التسجيل قائمة الأعضاء اجعل كافة الأقسام مقروءة



 
إطلاق مسابقة نور الأدب 2020 للشعر موضوعها: " صفقة القرن "
عدد مرات النقر : 438
عدد  مرات الظهور : 2,917,395

اهداءات نور الأدب

العودة   منتديات نور الأدب > جمهوريات نور الأدب... > جمهوريات الأدباء الخاصة > مدينة د. منذر أبو شعر
مدينة د. منذر أبو شعر خاصة بكتابات وإبداعات الدكتور منذر أبو شعر

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
قديم 28 / 03 / 2020, 45 : 03 PM   رقم المشاركة : [1]
د. منذر أبوشعر
محقق، مؤلف، أديب وقاص

 الصورة الرمزية د. منذر أبوشعر
 





د. منذر أبوشعر has a reputation beyond reputeد. منذر أبوشعر has a reputation beyond reputeد. منذر أبوشعر has a reputation beyond reputeد. منذر أبوشعر has a reputation beyond reputeد. منذر أبوشعر has a reputation beyond reputeد. منذر أبوشعر has a reputation beyond reputeد. منذر أبوشعر has a reputation beyond reputeد. منذر أبوشعر has a reputation beyond reputeد. منذر أبوشعر has a reputation beyond reputeد. منذر أبوشعر has a reputation beyond reputeد. منذر أبوشعر has a reputation beyond repute

بيانات موقعي

اصدار المنتدى: سوريا

حكايات شيخي


حكايات شيخي

أحياناً نتمنى أن تكون أحلامنا حقيقة؛ وأحياناً نتمنى لو كانت حقيقتنا حلماً. بعض الأماكن تمر بها فتشم رائحة ماضيك، كأنها تعيد الزمن إليك بطقوسه، وساعاته، وذكرياته.. مع أناس قاسموك يوماً كل شيء، حتى أنفاسك. لكن يبقى موجعاً أن تتحدث، فتتغير نبرة صوتك فجأة، كأن دموعك تتحداك تقول لك: إمَّا أن تصمت، أو أفضحك !
** ** **
كان الشيخ أبو الفتوح عهد السلام في السبعين من العمر، وربما كان أكبر قليلاً. فارع الطول، ضاوي الجسم، بوجهٍ أليف، ذو لحية كثة هَجعتْ على خدين أسمرين شابتْ أعلاهما حمرةٌ قانية. وكانت تطالعك وقتما تراه هالة نور على جبين عريض، بعينين صقرين، وأجفان متهدلة، سكنتهما وقدة ذكاء. وكان احديداب خفيف يعلو أعلى قامته. ويرتدي جلابية ناصعة البياض؛ ومن عطفيه يفوح بخور أسطوري؛ ويتكئ على عكاز أبنوس أكلتها السنون، قد يعبث بها بين يديه أثناء جلوسه، بأصابع معروقة ناحلة، ترتجف قليلاً وقت احتدام الكلام، بصوت واضح فيه عزم شباب وشبه انكسار رقيق. وكان أميل للهدوء والصمت والتأمل. يقطن في زاوية صغيرة، في جادة الشيخ خالد في الشيخ محيي الدين بدمشق، فتنزف للوصول إليه وقتاً وعرق جهد كبيرين. وحين عرفته كنت في وقدة الشباب، في الخامسة والعشرين: إلى الطول أقرب، بوجه مستطيل أبيض، وشعر أملس فاحم، وعزة نفس اكتسبتها من انهماكي بتحضير رسالتي عن «استمرارية مفاهيم التصوف في حياتنا المعاصرة، وتداخل الأسطورة بالحدث التاريخي»؛ فشغفت طويلاً - ولا أزال - بعالي التوق، والوجد، وعتبات القرب، وإدمان القرع بباب رب الأرباب؛ وأوشكت مراراً أن أترك دراستي الجامعية، وأهنأ بفيوضات النور ومطلق السلام. لكن الشيخ أبو الفتوح ما تحمس لرغبتي. ولمَّا مات، أيقنت أن ضعفنا في هذه الفانية: خوفنا من فقدان ما تعلقنا به. لكن ما دام قلبنا قد تعلم إشعال الشموع، فلن تجرؤ الشمس على إحراقه. وقد قالوا: «توقف عن لمس جراحك الرطبة، إن كنت تريدها أن تجف»، وأنا لا أريدها أن تجف؛ فمن وجعها لا تزال روحي غافية في مُشرَع بوابات عالي النور، وأنسام عالي الصفاء. وهذه حكايات، جمعتها في أيامي معه؛ واعتبرتها شمسي، بل ربيعات زمني، بل مغاني دهشة خطوي، بل جمال رائق عمري.. فوقتما تبدأ في السير على الطريق، سيظهر لك الطريق. وبقاؤك مع من تحبه، وأنت تعلم أنك ستفارقه، أشبه بمتعة وقوفك تحت المطر وأنت تعلم أنك ستمرض لاحقاً. واليوم، وأنا على أعتاب الستين، كم أفتقد لمن كان يوصيني أن أنتبه لنفسي كثيراً.. ليتني أستطيع إخباره أنني فقدت نفسي عندما غاب. فجميعنا يفتقد النسخة القديمة من نفسه، رغم أنها كانت أغبى وأجهل وأقل خبرة.. ربما، لأنها كانت تلقائية، فكانت أكثر سعادة.






















ما قبل الحكايات

كان الوقت بداية شتاء، وكنت أنهيت صلاة الضحى بغرفتي، وما زالت دمشق ما بين ثخورة النوم وبين بدء حركة النشاط. فغفوت قليلاً، فرأيت كما العرش المهيب أمامي محمولاً على ألسنة لهب من نور. وبينما أنا أحدق فيه، إذ رأيت طائراً جميل الصفة والشكل لم أر مثله في الدنيا. ذيله أطول منه. شديد الزرقة حتى كأنه ياقوتة تطير. فتبعته بصري وهو يطير حول العرش، ثم حط قريباً مني. ولما دنوت منه قال لي: لتكن آخر وجهتك مراكش، ثم يكون قرارك مكة. فهل كان ذلك أضغاث أحلام ؟! أم هي الرؤيا !؟ ومتى تكون الرؤيا حقاً، ومتى لا تكون ؟ استيقظت من فوري، وسألت من حولي عن تأويل ما رأيته، ولم يرتح قلقي لكل ما قالوه أو زعموه، وخير ما قالوه لي:- لم يبق أمامك سوى الشيخ أبو الفتوح عهد السلام، لكن الطريق لمنزله متعب وشاق، في آخر الدنيا، قبل السماء بدرجتين ! ولم آبه لذلك، وذهبت إليه من فوري مشوش القلب، لكني هبتُ أن أزعجه في وقت قيلولته، فجلست على عتبة منزله أرقب خروجه، وجسمي لا يزال متوفزاً، هَيَّاباً، تنداح فيه ألف صورة، وألف خيال، وألف آمال عراض، وكانت السماء حبلى بغيم داكن، وبرد قارس يخيم على المكان. ولم أدر كم مضى عليَّ من الوقت وأنا على عتبة داره، فقررت الاستسلام للهفتي وأطرق بابه، لكنني قبل أن أقرع الباب فتح لي بهانئ ابتسامته، وقال لي ونحن باتجاه غرفة الجلوس: - لأنفاس الفجر رائحة لا يشمها غير محبيها. لقد تأخرتَ قليلاً يا بني باتخاذ قرارك. مرحباً بك في كل وقت وحين. (وربت على كتفي بيده المعروقة، وقال ليزيل رهبة موقفي، وكنت ما أزال في مكامن الضوء وبوابات عالي النور): في صغري، كنت أكره السباحة، وتزعجني برودة الماء، وما عرف أبي أن السباحة هي العوم في ملكوت الله، والرماية هو قول الحق في موقف الخوف، وركوب الخيل هو السفر في طلب العلم. (وسرحت عيناه، ومعها دمعي الغزير): الفقيه يقرأ فيقول بما فهمه من مقروئه، والفيلسوف يفكر فيقول بما استنتجه من استدلاله، أما الصوفي فيخلو إلى ربه فيقول بما كشفه الله له. ولا يكشف الله إلاَّ لمن يتوكل عليه حق توكله، ويخلو به حق خلوته، ويكون ذو ذوق يُمكنه من فهم التجلي والكشف. فإن مال المرء جهة الوحي وحده صار ظاهرياً، وإن مال جهة العقل وحده صار فيلسوفاً، وإن مال جهة القلب وحده صار صوفياً. فإن أرادها كلها فلا بد أن يبني جسوراً بينها: فبين الوحي والعقل لا بد من جسر التفسير. وبين الوحي والقلب لا بد من جسر التأويل. وما بين العقل والقلب لا بد من جسر الحب. والطريق إلى الحقيقة تتعدد بتعدد السالكين. ولسنا نحن من أهل السماء، فالله أنشأنا على هذه الأرض، فلا نعلو عليها، إنها أمنا. والكون كله شبهة، فأنت لا تعرف منه إلاَّ أنت. والعلم يطرد الجهل ولكنه لا يجلب السعادة. فنسأل الله أن يجعل قلبنا مثل مكة، يُجبى إليها من ثمرات كل شيء.
كنت لا أزال دامع العين.. وأكال في جسمي كله، ورغبة ملحاح في الصمت والهدوء وحتى مقدرة الطيران تنازعني. فقلت كالحالم:- قليلة هي البيوت التي تجوز أسوارها أول مرة فتشعر أنها كانت تنتظر وصولك. تلقي على خطواتك الأولى عتاباً مشوباً بالحنين وشوقاً محفوفاً بالرضى. هكذا استقبلتَني، فشعرتُ أنك تُحييَّني وحدي تحية المدن السخية لكل شُذَّاذ المتعبين. وأقبلت نحوه، وأجهشت طويلاً وأنا أمرغ جبيني بملمس راحتيه، وهو يسحبهما باستحياء، وأنا لا أريد ذلك ولا آبه لتمنعه. يحتويني الدمع والصمت والدهشة والفرح الدائم وإصباحات أنداء الفجر، وأبقى مع الخشية والرجاء وشفافية الحب وبحار التوق وولادة مساكب أضواء السعادة. ووضع يده على قلبي المنهك، وقرأ آيات من القرآن الكريم: ﴿ الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ﴾، ﴿ الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ﴾، ﴿ الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ﴾ مرات ومرات حتى هدأت نفسي.












الحكاية الأولى
1
قلت لشيخي، بطرف يأس: - مشكلتي، أني لا أتجزأ.. أحضر باندفاع كبير، فأهب مشاعري دفعة واحدة، وأعطي الأشياء أحجاماً تفوقها.. وحين أسقط، لا أسقط متفرقاً.. بل أسقط بثقلي كله. فقال لي، وهو يضع يده المعروقة على كتفي بحنان، وينظر إليَّ بطمأنينة:- الرياح لا تهزُّ الجبال، لكنها تحمل جزءاً من أتربتها معها.. فإن عصفت بك الرياح، فهي لا تقتلعك، إنما تأخذ منك أجزاءاً التحمت بك طويلاً.. والانتصار الكبير، الذي ستشعر به، يكون وقتما تنعدم رغبتك أمام كل ما أدمنته؛ وعلى قدر طيبتك تأتي أوجاعك. وشئت أم أبيت ستتغير. ستولد كلما ماتت نفسك؛ وستقوى كلما خذلت؛ وستقف كلما تعثرت؛ وستُمنح كلما مُنعت؛ وستتعلم كلما عانيت؛ وستضحك كما بكيت؛ وإذا تعبت، تعلم أن ترتاح، وليس أن تستسلم. وإن لم تجد نفسك بداخلك، فلن تجدها في مكان آخر. كما لن يضرَّك فقدانُ شيء، إذا لم تفقد دوام صلتك بالله؛ فالنور الذي يمنحك إياه الآخرون مؤقت، وروحك يجب أن تكون المنبع الأساس للنور، وإلاَّ باغتك الظلام في أوج احتياجك للضوء. (وتابع بثقة واعتزاز): ‏ لا يزال الله يُسقط الناس من حولك، حتى لا يبقى حولك سواه، ‏فإذا أخلى قلبك من الخلق أذِن لك بالوصل. (وتأوَّه بحرقة، فاختلج صدره وسعل، وقال كالشارد): اعتياد النعمة، يحرمنا لذة الاستمتاع بها، والأهم من ذلك يحرمنا أجر شكرها. وتيقن، أنك في السكون الذي يحصل في قلبك، بين النبضة والأخرى، سيتم استدعاؤك.. ولن يضرك كل الخراب من حولك، لأن ما يهمك أن لا يكون الخراب في قلبك. (وابتسم بعذوبة آسِرة): تركك لغفلات نفسك لا يعني تحوُّلك إلى فضيلة شيخ؛ فأنت ستبقى كما أنت، بشخصيتك وأفكارك وجنونك، لكنك، لا شك، ستكون أخف غفلة، وأرقى خلقاً. ثم طواه الأفق البعيد.

●●●●




الحكاية الثانية
2
قال لي شيخي: - إذا أردت اختبار نور روحك الأبدي، فعليك أن تخرج الماضي والمستقبل من عقلك، وتظل داخل لحظتك الراهنة. وساعتها يهتف قلبك باطمئنان: إلهي، أنت المُدَبّر، لا حيلة لي، فاختر لي يا كريم. موقناً أن الله حين أخَّرها عليك، أرادها أجمل مما لو جاءت بِكْراً. (وهزَّ ثغام رأسه): لعل الله أراد أن يأتيك بما تريده، لكن بتدبيره لا بتدبيرك. (وابتسم بطمأنينة): لا يُشترط في اللطف ذهاب البلاء، بل يكفي نزول السكينة؛ قال تعالى:﴿ أردت أن أعيبها ﴾، أي بعض الكسر جبر، وفي طيات الأخذ عطاء، وبعض الأخذ إبقاء. ولأنه هو الرحمن، فمنعه حكمة، وعطاؤه رحمة. ومن تذكر حلاوة العاقبة نسي مرارة الصبر. وكل الأشياء ترحل ولا تعود، إلاّ الدعاء يرحل بالرجاء، ويعود بالعطاء. فلا تعجل، فقد يكون بينك وبين الفرج همُّ ليلة. ولا تحزن عند الصدمات، فلولاها بقينا مخدوعين لمدة أطول. نعم، هي شديدة القسوة، لا شك في ذلك، لكنها - يقيناً - غاية في الصدق أيضاً؛ فأيُّ بلاء يجعلك تلح على الله بالدعاء، وهذا هو عين العطاء وإن أوجعك. (وحدجني بنظرات طوال، ثم هرش رأسه وقال لي دون انفعال): ستأتي على قلبك فترة أثقل من الجبال، ليست لتكتئب، إنما لتقترب. فقد يخشى الله عليك من ظلم نفسك لنفسك، فيؤدبك بالابتلاء. (وتابع بهانيء ابتسامته): ماذا لو أخجلك الله بكرمه فمنحك تلك التي أقسمتَ أنها مستحيلة ؟! سلّم أمورك للقدير العزيز، فلو شاء أنزل بين كفيك القمر. وكما في كل مرة ابتلعه الأفق البعيد، فبقيت وحدي.

●●●●







الحكاية الثالثة
3
قال لي شيخي وهو يتأمل ملامح الأفق الغافي مبتسماً: - الجمال يختبئ في كل شيء.. فقط تعلم كيف تلاحظ. كان في عيني بقايا دموع، ولم أنتبه إليه، فربت بيده المعروقة على كتفي بحنان، وقال لي باسماً: - ليس هناك شيئاً في هذه الفانية، يستحق البكاء عليه، أكثر من أنفسنا إذا ارتكبنا ذنباً ولم نستغفر. فإياك أن تهزم مرتين: إن بادرت بذنب، فلا تفوتك التوبة. سارع إلى التوبة عند كل خطيئة، فالإنسان لا يغرق بسبب سقوطه في الماء، بل بسبب عدم استطاعته الخروج منه. (وتابع وهو ينظر إلى عيني بحزم): أعط بسخاء، لكن لا تسمح لأحد أن يستخدمك؛ وأحبب، لكن لا تسمح لأحد أن يسيء إليك؛ وامنح الثقة لكل من حولك، لكن لا تبع سيفك. وتذكر على الدوام: لا تمش في صحراء لا طين بها، فالرمال تلسع قدميك.

●●●●












الحكاية الرابعة
4
سألني شيخي: - ما بك، أيها المسافر أبداً ؟! أما تعبت من تعب الترحال ؟! فقلت دون تدبر لمرامي كلامي، ودون انفعال: - إن كل ما أحتاج إليه هو الأمان.. أن أشعر تحديداً بعدم (الخوف) بسقوط (الرهبة) من نزق نفسي. :- لم أفهم ! :- كم يكون رائعاً أن ينمو في أرواحي جناحان من أقباس النور، فأشرع في الطيران، لثقتي بقدرتي على الطيران، وبقدرتي على التحليق.. فإن سقطتُ، فسأكون مطمئناَ أن أحدهم ينتظر التقاطي بالأسفل، أو الغرق معي في الأعماق، لأنني سأتنفس من رئتين أخرتين.. أو ليتني أتيه في أمدية الصحراء، لإيماني بظهور الدليل في الوقت المناسب. فشردت عينا نور صقره، وتألقت لا نهائيات قلبه، وقال بهدوء ملائكة الرحمة: - جدْ نفسك أولاً، فلن يطمئن قلبك المرهق سوى بالنبضة الساكنة.. وهي معك، لكن كسلك ونزقك واستعجالك، يغافلك عن استمرارية دوامها. (وتابع بثقة العارف): لا يُتوَّج إكليل الغار بالعتمة، فسكان الضوء يكرهون قارس الصقيع. ومن عرف الله حقاً، لم يعد يرى في الوجود سواه. والرجل الأعلى هو الذي يهرب بنفسه للحصول على صحبة ربه. ومن عرف ربه، لم يعد يرى في الوجود سواه. وعالي أشواقك ستأتيك من تلقاء نفسها، أو أنها سترحل عنك رغم كل جهودك. (وبلمسة حنان أمهات الدنيا، انسكب صوته في قلبي وهو يتابع بوقار أعهده فيه): أشقى الحروب حرب الإنسان مع نفسه. وكلما انتصرتَ في السر، أشرقتَ في العلانية. وقد لا تدري.. لعلَّ أحدهم يناجي الله لأجلك؛ فالبعض طيبون كالنبتة، يزهرون عند كل انكسار ليجبروه؛ فيكون رزقك دعوة قلب ساقه الله إليك ليسعدك. فاظهر كما أنت، وكن كما تظهر. والإصرار على اليقين المتفائل، يصنع ما كان مستحيلاً. فلا تطلب منه أن يخرجك من حالة ليستعملك فيما سواها، فلو أراد لاستعملك دون إخراج.
وكما في كل مرة ابتلعه الأفق البعيد، وكان الليل يسحب أذياله بهدوء، فيتثاءب الفجر بسحر سكينة دون ضجيج.

●●●●


الحكاية الخامسة
5
قال لي شيخي: - بكى الأعمى حينما أراد إطفاء فانوسه، فوجده بارداً لمَّا يشتعل ! نحن نبحث عن النجوم المضيئة في السماء، والنجوم هنا، في قلوبنا المشرقة، تحركها أجنحة الحب، حتى لو كانت العين لا ترى إلاَّ الظلام. (ورفع يديه عالياً، وهما تضطربان): يا فريداً كالشمس، أقبل نحوي، فمن دونك تصفرُّ حديقتي، وتذبل أوراقي؛ ومن دونك العالم غبار ورماد؛ وكلما أصابتني الحياة أتعافى بك.. أنا فقدت ذاتي، لكني أريد أن أكون أكثر فقداناً للذات ! وأنا لا أريد التاج، فيكفيني أن أكون ملقى على الأرض في حضرتك؛ فتسألني: ماذا تريد ؟! فأجيب بصدق: أريد ما أنا فيه.

●●●●














الحكاية السادسة
6
قال لي شيخي: - لا تتعامل مع الخلق على أنهم أسماء، وحاول أن تلامس أرواحهم. حاول أن تتركهم على أفضل حال.. احتضن بعزم يقينك كلَّ كسير، وأعط أمل سعادة للذي أرهقته وطأة الحياة، وارشد كلَّ من فقد الطريق، أو تشعَّب به الدرب. فهناك من يحتاجك لشيء، وهناك من يحتاجك لأنك كل شيء. (وربت بيده المعروقة على كتفي، وكانت عيناه شمساً تأبى الرحيل، وتابع): حدثهم عن رب الأسباب، الذي إن لجأوا له، وجدوا عنده كل شيء. وكما في كل مرة ابتلعه الأفق البعيد، وبقيت وحدي، وكانت الشمس تلد إصباحات يوم جديد.

●●●●














الحكاية السابعة
7
قلت لشيخي بطرف يأس: - يراقبون تصرفات غيرهم، وينتقدون سلوكهم، ويحللون نواياهم.. وينتهي الأمر، ولم يعش أحدهم حياته، وعاش حياة الناس.. مؤسف أنك عندما تذكر محاسن أحدهم يصمت الجميع، وعندما تذكر سيئة واحدة له يشاركونك جميعاً. فأخبرني أين يعيش السيئون في هذا العالم، وكلنا يدَّعي المثالية ؟! فشعرت أنه لم يسمعني، وقال من عوالم الضوء: - ليس شرطاً أن تكون الخيبة من صديق أو حبيب، فقد تكون خيبتك من نفسك وقتما أعطيت الأشياء قدراً أكبر من حجمها. وكل مَنْ تصادفه في حياتك، فأمًّا هو اختبار، وأمَّا عقوبة، وأمَّا هو هدية.. في الغياب، نرى من نحبهم بصورة أوضح، ونحس بمدى أثرهم وتأثيرهم بشكل أدق.. تكبر محبتنا لهم، وتصغر محبتنا لأنفسنا. فامسح الخطأ من أجل الأخوة، ولا تمسح الأخوة من أجل الخطأ. (ثم وهو لا يزال في عوالم الشفافية والضوء): إﺷْﺮﺏ ﻣﻦ ﻛﺄﺱ ﺍﻟﺘﻐﺎﻓُﻞ ﺣﺘﻰ تثمل. فالحياة ﺃﺣﻴﺎﻧﺎً ﺗﺤﺘﺎﺝ ﺇﻟﻰ ﺗﺠﺎﻫﻞ.. ﺗﺠﺎﻫﻞ أﺣﺪﺍﺙ، أو ﺗﺠﺎﻫﻞ أﺷﺨﺎﺹ، أو ﺗﺠﺎﻫﻞ أﻓﻌﺎﻝ، أو ﺗﺠﺎﻫﻞ أﻗﻮﺍﻝ.. فعوِّﺩ ﻧﻔﺴﻚ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺘﺠﺎﻫﻞ ﺍﻟﺬﻛﻲ، لأن ليس ﻛﻞ أﻣﺮ يستحق ﻭﻗﻮﻓﻚ عنده. فهناك ﺃﺧﻄﺎﺀ ﺗﺴﺘﺤﻖ ﻓﺮﺻﺔ ﺃﺧﺮﻯ، ﻭﻫﻨﺎﻙ ﺃﺧﻄﺎﺀ ﻻ‌ ﺗﺴﺘﺤﻖ إلاَّ ﺍﻟﺮﺣﻴﻞ؛ لكن اﺤﺬﺭ ﻣﻦ ﺍﻟﺬﻳﻦ تحبهم أﻥ ﻳﺮﺣﻠﻮﺍ ﺩﻭﻥ ﺍﺳﺘﺌﺬﺍﻥ. (وهرش كث بياض لحيته): ربما لم نذهب لننام، بل ذهبنا لنستر عورة البكاء في عيوننا. وفي منتصف الليل، يعود الوقت أدراجه.. ربما لأنه لم يأت الوقت المناسب لإطالة مكوثه. فقلت بفرح: - أثلجت مُتعب صدري. فقال بنشاط: - أنا موطنك، عندما تغترب عن كل ما حولك، وتغترب كل الأشياء بك.

●●●●






الحكاية الثامنة
8

تثاءب شيخي طويلاً، ثم عطس عطسة قوية ظننتُ أن عينيه ستغادر محجريه. ثم وهو يقول: «الحمد لله»، نظر نحوي طويلاً، وشبه ابتسامة اطمئنان على شفتيه المزمومتين، وكنتُ لتوي تلوتُ عليه آيات من سورة الشعراء: - تلوتَ قبل دقائق ﴿ إن معي ربي ﴾، فهل تيقنت، بصدق، أن الله معك ؟ فأجبته دون تردد، وأنا جناحان من نور، أسمو للعلاء، وأعانق المطلق: - يبدو لي، أنني عندما عرفته بالإشارات، تركت جميع العلاقات. أفأذنَ لي بالخروج من الشرنقة ؟! أغمض عينيه، وشعرته يتكلم من عالم خرافي: - زدني بفرط الحب فيك تحيرا وارحم حشا بلظى هواك تسعرا فقلت: - ها قد تذوقتُ الموتَ شوقاً.. فَمتى تتذوَق نفسي حياة الوصول ؟! فسرح طويلاً، وتسارعت نبضات قلبي، وأحسست ببدء دبيب رهبة، وقال بوقار غير مُفتَعَل: - خفف حمولتك لتحلق. ولا تحلم أن تكون رساماً وأنت لا تملك الألوان. اتئد، فالطريق طويل. ووقتما يصيبك الفتور، غيٍّر موقعك ولا تترك الميدان.. هو يبتليك ليصطفيك، وتتألم لتتعلم. فكن أنت الأمل، حتى وإن أغرقك مَنْ حولك بأثقال اليأس. واعلمْ، إذا تم العقل، نقص الكلام. : - لكنني أرغب بالكلام، وأريد عزم شباب نبضك، وعوالم عالي فضاءات روحك.. أريد أن أطرب، وأرقص، وأصيح صادقاً الله الله الله، رضاك مطلوبي وأنت مقصودي. فلاحظتُ شبه ابتسامة على شفتيه، وقال: - كن كما أنت، كن كما أنت. فجمال الروح: هو أن تبتسم؛ وجمال الأخلاق: هو أن تجعل غيرك يبتسم. ومنهم من يخشى كشف بواطنه؛ ومنهم لا يعرف أن يسطر ما بداخله؛ وحجتهم جميعاً: خير الكلام ما قل ودل. وكما في كل مرة ابتلعه الأفق البعيد، وبقيت وحدي.

●●●●




الحكاية التاسعة
9
قال لي شيخي، وعيناه مساكب نور: - وقتما تتقدم قليلاً في الطريق، ستصير لكثير من المعاني بعداً آخر؛ فالسعادة ستعني الرضا؛ والغنى سيعني العطاء؛ والتعاسة ستعني الوهم؛ والذكاء سيعني النقاء؛ والجهل سيعني الكسل؛ والشيطان سيعني الخوف؛ والحرية ستعني التيه. : - لم أفهم ! فربت بحنان على رأسي، ومازالت عيناه مساكب نور، وقال: - لا تعجل.. ستأتيك على هينتها بلا عناء. فالذي رَتَّبَ لك تفاصيلَ حياتك، قبل قدومك؛ أيضيعك بعد مجيئك إليه ؟! (وتابع بهدوء الواثق): الذين لا يتحركون، لن يلاحظوا السلاسل التي تقيدهم. والغائبون لا يعرفون مذاق الانتظار. ولولا أن الفتيل مستقر في عمق الشمعة، لمَا اسْتُطِيع إحراقها.. كذلك أنت..، لن يحرقك إلاَّ من تسلل إلى أعماقك. (وعلا صوته قليلاً:) يا بني، اقض وقتك مع الذين يجعلونك ترى العالم بشكل مختلف. واقترب ممن يفتحون في روحك نوافذ من نور ويقولون لك: «في وسعك أن تضيء العالم». والربيع لا يُنبت الأزهار من قلب الحجارة القاسية؛ فكن كالتربة، وسيخرج منك الكثير من الزهور الملونة. ولا أظن أنك سمعتَ شجراً صرخ من فؤوس الحطَّابين، بل سمعتَ أنين الحطَّابين وهم يقطعون الشجر. واعلم، أننا، أحياناً، نرغم أنفسنا على فهم الأشياء خطأ، لأن صحيحها مؤلم. فارتعدت أوصالي، و تتابع ثرُّ دمع من عيني بلا انقطاع، ربما دونما سبب، وقلت كالذاهل: - له في القلب ما لا يجوز لغيره وفي النبض نبضٌ على سواه محرم (ثم صحت بأعلى صوتي، بعفوية): إلهي، أخجل من يوم لا أذكرك فيه وأنت الغني عن ذكري. وإن تمنيتُ شيئاً، فأنت كلُّ التمني. والذي يؤثر على حركة الطير جناحه وليس رجله. (وضحك قلبي بسرور): أنا في زحام من النعم.. ليس لأني أستحقها، بل لأنه هو الله. وكما في كل مرة، ابتلعه الفجر، وما زالت الرعدة تجتاح كياني دون انقطاع، فبقيتُ وحدي؛ وكانت السماء تهمي بخيوط من نور.

●●●●

الحكاية العاشرة
10
قال لي شيخي: - هل يغني سماع خرير الماء عن شربه ؟!
: - ؟! ؟! ابتسمت ملائكة خديه، وقال بفيض نوَّارات ربيع: - أعني هل يغني فهم قوله تعالى: ﴿ إني قريب ﴾ عن تذوُّق قربه ؟! (وعبث ببياض كث لحيته، وتابع باطمئنان): قال جلال الدين الرومي ذات يوم: «هذا الصباح قطفت وروداً من بستان، فخشيت أن يلمحني البستاني، فسمعته يخاطبني بكل رقة: ما الورود !؟ سأمنحك البستان كله». (وصاح، كأنما يخاطب جمعاً غير منظور): بني، لا تَدَع قلبك يصدأ بالأسى، ولا تبقى طويلاً مع الغائبة قلوبهم؛ فالروح عندما لا تكون متصلة بالأحبة تصير إلى الأبد مع ذاتها عمياء وحزينة. وإن تطلب اللؤلؤ، عليك الغوص في عمق البحر، فما على الشاطئ غير الزبد. فقلت على سجيتي، دون تدبير: - أأوحش من دامس وأنت قمري ؟! إنما العشق يأتي من قلب مليء بالحب، وليس من فم مليء بالكلمات.. والحديث مع روح تحبها، سعادة تغنيك عن دنيا بأكملها. أنا لا أملك جناحاً كي أحلق، لكنني أملك فرحي بك كي أطير. وأنت لست في قلبي.. بل قلبي صار أنت. وكان الزمن رائقاً، والصبح بارداً يتنفس، وسَرَت بي كما الرعدة، فأغضيت جفني؛ لكنْ عندما فتحتُ عيني، كان قد ابتلعه المدى البعيد.

●●●●








الحكاية الحادية عشرة
11
قال لي شيخي: - لا شيء يرسخ في الذاكرة ويثبتها، كالرغبة في نسيانها. فإن أردت أن لا تندم على شيء، فافعله لوجهه لا إله غيره. ابتسم في وجه مخاوفك، حتى تفقدها رهبتها. وألمك سيصبح ذات يوم علاجك. فلينكسر قلبك مرة تلو الأخرى، وإلاَّ فكيف له أن ينفتح ؟! (ثم وهو يتأوَّه): النسيان ليس أن تمسح الذاكرة، بل أن تتذكر كل شيء دون أن تشعر بأي شيء. وعشاق الله لا يفقدون الصبر، لأنهم يعلمون أن الوقت ضروريٌّ كي يصبح الهلال بدراً. ومعضلتك الكبرى أنك من ساكني الصمت، ومختصري الوجع في الوحدة، وحاملي الطهر في زمن تلونت أعماقه. (وأغمض عينيه، وأحسست أنه يخفي بوادر دمع، ثم علا صوته بنبرة فيها انكسار وتضرُّع): عندما نشعر بالحاجة إلى الانفراد بأنفسنا، فهذا يعني أننا نملك حديثاً قد لا يستوعبه أحد. والعاجزون عن يكونوا عكازاً لنا في الطريق، كيف يمكننا إخبارهم عن آلام أقدامنا ؟! هؤلاء يكفيهم أن نقول لهم إننا بخير، ونواري عنهم سوءات النزيف. (وعلا صوته أكثر): اللهم صل على سيدنا محمد، النبي الأمي الحبيب، العلي القدر، العظيم الجاه، وعلى آله وصحبه وسلم.. الله، يا رب الأكوان.. أنت مقصودي، ورضاك مطلوبي.
ثم مسح خديه بجمع كفيه، مخبّأً دمعاً حبيس، وابتلعه الأفق البعيد، فغمرني سكون عميق، فقلت:- تبقى هناك أحاديث مخبأة بداخلنا، إن تحدثنا بها أبكتنا، وإن كتمناها أوجعتنا.

●●●●








الحكاية الثانية عشرة
12
قلت لشيخي: - من قال إن الشجرة لا تبكي أوراقها ؟! أتظن أن وقوفها في مكانها دليل قوة ؟! أم أن صمودها في وجه عاتي الرياح دليلٌ آخر يؤكد جبروتها ؟! أم هي أرغمت على التخلي عن بعض من روحها، وأُجبرت على العيش بأجزاء منها مبتورة؛ فتسمرت في مكانها مذهولة، تخفي عن الأرض عطشها، وتناجي السماء غيث أمل يرويها ؟! أم تراها تحبس أنفاس أحزانها، وتمد الحياة لأغصانها على الرغم من اختناق الفرح في أعماق أحشائها ؟! فقال بارتياح: - ليس كل صامت غير قادر على الرد، فهناك من يصمت حتى لا يجرح غيره؛ وهناك من يصمت لأنه يتألم وكلامه سيزيده ألماً؛ وهناك من يعلم أن الكلام لن يفيد مستمعه بشيء إذا تحدث؛ وهناك من يصمت وقت غضبه حتى لا يخسر أحداً.. لكن يبقى الصمت الأعظم هو صمتك كي ترتقي بنفسك وأسلوبك. (وأغمض جفنيه المتهدلين): كم من الأغصان تنتظر طيوراً مهاجرة؛ وكم من القلوب تنتظر أحباباً غائبين. والخبز لا يُعطى إلى العطشان. وقد يُفزع كثيرين من حولك، أنك لا تُشبه بالضرورة تكرارهم. (وسكت برهة): إرمِ نفسك في البحر، بالرغم أنك لا تتقن السباحة، لتوقن، بمنتهى البساطة، أنك لا تريد إزهاق نفسك، بل تريد قتل شيء ما بداخلك. ولا تضع قدميك في النهر مرتين؛ فقد قالوا: كلما كان البئر أعمق، كان الماء أبرد وأعذب. فقلت بحماس، خالطه وليد تمام فرح: - حينما هممت باستكشافك، عرفت كم كان الهواء يخنقني قبلك. ويوم تعثرت بضوئك، عثرت على ظلي. فالصادقون في عواطفهم لا يبالون بالمظاهر. ومن يسعى إلى الحب لا يهرب من ذاته. وبعض من نحبهم كالعمر.. لا يعاد، ولن يتكرر. طريقي أنت.. أنت الطريق، والعارف بالطريق. أنت الخارطة، وأنت الحب، كل الحب. أنت تجول في قلبي، وتسكن في روحي، وتملأ عيني بالسرور. أنت فرحي، وبدونك لا يمكن أن أكون. (وأمسكتُ راحته بكلتا اليدين، وكانت يداي باردتين): شعاع ضوء الفجر قدم يقيناً؛ وحينما أسرعت هارباً من الأشواك، جذب الياسمين طرف ثوبي وقال لي: «نحن هنا، بعض القلوب خُلقت من ياسمين تقول لك: ضمني، ولا تخشى شيئاً، فأنا لا أملك أشواكاً»؛ فأيقنتُ أن أشياء كثيرة لن أراها بعيني، إذا كنتُ أغمض قلبي؛ وأن لا أحد يتغير فجأة؛ وكل ما في الأمر أننا في لحظة ما، نغلق نافذة القلب، ونفتح نافذة العقل، فنرى حقائق لم نكن نراها بقلوبنا. نعم، أنا قبل أن أعرفك، كنت أبدو هادئاً في حزني.. وكان قلبي متعباً من حروبه التي لا تهدأ.. ولمَّا أراد الله أن يتولى قلبي، أرسلك إليَّ؛ والمطر الكثير لا يأتي إلاَّ من الغيوم الأكثر ظلمة. ومن كرم عطاياه أن جمعني بمن قرأتُ الأمل بين كلماته، فشعرتُ أن أوجاع الحياة انتهت. (وضغطتُ على راحته، وكانت يداي لا زالتا باردتين، فأحسست بشلالات صفاء، وتابعتُ بحبور كبير): احتوتني نظرة قالت لي: «أنت حبيب»؛ وعجز عن ذلك ألف قسم. ورأيت عندك الفجر، فأخذت منه نهاراً أحمله في روحي، لا يظلم أبداً. كان الكلام يتدفق من روحي على هِينته، رائقاً، وتمنيت صادقاً أن يحتوي سحر البيان مشاعري، وتابعتُ بحماس: حين تكون قربي، تصالحني الحياة، وتمطر كل الأشياء حولي مطلق رضا وطمأنينة سكن نفس. لكنه صعبٌ عسِرٌ نقل سحر التوق لأولئك الذين صُنعوا من غبار. (وسألته، وما زلتُ عالياً في أجواز المطلق): متى يصل الحب لذروته ؟! فقال لي، وهو يبتسم، ويعبث بلحيته:- عندما يصبح الشهيق بالقلب.. ففي حال القرب تتعطل الأجساد ويتحكم الفؤاد. ومن رام الخروج، يرى من ثقب الباب مخرجاً؛ ومن أراد الدخول صنع في الجدران مدخلاً. وعظمتك تكمن في كل لحظة قررت فيها الاستسلام ولم تستسلم. (ومن مكان ما، في زمن ما، سطع ضوء، وتابع): مزق عنك قناعك، فوجهك غاية في الروعة والبهاء. يا بني، قد تأويك مساحة قلب، أكثر مما تأويك الأمكنة. وبين حين وآخر تحسس صدرك، فربما سقط قلبك، واستبدلته الأيام بأحجار الطريق، فصرت كالآخرين الذين تذمهم.

●●●●











الحكاية الثالثة عشرة
13
قال شيخي العجوز وهو يبتسم: - عندما فقدت كل شئ أملكه، وجدت نفسي.. فما أروع أن تكون أنت التائه وأنت الدليل. فقلت بأسى خالطته حرقة كاوية، متابعاً غيمة شاردة: - بعض الكلمات تعيد روحك من حافة السقوط، وبعضها تدفنك في الأرض كالموتى. أتصف الطريق لأحدهم، وتضل أنت ؟! هل غبار مصحفك جاء من صحراء قلبك ؟! أخبرني: كيف تكون لي واحة حقيقية ألجأ إليها عندما يشتد إنهاكي، وتقول لي إنك التائه والدليل ؟! فضحك طويلاً، وقال وهو ما يزال يضحك، لكن بوقارٍ ما أراد إحراجي، كلكْمة بقفازين من حرير: - عيبك أنك عجول، بل نزق عجول.. حمَّلْتني ما لم يخطر على ذهني أو أفكر به ! أعدْ بقلبك كلامي فتعرف إشارتي. البحار الهادئة لا تصنع بحاراً ماهراً. (ودندن بصوت مبحوح): سرك في روحي، وذاتي، وخاطري وكلي محتاج إليك، وأنت قريب مع الله تضيق فجوات الوجع. وأعمارنا الحقيقية هي التي نقضيها بقرب من نحب. وقد تفسد الكلمات ما كان القلب يود قوله. فقلت، وأشعر أنني تلميذ لا يُحسن إتقان كتابة حروف الهجاء: - لكنني في أحايين كثيرة أشعر أنك لا أنت بعيد فأنتظرك، ولا أنت قريب فألقاك، ولا أنت لي فيطمئن قلبي، ولا أنا محروم منك لأنساك.. أنت في منتصف كل شيء. فانتفض، كأنني حركت سكون أعماق بحاره:- إذن قاوم نفسك أولاً.. لا تسمح لأحد أن يطفئ النور في قلبك. تجنب أن تكون محامياً عن أخطائك، وقاضياً على أخطاء الآخرين. عش بأمل يقينٍ يتحقق، لا بجموح خيال يتملكك؛ فحينما ينطق الواقع، تخرس كل الأحلام. فإن أخبروك أنك تغيرت؛ فالمعنى أنك توقفت عن العيش بطريقتهم التي يفضلونها. لكنك ما دمت تمشي مستقيماً، فلا تبالي بالعقول المائلة. (وهدأت غوارب بحره، وكان طير نورس يحلق في صفحة سمائي، وتابع): رغم كل عذب الماء الذي تصبه السماء في البحر، يبقى مالحاً. ولو كان ما يقال خلف ظهورنا صحيحاً، لقالوه أمامنا. وإن طرقتَ الباب ووجدته مغلقاً، فاعْذُر، وأمْهِل، واصبُرْ، ورابطْ، وأْبَ الانصراف، وامكُثْ غير بعيد تترصدْ فرصة الدخول؛ فإن رأيتَ نصف انفراجة فانتهزها، وأجِزْ، واعْبُرْ، واخترقْ، واستوطن عالي المقام؛ لتنير، وتمنح، وتطبطب، وتحيي، وتعين، وتعوِّض، وتحتوي. وابتهج عندما تفعل الأشياء من باطن روحك، لأنك ستشعر أن نهراً عذباً تشكَّل داخلك. فقلت برجاء، وأنا أخاطب الجليل القريب: - عالي التوق أن أجدك دون أن أضطر للنداء، وتأتي قبل أن ألوِّح إليك، فيسبق سؤالك دمعتي، وصوتك حاجتي، وتمنح لأنك تريد لا لأنني أريد. لا أريد لكلماتي أن تصل إليك، بل أريد أن تصلني بك. فقال، وما قصدني أيضاً بكلماته، فكأنما كنا بَوْحاً خاطب بَوْحاً مادتهما الجليل الكريم: - يا الله، يا الله.. إن سألتني كم مرة خطرتُ ببالك ؟ سأقول: مرة واحدة، لأنك أتيت ولم تغادرني.. تظل سرَّاً بين الورق وقلبي.. يقرأونك سطراً، وأنت في داخلي رواية. (وأغمض عينيه): الله لا يريد من الدعاء بلاغتك، إنما يريد قلبك. اذهب إليه بقلبك، فإن لم يأت قلبك معك اتركه واذهب دونه، لأنه سيأتيك به، فأنت لذت بأكرم الأكرمين. (وكان جيشان بحره ما زال ساكناً، فسرحت عيناه للأفق الغارب، والشمس ترتاح لتولد من جديد): يمكنك أن تغلق عينيك عن الأشياء التي لا تريد رؤيتها، لكن لا يمكنك أن تغلق قلبك عن الأشياء التي لا تريد أن تشعر بها. وليس كل من ينظر إليك يعني أنه يقصدك، فربما يرى عبرك من فائت أيامه أشياء تشبهك. والمرء مع من لا يفهمه مثل السجين.
ثم ابتلعه الأفق، ففرغ المكان، ودلَّ على قدر من كان فيه.

●●●●













الحكاية الرابعة عشرة
14
قلت لشيخي: - انكسرنا مرات عديدة.. ومن ثبات يقيننا أن غداً هو الخير، كل الخير، لم يلاحظنا أحد. :- نعم، نحن نعتاد.. ثم ننسى.. ثم نصبح بخير.. فلا داعي للمبالغة. اطمئن، ‏فما ضاقت إلاَّ ليفرجها الله، فصبراً. الحزن لم يقتل أحداً، لكنه يجعلنا فارغين من كل شيء. والعلاقات أخلاق، حتى وإن انتهت. (وضرب بجمْع قبضته المعروقة صدره): أظلم الناس لنفسه من يتقرب إلى من يبعده، ويتواضع لمن لا يكرمه، ويقبل مدح من لا يعرفه. وشئت أم أبيت، هناك شخص في حياتك لا تجري عليه قوانينك مع بقية الذين تعرفهم: فهو إن غضب، فأنت تترضاه ! وإن غاب عنك بلا عذر انتظرته؛ فإن عاد بلا عذر عذرته ! وأنت ما زلت تفكر به الآن ! من يحبك لن يتركك، ولو كنتَ شوكاً بين يديه. لكن الإفراط في حسن الظن، قد يتحول إلى سذاجة أو حماقة في أكثر الأحيان. فلا تثق بالوجه الأول لأيّ شخص تقابله، فغالباً خلف كل وجه عدة وجوه، يبدأ ظهورها بحسب المواقف. فلا تثق في البدايات، فأصدق الكلام ما يقال في اللحظات الأخيرة. :- هل شعرت يوماً أنك كنت بمنتهى الغباء، لأنك كنت صادقاً بما يكفي ؟! :- كلنا قابلون للكسر، وبعضنا أكثر من الآخر. ووقتما يكون العتب أكبر من أي حرف؛ والخيبة أكبر من أي دهشة؛ والملامح أكبر من أي وصف.. يكون الرحيل هو الحلَّ الأمثل. فلا تفرض نفسك على من يرفضك، فمن أرادك فسيفعل المستحيل ليكسب ودَّك. ولا أحداً قويَّاً كما يبدو.. وليس هنالك سوى حرائق لا تُرى، وعواصف لا تُسمع، وأرواح تعفنت دون علم أحد. فلا تهدر حواسك الخمسة، من أجل شخص لم يستخدم إحساساً واحداً ليشعر بك. لكن قد ينتشلك في لحظة انكسارك من هو أضعف منك، إنما هو أكثر حكمة. (وتمنيتُ، والمنى أحلام، أن يبقى الثَّرُّ مَعيناً لا ينضب. وتابع): هناك أشياء ترحل ولا تعود؛ وأشياء حتى لو عادت، لن تكون كما كانت. والثقة كالإنسان، تحتاج إلى سنوات لتكبر، لكنها تموت في لحظات. والمشاعر مثل الحقوق، لا تعطى إلاَّ لأصحابها. والعالم لن يتوقف مع حزنك، ولن يتضامن مع تجهم أساريرك.. فتذكر على الدوام أن حزنك لنفسك، وابتسامتك صدقة لغيرك. وأننا نحن من نصنع غرور بعضنا البعض، لأننا نعطي قيمة لمن لا قيمة له.

●●●●
الحكاية الخامسة عشرة
15
قلت لشيخي، وعيناي جمرتان من الغضب:- أحياناً، عندما نفلسف بدهيات الحقيقة كثيراً، نقول بصدق: للجهل طعم رائع، يسمُّونه راحة البال.. لقد مللت من أشخاص بلبوس التدريس، وأتوق إلى شخص على هيئة ضجيج حياة. فهز رأسه الأشيب، وقال على هِينته:- أحياناً تبكي ولا تعرف ما هي القصة.. وتنسى أنك تعبت من كل شيء. والإيمان لم يوجد لنتكلم عنه، بل وجد لنحياه. فما فائدة المعاطف الثقيلة، إن كانت الرياح بقسوة تلفح أرواحنا ولا نبالي ؟! (وتابع، ومازال على هِينته): من وهب نفسه للدنيا، فلن تعطيه إلاَّ قطعة أرض يُدفن فيها.. ونغفل أن للحياة مع الله مذاقاً آخر. (وربت بيده المعروقة على كتفي): أعجب من الذين يأملون أن تذهب عنهم معاناتهم يوماً، ويتناسون أنها بداخلهم، ستذهب معهم أينما ذهبوا؛ فالمعاناة ليست في الأشياء والأحوال من حولنا، بل هي لذعة كاوية في القلب، يزيد أوارها الغفلة واهتزاز معاني اليقين بصاحب سيد القرار، لا إله غيره. (وصرخ كالملسوع): الله، الله، الله.. تهوى البحر ؟! غص بأعماق نفسك أولاً، لتجد المرسى. وابتلعه، كما في كل مرة، الأفق البعيد، وكانت السماء تنهمر بحنان بالغ، فتغسل مدينتي النائمة، الغافية باطمئنان، فقلت:- يا رب، وقلبي ؟ (ورددتُ كالشارد): استند على من يبسط لك قلبه قبل ذراعه؛ فكم يسيء الظن بك من عرفك بعينيه فقط. وبين منطوق لم يُقصَد، ومقصود لم يُنطَق، تضيع الكثير من المحبة. ومن أراد ألاَّ يموت، فليدخل بطن الحوت وهو يقول بيقين:﴿ لا إله إلاَّ أنت، سبحانك إني كنت من الظالمين ﴾.

●●●●







الحكاية السادسة عشرة
16
قال لي شيخي وهو يتأمل ملامحي مبتسماً، وكنت بادي التعب والقنوط، فسرحت عيناه نحوي طويلاً: بداية التجاعيد في وجهك تعني أنك ضحكت؛ وبدء غزو الشيب لرأسك يعني أنك اهتممت.. (وتابع كالهامس): وآثار الجروح في روحك تعني أنك نجوت. فقلت بغيظ وطرف حدة:- ألا ترى أنني أغرق، وأنت تنظر إليَّ دون لا مبالاة، لا يهمك سوى عارض شكلي ؟! فهز رأسه الأشيب، وقال بهدوء:- مهلاً، اتئد.. فليس كل أنواع الغرق ماء ! :- .. .. .. :- البعض يغرق في الندم.. والبعض يغرق في شرود نظرات تسبح في السماء.. والبعض يغرق في شوق أبكم وأنين صامت دون بكاء.. والبعض يغرق في نسيان يقصده لتصبح ذاكرته استثناء.. والبعض يغرق في احتياج لمن أصبح حضوره وغيابه سواء.. والبعض يغرق في همومه مستسلماً لها كل مساء ! فباخت حدتي، وحددت إليه نظري، وقلت وأنا أرفع يدي بإنكار:- جميع ذلك يصلح معي. :- إذن أنت تصر على الغفلة، وتنسى خطوات الامتحان، وأن الليل الطويل يحمل في صدره آلاف النجوم. (وتابع بعذوبة فيض صدق مشاعر): اعلم أن الفرح لحظة، والرضا حياة، وليس كل سقوط نهاية؛ فسقوط المطر أجمل بداية. والذين استقبلوا النور، يهبون النور. ومن لا يكون معك في العاصفة، فلن تحتاجه وقتما تشرق الشمس. فقلت:- لكن في عيني غيم كثير لا يمطر. (وتابعت بارتباك): لا أستطيع السيطرة على هذا الشعور أنني قاتلت طويلاً من أجل لا شيء. فقال بسكينة:- أعد ترتيب أوراقك مع الله، وتعلم من جديد معاني الجزاء والمحنة والاختبار والصبر. :- الكلام سهل.. أنا أدرى بنفسي. أنا لا أستطيع. :- بل تستطيع، ما دمت مُكَلَّفاً تستطيع.. ابدأ بتجنب الكسل والخمول لتستطيع.. فما تمارسه يومياً سوف تتقنه بكفاءة عالية: فعندما تمارس القلق، ستقلق لأتفه الأمور؛ وعندما تمارس الغضب، ستغضب بدون سبب. لذلك مارس الطمأنينة، لتتقن السكينة؛ ومارس التفاؤل والأمل لتتقن راحة البال؛ ومارس الثقة وحسن الظن بالله في حياتك لتنعم بالسعادة والأمان والخير. (وشردت عيناه إلى البعيد): لا يزال المرء يعاني الطاعة حتى يألفها ويحبها. قال تعالى: ﴿ والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ﴾. (ثم بلهجة المطمئن): إذا أردت الدعاء فقدِّم إساءاتك بين يديك، وقل: ربي، أتيت إليك بلا شيء. وهو حتماً سيستجيب.. سيجبر كسرك، ويكرمك. فاطمئن، فالفرح قادم بإذن الله (وهرش رأسه الذي غزته بوادر الصلع): نعم، سترضى كأنك لم تحزن يوماً. يقول الله: إن تابوا إليَّ فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم لأخفف عنهم ثم أشفي أوجاعهم.. ولا تدري لعله اختبار طويل، بعده فرج كبير. (ورفع يديه الضاويتين إلى السماء، وصوته يتهدج): لك الحمد مولانا من قاع الأرض إلى عرشك في السماء، حمد السجود، حمد نبينا عليه أفضل وأحلى الصلوات والسلام. (ثم نشج طويلاُ وجسمه يرتجف، وما كفَّ عن البكاء): ربي، أنا أول المقصرين بحقك.. لكنني أحب القرب منك. وركض نحو الأفق البعيد، وشعرت أن في قلبي تتشكل ألوان قوس قزح، فقلت بحبور: - متلازمتان أبديتان: لا ترتفع إشراقاتك، إلاَّ بشعلة نار تتقد في داخلك. وأحياناً قد نحتاج لمن يشعر بنا، وليس لمن يسمعنا. ومن لا يمكنه فهم صمتك، لا يمكنه فهم كلماتك. ولعل الأشياء البسيطة هي أكثر الأشياء تميزاً، لكن ليست كل عين ترى.

●●●●













الحكاية السابعة عشرة
17
ثورة ورقية

قال لي شيخي باستغراب:- مالك، عاشق (ليلى) ؟! كنت مقطّباً، محمر العينين، وخرج صوتي بتململ جليّ:- وضعتُ معك مبادئ العشق، وكتبنا معاً قاموس العاشقين، لجأنا إليه بين الحين والحين. (وتابعت بغيظ): في بداية مطلبي، كنت صادقاً معك ومع نفسي، فآفاق روحي هي التي كتبتْ، لكنني وقتما ترجمتُ ذلك إلى واقع ملموس، أيقنت أنَّ ذلك أشبه ما يكون بشيخ سقيم ! ذلك الواقع، رفض أن يكون لي قرية سحرية، أو مدينة ما وهمية، فسكنتُ في أطراف مدن المتمردين، الرافضين قصص المتيمين، الذين مزقوا أشعار الوجد، ورفضوا أن يكون للحب لغة بابلية أو ملكاً لآلاف الكتب والدواوين. :- .. .. .. :- بإصرار قاومت كل من استهزأ بمواجعي وعشقي الدفين.. إلى أن جاءت تلك الليلة الحالكة الظلام، وذلك الإعصار الذي أدخلني في دوامة الفاقدين، لأصير فاقد الحنين إلى ليلاي. :- .. .. .. :- ظننت ليلى إذا التفتت، ستكون أمامي في اليسار واليمين. فأيقنت أنني كنت أحلم معك، وحلمي من زمن لم يعد له مكان في أعاصير الزمن اللعين. فقال بدهشة:- وما هو المطلوب مني، أيها الطالب المتمرد الحزين ؟! :- حان الوقت أن ترجع إلى ذلك القاموس الأسطوري، لتمزقه، وتخبره أنه آن الوداع، فقد ولدنا في زمن وضعت التيجان على رؤوس ملوك الجان. ثم انتحبت طويلاً، وجسمي ريشة ترتعد، ثم بكيت بصوت مرتفع، وكان الوقت قارس برد، وصقيع شتي لا يعرف الرحمة. فأجابني دون انفعال:- هذا شأنك وإرادتك، وأنا ما شكوت إليك وحدتي يوماً، ولن أشكو لغير ليلى !
:- جئت إليك لأقول لك إنك على خطأ. والدنيا ليست ليلى، بل جملة تشابك مصالح. ولأنه ‏لن يفهمك إلاَّ اثنان: أحدهم مرَّ بمثل حالتك، والآخر يحبك جداً؛ أحببت أن أساعدك في كسر وَهْمك ! فقال كالشارد:- أيها الغصن لا تنكسر الآن، فعلى خاصرتك وردة ما زالت مؤمنة بالمعجزات. والابتلاءات في الحياة اختبار لقوة استعانتك بالله وثقتك به. والعبير يتحدث عن نفسه، لا حاجة لثرثرة العطَّار. والعين ترى ما لا تملك على غير أصله، فإن ملكته رأته على أصله. وما لا يمكن التعبير عنه بالكلمات، لا يمكن إدراكه إلاَّ بالصمت.
(وربت على كتفي بحنان): لا تحرك طينك كل لحظة، حتى يظل ماؤك على طهارة قلبك. والأهم من سفر المكان سفر الوجدان بداخلك؛ فما نفع تبديل الأماكن وأنت أنت ؟! ذبول الأزهار ليس دليلاً على قبحها، بل دليلاً على أن صاحبها لم يُحْسن الاعتناء بها.

●●●●

















الحكاية الثامنة عشرة
18
لكنني، لمَّا يئستُ من نفسي ومنه، تركته ورحلت. سافرت إلى المغرب، وتمكنت من زيارة الخزانة الملكية الحسنية في القصر الملكي بالرباط، بحجة الحصول على مصادر أغزر لرسالتي، وأنا في الواقع إنما أنشد راحة الهروب، فما أصعب الاحتياج لشخص أنت لا تعني له شيئاً. فوجدتني في غربتي الاختيارية أفكر به، وأنا بالفعل لم أنقطع عن التفكير به، بل في أغلب أوقاتي كانت تتراءى أمامي رؤاي القديمة التي أوصلتني إليه.. فكتبت إليه ذات يوم: - الكتابة أحياناً.. كأنها نوبة بكاء. وأنا رحلت، وأنت لا تزال ترحل.. فتعال وشاهد حزن الأشياء من بعدك. وقد أخبرتك بأن كل شيء يؤلمني إلاَّ قلبي، فحرصت على شفاء كل شيء، وآلمت قلبي. وقديماً قالوا: إذا أردت أن تعذب أحدهم، فاسكن قلبه، ثم ارحل عنه ببطء، لكن اترك له أجمل ذكريات أيامك معه. فأجابني:- مؤلمٌ أن يعيش المرء بعد موت قلبه. لكنني مراراً قلت لك، وأقول لك الآن، لا تتعلق بالفاني. يا بني، صحيح العلم يجعلك تعلم أنك لا تعلم، وغرور الجهل يجعلك تجهل أنك جاهل. وعندما تغضب يكون كلامك صحيحاً وأسلوبك خاطئاً. فلا تجادلني فيمن تراه بعينيك وأراه بقلبي. وتأكد أنه حين يشع نور الحب في القلب، فذاك يعني أن هناك إحساساً بالحب في القلب الآخر. لكن حذار أن تهمل من تحبه، فربما يظن أنك لا تريده، فيرحل. فكتبت إليه:- كان يلزمني قربك وليس وجودك؛ ولا شك أن تدرك معنى، أو مدى، الاختلاف بين اللفظين. فوقتما كنت أحترق، كنت تعاتبني على رائحة الرماد التي تستطع من داخلي. آآآه، يا شيخي، آآآه، يا مؤنسي ! في روحي أمدية حقول، وأنت يا الله ربُّ المطر. وبعض البوح أشد رعباً من أدغال الصمت. فأجابني:- لو رأيت ما في قلوب الآخرين من هموم، لحمدت الله كثيراً على ما في قلبك. ولا بد لكل أحد أن يعذب شيطانه، أو يعذبه شيطانه. وكم من صريح لم تفهمه عقول؛ وكم من منافق كسب القلوب. فكتبت إليه:- القيادة ليست إعطاء الأوامر فقط. وأنا أعلم يقيناً أنك مثقل بثقوب قلبك.. ومع ذلك أبحرت فيك. لكنك ربما ما شعرتَ بالصراعات التي أخوضها مع ذاتي، لأبدو أمامك هادئاً. وبصراحة، فكل محاولة رحيل عنك كانت استغاثة، أحاول بها إخبارك أن تتمسك بي أكثر، فاضطررتُ أن أردد يائساً: أنت خارج حدود الروح تدفعني للجنون؛ وأنت في داخلها تقتلني شوقاً. فماذا أفعل وغزال روحي مولع بصحرائك ؟! فكتب إلي:- يا بني، لماذا الإلحاح على طلب المَثل وأنت المَثل ؟ هل حاولت ؟! هل فشلت ؟! لا يهمك ذلك.. حاول مرة أخرى، وافشل مرة أخرى، لكن افشل بشكل أفضل. والصفعة التي لا تتعلم منها، تستحقها مجدداً. فهناك من لا يعرفون قيمة ما تعمله من أجلهم، حتى تتوقف عن فعله. لكن من يحبك لن يتركك ليلة دون أن يطمئن عليك. نعم.. نحن لا نرى الكوابيس في أحلامنا، فكوابيسنا تبدأ عندما نستيقظ. وأستغرب، وأنا أقول لك الآن، دونما تزويق كلام: كأنك تزداد في البعد اقتراباً ! هل اشتقتَ ولا تُصَرّح ؟! أم أنت تجمجم لوحدك ؟! أيها العاشق الغريب، أغلقت جميع الأبواب كيلا تجد باباً غير بابك ! فكتبت إليه:- أتقصد أننا اتفقنا أن نبتعد قليلاً لنشتاق.. فنسينا العودة ؟! فكتب إلي: - تعال إذن، ثانية، لقلبي ألملم شتاتك وأحضنك من جديد؛ كيلا تكون في مجموع العابرين الذين لا يبقى لنا منهم إلاَّ أنين اشتياق. فالحنين وجع لا يستأذن أحداً. وأسوأ ما نمر به، أن نبحث عن مبرر لغياب أحد نحبه ولا نجده؛ مع أن الاعتذار المتأخر، في بعض الأحيان، كمحاولة إنقاذ شخص فارق الحياة. يا بني: الإهمال كفيلٌ أن يدمر كلَّ شيء؛ وضعف الحائط يُغري اللصوص. والنسيان لا يأتي إليك، فأنت من يجب أن تذهب إليه؛ كذلك بعض المواقف لا تُنسى، فهي تُحفظ في زاوية من القلب والذاكرة. فلا تعجب إن أتى اليوم الذي تتحول فيك كثرة تسامحك إلى غضب يقتلع أشخاصاً من قلبك ويقذفهم بعيداً، رغم أنهم أمام عينيك.. لكنك لا تراهم. وأقول لك: إن أتيت، فأطهر ما أعدك به.. أن تبقى بين أدعيتي، وثق أنك ما غادرتها في الأصل. قلبي لديك، فكيف أنت على البعاد، وكيف قلبي ؟ نحن قد نقطع آلاف الأميال من النسيان، فتعيدنا كلمة. فكتبت إليه: - الصابرون طويلاً على الأذى، إن استُنفذ صبرهم، لا يعودون أبداً. لكن ها أنت تعود؛ فخذني ثانية إليك، فكل شيء موحش.. حتى المسير، دون دفء قلبك، كئيب. ودعنا نتجاهل.. ليبقى الود مستمراً؛ مع أن الصمت لا يعني القبول دائماً.. فأحياناً يعني أننا قد تعبنا من أنفسنا. ومع ذلك، أقول لك: «أتيتك، أيها الراقد منذ زمن في كبرياء كالشمس، أشكي لك حزني.. فهل تراك تسمعني ؟»، ألمي جَهْوَري الصوت؛ ولذة نشوة روحي مطلق همْس. والقلب خُلق دون حنجرة كيلا تسمع صراخه.. فهل بلغك صمته ؟! فكتب إلي: - وأدنو نحو بابك مطمئناً، وأمحو الخوف حين أقول يا رب. بني، حذار أن يذهب بك العمر دون أن تعرف من هو بداخل روحك، لا يفارقك أبداً. (وكان إذا طرب خاطب الكون بصيغة الأنثى): تحركي خطوة يا نصف عاشقة، كي يخرج النص عن رتابته، وأخرج أنا عن صمتي. وليوقن كل الذين ينتظرون سقوطنا، أن وقوفنا أطول من أعمارهم. وكلما قالوا انتهى، لنفاجئهم ونبدأ من جديد. وليس بالعين نبصر أحياناً؛ وليس بالقدمين نسير إليهم.. هي الروح تسافر حين تحب، إلى حيث تهوى. والعطر ليس ماء الورد، بل قلب روح ينبض بعبير الطيب، فيفوح عبقه في نفوس كل من حولك. إنما كم هو صعب أن تتعايش مع الذين يرون أنهم على الصواب دائماً. وأقول لك: أتُراك بحثت في الأغصان عما لا يظهر إلاَّ في الجذور ؟ فأجبته: - في قلبي لا ينام القمر؛ يصحو على وقع خطوي كلما خرجت إليه أستنشق المساء. أنت يا من وجهك شمسٌ لروحي، لا تبتعد عني؛ فقد أريتك جانبي المظلم، فوضعت لي نجوماً. وكان الصمت، هو المحاولة الأخيرة لإخباري بكل شيء لم أفهمه.. حين كنت تتكلم. وقد سألتني مرة: أيوجعك الليل ؟ فقلت لك: توجعني الروح والنجمة الباردة. وإذا أحب القلب، لا ترى العين عيباً. والمسافات وَهْمٌ عندما يتعلق الأمر بالقلوب.
فكتب إلي:- لا تضيع وقتك بالنظر إلى الخلف، فإنك لن تتقدم بهذه الطريقة. وأسوأ أنواع التفكير، ذاك الذي ينتهي بابتسامة فاقدة الأمل. والسعداء لا يملكون كل شيء، بل مقتنعين بكل شيء. وأحياناً، دقائق من الاهتمام كافية لتغيير حياة. فاقترب من الله، فثمة حياة جميلة لا تراها وأنت بعيد. فلا شيء موجع أكثر من أن تختنق ولا أحد يعلم.
****
وكان آخر ما كتبه إلي:- أحدهم لا يحادثك كثيراً، لكنه يُفكر بك أكثر مما تتصور. فلا تهمل من تحبه، فربما يظن أنك لا تريده، فيرحل. لكن لكل شيء أرضي نهاية؛ هذا ما يجب إدراكه منذ البداية. ومن السهل أن تبكي، لكن من الصعب أن تبرر سبب بكائك. بني، نحن كأقلام التلوين، قد لا أكون لونك المفضل، وقد لا تروق لك ألوان الآخرين، لكننا سنحتاج بعضنا يوماً لتكتمل اللوحة. وهناك من يؤمن بقدرته رغم عجزه؛ وهناك من يؤمن بعجزه رغم قدرته. ويبقى الصمت إجابة بارعة، لا يتقنها الكثيرون. فضرورة المسافات بينك وبين الناس، كضرورة المسافات بين الكلمات لتكوين الجمل. ولأن روحك قريبة من روحي، أعلم يقيناً أن كل ما تفكر فيه يمرُّ من ذهني. بني، لا تبحر في نوايا الناس، كيلا تغرق في الظنون. وإن تناءت أجسادنا، ستبقى نافذة تطل عليك، ومنها أمطرك بالرسائل الصامتة.
●●●●

ثم في يوم حزين دامع سنة 1984 م، وكان يوم ثلاثاء، مات شيخي أبو الفتوح عهد السلام.. وكان آخر ما قاله لي:- كن صديق نفسك هذه المرة. ولا تعاتب نفسك أبداً. أخبرها بيقين أن تلك اللحظات ستنتهي مثلما بدأت. فوراء كل غيم كثيف وابل حركة مطر؛ وبعد كل فشل هناك نجاح عظيم. فثق بالله وقف من جديد، فالسقوط لا يليق بك. والصبر: فن إخفاء نفاد الصبر.
‏لا تنظر إلى ما أُخذ مِنك، لكن انظر إلى ما بقي لك. وأزهر من الداخل ليزهر كل شيء من حولك ويبتسم. فإن أحزنوك أخبرني.. سأحاول أن أجد لك فرحاً.. فإن لم أستطع، سأكون لك عيناً أخرى تبكي معك. وذات مرة، قال جلال الدين الرومي: عدم مشاركتك في عزف موسيقى الكون، دليلٌ على جهلٍ مطلق. فموسيقى الكون تعمُّ كل مكان، و(قَدَرك) هو المستوى الذي تعزف فيه لحنك.. فقد لا تتغَيَّر آلتك الموسيقية، بل تتبَدَّل الدرجة التي تُجِيد فيها العزف.
** ** **
وحقاً لا تقف الحياة عند رحيل أحدهم، لكنها قد تمضي دونه بشكل مختلف.



p;hdhj adod


نور الأدب (تعليقات الفيسبوك)
توقيع د. منذر أبوشعر
 تفضل بزيارتي على موقعي الشخصي

http://drmonther.com
د. منذر أبوشعر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 28 / 03 / 2020, 56 : 03 PM   رقم المشاركة : [2]
Arouba Shankan
عروبة شنكان - أديبة قاصّة ومحاورة - نائب رئيس مجلس الحكماء - رئيسة هيئة فيض الخاطر، الرسائل الأدبية ، شؤون الأعضاء والشكاوى المقدمة للمجلس - مجلس التعارف


 الصورة الرمزية Arouba Shankan
 




Arouba Shankan has a reputation beyond reputeArouba Shankan has a reputation beyond reputeArouba Shankan has a reputation beyond reputeArouba Shankan has a reputation beyond reputeArouba Shankan has a reputation beyond reputeArouba Shankan has a reputation beyond reputeArouba Shankan has a reputation beyond reputeArouba Shankan has a reputation beyond reputeArouba Shankan has a reputation beyond reputeArouba Shankan has a reputation beyond reputeArouba Shankan has a reputation beyond repute

رد: حكايات شيخي

نرحب بعودتك د.منذر
أهلا بكم وب"حكايات شيخي"ننتظركم في أركان نور الأدب
مع كل التحية والتقدير
توقيع Arouba Shankan
 
Arouba Shankan غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 28 / 03 / 2020, 12 : 04 PM   رقم المشاركة : [3]
رشيد الميموني
أديب وقاص ومترجم أدبي ويعمل في هيئة التدريس -عضو الهيئة الإدارية / مشرف عام على المنتديات والأقسام / نائب رئيس رابطة نور الأدب


 الصورة الرمزية رشيد الميموني
 





رشيد الميموني has a reputation beyond reputeرشيد الميموني has a reputation beyond reputeرشيد الميموني has a reputation beyond reputeرشيد الميموني has a reputation beyond reputeرشيد الميموني has a reputation beyond reputeرشيد الميموني has a reputation beyond reputeرشيد الميموني has a reputation beyond reputeرشيد الميموني has a reputation beyond reputeرشيد الميموني has a reputation beyond reputeرشيد الميموني has a reputation beyond reputeرشيد الميموني has a reputation beyond repute

بيانات موقعي

اصدار المنتدى: المغرب

رد: حكايات شيخي

بدوري أرحب بالحبيب الغالي د. منذر ..
أهلا وسهلا بطلتك البهية
اشتقنا لك حقا .
رشيد الميموني غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 28 / 03 / 2020, 40 : 08 PM   رقم المشاركة : [4]
عزة عامر
تكتب الشعر والنثر والخاطرة

 الصورة الرمزية عزة عامر
 





عزة عامر has much to be proud ofعزة عامر has much to be proud ofعزة عامر has much to be proud ofعزة عامر has much to be proud ofعزة عامر has much to be proud ofعزة عامر has much to be proud ofعزة عامر has much to be proud ofعزة عامر has much to be proud ofعزة عامر has much to be proud of

بيانات موقعي

اصدار المنتدى: مصر

رد: حكايات شيخي

حبرت فرحبت فأبحرت ..
وأسجل أعجابي مقدما .
توقيع عزة عامر
 توضأ بالرحمة ..واغتسل بالحب.. وصل إنسانا..
عزة عامر
عزة عامر غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
حكايات, سيدي


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 59 : 04 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.
Tranz By Almuhajir *:*:* تطوير ضيف المهاجر
Ads Organizer 3.0.3 by Analytics - Distance Education

الآراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الإدارة وتمثل رأي كاتبها فقط
جميع حقوق النشر والتوزيع محفوظة لمؤسسة نور الأدب والأديبة هدى نورالدين الخطيب © ®
لا يجوز نشر أو نسخ أي من المواد الواردة في الموقع دون إذن من الأديبة هدى الخطيب
مؤسسة نور الأدب مؤسسة دولية غير ربحية مرخصة وفقاً لقوانين المؤسسات الدولية غير الربحية

خدمة Rss ||  خدمة Rss2 || أرشيف المنتدى "خريطة المنتدى" || خريطة المنتدى للمواضيع || أقسام المنتدى

|