|
حين نتجاهل حتى لا يكبر فينا الألم.... د. نوال بكيز
نتجاهل لأن القلب يخاف أن يكسر ما لا يجبر.
نتجاهل لأن الفؤاد يخشى أن يفقد ما لا يعوض.
نختار الصمت لأن الكلمات تجرح أكثر مما تصلح.
نتغافل دائما كي ننسحب، و نقترب في صمت، فليس كل ما يقال يستحق منا الرد.
الصمت في كذا موقف أبلغ من الكلام، مادام كسب الود أولى من الجفا و الهجر.
نتغافل لننقذ قلوبنا من تفاصيل متعبة.
نغمض عيوننا عن الزلل، فبعض العتاب لا يحتمل.
نتجاهل ليس لأن إحساسنا مات، بل لأننا نروي حكاية حب، خشي الإنكسار فاحتمل.
نتغافل ليس ضعفا، و لكن وعيا بقيمة العلاقة، و حتى لا يكبر فينا الألم.
فليس كل تجاهل هروبا، بل شجاعة.
وليس كل تغاضي قسوة، بل حكمة.
وليس كل تغافل موت، بل حياة.
وليس كل صمت ضعفا، بل قوة.
نتجاهل التفاصيل الصغيرة، ليس لأننا لا نراها،
بل لأننا نراها بوضوح يؤلم.
فالحب لا يقاس بعدد الملاحظات، وإنما بقدرتنا على التسامح.
هنا يصبح التجاهل فعل وعي لا غفلة.
هو فلسفة القلوب التي تعلمت، أن دوام العلاقة أسمى من إرضاء الأنا.
فالحب الصادق لا يحصي الزلات، بل يحصي اللحظات، التي تستحق أن تبقى في القلب خالدة قبل الوجد.
متغافلا عن كل ما يحول دون الدوام، دون الإستمرارية.
بالتالي لا يمكن للتجاهل أن يكون بأي حال، نقيضا للفهم، بل لا غرو، هو احدى درجاته إن لم نقل أعلى مقاماته.
فأنى للصدام الدائم أن ينتج حقيقة؟!! و أنى للإلحاح على كل تفصيل أن يبني علاقة؟!!
أكيد، لا يمكنهما إلا أن يهدما، ما بني بصبر طويل.
إذن، فالتجاهل لا يمكن أن يكون إلا اعترافا ضمنيا، على أنه لا أحد قادر على حمل الحقيقة، أو تصحيح عيوب أو كذا أخطاء.
هنا يصبح التغاضي حكمة وجودية، تغدو فيها العلاقة، ليست حالة إثبات، بل مساحة تعايش، يصبح فيها ما لا يقال، ملاذا لحفظ ما قد لا يعوض.
فالتغاضي ليس إلغاء للآخر، بقدر ماهو اعتراف به، كما هو، ناقصا، هشا، قابلا للخطأ.
فمن يقبل النقص، يؤمن بأن الكمال وهم، و أن الثبات والاستمرار هوفعل شجاعة، لا فعل إنكار.
بالتالي، ليس الصمت فراغا بل هو لحظة امتلاء، حين تعجز اللغةو يقصر الكلام.
نعم، سنستمر، لأننا اخترنا الجوهر، و تركنا الهامش ليذوب مع الزمن.(( أما الزبد فيذهب جفاء و أما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض)) صدق الله العظيم.
نور الأدب (تعليقات الفيسبوك)
|