|
حين يجعل القلب الهوى فوق البر... د. نوال بكيز
كان مساء هادئًا إلا من صوت أنفاس امرأة أثقل المرض جسدها، وأوهنت السنين ركبتيها. وقفت الأم عند أسفل الدرج، ونظرت إلى الأعلى حيث يوجد ابنها. لم يكن بينهما سوى بضع درجات، لكنها بدت لها يومئذٍ أطول من طريق عمرها كله.
أمسكت الدرابزين بيد مرتجفة، وصعدت الدرجة الأولى. شعرت بألمٍ في ركبتيها، لكنها واصلت الصعود. لم تكن تصعد لتطلب مالًا، ولا حاجةً من حوائج الدنيا، بل كانت تصعد لتطفئ نار خصامٍ أشعلها ابنها منذ عشرة أيام.
كل ما في الأمر أنها قالت كلمة حق لم توافق هوى ابنها المراهق. نصحته كما ينصح الآباء أبناءهم، وخافت عليه كما يخاف القلب على نبضه. لكن الإبن رأى في النصيحة إهانة، وفي الصدق تعديًا على رأيه، فأدار ظهره لأمه وأغلق باب المودة.
وصلت الأم إلى منتصف الدرج، فتوقفت لتلتقط أنفاسها. تذكرت يوم كانت تحمله ابنا صغيرًا على كتفيها، تصعد به الدرج نفسه وهو يضحك. يومها كانت الخطوات خفيفة، أما اليوم فقد صارت ثقيلة كأنها تحمل ثقل سنوات العمر كلها.
تابعت الصعود بصعوبة حتى بلغت الطابق الثاني. قصدت غرفته، طرقت الباب برفق.
فتح الإبن الباب، ونظر إلى أمه في صمت.
رأى وجهًا أنهكه المرض، وركبتين لم تعودا تقويان على حمل صاحبتهما، لكن قلبه بقي أسير غضبه.
قالت الأم بصوت خافت:
"يا بني، جئت لأقول لك: لا أريد أن يبقى بيننا هذا الجفاء. إن كنت قد آذيتك بكلمة فسامحني، فما أردت إلا الخير و الاصلاح."
ساد الصمت.
انتظرت الأم كلمةً تطيب خاطرها، أو نظرةً تعيد إليها ابنها الذي عرفته. لكنها لم تجد إلا وجهًا جامدًا، وقلبًا أغلق أبوابه.
قال الإبن ببرود:
"لقد قلت ما عندك، وأنا ما زلت على موقفي."
شعرت الأم أن التعب الذي في قلبها أشد من التعب الذي في ركبتيها. لم تجادله، ولم ترفع صوتها. اكتفت بنظرة حزينة، ثم استدارت عائدًة.
نزلت الدرج ببطء أشد مما صعدته. كانت كل درجة تحمل خيبةً جديدة. لم تكن تبكي لأن ابنها خالفها الرأي، فالاختلاف سنة بين الناس، لكنها كانت تبكي لأن الابن جعل من الاختلاف قطيعة، ومن النصيحة عداوة.
تعجبت : "أأم ربّته بيدٍ بيضاءَ حانيةٍ و أفنت الليالي في رعايته
إذا خالفَ رأييها شهوته أقام عليها محاكم التجريحِ والهجرِ؟؟!!..
فوا حسرتاهُ على قلبِ أم
يذوبُ شوقًا على ابن في غفلةِ الحجرِ.
حينها فقط عرفت أن عقوقُ الأبناء ليس فقط في رفع الصوت، بل في قلبٍ أغلق أبوابه أمام النصح ، وجعل الهوى فوق البرّ.
وعندما بلغت أسفل الدرج، رفعت رأسها إلى السماء وقالت:
"اللهم إني ما أردت له إلا الخير ، فاللهم اهدِ قلبه، وردّه إلى الحق ردًا جميلًا."
ومضت الأيام، وبقي مشهد الأم وهي تصعد الدرج مريضًة تطلب الصفح من ابنها شاهدًا على أن بعض الجراح لا يصنعها الأعداء، بل تصنعها القلوب حين يغلبها الهوى ويغيب عنها الوفاء. ما أشدّ مرارة الأم حين يتحول صوتها الناصح إلى متهم، وقلبها المشفق إلى خصم في عيون أبناء ينسون أن الأشجارٌ العظيمة، وإن يبست أغصانها يومًا بقي فضل ظلّها عليهم مدى العمر.
.
نور الأدب (تعليقات الفيسبوك)
|