التسجيل قائمة الأعضاء اجعل كافة الأقسام مقروءة



 
إطلاق مسابقة نور الأدب 2020 للشعر موضوعها: " صفقة القرن "
عدد مرات النقر : 447
عدد  مرات الظهور : 2,950,587

اهداءات نور الأدب

العودة   منتديات نور الأدب > مـرافئ الأدب > قال الراوي > الـقصـة القصيرة وق.ق.ج.
إضافة رد
 
أدوات الموضوع
قديم 31 / 01 / 2008, 37 : 06 PM   رقم المشاركة : [1]
عنايت بازرباشي
ضيف
 


رجال في الشمس


رجال في الشمس
غسان كنفاني - فلسطين
رجال الشمساقتحم أبو الخيزران الغرفة الأخرى وهو يحدق إلى ساعته. كانت تشير إلى الثانية عشرة إلا ربعا. توقيع الأوراق الأخرى لم يستغرق أكثر من دقيقة. وحين صفق وراءه الباب، لسعه القيظ من جديد، ولكنه لم يهتم بالأمر، وقفز الدرج العريض مثنى مثنى حتى صار أمام سيارته.
حدق إلى الخزان لحظة وخيل إليه أن حديده على وشك أن ينصهر تحت تلك الشمس الرهيبة. استجاب المحرك لأول ضغطة، وطوى الباب في لحظة دون أن يلوح للحارس.
الطريق الآن معبدة تماما وأمامه دقيقة أو دقيقة ونصف ليتجاوز أول منعطف يحجبه عن مركز المطلاع. لقد اضطر إلى تخفيف السرعة قليلا حين التقى سيارة شحن كبيرة، ثم عاد فأطلق لسيارته كل العنان الممكن. وحين وصل إلى المنعطف، صفرت العجلات صفيرا متواصلا كأنه النواح، وكادت أن تمس الرصيف الرملي وهي تقوم بدورتها الشيطانية الواسعة.
لم يكن في رأسه أي شيء سوى الرعب، وخيل إليه أنه على وشك أن يقع فوق مقوده مغميا عليه: كان المقود ساخنا، وكان يحسه يحرق كفيه الخشنين ولكنه لم يخفف من تمسكه به. كان المقعد الجلدي يلتهب تحته، وكان زجاج الواجهة مغبرا يتوهج ببريق الشمس.
أزيز عريض ترسله العجلات كأنها تسلخ الإسفلت سلخا من تحتها. أكان من الضروري أن تتفلسف يا أبا باقر؟ أكان من الضروري أن تقيء كل قاذوراتك على وجهي وعلى وجوههم؟ يا لعنة الإله العلي القدير عليك! يا لعنة الإله الذي لا يوجد قط في أي مكان تنصب عليه يا أبا باقر! وعليك يا حاج رضا يا كذاب! راقصة؟ كوكب؟ يا لعنة الله عليكم كلكم!
أوقف السيارة بعنف وتسلق فوق العجل إلى سطح الخزان. وحين لامست كفاه السطح الحديدي أحس بهما تحترقان، ولم يستطع أن يبقيهما هناك فسحبهما واتكأ بكميه –عند الكوعين– فوق حديد السطح، ثم زحف إلى القفل المضلع، وأمسكه بطرف قميصه الأزرق ودورّه فانفتح مقرقعا، واستوى القرص الحديدي الصدئ مستقيما فوق مفصله.
حين ترك القرص لمح عقارب الساعة الملتفة على زنده: كانت تشير إلى الثانية عشرة إلا تسع دقائق، وكان زجاجها المدور قد تشقق شقوقا مضلعة صغيرة.
الفوهة المفتوحة بقيت تخفق بالفراغ لحظة. كان وجه أبي الخيزران مشدودا إليها متشنجا، وشفته السفلى ترتجف باللهاث والرعب. سقطت نقطة عرق عن جبينه إلى سطح الخزان الحديدي، وما لبثت أن جفت. وضع كفيه على ركبتيه وقوس ظهره حتى صار وجهه فوق الفوهة السوداء وصاح بصوت خشبي يابس:
"أسعد."
دوّى الصدى داخل الخزان فكاد أن يثقب أذنيه وهو يرتد إليه، وقبل أن تتلاشى دوامة الهدير التي خلقها نداءه الأول صاح مرة أخرى:
"يا هوه."
وضع كفين صلبتين فوق حافة الفوهة واعتمد على ذراعيه القويتين ثم انزلق إلى داخل الخزان. كان الظلام شديدا في الداخل حتى أنه لم يستطع أن يرى شيئا بادئ الأمر. وحين نحى جسده بعيدا عن الفوهة سقطت دائرة ضوء صفراء إلى القاع وأضاءت صدراً يملؤه شعر رمادي كث أخذ يلتمع متوهجا بألم مطلي بالقصدير.
انحنى أبو الخيزران ووضع أذنه فوق الشعر الرمادي المبتل. كان الجسد باردا وصامتا. مد يده وتحسس طريقه إلى ركن الخزان. كان الجسد الآخر ما زال متمسكا بالعارضة الحديدية.
حاول أن يهتدي إلى الرأس فلم يستطع أن يتحسس إلا الكتفين المبتلين، ثم تبين الرأس منحدراً إلى الصدر. وحين لامست كفه الوجه، سقطت في فم مفتوح على وسعه.
أحس أبو الخيزران أنه على وشك أن يختنق، كان جسده قد بدأ ينزف عرقا بشكل مريع حتى بات يشعر أنه مدهون بالزيت الثقيل. ولم يدر أهو يرتجف بسبب إطباق هذا الزيت على صدره وظهره، أم بسبب الرعب؟
تحسس طريقه منحنيا إلى الفوهة، وحين أخرج رأسه منها لم يدر لماذا سقطت في ذهنه صورة وجه مروان دون أن تبرح. لقد أحس بالوجه يلبسه من الداخل مثل صورة ترتجف على حائط فأخذ يهز رأسه بعنف وهو ينسل من الفوهة فتحرق رأسه شمس لا ترحم.
وقف هنيهة يتنشق هواء جديدا. لم يكن ليستطيع أن يفكر بأي شيء. كان وجه مروان يطغى في رأسه مثل نبعة انبثقت هادرة من الأرض، شامخة إلى علو رهيب.
وحين وصل إلى كرسيه تذكر أبا قيس. كان قميصه ما زال موضوعا على المقعد إلى جانبه، فتناوله بأصابعه الطويلة وقذف به بعيدا. دوّر محرك سيارته فبدأ يهدر من جديد، ومضت السيارة تدرج فوق المنحدر ببطء وجبروت.
التفت وراءه، عبر النافذة المشبكة الصغيرة، فشاهد القرص الحديدي مفتوحا مستويا فوق مفصله يأكل باطنه الصدأ. وفجأة غاب القرص الحديدي وراء نقاط من الماء المالح ملأت عينيه. كان الصداع يتآكله وكان يحس بالدوار إلى حد لم يعرف فيه: هل كانت هذه النقاط المالحة دموعا؟ أم عرقا نزفه جبينه الملتهب؟
قاد أبو الخيزران سيارته الكبيرة حين هبط الليل متجها إلى خارج المدينة النائمة. كانت الأضواء الشاحبة ترتعش على طول الطريق، وكان يعرف أن هذه الأعمدة التي تنسحب أمام شباك سيارته سوف تنتهي بعد قليل حينما يغرق في البعد عن المدينة، وسوف يعم الظلام، فالليلة لا قمر فيها، وأطراف الصحراء ستكون صامتة كالموت.
انحرف بسيارته عن الطريق الإسفلتي، ومضى يتدرج في طريق رملي إلى داخل الصحراء . لقد قر قراره منذ الظهيرة على أن يدفنهم واحدا واحدا في ثلاثة قبور. أما الآن فإنه يحس بالتعب يتآكله، فكأن ذراعيه قد حقنتا بمخدر: لا طاقة له على العمل، ولن يكون بوسعه أن يحمل الرفش ساعات طويلة ليحفر ثلاثة قبور.
قبل أن يتجه إلى سيارته ويخرجها من كاراج الحاج رضا قال في ذات نفسه إنه لن يدفنهم، بل سيلقى بالأجساد الثلاثة في الصحراء ويكر عائدا إلى بيته. الآن لم تعجبه الفكرة. لا يروقه أن تذوب أجساد الرفاق في الصحراء ثم تكون نهبا للجوارح والحيوانات. ثم لا يبقى منها بعد أيام إلا هياكل بيضاء ملقاة فوق الرمل.
درجت السيارة بصوت هزيل فوق الطريق الرملي، ومضى هو يفكر. لم يكن يفكر بالمعنى الصحيح. كانت أشرطة من مشاهد مقطعة تمر في جبينه بلا أي توقف أو ترابط أو تفسير. وكان يشعر بإرهاق مر يتسرب في عظامه كقوافل مستقيمة من النمل.
هبت نسمة ريح فحملت إلى أنفه رائحة نتنة. قال في ذات نفسه:
"هنا تكّوم البلدية القمامة."
ثم فكر:
"لو ألقيت الأجساد هنا لاكتشفت في الصباح، ولدفنت بإشراف الحكومة."
دوّر مقود سيارته وتتبع آثار عجلات عديدة حفرت طريقها قبله في الرمل، ثم أطفأ فانوسي سيارته الكبيرتين وسار متمهلا على ضوء الفانوسين الصغيرين.
حين لاحت أمامه أكوام القمامة سوداء عالية أطفأ الفانوسين الصغيرين. كانت الرائحة النتنة قد ملأت الجو حواليه، ولكنه ما لبث أن اعتادها. ثم أوقف سيارته وهبط.
وقف أبو الخيزران إلى جانب سيارته لحيظات ليتأكد من أن أحدا لا يشاهده، ثم صعد ظهر الخزان: كان بردا رطبا. دوّر القفل المضلع ببطء، ثم شد القرص الحديدي إلى فوق فقرقع بصوت متقطع.
اعتمد ذراعيه وانزلق إلى الداخل بخفة : كانت الجثة الأولى باردة صلبة، ألقى بها فوق كتفيه، أخرج الرأس أولا من الفوهة ثم رفع الجثة من الساقين وقذفها إلى فوق، وسمع صوتها الكثيف يتدحرج فوق حافة الخزان، ثم صوت ارتطامها المخنوق على الرمل.
لقد لاقى صعوبة جمة في فك يدي الجثة الأخرى عن العارضة الحديدية، ثم سحبها من رجليها إلى الفوهة وقذفها من فوق كتفيه: مستقيمة متشنجة، وسمع صوت ارتطامها بالأرض. أما الجثة الثالثة فقد كانت أسهل من أختيها.

قفز إلى الخارج وأغلق الفوهة ببطء، ثم هبط السلم إلى الأرض. كان الظلام كثيفا مطبقا، وأحس بالارتياح لأن ذلك سوف يوفر عليه رؤية الوجوه.
جر الجثث -واحدة واحدة- من إقدامها وألقاها على رأس الطريق، حيث تقف سيارات البلدية عادة لإلقاء قمامتها كي تتيسر فرصة رؤيتها لأول سائق قادم في الصباح الباكر.
صعد إلى مقعده ودوّر المحرك، ثم كر عائدا إلى الوراء ببطء محاولاً قدر الإمكان أن يخلط آثار عجلات سيارته بالآثار الأخرى. كان قد اعتزم أن يعود إلى الشارع الرئيسي بذلك الشكل الخلفي حتى يشوش الأثر تماما. ولكنه ما لبث أن تنبه إلى أمر ما بعد أن قطع شوطا، فأطفأ محرك سيارته من جديد وعاد يسير إلى حيث ترك الجثث، فأخرج النقود من جيوبها، وانتزع ساعة مروان وعاد أدراجه إلى السيارة ماشيا على حافتي حذائه.
حين وصل إلى باب السيارة ورفع ساقا إلى فوق، تفجرت فكرة مفاجئة في رأسه. بقي واقفا متشنجا في مكانه محاولاً أن يفعل شيئا، أو يقول شيئا. فكر أن يصيح، إلا أنه ما لبث أن أحس بغباء الفكرة. حاول أن يكمل صعوده إلى السيارة إلا أنه لم يشعر بالقوة الكافية ليفعل. لقد شعر بأن رأسه على وشك أن تنفجر، وصعد كل التعب الذي كان يحسه فجأة، إلى رأسه وأخذ يطن فيه حتى أنه احتواه بين كفيه وبدأ يشد شعره ليزيح الفكرة. ولكنها كانت ما تزال هناك: كبيرة، داوية، ضخمة، لا تتزعزع ولا تتوارى.
التفت إلى الوراء، حيث ألقى بالجثث، إلا أنه لم ير شيئا، ولم تُجد النظرة تلك إلا بأن أوقدت الفكرة ضراما فبدأت تشتعل في رأسه. وفجأة لم يعد بوسعه أن يكبحها داخل رأسه أكثر، فأسقط يديه إلى جنبيه وحدق في العتمة وسع حدقتيه. انزلقت الفكرة من رأسه ثم تدحرجت على لسانه:
"لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟"
دار حول نفسه دورة، ولكنه خشي أن يقع، فصعّد الدرجة إلى مقعده وأسند رأسه فوق المقود:
"لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟ لماذا لم تقولوا؟ لماذا؟"
وفجأة بدأت الصحراء كلها ترد الصدى:
"لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟ لماذا لم تقرعوا جدران الخزان؟ لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟"

-----
مقطع من ختام رواية غسان كنفاني، رجال في الشمس (1963). الناشر: مؤسسة الأبحاث العربية: لبنان (2002).

منقول من عود الند


v[hg td hgals


نور الأدب (تعليقات الفيسبوك)
  رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
و غلبت الشمس علي كرامتي شعر التفعيلة 8 22 / 11 / 2014 34 : 03 PM
((رجال في الشمس )) للأديب الشهيد غسان كنفاني عبدالله الخطيب غسان كنفاني 14 08 / 07 / 2010 14 : 04 AM
الشمس رحمه الديك فضاءات الزاجل والنبطي والشعبي 2 16 / 06 / 2010 38 : 12 PM
الشمس حاتم الأيوبي القصة القصيرة جداً 4 07 / 04 / 2010 11 : 07 PM
الشمس طلعت سقيرق الشعر 2 03 / 05 / 2009 58 : 08 PM


الساعة الآن 05 : 01 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.
Tranz By Almuhajir *:*:* تطوير ضيف المهاجر
Ads Organizer 3.0.3 by Analytics - Distance Education

الآراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الإدارة وتمثل رأي كاتبها فقط
جميع حقوق النشر والتوزيع محفوظة لمؤسسة نور الأدب والأديبة هدى نورالدين الخطيب © ®
لا يجوز نشر أو نسخ أي من المواد الواردة في الموقع دون إذن من الأديبة هدى الخطيب
مؤسسة نور الأدب مؤسسة دولية غير ربحية مرخصة وفقاً لقوانين المؤسسات الدولية غير الربحية

خدمة Rss ||  خدمة Rss2 || أرشيف المنتدى "خريطة المنتدى" || خريطة المنتدى للمواضيع || أقسام المنتدى

|