا داعي لأن تفكر بأي عضو يحل هذا الشوق، فهو قد اخترق هواجس الشاعر ومكامنه كلها، ودليل ذلك أنه لم يحتل مكانا/عضوا واحدا معينا كالقلب، أو العروق، أو الدماء، ولكن صيغة منتهى الجموع في كل مرة من المرات الأربعة كانت كفيلة بأن ندرك أن هذا الشوق قد احتل شاعرنا "بواطني_ دواخلي_ جوانحي..." وبعد صيغة منتهى الجموع تأتي صيغة المبالغة، وصاحبنا يصف هذا الشوق بداخله "لغز وقاد" - "جمر وهاج" – "هم وخاز"، ويصف أيضا موت أمه بالإعصار، أما حياته بعد هذا الموت فشبهها بالنار والعذاب.
يفتقد صاحبنا ابتسامة أمه ودفئها معلنا أن غيابها مؤلم لكل أسرته، فوالده وإخوته أيضا افتقدوا صدرها وحضنها.
يأتي المقطع الثاني من القصيدة بعنوان: "أسأل عنك" فيخبرك العنوان أن الشاعر لا يصدق رحيل أمه فيسأل عنها كل ركن وكل حبيب عله يجد جوابا عنها، أو يعرف لها مكانا، وتمرر عينيك أنت أيها القارئ بأسطر هذا المقطع فتجده يعود للطبيعة. لم يتحمل الشاعر عذاب الشوق والاشتياق فاتخذت طبيعة ملاذا لعلها تريحه وهو يحاورها، لكن أغلب ما في الطبيعة يشاركه حزنه لفقد أمه، فالنوارس التي سألها وقت الأصيل عند الشط كانت حزينة، والأيائل وقت رجع الصدى مرعوبة، أما القمر فشاحب.
لقد اختار صاحبنا لكل زمان جزءا من الطبيعة ليسأل عن أمه، إذ سأل النوارس وقت الأصيل، واليمامة وقت طلوع القمر، أما العصافير جميعها والسنونو فقد سألها وقت انسياب المطر. سأل الشاعر الصمت؛ صمت الموتى والغياب في "كل الراحلين" وقت حين السفر، وسأل شموخ السنديانة والأيائل المرعوبة وقت رجع الصدى، ولم يكتف بالطبيعة، بل سار يسأل قصائده وقد انكسرت، والقوافي، وكبرياء الحرف الذي صار عنده غريبا، أثخنته الجراح، ولكن الحسين حتى قصائده وقوافيه وحروفه فيه اختار وقتا لسؤالها هو انبلاج السحر، أما وقت انسدال عتمه الليل واشتداد لوعة السهر فكان مناجاة لنفسه، إذ يسأل زحمة اختناقه وثورة آهاته. ثم وأنت تسبح في آهات المقطع الأول منتقلا للثاني يزداد تأثرك بالكلمات الصادقة حبا وحنينا، فالشوق يأخذ صاحبنا ليسأل عن أمه الأحياء والأموات، الحيوانات والجمادات، لكن حين حل العيد بالمقطع الثالث لابد أن صاحبنا سيكون أكثر تأثرا، إنها الأم غائبة بهذا اليوم الذي يفترض أن يكون يوما سعيدا، إنه العيد الأول الذي لا يلامس فيه الحسين أمه.
يعنون الشاعر المقطع الثالث ب: "لما العيد طرق بابي" وفي أول أيام العيد لم يقنع بالسؤال عن أمه بل أصبح يفتش عنها في كل الزوايا والأركان؛ وفي حمرة أعين إخوته، وقوله:
" في حمرة أعين إخوتي" كناية عن الحزن والبكاء الشديدين إلى أن تحمر الأعين، كما فتش في دمعة والده الذي ظل بعدها على السرير ممددا، ثم يخبرنا أن والده ممددا يلتحف ما تبقى من هيبته، ومرارة الأسى، والألم موظفا استعارة، إذ شبه اللحاف أو الملاءة بما تبقى من هيبته، كأن زوجه _أم الحسين_ كانت هي هذه الهيبة العظيمة، وهي كذلك ابتهاجه وهناؤه، ثم انتقل مجددا مفتشا عن أمه بحضن الطبيعة "في كحل عين القمر"، "في ضوء الشمس وسنا الثريا"، ولم يتوقف تفتيشه هنا بل فتش أيضا في المتاهات والألغاز، ولعل أحد هذه الألغاز ذلك اللغز الوقاد الذي كان شوقا في دواخله، ولم يتقد حزن الفقد في الأسرة الصغيرة، ولكنه خيم على أفراد العائلة جلهم، فهذه الخالة شاردة، وشاعرنا يفتش عن أمه في شرودها، أما أطفاله فيبدو أنه لم يجد وصفا لحزنهم بعد فقدهم للجدة، وما بين حزن وحزن تأتي الطبيعة للمواساة، فيبحث عن أمه في بهو الحديقة لتأتي عبارة صغيرة بعد ذلك تحمل بين حروفها أشياء كثيرة، مشاعر وكلمات، شعرا وشعراء، فقوله:
"وفي سنة أحفادي" يجرنا لحكايات الجدات ليلا، وللتهويدات التي تظل ترددها لينام الصغار، وتزداد لوعه الشاعر وفجعه وينادي أمه متوجعا "أماه! لما العيد بدونك طرق بابي"، فتلاحظ هذه المرة أن عبارة "بدونك" جديدة كأنه أخيرا اقتنع بأن أمه لم تعد معه مما جعل أحلامه تنكسر في جوانحه وعروقه، أما الدماء فصارت سيلا يفيض ثم ينحسر، ويعود شاعرنا لمناداة أمه فيبدو للقارئ أنه ما رضي باقتناعه، فقرر العدول عنه ليردد لازمته "أماه! لما العيد طرق بابي" دون عبارة "بدونك"، كأنه يحدثها ويحكي لها ما حصل حين العيد حل، وكيف كانت أجواء عيده بغيابها، ويخاطب أمه مخبرا إياها أنه فتش عنها في ظل السقيفة وفي كل الأشياء، ثم ها هو يعود للطبيعة، معلنا أنه فتش عنها في أريج الزهر وأغصان شجر اللوز وشجر الزيتون، بشموخ الأطلس، بالنهر وبدروب سكورة؛ سكورة التي تحمل تاريخ الأجداد وتاريخا يربطه بأمه؛ سكورة التي يحن إليها دائما، يلامس فيها حنينه لأمه الآن، ويفتش عنها في انحدارات الشلال ونتوءات الصخر، وقصائد الشعراء.
وهكذا فإننا نلاحظ ارتباط الطبيعة بالشعر والشعراء، إذ إنه بالمقطعين الثاني والثالث ربط الطبيعة بالشعر "في انحدارات الشلال.. وفي نتوءات الصخر.. وقصائد الشعراء"، "[...]أسأل شموخ السنديانة والأيائل مرعوبة وقت رجع الصدى وشحوب القمر.. عنك أسأل قصائدي مكسورة والقوافي، أسأل كبرياء الحرف[...]" ثم ينهي قصيدته مناديا بولع، ومرددا: "أماه! أماه!" يسألها لم لم تجبه، فيتخيل بالنهاية ردها "ها أنا ذا يا ولدي أويت إلى كهفي وحرائي"، وقد اختار الحسين "أويت" بدل "انتقلت" أو غيرها من الأفعال التي قد تدل على اتخاذ أمه مقرا أو مستقرا آخر، لأن الفعل أوى دال على الانتقال والاحتماء أيضا، فكأنها احتمت بمكانها الجديد من دنيانا، لكنه لم يذكر أنها أوت إلى القبر بل إلى كهفها وليؤكد أنه ليس كهفا عاديا أسماه "حراء" كأنه يمنح لأمه ولموت أمه قدسية برمزها الإسلامي العميق.
وكما هي نصوص الحسين زينرحو متميزة بلغتها، فكذلك هذا النص الذي أشبعه بأسلوب الوصف، ( لغز وقاد- سهم نفاذ- الأيائل مرعوبة- قصائدي مكسورة- زحمة اختناقي- اشتداد لوعة السهر- حمرة أعين إخوتي- ...)
إن هذه النثيرة ملئت شجنا وحبا، عبر عنهما الشاعر ببلاغة تجعلنا نرى في الحزن إبداعا.
*************
القصيدة كما أرسلها لي صاحبها برسالة إلكترونية:
المقطع الاول : اماه ! اشتقت اليك
اماه ! اشتقت اليك
والشوق في دواخلي
لغز وقاد
اشنقت اليك
والشوق في جوانحي
جمر وهاج
اماه ! اشتقت اليك
فموتك اعصار
وحياتي بعد ظعنك
نار وعذاب
اماه ! اشتقت اليك
والشوق في بواطني
سهم نفاذ
اشتقت اليك
والشوق في دمائي
هم وخاز
اماه ! اشتقت اليك
فما عادت لي منك ابتسامة
ولا منك عاد لي دفء
ولا عاد لاخوتي ،، ووالدي
منك صدر
ولا حضن وثار
المقطع الثاني : اسال عنك
اماه ! على الشط ،،
اسال النوارس
حزينة
وقت الاصيل
عنك اسال اليمام ،،
وقت طلوع القمر ،،
عنك اسال كل العصافير
والسنونو ،،
وقت انسياب المطر ،،
زفي المجاهل ، اماه !
بين خطوط الرخامات ،،
وصمت الموتى ،،
اسال كل الراحلين ،،،
وقت حين السفر .
اسال عنك ،،
فورة سهادي ،،
اسال شموخ السنديانة ،،
والايائل مرعوبة ،،
وقت رجع الصدى ،،
وشحوب القمر .
عنك اسال قصائدي ،،
مكسورة ،،
والقوافي ،،
اسال كبرياء الحرف ،،
هو في بتي ،،
غريبا ، اثخنته الجراح
وقت انبلاج السحر ،،
اسال عنك وطاة سهادي ،،
اسال زحمة اختناقي ،،
اسال ثورة اهاتي ،،
وقت انسدال عتمة الليل ،،
اشتداد لوعة السهر .
المقطع الثالث : لما العيد طرق بابي
اماه ! لما العيد طرق بابي ،،
فتشت عنك في كل الزوايا ،،
والاركان ،،
فتشت عنك ،،
في حمرة اعين اخوتي ،،
في دمعة والدي ،،
على السرير ، ممددا ،،
يلتحف ما تبقى من هيبته ،،
ومرارة الاسى ،،،
والالم ،،،
اماه ! لما العيد طرق بابي
فتشت عنك في كحل عين القمر ،،
في ضوء الشمس ،،
وسنا الثريا ،،،
في كل المتاهات ،،
والالغاز ،،،
فتشت عنك في شرود خالتي ،،
زاطفالي ،،
فتشت عنك في بهو الحديقة ،،
وفي سنة احفادي ،،
اماه ! لما العيد بدونك طرق بابي
احلامي في جوانحي انكسرت ،،
وفي عروقي ،،
دمائي تنثال فيضا ،،
ثم تنحسر ،،
اماه ! لما العيد طىق بابي
فتشت عنك في ظل السقيفة ،،
وبين رموش الاحذاق ،،
زفي كل الاشياء ،،
في اريج الزهر ،،
في اغصان تلزيتونة ،،
في ثنايا شجرة الجوز القديمة ،،
في اختيال شموخ الاطلس ،،
والتواءات النهر ،،
في دروب "سكورة" ،،
في انحدارات الشلال ،،
وفي نتوءات الصخر ،،
وقصائد الشعراء ،،
اماه ! ،،، اماه !
لما لم تجيبي ،
"ها انذا يا ولدي !" ،،
إويت الى كهفي ،،
وحرائي .

نور الأدب (تعليقات الفيسبوك)
خولة السعيد غير متصل   رد مع اقتباس