أنت غير مسجل في منتديات نور الأدب . للتسجيل الرجاء إضغط هنـا
 
رفعتُ يديّ لربِّ السماء
بكيتُ وأجريتُ دمعَ الرجاء
بأن يجعلَ الله كلَّ فضائي
وعمري وروحي رؤايَ هوائي
زمانا من الحبّ دون انطفاء


اهداءات نور الأدب


آخر 10 مشاركات إرهاصات حب    <->    وطني ...!    <->    ها قد اكتشفت ...    <->    حكمة اليوم - ملف تعده يومياً مرمر يوسف    <->    رواية رجل من الماضي على حلقات    <->    تهنئتك تكفيني .. حبيبي !    <->    وطنيات    <->    رسائل إلى الأبد    <->    حين أكتب لك تصير قامة الورد أحلى    <->    قرأت لك نصا مختلفا ( مزيدا من التفاعل والاهتمام -لو تفضلتم- )    <->   
مواضيع ننصح بقراءتها أحوالنا بين الأمس واليوم /للشاعر غالب أحمد الغول      قراءة مقتضبة في رواية : سيرة حمار لحسن أوريد      وقفة وجدانية مع (قهوة الروح) للأديبة هدى نور الدين الخطيب      رسائل إلى الأبد      محطات جمالية في قصائد المبدع الشاعر طلعت سقيرق      أيلول الخواطر      قرأت لك نصا مختلفا ( مزيدا من التفاعل والاهتمام -لو تفضلتم- )      إرهاصات حب
   
 
العودة   منتديات نور الأدب > مـرافئ الأدب > قال الراوي > الـقصـة القصيرة وق.ق.ج. > ملف القصة / رشيد الميموني
التسجيل المنتديات موضوع جديددعوة الأصدقاء التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة
 
   

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
قديم 10 / 06 / 2018, 00 : 04 PM   المشاركة رقم: 1
المعلومات
الكاتب:
رشيد الميموني
اللقب:
مشرف عام - أديب وقاص ومترجم - أستاذ
الرتبة:

الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية رشيد الميموني

البيانات
التسجيل: 18 / 12 / 2007
العضوية: 13
المشاركات: 11,993 [+]
بمعدل : 2.80 يوميا
اخر زياره : [+]
الدولة: morocco
الاقامه : تطوان - المغرب
علم الدوله :  morocco
معدل التقييم: 14761
نقاط التقييم: 27671
رشيد الميموني has a reputation beyond reputeرشيد الميموني has a reputation beyond reputeرشيد الميموني has a reputation beyond reputeرشيد الميموني has a reputation beyond reputeرشيد الميموني has a reputation beyond reputeرشيد الميموني has a reputation beyond reputeرشيد الميموني has a reputation beyond reputeرشيد الميموني has a reputation beyond reputeرشيد الميموني has a reputation beyond reputeرشيد الميموني has a reputation beyond reputeرشيد الميموني has a reputation beyond repute
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
رشيد الميموني غير متصل
وسائل الإتصال:

المنتدى : ملف القصة / رشيد الميموني
مدن الأحزان


مدن الأحزان

الساعة تشير إلى السادسة إلا ربع . يسود الصمت القاعة الفسيحة بالطابق الثاني من الثانوية . صمت بارد كبرودة هذه القاعة حيث انهمك الطلبة في إنجاز آخر امتحان لهم قبل الانطلاق ومعانقة الحرية التي تمنحها لهم العطلة الصيفية . تجلس مريم في مؤخر القسم .. تراقب الرؤوس المنهمكة في الإجابة عن الأسئلة النظرية لمادة الفنون التشكيلية بعد أن أتم الطلبة الامتحان التطبيقي . رؤوس بعضها حليق بطريقة تثير اشمئزازها إلى درجة الغثيان . تراقب في امتعاض حزام السروال لدى البعض وقد نزل بطريقة فاضحة فتشيح بوجهها وتنظر من جديد إلى ساعتها ..
كم يثير أعصابها هذه الموجة من الميوعة التي طالت الذكور والإناث معا ، والأدهى من ذلك احتجاج بعض الأمهات وهن ينددن بتدخلها في شوؤن بناتهن بغير حق وهي تنتقد لباسهن الفاضح ..
ينقذها الجرس من محنة الانتظار والتوتر فتنهض وتجمع الأوراق مجيبة بإيماءة مقتضبة على تحية البعض .. ثم تخرج إلى قاعة الأساتذة لتوقع بعض المذكرات الخاصة بالمداولات ، قبل أن تخرج وتتجه إلى البيت .
مريم في العقد الرابع من عمرها .. متوسطة القامة .. جسمها ممتلئ في غير إفراط .. ملامحها تشي ببعض الصرامة رغم احتفاظها ببراءة طفولية تلفت الأنظار . جميلة القسمات بوجهها المستدير وأنفها الدقيق وشفتيها الممتلئتين قليلا . دمثة الخلق نقية السريرة كما يصفها بعض زملائها . تزوجت من زميل لها يدرس الرياضيات وأنجبت ولدا سمته أميرا . كانت دائمة الحلم بزوج شاعري يملأ دنياها بالقصائد والحكايات التي تعج بقصص الأمراء والأميرات .. فجاء أمير ليكون تعبيرا صارخا لما كانت تحلم به .
تتجه بخطى حثيثة نحو البيت وفي نيتها أخذ حمام دافئ يزيل عنها توتر يوم شاق ومرهق .. تعلم أن إفضاءها لزوجها بتوترها لن يكون ذا جدوى .. فقد تعودت منه تلك النظرة الباردة التي يحدجها بها كلما اشتكت له تصرفات الطلاب واستهتار بعض المدرسين إضافة إلى عدم حزم الإدارة في التعامل مع كل هذا . في كل مرة يهز كتفيه و لا يزيد عن كلمات قليلة مهونا عليها ذلك :
- وهل تنوين تغيير ما لا يمكن تغييره ؟
هكذا هو .. سلبي في كل شيء .. جافة تعابيره حتى في إبداء رأيه في لوحاتها .. تمنت لو انه جاملها بإبداء إعجابه بواحدة منها .. وتتذكر قول إحدى زميلاتها المقربات إليها :"لا أدري ما الذي جمع بينكما .. أنت في عالم وهو في عالم آخر .. " .. فتتنهد ولا تجد جوابا لسؤالها .
الاستحمام والجلوس إلى أمير كفيلان بجعلها تشعر ببعض الهدوء والراحة .. يراقبها زوجها في صمت ثم ينهض للخروج .. أزفت ساعة الالتحاق بشلته للعب "البارتشي" بمقهى الاتحاد المجاور لمسرح اسبانيول . تنظر إليه بسخرية وتتذكر إعراضه عن حضور بعض المعارض بالمركز الثقافي الاسباني المجاور للمسرح . ثم تتخيل أفراد شلته الذين لا يقلون عنه استهتارا بتلك المعارض التي تبدو لها قمة في الروعة وتعبيرا عما وصلت إليه الحضارة الانسانية من رقي .
تتأمل أمير وتأخذها سنة .. كيف السبيل لجعله أميرا حقا ؟ راقيا في كل تصرفاته وفي ذوقه .. تبتسم له حين ينظر إليها ببراءة فتدرك رغبته في أن تشاركه لهوه بسباق السيارات المنبثة على أرض الحجرة .. تشعر بالسعادة وهي تجثو على ركبتيها لتأخذ سيارة بين أصابعها وتمثل دور المتسابقة بصوت يحاكي محركها فيصيح في حبور :"سبقتك .. سبقتك .. أنا الأسرع .. أنا الأقوى .. " فتضمه إليها بحنان وتهمس في أذنيه :"هكذا أريدك حبيبي .. الأسرع والأقوى .." ثم تضيف وقد انسدل شعرها المبلل على كتفيها :"أريدك الأفضل .." .. وتأخذ بيديه إلى الغرفة المجاورة لتتأمل بعض لوحاتها بشغف .. ينظر أمير إلى بعض اللوحات وهي تراقبه باهتمام .. وتسأله :"كيف ترى هذه الرسوم ؟" فيجيبها بعفوية طفولية :
- ألوان هذه اللوحة جميلة .. تذكرني بالبحر والسماء .. متى نذهب ماما إلى شاطئ اسطيحة ؟
- عما قريب حبيبي .. العطلة ستبدأ بعد أيام ..
- ولكن لماذا هذه اللوحة سوداء ؟
ابتسمت وقالت :
- هل أخافتك ؟ .. إنه الليل .. والليل جميل .. ألا يعجبك وأنا اروي لك الحكايات الجميلة ؟
- لكني لا أرى نجوما و قمرا ..
تتنهد ثم تأخذه إلى حيث اللعب .. ثم تأخذ في تجفيف شعرها وترتيب بعض الأوراق الخاصة بالتنقيط .
مريم مدرسة كفؤة بشهادة الجميع .. رغم نفور الكثيرين منها لصرامتها في التعامل مع زملائها .. تحرص على أن تمثل مؤسستها أحسن تمثيل في جل المسابقات الفنية وتحصل على شهادات تقديرية وتهنئة المديرية الإقليمية .. لكنها لا تستسيغ كثرة المديح الذي يتحول أحيانا إلى شبه تملق ومجاملات البعض .. لهذا بقيت علاقتها محدودة حتى مع زميلاتها اللواتي فسرن إعراضها عن مشاركتهن الاجتماع كل أسبوع في ضيافة إحداهن بأنه تكبر وغرور. ولن تنسى نظرا ت الامتعاض والاستهجان وهي تلقي كلمة بمناسبة فوز المؤسسة بالجائزة الأولى للفنون ، دون أي كلمة شكر للمدير أو إشارة الى زملائها .. فقط اكتفت بالتعبير عن فرحتها بما أنجزه التلاميذ الذين يستحقون وحدهم الشكر والتقدير .
لن تنسى تلك الأمسية التي سلمها فيها المسؤول عن المديرية تمثالا نحاسيا للمؤسسة وهدايا خاصة بها .. لن تنسى كيف انفض الجمع دون أن يفكر أحد في مساعدتها على حمل الهدايا إلى خارج الثانوية لوضعها في سيارتها .. مدرس واحد اهتم بها وهو يهم بالخروج .. التفت نحوها وهي محاطة بالهدايا لا تدري كيف تحملها .. ثم اقبل نحوها مبتسما في اعتذار عن عدم انتباهه لها .. كان مدرسا جديدا لم تره إلا مرة او مرتين وهو خارج من القسم .. وأحيانا كان يرافقها في حراسة امتحان الباكالوريا .. لا يلج قاعة الأساتذة إلا لماما وخارج وقت الاستراحة حيث يتجمع الزملاء والزميلات . كان طويل القامة ، نحيف الجسد ، أزرق العينين . يميل شعره للشقرة مع لحية خفيفة نبتت هنا وهناك على ذقنه .. في عينيه ما يشي بحزن دفين ..
كان مدرسا للموسيقى .. التقت به من جديد حين استدعاها المدير لوضع برنامج للأسبوع الثقافي والفني للمؤسسة .. كان صامتا كعادته .. يراقب مداخلة الآخرين وهو يتحدثون في حماس عن العراقيل التي تعترض تنفيذ البرنامج .. وحين أعطاه المدير الكلمة لم يزد أن قال باقتضاب :
- سأعمل على تشكيل "كورال" لينشد بعض الأغاني .
ثم التفت الى مريم مبتسما :
- لعل سيدتي تسعفني ببعض لوحاتها لتشكل ديكورا للعرض .
فاجأها طلبه بقدر ما أسعدها .. لأول مرة يهتم احد بما تقدمه من أعمال تعتبرها قمة في التعبير الانساني . فأومأت برأسها إيجابا وهمست :"يشرفني ذلك أستاذ."
ويتدخل المدير مبتهجا بما لقيه من تجاوب بينهما ، بعد لحظات الإحباط وهو يستمع لشكاوى البعض :
- أنا أقترح أن تنجز لنا السيدة مريم لوحة تناسب الحفل الذي سيكون شعاره "التواصل والإنصات خير وسيلة للحد من العنف" ، وسيكون على أستاذنا الجليل اختيار الأغنيات المناسبة أيضا ."
انفض الجمع ووجدت مريم نفسها جنبا الى جنب مع أستاذ الموسيقى وهو يحدثها عن الموضوع قبل ان يتطرق إلى لوحاتها مبديا رأيا لا يخلو من إعجاب .. لكنها لمست منه نقدا صريحا بعيدا عن أية مجاملة .. حدثها عن طغيان اللون الأسود والرمادي في جل لوحاتها مما يعكس حسب رأيه حالة نفسية خاصة ..
- طبعا .. نفسيتي تغيرت منذ وفاة والدتي منذ أشهر .. كانت بالنسبة لي كل شيء .
هل تبوح له بكل شيء ؟ .. نظرت إليه فوجدت في عينه تساؤلا عن أسباب أخرى .. فلم تحر جوابا .
- على العموم أشكرك على رأيك الموضوعي في لوحاتي .. وسأعمل على إنجاز شيء يليق بأغنياتك ..
- لا تفرضي على نفسك أشياء لست مقتنعة بها .. كوني تلقائية في كل شيء ..
وهي في خلوتها وبين كتب الفن التشكيلي لكبار الرسامين ، يشرد ذهنها .. وتلتفت إلى أمير وهو يغط في نومه .. تراقب تنفسه بحنو .. وتتنهد حين تتذكر إلحاحه على والده في أن يحكي له حكاية .. فلم يلق منه قبولا لكونه لا يعرف ما سيحكيه له . ناداها وهي في المطبخ مستعينا بها كي "تخلصه" من إزعاج الصبي .
أمير صار أكثر إلحاحا وتمردا منذ توقف الدراسة بالروض .. فكان لزاما عليها اصطحابه إلى المؤسسة كي تدون النقط باللوائح .. هناك كان يلعب دور المدرس وينبه "التلاميذ" الجالسين قبالته بأن العقاب سيكون شديدا إن لم يجتهدوا .. فتضحك وتقول :
- على رسلك يا بني .. أليست هناك طريقة غير الوعيد والضرب ؟
فيجيبها مقطبا :
- هؤلاء يستحقون العقاب .
يمر مدرس الموسيقى ويلقي التحية فتبادله إياها .. يتوقف متأملا الصبي :"أهلا بالبطل.. ما اسمك ؟"
وحين يسود الصمت ولا يجيب الصبي متفاجئا بهذا الدخيل على حصته تجيب مريم :
- هذا أمير .. ابني .. مدرس كما ترى ..
يتصنع المدرس الجد فيقول :
- آه .. أتمنى أن يكون تلاميذه في المستوى .. لأني أعاني من كسل البعض ..
وينطق أمير لأول مرة :
- شفت ..ماما .. ألم اقل لك أنهم يستحقون العقاب ؟
- امممم .. – يحك المدرس جبهته مبديا اهتمامه - ربما هناك طريقة أخرى لكي ينتبهوا أكثر ..
ثم يلتفت نحوها متسائلا :
- ممكن آخذه معي لحظات ؟
- طبعا .. أمير .. هل تريد مرافقة الأستاذ إلى قسمه ؟
يقبل الصبي متشجعا بموافقة والدته ويرافق مدرس الموسيقى بينما تعلو شفتيها ابتسامة رضا .
بعد لحظات يعود أمير منبهرا وهو يلهث :
- ماما .. ماما .. لقد عزفت على البيانو .. أريد أن أكون مدرس موسيقى .. أرجوك ..
فتغرق مريم في الضحك وتقول :
- مهلا مهلا صغيري .. عليك أن تدرس أولا وتتفوق ..
ويتدخل المدرس :
- سيكون ذا شأن .. حبه للموسيقى سيساعده .
- لو سمعك أبوه الآن لأوسعك كلاما لن يرضيك .. يريده عالما في الرياضيات ..
- وما المانع ؟ .. عالم رياضيات وموسيقي ..
يتحمس الصبي فيلتصق بأمه متوسلا :
- ستشترين لي بيانو ماما .. أليس كذلك ؟
وتلتفت مريم الى المدرس في عتاب وهو يهم بمغادرة القاعة :
- أرأيت ؟ .. كيف سأنجو منه الآن .. أصبته بعدوى الموسيقى ..
- آسف .. لكن قابليته لذلك هي السبب .. أنا فقط حركت فيه ما كان مدفونا في أعماقه ..
- فلسفة موسيقية ؟
ضحك ثم حياها وانصرف .
جلست مريم برهة تتأمل الأوراق والنقط .. بجانبها أمير يتابع تقمصه للمدرس مواصلا وعيده وأوامره .."انتبه أنت .. أين واجبك المنزلي ؟ مد يدك .. في المرة المقبلة سأضربك اكثر .." .. يااه .. ألم يتعلم غير الضرب والوعيد ؟
تلملم أوراقها وتنهض لتكمل ما تبقى من إدخال النقط في المنزل .. تنادي أمير وهو يتنقل بين الصفوف وتخرج .. تبدو لها الطريق محفوفة بالأشجار المورقة وقد تمايلت مترنمة بلحن شجي .
وحين تخلو لنفسها لتتأمل في صمت لوحاتها .. تتملكها رغبة في رسم شيء ما لا تدري كنهه .. فقط تريد ان ترسم وتطلق العنان لريشتها . يتردد صدى في أعماقها " لا تفرضي على نفسك أشياء لست مقتنعة بها .. كوني تلقائية في كل شيء .." .. فتهيم في عالم الألوان غير عابئة بمرور الوقت ولا تنتبه إلى دخول زوجها واستلقائه منتظرا لوجبة الغذاء .
اللوحة تشرف على النهاية .. لكن مريم لا تريد إنهاءها .. تعيشها بكل كيانها .. تمتزج بألوانها وتغوص في أسرارها .. وحين تكملها تتنفس الصعداء متحسرة على اللحظات التي عاشتها بين أحضانها .. وحين تعرضها على المدير وبعض الزملاء تلحظ كالعادة إعجابا محتشما من هذا ومبالغا فيه من ذاك وحماسا من تلك .. قال لها المدير :
- عمل ولا شك رائع .. لكي رأيي أنها تحتاج للمسة وطنية تغرس في التلاميذ حب الوطن ..
كانت متأكدة من أنه لن يفهم شيئا .. وأن الآخرين مثله لن يبالوا بما تحويه من رسائل .. مدرس الموسيقى يعبر من جديد ، كما توقعت ، وبأسلوبه الخاص عن إعجابه . لم يقل شيئا . نظر إليها برهة ، فقرأت في عينيه أشياء اختزلت كل ما حوته لوحتها . فهم كل ما سكبته فيها . هز رأسه مشجعا .. كانت إشارته كافية لتشعرها بالرضا التام .. هكذا تعودت منه .. قليل الكلام .. يعبر بصمت عن إعجابه أو نفوره .. حتى مواقفه أو أحاسيسه لا يبوح بها ، وإن فعل ، فبكلمات قليلة جدا . يشبه الموسيقى التي تنبعث أحيانا من قسمه . صامتة لكنها تقول أشياء كثيرة لا يفقهها إلا من تمعنت أذناه نغماتها . كم يحلو لها التوقف عن تصحيح واجبات طلابها لتقف عند الباب وتصغي بكل كيانها إلى عزف أنامله على البيانو . وكم يسعدها استشارته لها في بعض مؤلفاته لتعطيه رأيها فيها .. كم كان يعبر جيدا عن حالة حزنه البادية جليا في عينيه حين يعزف :
أدخلني حبك سيدتي مدن الأحزان
وأنا من قبلك لم ادخل مدن الأحزان
لم أعرف أبدا أن الدمع هو الإنسان
أن الإنسان بلا حزن ذكرى إنسان
تشعر بالندم على عرض لوحتها على الآخرين وتحس كأنها اغتصبت عذرية لوحتها .. كان عليها ان تحتفظ بها لنفسها .. ولم لا له أيضا ؟.. تعود بها من جديد موهمة المدير بأنها سوف تدخل عليها تعديلات .. لن يراها بعد الآن .. ولن يراها أحد سواهما .. وسوف تنتظر الموسم المقبل بكل لهفة لتطلعه على ما رسمته أثناء العطلة الصيفية التي تتراءى لها زاهية الألوان وهي تذرع الشاطئ صحبة أسرتها الصغيرة ..
اليوم الأخير .. يوم توقيع المحضر .. تتبادل تحية الوداع مع كل الزملاء والزميلات .. ويحييها المدير رغم نبرة العتاب عن إحجامها عن تقديم لوحتها أثناء الأسبوع الثقافي .. تلتفت بحثا عنه .. فيجيئها صوت المدير كنعيق بوم :
- على فكرة .. مدرس الموسيقى أخطأ حين لم يدرج أناشيد اقترحتها عليه .. لم أعاتبه لأني لا أريد أن أنغص عليه فرحته بالانتقال ..
- انتقل ؟.. - تشعر كأن صوتها عبارة عن صدى لنحيب صامت – إلى أين ؟
- إلى قرية بناحية الشاون .. فضل البادية على المدينة .. يا للسخرية .
حين تلتقيه وهي تغادر المؤسسة .. تصافحه مازحة :
- أهكذا تغادرنا ؟.. وأمير يسأل عنك مرارا كي تعلمه الموسيقى ؟
يحس بعتاب ممزوج بالألم ..
- كان لا بد لي أن أبتعد عن المدينة .. أحس فيها باختناق .. لكن ..
- لكن ماذا ؟ .. هل هو هروب من شيء ما ؟
يسود الصمت لحظات قبل أن يجيب ..
- أشعر بأني خذلت أميري .. ولولا أني وضعت طلبا للانتقال قبل أن نتعارف لتراجعت عنه ..
- على كل حال أتمنى لك التوفيق ..
- وأنا أيضا .. على فكرة .. أجمل ما في لوحتك الأخيرة أنها تجردت من ذلك السواد الذي لازم غيرها من لوحاتك ..
ترتسم على شفتيها ابتسامة لا معنى لها .. وتهمس :
- من يدري ..؟ لعلها ألوان زاهية تخفي سوادا لا يلبث أن يطغى عليها من جديد ..
يعود الصمت من جديد قبل ان تنتفض وتشيح بوجهها كأنها تطرد عن ذهنها أفكارا :
- إن قبلتها .. هي هدية مني إليك .. هي في سيارتي الآن .
- طبعا أقبلها بكل امتنان .. خذي .. أنا أيضا كنت أعددت لك هدية شكرا مني على دعمك وتشجيعك .. وهذه لأمير ..
تنظر إلى مجسم قيثارة من نحاس ومجموعة من الأقراص المدمجة الخاصة بأغاني الأطفال ، فتصافحه للمرة الأخيرة مغمغمة في ارتباك :
- رائعة جدا .. شكرا لك .
للمزيد من مواضيعي

 

الموضوع الأصلي : مدن الأحزان     -||-     المصدر : منتديات نور الأدب     -||-     الكاتب : رشيد الميموني



l]k hgHp.hk hgH[.hx


نور الأدب












التعديل الأخير تم بواسطة رشيد الميموني ; 11 / 06 / 2018 الساعة 57 : 08 PM
عرض البوم صور رشيد الميموني   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
الأجزاء

*=== (( ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد )) ===*

الرسالة:
خيارات



الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
نص في الميزان عبد الحافظ بخيت متولى الـميـزان 8 28 / 11 / 2017 41 : 01 AM
الميزان ......... فهيم رياض أمثال - دبابيس- طرائف 2 28 / 11 / 2016 26 : 01 PM
الأم في الميزان د. محمد رأفت عثمان نورالأسرة، التربية والتعليم وقضايا المجتمع والسلوك 1 20 / 03 / 2016 51 : 10 AM
خريف الأحزان ندى الريف جمهورية الأدباء العرب 37 08 / 07 / 2010 44 : 01 AM


Powered by vBulletin® Version 3.8.6, Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir

 دعم وتطوير : النوفي هوست

______________ الآراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الإدارة وتمثل رأي كاتبها فقط ______________ جميع حقوق النشر والتوزيع محفوظة لمؤسسة نور الأدب والأديبة هدى نورالدين الخطيب © ®
______ لا يجوز نشر أو نسخ أي من المواد الواردة في الموقع دون إذن من الأديبة هدى الخطيب _____ ___مؤسسة نور الأدب مؤسسة دولية غير ربحية مرخصة وفقاً لقوانين المؤسسات الدولية غير الربحية__

خدمة Rss ||  خدمة Rss2 || أرشيف المنتدى "خريطة المنتدى" || خريطة المنتدى للمواضيع || أقسام المنتدى

|