التسجيل قائمة الأعضاء اجعل كافة الأقسام مقروءة



 
إطلاق مسابقة نور الأدب 2020 للشعر موضوعها: " صفقة القرن "
عدد مرات النقر : 123,309
عدد  مرات الظهور : 66,353,861

اهداءات نور الأدب

العودة   منتديات نور الأدب > جمهوريات نور الأدب... > جمهوريات الأدباء الخاصة > أوراق الباحث محمد توفيق الصواف > قصص قصيرة
إضافة رد
 
أدوات الموضوع
قديم 04 / 11 / 2016, 47 : 10 PM   رقم المشاركة : [1]
محمد توفيق الصواف
أديب وناقد - باحث متخصص في السياسة والأدب الإسرائيليين- قاص وأديب وناقد -أستاذ مادة اللغة العبرية - عضو الهيئة الإدارية في نور الأدب


 الصورة الرمزية محمد توفيق الصواف
 





محمد توفيق الصواف is just really niceمحمد توفيق الصواف is just really niceمحمد توفيق الصواف is just really niceمحمد توفيق الصواف is just really niceمحمد توفيق الصواف is just really nice

تَحَوُّلَات...!


[align=justify]القصة السادسة في مجموعتي (ميت في إجازة) الصادرة عن دار المسبار، في دمشق، 2004[/align]
[align=justify]خرج من البيت مثقلاً بهموم لم يَأْلَفْها في حياته من قبل.. همومٌ ليست كتلك التي حكى له أصدقاؤه أنَّهم عانوها ذات يوم... همومٌ من النوع الذي لا يزول أثرُه المُرهِق بأيِّ وسيلة من الوسائل التي نصحَه بها الراسخون في الهمِّ قبله.
- أنْ تصبحَ سيئاً، أنْ تَتَحَوَّلَ من ملاك إلى شيطان بين يوم وليلة، حتى وإنْ أردَت، ليس بالأمر السهل أبداً.. ومن لا يُصدِّق هذا الكلام فلْيُجَرِّب...
كان يسير على الرصيف المكتظِّ بالمارة، في تلك الليلة الربيعية الجميلة، غير شاعر بجمالها ولا بأحدٍ ممَّن حوله على كثرتهم، فقد كان منهمكاً بتركيز كلِّ انتباهه وقدراته على محاولة التقاط تلك الأصوات الغريبة التي تتصاعد من أعماقه....
- الطيبةُ شيء، والبلاهةُ شيء آخر، مختلفٌ تماماً. لا تُبَرِّرْ أخطاءَك القاتلةَ بالطيبة، لا تُحَوِّل الطيبةَ إلى مِشْجَبٍ تُعَلِّق عليه تَسْيبَك وإهمالَك وتفريطَك، فلا الشرع ولا القانون ولا الأعراف يُقِرُّون لك بأنْ تُسلِّمَ مصيرَك لأيٍّ من الناس، مهما كان السبب..
وارتسمَتْ على شفتيه اليابستين ابتسامةٌ بلهاء، ثم اتسعَتْ قليلاً قليلاً لتصيرَ ضحكةً مجنونة مجلجلة جعلَتْ كلَّ من يسير قريباً منه في الطريق يلتفت إليه مستغرباً.
- لاشكَّ أنَّه مجنون... هه...
- قال لي أحدُهم: إنَّ المجانين يهربون هذه الأيام من مشفى المجانين لأنَّ جدرانها صارت واطئة، وربَّما هذا واحد ممن هربوا... ها ها ها....
شعرَ بنظرات الاستغراب والدهشة والاستهزاء تخترقه كالخناجر.. انكمشَتْ ضحكتُه المجلجلة كأنَّ كَفّاً قوية قبضَتْ عليها من فوق شفتيه ودَعَكَتْها ثم رمَتْ بها على أطراف فمه مُكَرْمَشَةً تُثيرُ الشفقة والسخرية، في آن معاً..
- مَن هؤلاء؟؟؟!!!
رفع بصرَه إلى الوجوه التي أحاطت به على حين غِرَّة، ومِن نظرةٍ سريعة تَأكَّدَ له أنَّه لا يعرفُ أَيّاً مِن أصحابها...
- لماذا يتجمَّعون حولي هكذا...؟ ما لهم ولي؟؟
وقبلَ أنْ يعثر على جواب، شعر بقوة هائلة تدفعه ليخترقَ، وبعنفٍ، حلقة الفضوليين المُتَحَلِّقِين حوله، تاركاً لسـاقيه أنْ تُسابِقَا الريحَ، إلى حيث لا يعلم... فقد كان كلُّ ما يفكر به، تلك اللحظة، هو كيف يبتعد عن أولئك الذين تَحَلَّقُوا حوله هازئِين... وبعد مسافة طويلة قطعَها، توقَّفَ لاهثاً، يشعرُ بصدره يكاد يَتَقَطَّع، إذْ لم يركض منذ أن كان ولداً، بمثل هذه السرعة. لهذا، وبحركة عفوية، سَارَعَ إلى أقرب جدار، حيث وَقَفَ، وأسندَ ظهره إليه، محاولاً استردادَ أنفاسه.
- لقد ظنَّني الناس مجنوناً.
- وهل لديك شكٌّ في ذلك؟؟
زاغ بصره، أحسَّ بدوار شديد يُمْسِكُ به، كاد يسقط على الأرض، فازداد التصاقاً بالجدار الذي أسند ظهرَه إليه. ثم، وبحركة عنيفة، اعْتَصَرَ صدغيه بكَفَّيْه القويتين. أغمض عينيه، فتحهما، أرسل نظرة زائغة للأفق البعيد، تصاعدت الأصوات في أعماقه من جديد:
ـ الأوغاد هم سببُ كلِّ بلائي..
- أنت تُخادِع نفسَك.. تحاول أن تختلق المسوغات لعملك الجنوني. صحيحٌ أنَّ الظروف لم تكن لصالحك، ولكنْ كان في يدك أمرٌ واحد على الأقل، وهو أن ترفضَ تسليمَ مصيرك لهم حتى ولو قتلوك..
مشى بضعَ خطوات تائهة في اتجاهات مختلفة، إذ لم يستطع أن يُحَدِّدَ اتجاهاً يَسْلُكه.. فَكَّرَ هنيهة... ثم، تركَ لهواجسه أن تقودَه ثانية إلى أعماقه الهائجة، ولقدميه إلى حيث تشاءان ولا يعرف.. وهكذا مضى مُرَكِّزاً بصرَه على مُقَدِّمَة حذائه وهو يراقب انضغاطها وانبساطها مع كلِّ خطوة يخطوها...
- حتى القانون لا يحمي الذين يضعفون في لحظة المواجهة..
- إذن من يحميهم في هذه الغابة التي تسرح فيها الوحوش وتمرح دون أيِّ رادع؟
- لا أحد، كلُّ واحد مسؤول عن حماية نفسه بنفسه..
- والذي يَضْعُف؟
- يضيع كما ضِعْت..
- لا لا لا..
كانت سبابةُ يده اليمنى ترتفع في وجوه أناس لا يعرف أحداً منهم، وَسْطَ شارع اكتَظَّ بهم فجأة حين لاحظوا وقوفه الغريب فوق الرصيف وهو يُحادِث نفسه بصوت عال، وازداد تَجَمْهُرُهم حوله أكثر، حين راح يصيح: لا، لا.
أراد بعضهم أنْ يسخرَ منه، لكنَّ رجلاً ذا مهابة واضحة، خرج من جَمْعِهم فجأة، وحال بينهم وبين رغبتهم تلك، ثم تَقَدَّمَ منه واضعاً يدَه على كتفِه بودٍّ وعطف، وقال له بصوت لا يُقاوَم:
- اتبعني..!
- إلى أين؟
- لَدَيَّ مكانٌ يتسعُ لأحزانك وصراخك، وفيه ما تُجَفِّفُ به دموعك التي ينبغي أن تذرفَها ليرتاحَ قلبُك ويهدأَ بركانُك المتأجِّج في أعماقك..
نظر إليه باستغراب وهو يسأله:
- ما أدراك بما بي؟ هل تعرفني؟
- نعم، كما تعرف نفسك وأكثر...
- ولكن من أنت؟
- لا يهمُّ الآن، اتبعني فقط... أم تريد أن يستمرَ هؤلاء في السخرية منك؟
- لا....
- إذن اتبعني وكفاك أسئلة...
- كما تريد...
قالها بصوت مختنق، ثم تَبِعَه بصمت مخترقاً معه جمهرة المحيطين بهما مذهولِين. وظلَّتْ الأنظارُ معلقةً على قفاهما حتى غَابَا عند منعطف الشارع الطويل الذي غادراه...
- حتى زوجتي تَرَكَتْني يا سيدي.. تَصَوَّرْ..! لماذا؟ لماذا؟ هل أنا مجنون؟ هم يزعمون ذلك، بعد أن ضيَّعوني.. بل استطاعوا استصدارَ ثبوتيات من الجهات المختصَّة تُثبِتُ أنَّني مجنون، فلماذا؟
كان يسير مُرَكِّزًا بصرَه على مُقَدِّمَةِ حذائه، مُراقباً انضغاطها وانبساطها، من جديد، وهو يتكلم، غير ناظر إلى أيِّ أحد أو شيءٍ ممَّن حوله.. ولهذا كانت دهشتُه بالغة جداً حين رفع رأسه إلى مُحَدِّثِه لاستجلاء سبب صمته وعدم ردِّه على أسئلته، فإذا به لا يجد له أثراً... تَسَمَّرَ في مكانه مذهولاً..
- أين اختفى.. وأين أنا؟! ومن يكون ذلك الرجل؟ مرةً أخرى يخدعُني أحدُهم.. مرةً أخرى.. لماذا؟
- لأنَّكَ مُغَفَّل..
- أين أنت؟ من أين تتحدَّث إليّ؟ أين اختفيت؟
- اهدأ.. لم أختفِ بل أنا معك.. فأنا أنت.... لماذا لا تفهم؟!
- ها ها ها أنا ماذا؟... ها ها ها أنا أنت..؟ وأنتَ أنا أليس كذلك؟ ها ها، لابدَّ أنَّني قد جُنِنْتُ فعلاً.. ها ها.. أنا أنت.. حلوةٌ هذه النكتة.. أنا أنت، وأنتَ أنا..!
- تَوَقَّفْ عن هذيانك هذا، أتريد أن تجمعَ الناسَ حولنا مرة أخرى؟
- حولنا؟! ومن أنت؟ بل كم شخصاً صِرْتُ أنا؟ يا إلهي لابدَّ أنَّني قد جُنِنْتُ حقّاً..
وفي هذه اللحظة، انطلق راكضاً في الشارع لا يَلْوِي على شيء وكأنَّه يهرب من مُحَدِّثِه إلى حيث لا يعلم..
قادَتْه قدماه إلى شارع آخر، مزدحم أيضاً، كالذي كان فيه قبل قليل؛ وما إن أَبْصَرَ الشارعَ المكتظَّ بهم حتى أُجْفِل:
- يا إلهي، لماذا كلُّ الشوارع التي أَطْرُقُها مُكتظَّة اليوم؟
وَقَفَ هنيهةً، ثم قَفَلَ عائداً إلى حيث لا يدري.. شاعراً أنَّ براكين العالم كلَّها تغلي وتمور في أعماقه.... وانتهى به المسير العشوائي إلى جدار حديقة عامة كان قد بدأ يلفُّها الظلام.. ارتاح لمنظر الشجر على الرغم من العتمة، فاستندَ إلى سُورِ الحديقة الحديدي بمرفَقَيْه، وغاب في عالمه الداخلي من جديد مُطْلِقاً العنانَ لعينيه تتجولان بين أشجار الحديقة الساكنة كما تشاءان...
- مَن تُرَاهُ ذلك الرجل الذي أخرجَني من وسط الجمع الذي كان يُحاصرني هناك؟ ولماذا تركني؟ ثم من أين كَلَّمَني مرةً أخرى؟
أسئلة لم يَجِدْ لها جواباً معقولاً أو مُريحاً، فغادرَها إلى مُصيبته التي أَكَلَتْ اتزَانَه العقلي الذي اشتُهِرَ به بين أهله ومعارفه..
- صحيحٌ أنَّني سليل أسرة عريقة، ولكنَّ عراقة نسبي لم تُنقذْني من الوقوع ضحيةَ أولئك الوحوش... نعم، الآن أدركُ أنَّني تَعلَّمْتُ ما لا ينفعُني في حياتي العملية... ها ها نكتةٌ غير مُضحِكَة..
- إلى متى ستظلُّ شارداً في الشوارع تُحدِّثُ نفسَكَ كالمجانين هكذا؟
تَرَيَّثَ لحظةً قبل أنْ يُديرَ رأسَه ليرى صاحبَه نفسَه الذي سرعان ما عرفه من بُحَّةِ صوته المُمَيَّزَة.. إنَّه هو... هو نفسه.
- أنتَ مرةً أخرى؟ هل عُدْتَ؟ لماذا تَرَكْتَني إذاً، وأنتَ تَدَّعِي محبتي والحرصَ عليّ؟ أتريد أنْ تقضيَ على البقيَّةِ الباقية من عقلي بتصرفاتك هذه؟ ثم من أنت؟ إلى الآن لم تُجِبْنِي عن هذا السؤال، وأريدُك أن تفعلَ الآن، فمن أنت، وماذا تريد مني؟
- اهدأْ قليلاً.. أنا أُحبُّكَ فعلاً، وأنا حريصٌ عليك فعلاً، ولا خيارَ لي في هذا! فأنا لا أستطيعُ إلا أنْ أُحبَّكَ، وليس هذا الحبُّ مجاناً، بل له غاية..
- قُلْ لي ما هي بسرعة إذاً..
- حسناً.. لِيَكُنْ بعلمِكَ أنَّ كلَّ ما يُؤذيك يُؤذيني وكلَّ ما يَمَسُّكَ يَمَسّني..
ووجد نفسه يصيح بغضب وحنق:
- ولكنْ لماذا، بحقِّ الله قُلْ لي لماذا؟
- هَدِّئْ من انفعالِك لأستطيعَ أنْ أُخبرَك لماذا..
- أنا هادئ، هَيَّا تَكَلَّمْ..
- لأنَّ كلانا واحد! لأنَّني أنت، وأنتَ أنا.... هل فهمت؟!
- فهمت؟ لا.. ولكن يُخَيَّلُ لي أنَّ هناك أمراً واحداً منطقياً عليَّ أن أقومَ به الآن، وهو أن أقتلَك فوراً لأتخلَّصَ منك ومن سُخفك هذا، إذا لم تستجبْ لطلبي فوراً وتَبْتَعِد، فماذا قلت؟
- لا أستطيع أن أبتعدَ عنك.. هل رأيتَ أحداً يَقْدِرُ أن يبتعدَ عن نفسه.؟! كما أنَّك لا تستطيع أن تقتلَني.. وقبل أن تثورَ أكثر، سأُعطيك الدليلَ الذي يجعلك تَثِقُ بي وتُصَدِّقني..
- إذاً هاتِه فوراً..
- هيا تَقَدَّمْ مني واقْرُصْني في أيِّ مكان من جسدي، وستجدُ أنَّك تتألمُ من نفس المكان في جسدك.! هيَّا هيَّا ماذا تنتظر؟
- أتمزح؟
- بالتأكيد لا.. فهيَّا تَقَدَّمْ وجَرِّبْ لتَقْطَعَ الشكَّ باليقين.. هيَّا!
وبِتَرَدُّدِ مَن لم يُصدِّق، وبحذرٍ شديد، اقتربَ من مُحدِّثِه، وهو يُقَدِّمُ رِجْلاً ويُؤَخِّرُ أخرى، ثم مَدَّ نحو خاصرةِ الآخر أُصْبُعَين تَرْتَجِفَان وقَرَصَه، فأحسَّ بالألم في خاصرته هو.. عندها لم يَعُدْ يتمالك نفسَه، فصرخَ كالمجنون:
- ما هذا بحق الله؟! لاشكَّ أنَّني جُنِنْت، أَأَقْرُصُ الرجلَ فأَتَأَلَّم في نفس المكان الذي قَرَصْتُه فيه؟! هذا مَحْضُ جنون. أنا مجنون حتماً..
وبينما راح لسانه يُرَدِّدُ، بصوت عالٍ، كلمةَ مجنون، استدارَ راكضاً في الشوارع على غير هدى لا يَلْوِي على شيء. كان يركضُ بخطواتٍ هِستيرية كَمَنْ يهربُ من مُطارِدٍ مُفزِع يَتْبَعُه، وكان ذلك المُطارِد هو مُحَدِّثُه الغريب... وظلَّ يركضُ هارباً، لفترة طويلة، في شوارع فرعية شِبْهَ خاليةٍ من المارة، إلى أن شعرَ بالهدوء يَتَسَرَّب إلى نفسه رويداً رويداً، وبالتعب الشديد يهدُّ عضلات جسمه هدّاً.. تَوَقَّفَ، أَخَذَ نَفَساً عميقاً، وثانياً وثالثاً، في محاولة لتهدئة ضربات قلبه المتسارعة بسبب الجري والاضطراب معاً؛ ثم وَضَعَ يديه في جيبيه وسار متمهلاً، وهو يُفَكِّرُ في مكان يأوي إليه.
وكالمرة الأولى، تركَ قيادَه لقدميه تأخذانه إلى حيث تشاءان ولا يعرف.. وبعد فترة قصيرة، وَجَدَ نفسَه مرةً أخرى، في أحد الشوارع المُكتظَّة بالمارَّة..
كان قد بدأ يُسيطر على نفسه قليلاً.. حين أتاه صوتٌ من خلفه يقول بهزء واضح ها هو الحمار.. التَفَتَ مُرتجفاً بانزعاج جهةَ الصوت، يريدُ معرفةَ صاحبه، فلم يجدْ أحداً مِمَّن يعرف حوله.. كما لم يجدْ بين المارة من يبدو أنَّه كان يقصده بتلك الإهانة.. فتابعَ سيرَه، ولكن بانتباهٍ مشدود وأعصاب متوترة...
في واجهة أحد محال بيع التحف، لَفَتَتْ انتباهَه مرآةٌ كبيرة مُثَبَّتَةٌ على الجانب الخلفي للواجهة، الأمر الذي يُوحي للناظر إليها وكأنَّها مُضاعَفَة العمق... وبحركةِ فضولٍ عفوية تَقَدَّمَ نحو تلك الواجهة مُستطلعاً، وما كاد يُدَقِّقُ بصرَه في المرآة التي في صدرها، حتى هَالَتْه الصورةُ التي انطَبَعَتْ على صفحتها.... إنَّه يرى الآن، وبوضوحٍ لا يَشُوبُهُ أيُّ التباس رأسَ حمار على جسدِ آدمي..! للوهلة الأولى، تَوَهَّمَ أنَّ ما رآه هو صورةُ تمثال قديم أو منحوتٍ سريالي غريب معروضٍ في تلك الواجهة؛ ولكن، لا.. ليس الأمرُ كذلك، فالصورةُ تَتَحَرَّك.. وأَحَسَّ برعبٍ هائل، حين رفع يمناه إلى رأسه مُختبِراً خائفاً أن تكونَ له أيّ علاقة بتلك الصورة، فإذا به يَتَأَكَّد، بما لا مجالَ معه للشكِّ، أنَّ تلك الصورة الغريبة المُشَوَّهَة التي يراها هي صورته هو! نعم.. هو نفسه! أعادَ التجربةَ مرةً ثانية وثالثة، فصار تَأَكُّدُه يقيناً.
في تلك اللحظة، أصدرَ عقلُه المُلْتَاثُ أمراً إلى ساقيه بالانطلاق بعيداً، قبل أنْ ينتبهَ إليه أحدُ المارَّةِ، فيصبح أضحوكةً لا قبلها ولا بعدها.. ولكنَّ ساقيه أَبَتَا تنفيذَ الأمر وأَصَرَّتَا، للمرة الأولى، على التَّسَمُّرِ حيث وقفَ صاحبُهما. ازدادَ اضطرابُه أكثر، بعد أن أصدر الأمر إلى ساقيه مراتٍ متتالية، ولكنْ دون فائدة.. ماذا يفعل؟
- هل هي النهاية التي لابدَّ منها؟ هل أصبحَ أسطورةَ هذا العصر النتِن؟ أنا العاقلُ الذي كان يُضرَبُ المثلُ بحكمتي، أَأَتَحَوَّلُ إلى (فُرْجَةٍ) للناس..؟ ماذا أفعل؟ هل من أحد يُنْجِدُني؟ هل من أحدٍ يُفَسِّرُ لي هذه الأمور الغريبة التي تَحْدُثُ لي؟ أَأَنا أَتَحَوَّلُ إلى حمار؟ لا، بل إلى ما هو أشدّ غرابة.. إلى إنسان برأس حمار..! وساقاي اللعينتان لماذا ترفضان الحركة؟ هل شَلَّتْهُما المفاجأة أيضاً؟ أَمْ ماذا؟
وفِيمَ هو غائصٌ في تساؤلاته وقَلَقِهِ، مُراقِباً الناس خائفاً من انتباه أحدِهم إليه، قبل أن يستطيع الهرب من المكان، داهمه إحساسٌ غريبٌ آخر... مَدَّ يَداً مُرتجِفَةَ مُستَطْلِعَةً إلى أسفل ظهره، فتَأَكَّدَ له أنَّ شيئاً غير طبيعي يَحْدُثُ له في هذه المنطقة من جسمه أيضاً. أَيكونُ ما يُحِسُّ به صحيحاً؟ حاولَ التَّأَكُّدَ مرةً تِلْوَ أخرى حتى أيقنَ بأنَّ ذَنَباً كبيراً بدأ ينمو في مؤخرته!
- ما هذا بحقِّ الله؟ أنا أَتَحَوَّلُ إلى حمار حقيقةً لا وهماً، ولكنْ كيف؟ ولماذا أنا من دون الخلق جميعا؟ لماذا؟
أراد الصياح، ولكنَّ حنجرته كانت يابسةً تماماً، في تلك اللحظة.. جَرَّبَ الركضَ هَرَباً من جديد، لكنَّ ساقيه أَصَرَّتَا على تَسَمُّرِهما أمام تلك الواجهة، وكأنَّهما لَصِقَتَا بالأرض.. وما إن تَيَقَّنَ من عجزه التَّام عن فِعْلِ أيِّ شيء، حتى استسلمَ يائساً لما يَشهدُه جسمُه من تَحَوُّلَاتٍ غريبة مُتَوَقِّعاً أن يصيرَ، بين لحظة وأخرى، (فُرْجَةَ) الناس وحديثهم، ليس في هذا الشارع فقط، ولكنْ في البلد كلِّها، بل ربَّما في العالم.. وكيف لا، وما يحدثُ له أعجوبة لم يسمع أحدٌ بمثلِها؟
- كلُّ هذا لأنَّني أذعنْتُ لهم.. آهٍ..، ليتني أستطيعُ أن أهرب، أن أتوارى عن الأنظار، أن أنتحر.. أن.. ما هذا؟ بداية تَحَوُّلٍ آخر؟
في تلك اللحظة أيضاً، شَعَرَ في ظهره بألم لا يُقَاوَم، راح يُجْبِرُه قسراً على الانحناء.. وغَصْباً عنه ظلَّ يُواصِلُ انحناءَه حتى لاصقَتْ كَفَّاهُ أرضَ الشارع..
- يا إلهي.. إنَّني لم أَعُدْ أستطيعُ الانتصابَ كبقية الناس!
صار كلُّ ما فيه يرتجفُ بعنف.. أحسَّ بخوف لم يَشعرْ بمثله في حياته أبداً.. وكيف لا، وهو يشعرُ أنَّه بات عاجزاً عن الانتصاب تماماً؟!
- بحقِّ الله ماذا يجري لي؟!
ورفعَ عينيه إلى السماء مُستنجِداً وَسْطَ حشدٍ من الناس الذين بدأوا يَتَحَلَّقُون حولَه مُتسائِلِين مُتعجِّبِين، منذ أنْ انحنى واقفاً على أربع... وهنا، فَقَدَ البقيةَ الباقيةَ من عقله، حين أَبصرَ كَفَّيه وقد صَارَتَا حَافِرَين..!
في تلك اللحظة بالذات، لم يَدْرِ كيف استجابَتْ ساقاه لطلبه فانْطَلَقَتَا به مع ذراعيه، وهو ما يزالُ مَحْنِيَّ الظهر، لِيَخترِقَ حَشْدَ المُتَجَمْهِرِين المَذهولِين حوله، وهو يركضُ إلى وسطِ الشارع على أربع..
- على أربعٍ يا مثالَ العقل والحكمة؟! على أربع؟! يجبُ أنْ تضعَ نهايةً لهذه المهزلة بأيِّ شكل... الآنَ الآن.. فهيَّا تَقَدَّمْ.. لم يَعُدْ يَفْصِلُ بينك وبين الراحة من هذا العذاب الرهيب، من فضول الناس، سوى ثوانٍ فقط.. ريثما يَصِلُ هذا الباصُ المجنون إلى جسدك المُشَوَّه ويضع حَدّاً لاستمرار مهزلتك..
ولم يَلْحَقْه أيٌّ ممن كانوا حوله مَشدوهين لتصرفاته الغريبة، كما لم يستطعْ سائقُ الباص الذي كان مسرعاً أن يتفاداه، وهو يحاول، بكلِّ ما تَبَقَّى له من قوة، أنْ يَنْتَصِبَ واقفاً على قدميه للمرة الأخيرة، فصَدَمَهُ في خاصرته صدمةً عنيفة فَجَّرَتْ الدمَ منها وأَلْقَتْ به وسط الطريق، في شِبْهِ غيبوبةِ احتضار...
احتشدَ كلُّ مَن كان في المكان حوله مُستَطْلِعِين ما جرى، بينما سارعَ آخرون يَستنجدون بالإسعاف، وركضَ شابٌّ إلى شرطيِّ المرور الذي كان يقف قريباً، فأتى به إلى مكان الحادث على عَجَل..
أحدُ المارة: لقد خابرتُ الإسعاف، وسيأتون بسرعة...
الشرطي: حسناً فعلت..، فحالتُه خطيرةٌ جداً...
السائق: أقسمُ بالله أنَّ الحقَّ عليه... هو الذي وَضَعَ نفسَه أمام الباص.. كان يريد أنْ ينتحرَ، كما يبدو... لقد قفزَ فجأةً أمام الباص ولم أَسْتَطِعْ أنْ أَتَفَادَاه.. اسألْ الناسَ الذين رَأوا الحادث وسيقولون لكَ أنَّني صادق..
أصواتٌ مُتعدِّدَةٌ ارتفعَتْ من أماكن مختلفة في الحشد:
- صحيح.. الحقُّ على الرجل.. السائقُ بريء..
- الرجلُ مجنون..
- كان يركض على أربع كالحمار إلى وسط الشارع، قبل أن يصدمَه الباص..
- وقبل ذلك، كان يقفُ على أربعٍ فوق الرصيف، ويهذي بكلام غريب.. لاشكَّ أنَّه مجنون..
بين يَدَي الشرطي، كان المصابُ يتنفسُ بصعوبة.. ثم ما لبثَ أنْ رفعَ يدَه إلى الشرطي طالباً منه أنْ يساعده على الجلوس.. ولما رأى عينيه تتجهان إلى يدِه الممدودة، تَوَهَّمَ أنَّ منظرَها الغريب، بَعْدَ أنْ تَحَوَّلَتْ إلى حافر، هو ما لَفَتَ انتباهَ الشرطي، فسارعَ إلى إخفائها، بحركة لا شعورية، خلف ظهره...
أحدُ الواقفين لصديقه: انظرْ إليه كيف يُخفِي كِلتا يديه خلف ظهره، وكأنَّه يخجلُ أنْ يراهما أحد!
اخترقَتْ كلماتُ ذلك الرجل أُذنَيه، وعندها خرجَ صوتُه ضعيفاً متقطعاً:
- أرجوكم لا تَسْخَروا منِّي، فما حَدَثَ لي لم يكن بإرادتي!
- لا تكذبْ، فأنتَ الذي وَقَفَ قَصْداً في وجه الباص... لقد رأيناكَ جميعاً وأنتَ تفعلُ ذلك..
ولم يَسْتَطِعْ الكلام، إلَّا أنَّه أشارَ للشرطي، مُوْمِئاً له بما يُؤَكِّدُ أنَّ ما يقوله الرجلُ صحيح، ثم، وبما يُشْبِه الهمْسَ، قال مخاطباً الشرطي:
- دَع السائقَ يذهب، فهو لا ذَنْبَ له.. أنا الذي أردْتُ الانتحارَ، بعد أن مُسِخْتُ حماراً!
قال له ذلك، فانطلقَ ضجيجُ الضحكِ الساخر من أفواه المتحلقين حوله. وفي هذه اللحظة، وهو بين الموت والحياة، لَمَحَ الرجلَ الذي كان يتبعُه ويُحادثُه، يَقِفُ على مَقْرُبَةٍ منه، ويبكي بصمت..
وللحظةٍ، خُيِّلَ إليه وكأنَّه ينظرُ إلى نفسه في مرآة، لكنْ حين رفعَ ذلك الرجل يديه بحركة، أرادَ أن يُفْهِمَه من خلالها أنَّه عاجزٌ عن مساعدته ومساعدة نفسه، ثم رآه يُدِيرُ له ظهرَه مُنْسَحِباً من الحشد بصمت، يُجَرْجِرُ خطواتٍ حزينة، أدركَ أنَّهما لم يَعُودَا شخصاً واحداً. وعند ذلك فقط، ارْتَسَمَتْ على شفتيه ابتسامةٌ غامضة، ثم أَقْفَلَ عينيه ليموت مرتاحاً....[/align]

دمشق في 1996/3/14 ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍



jQpQ,~EgQhj>>>!


نور الأدب (تعليقات الفيسبوك)
توقيع محمد توفيق الصواف
 لا عِلمَ لمن لا يقرأ، ولا موقفَ لمن لم يُبدِ رأيه بما قرأ.
فشكراً لمن قرأ لي، ثم أهدى إليّ أخطائي.
محمد توفيق الصواف غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05 / 11 / 2016, 00 : 03 AM   رقم المشاركة : [2]
محمد الصالح الجزائري
أديب وشاعر جزائري - رئيس الرابطة العالمية لشعراء نور الأدب وهيئة اللغة العربية -عضو الهيئة الإدارية ومشرف عام


 الصورة الرمزية محمد الصالح الجزائري
 





محمد الصالح الجزائري has a reputation beyond reputeمحمد الصالح الجزائري has a reputation beyond reputeمحمد الصالح الجزائري has a reputation beyond reputeمحمد الصالح الجزائري has a reputation beyond reputeمحمد الصالح الجزائري has a reputation beyond reputeمحمد الصالح الجزائري has a reputation beyond reputeمحمد الصالح الجزائري has a reputation beyond reputeمحمد الصالح الجزائري has a reputation beyond reputeمحمد الصالح الجزائري has a reputation beyond reputeمحمد الصالح الجزائري has a reputation beyond reputeمحمد الصالح الجزائري has a reputation beyond repute

بيانات موقعي

اصدار المنتدى: الجزائر

رد: تَحَوُّلَات...!

[align=justify]مرور وقراءة للاستمتاع ..ولي عودة إن شاء الله..
أدمنتُ حرفَك لا ضيقٌ ولا مللُ...سأعود حتما لكي ألقاك يا بطلُ!
شكرا لك أخي الأكبر الدكتور الصواف على استمرارك في النشر..محبتي التي تعرف..
[/align]
توقيع محمد الصالح الجزائري
 قال والدي ـ رحمه الله ـ : ( إذا لم تجد من تحب فلا تكره أحدا !)
محمد الصالح الجزائري غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 09 / 11 / 2016, 21 : 07 PM   رقم المشاركة : [3]
محمد توفيق الصواف
أديب وناقد - باحث متخصص في السياسة والأدب الإسرائيليين- قاص وأديب وناقد -أستاذ مادة اللغة العبرية - عضو الهيئة الإدارية في نور الأدب


 الصورة الرمزية محمد توفيق الصواف
 





محمد توفيق الصواف is just really niceمحمد توفيق الصواف is just really niceمحمد توفيق الصواف is just really niceمحمد توفيق الصواف is just really niceمحمد توفيق الصواف is just really nice

رد: تَحَوُّلَات...!

[align=justify]الشكر لك أخي محمد الصالح، على الاهتمام والمتابعة والتعليق، وأنا بنتظار المزيد..
ودمت لي أخاً صادقاً وصدوقاً..[/align]
توقيع محمد توفيق الصواف
 لا عِلمَ لمن لا يقرأ، ولا موقفَ لمن لم يُبدِ رأيه بما قرأ.
فشكراً لمن قرأ لي، ثم أهدى إليّ أخطائي.
محمد توفيق الصواف غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
تَحَوُّلَات...!


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 11 : 07 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2022, Jelsoft Enterprises Ltd.
Tranz By Almuhajir *:*:* تطوير ضيف المهاجر
Ads Organizer 3.0.3 by Analytics - Distance Education

الآراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الإدارة وتمثل رأي كاتبها فقط
جميع حقوق النشر والتوزيع محفوظة لمؤسسة نور الأدب والأديبة هدى نورالدين الخطيب © ®
لا يجوز نشر أو نسخ أي من المواد الواردة في الموقع دون إذن من الأديبة هدى الخطيب
مؤسسة نور الأدب مؤسسة دولية غير ربحية مرخصة وفقاً لقوانين المؤسسات الدولية غير الربحية

خدمة Rss ||  خدمة Rss2 || أرشيف المنتدى "خريطة المنتدى" || خريطة المنتدى للمواضيع || أقسام المنتدى

|