التسجيل قائمة الأعضاء اجعل كافة الأقسام مقروءة



 
إطلاق مسابقة نور الأدب 2020 للشعر موضوعها: " صفقة القرن "
عدد مرات النقر : 438
عدد  مرات الظهور : 2,917,308

اهداءات نور الأدب

العودة   منتديات نور الأدب > مـرافئ الأدب > قال الراوي > الـقصـة القصيرة وق.ق.ج.
إضافة رد
 
أدوات الموضوع
قديم 12 / 03 / 2020, 52 : 05 AM   رقم المشاركة : [1]
ليلى مرجان
موظفة إدارية-قطاع التعليم العالي-حاصلة على الإجازة في الأدب العربي

 الصورة الرمزية ليلى مرجان
 





ليلى مرجان is on a distinguished road

بيانات موقعي

اصدار المنتدى: المغرب

الوشم (2)


ا
لوشم (2)

بانت خلف تلة مذعورة متوجسة شره، وبان ضخم القامة، لاهثا ينفخ الريح بقوة من شدق متدل.
كان ذو بياض ساطعٍ مقحم بشقرة، واسع الجبهة، عريض الذقن، عيناه الفيروزيتان جاحظتان جحوظا غير محمود؛ يديرهما بسرعة اللص الماكر الغدار، غليظ وسط أنفه؛ أفطس، له اصداغ منتفخة، وأوداج ممتلئة، عظيم الأذنين، طويل العنق، عريض الكتفين، خشن شعر رأسه؛ متدل على كتفيه، وكان وجهه يشبه الآدميين إلا بعضه؛ كساه شعر ليلي اللون؛ يشاع أن أمه توحمت على تيس؛ الشيء الذي جعله منبوذ قبيلته خاصة نساؤها، ولم ترض أيهن الزواج منه.. فتكدرت حاله.. وأصبح بري الطباع.. ثم فجع بموت أمه حسرة على وفاة شريك حياتها.. فزاد الطين بلة، وتوسعت دائرة حزنه؛ جف نبع الحنين، توسد غمام القهر، وبات يتجرع مرارة وحدته، تقضم قلبه خيبة حظه، حزينا على خلقته البشعة التي لم يخترها.. وحياته الكئيبة التي أثقلته غما.. ولم ينفعه إرثه المغري؛ مال وافر وأرض شاسعة في جلب عروس تملأ فراغ بيته؛ فشرب القهر ألوانا، وظل يحلم بحياة هنيئة طبيعية كما هي حال أقرانه، ولم يتحقق حلمه؛ فتوحشت أفعاله.
قاده تكالب صروف الهم على حياته إلى اتخاذ قرار جريء؛ فقصد قرية عين الظباء النائية؛ المشهورة بجمال نسائها؛ لخطف من تقع لأول وهلة تحت ناظريه؛ يحقق بها أحلامه، ويبني بها سعادته. فوقعت عيناه عليها، كانت وحدها دون رفيق، أميرة أحلامه؛ شمسا تضاهي الشمس بهاء، وردة أضفت على الفضاء جمالا وحسنا، هيجت أنفاسه، اندلق ريقه من حسنها، استفرد بها في ظهيرة قائظة؛ حيث خرجت إلى جانب نهر رقراق غمر؛ سر سحر القرية، تغسل صوف الغنم؛ لتصنع منها أمها جلبابا بهيا، يقي أباها برد الشتاء.
لطالما منعتها أمها من مغادرة البيت آنذاك؛ تفاديا لضربة الشمس الحارة، لكنها عنيدة؛ حكمت رأيها مُطَمْئنة أمها أن لن يصيبها مكروه، فوقع ما لم يكن في الحسبان؛ لما رأته أفزعها شكله، وهالتها قوته المندفعة صوبها، وأحست به عاصفة ستقضي على ربيع شبابها، فكانت تسرع مختفية وسط سنابل القمح الذهبية؛ التي يشي انحناؤها وحسيسها؛ بإغراء المنجل على الحصاد. انتصب أعلى التلة متربصا بها؛ يدير سهم بصره الحاد حول القرية الهادئة، لم يجد لها أثرا، ركز نظره على الحقل البهيج، قاده رقص السنابل على دقات قلبها المتسارعة، ورعشات جسدها المتواترة إلى حيث هي، كانت قاب قوسين من نهاية الحقل وبلوغ الديار، لم يسعفها صراخها بصوت بح نتيجة الخوف، ورغم ذلك لم يضعف جهدها في التخلص منه؛ لولا خطاه الطويلة التي بدت قفزا على المسافة الفاصلة بينهما حتى أدرك موقعها، انقض عليها بهمجية الجاهلية، والطباع الوحشية، أطبق على أنفاسها حتى خارت قواها، وحمل جسدها النحيف في كيس على ظهره العريض؛ يطوي الطريق وسط غياهب غابة على حد البصر؛ بسرعة مدهشة كطير كاسر يحمل غنيمة تكفيه عما سواها؛ يشبع بها جوعه، وقفل راجعا دون التفات قاصدا دياره.
مرت الأيام، توالت الشهور، طويت السنون؛ ولم يعثر لها على أثر. تلاشت الجهود في البحث عن الغالية الغائبة، وظن الجميع أنها وقعت فريسة للذئاب. كفت دموع أقربائها، وانهمرت مآقي أبويها مشكلا سيلانها خريطة؛ مفتاحها حزن ارتسم بكل الألوان على محياهما. كيف لا والغائبة حاضرة تحت الضلع.
ذات ربيع رحل الأب على غير عادته إلى معرض؛ كان يقام بسوق عامة، تحضره كل القبائل؛ ليبيع إبداع زوجته من زرابي، وألحفة وأغطية صوفية. لفت نظر ״صابر״ اسم ״عائدة״ منسوجا على مستهل إحدى القطع الفنية المعروضة للبيع، حرك فضولَه للإحاطة بدقائق محتواها، جحظت عيناه حين تبين تحته رسما لوشم خاص؛ تتزين به نساء قبيلته دون غيرها من نساء القبائل الأخرى، رسم بحرفية متقنة؛ خط عمودي على ذقن امرأة امتد إلى عنقها تتخلله بعض الرسوم المعقدة؛ لا يدرك فحواها إلا ذو صلة وثيقة به. فرك عينيه؛ تفاديا للشك المعطب لليقين، وتثبيتا لما رأته عيناه أعاد تتبع الرسم الذي أخفت صاحبته معالمه بلون رمادي خافت وسط ألوان زاهية، انجلت معالم الحزن وارتسمت الدهشة على وجهه، تابع بنظره الثاقب مسار الخيط الباهت؛ الذي يخترق قنطرة مترهلة الحدود على واد انعكست أشعة الشمس الذهبية على زرقة مياهه؛ فنسجتها المبدعة لآلئ تشع ألوانها زاهية، واخضرت الدنيا في عينيه، تابع المسار الرمادي على طريق مستوية في غالبها، تنعرج أحيانا؛ لتحاذي هضابا متقنة الرسم والتلوين، بشكل جعله يتوهم أنها تنطق؛ لتدله عند آخر غزرة من المسار؛ على بيت كبير تتوسط شرفته غادة مقبوضة الحاجبين، بيدها باقة سنابل صفراء، بابه اتخذ شكل فردة ״شربيل״ مطابق لآخر عثر عليه وسط الحقل بعد اختطاف ״عائدة״ يوم حصاد الذهبية؛ إنه النعل الجميل الذي اشتراه لفلذة كبده آخر عيد في بيته؛ والذي أحبته وحافظت عليه أكثر من كل ملابسها؛ هو ذاته اكتمال لما تنطق به التحفة من معنى في رسالة غير مشفرة.
امتزجت فرحة قلبه بدهشة عقله؛ فكان الوقع على نفسه المضطربة اشتياقا لقرة عينيه؛ كالرجع على أرض قاحلة، انشرحت أسارير وجهه، عانق السماء بحضنه، وصرخ في دواخله بصمت أسرع رجعه دقات قلبه.
كادت فرحته تفضحه، جلس القرفصاء من شدة الدهشة وهو يمسك بتلابيب الزربية؛ التي أحس لحظة القبض عليها أنها قطعة منه، أخذ يتمعن من جديد أيقونة الرموز وما تحمله من دلالات، وضع عمامته على رسم البيت يدثر صقيع قلب ساكنته، وهو يتمتم:
-لا يمكن أن تكون هذه التحفة الفنية إلا من أنامل هزها الحنين؛ لتمطر إبداعا ذكيا بدافع الخلاص؛ لن تتقنه إلا "عائدة" ابنتي المختطفة.
تمسك بالقطعة الفنية تمسك الروح بحبل الوريد، لفها دون استئذان مالكها الذي استغرب فعله، اقترب منه سائلا:
- ما ثمنها؟
شرع التاجر يشرح له قيمتها وجودة صوفها و.. و.. قاطعه ״صابر״ بلهفة فاقد الصبر:
- بكم تبيعها؟
نفخ التاجر صدره ورفع كتفيه؛ وهو يتبختر جيئة وذهابا حول القطعة الملفوفة أرضا وأردف قائلا:
- هذه قطعة أوصى بها عدة زبائن، ولندرة مثيلاتها احتفظت بها لجلب الطلب عليها.
وضع ״صابر״ منتوج زوجته كله أمام عيني التاجر وأفرغ جيبه مما يملك إلا قليلا؛ ليجلي طمعه.. وقال له:
- هل ستبيعها بأكثر من هذا؟
انبهر التاجر بانفعال ״صابر״ وسخائه، ووعده أن يترك له وحده كل القطعِ مثيلاتها الموسم القادم.
تأبط ״صابر״ إبداع ابنته وانسحب مرددا:
- إن حزتها الموسم المقبل قص شاربي.
رجع صابر إلى قريته وبريق الأمل يسطع من عينيه.. أسرع إلى زوجته والبهجة تغمر فؤاده..
- وجدتها وجدتها
حذقت "راضية" في حمولة كثفه وصرخت
- ماذا وجدت؟
- وجدت صغيرتي وجدت حبيبتي
اغرورقت عيناها وهي تخال ان مكروها أصابه، وهذيانا خطف عقله؛ وقد تَفْقِدُه؛ وهو مؤنسها الوحيد في وحشة الدار التي خلت من البهجة والنشاط يوم خلت منه زهرة القلب.
بعد أن استرجع "صابر" أنفاسه شرع يحكي لها ما تلقاه في السوق من خبر ضمني مفرح عن مكان وحيدتهما تحكيه أنامل "عائدة".
داخت الدنيا براضية، وقعت من طولها جالسة، امتزج الفرح بالحزن خوفا ألا تتلذذ بلقاء حُبيبة عينيها.. ربت على كتفها مواسيا ومواعدا إياها أن لن ينتهي فصل الربيع إلا و"عائدة" بين أحضانها.
باتا ليلتهما يخططان لاسترجاع حبيبتهما، فجر الغد شمرا على ساعدي العزيمة والحيلة. غادرا القرية بقراب ماء وسلة معونة يسدا بها رمق الجوع والعطش خلال رحلتهما التنقيبية عن ماء قلبهما. تابعا مسيرتهما واتقا الخطوات على الخريطة التي رسمتها عائدة بذكائها الفذ، بعد مسيرة أنهكت جهديهما حطا رحال صبرهما على باب نقش رسمه في خلد صابر؛ إنه الباب الذي يواري فلذة الكبد، طرقاه طرقا خفيفا؛ اهتز لنبرته قلب عائدة؛ وهي التي لم تتلق زائرا مذ أن وطئت قدماها سجن المسمى زوجها؛ شمت ريح أمها وحنان أبيها، وأدركت دون أدنى شك أو ما يفند إحساسها؛ أنهما الطارق. انفرجت أساريرها، ولم تستطع فتح باب قبرها لأن مفتاحه في جيب "رابح"؛ الذي لا تظهر عليه من علامات الربح إلا حيازة "عائدة" قهرا دون قلبها.
لقد استقصيا أخباره قبل وصولهما بيته؛ وتحينا فرصة غيابه لملاقاة "عائدة" التي أخبرتهما باحتياجه لمن يخدم أرضه ويرعى غنمه؛ فكانت الفرصة مواتية لتطبيق خطة تكتيكية مسبقة؛ لاسترجاع ابنتهما فكان لهما ذلك، بعد أن وافق "رابح" عند عودته من السوق على استئجارهما لخدمته؛ ولم يكن لديهما ما يفقدانه في بلدتهما سوى بيت بسيط شكت جدرانه حزنا فزرها، وأحباب وجيران مقدور على زيارتهم كلما هتف القلب بذكرهم، ورقت العين لرؤيتهم؛ فقضيا مدة غير يسيرة في كوخ بناه لهما جنب داره، دون أن يمكنهما من رؤية زوجته؛ حتى نال ثقتهما بيقظة فهمهما وقوة صبرهما. وكانا أثناء خدمته يصدران نُحاطا تتصدع له أركان قلبيهما دون أن تبوح عيناهما بسيل مجراها، وحين قرب الاستعداد للاشتغال على سلعة الموسم؛ طلب "رابح" من "راضية" أن تساعد زوجته "عائدة" في صنع الزرابي طمعا في ربح أكبر. وكانت الفرحة فرحة قلبين متلهفين للقاء سابق لأوانه غير متوقع؛ أمطرت سماء حظهما ودقا يمحو جدب شوقهما، فُتح الباب على مصراعيه، ولم يعد يشك في خادميه؛ الذين بذلا جهدا جهيدا لإرضائه، مع الحرص الشديد لعدم الوقوع في شراك سخطه.
لما حان موسم السوق جمع "رابح" حصيلة جهد "عائدة" وأمها ورافقه إلى السوق أبوها دون أن يسجن زوجته إلى حين عودته بعد انقضاء الموسم كما كان يفعل سابقا؛ لأنه كان يخاف أن يجيئها المخاض وهي في شهر الولادة، ولأن خادماه أبديا تمسكهما بعرى أهداب ثقته؛ التي توطدت بحسن المعاشرة والامتثال لأوامره، وخلا الجو للأم وابنتها لتنفيذ آخر شوط من الخطة؛ وهي الفرار والعودة إلى مسقط الرأس والديار. وتتميما لنهاية الخطة طلب "صابر" من "رابح" أن يسمح له بزيارة بلده، وتفقد أهله في يومين ويعود قبل أن ينقضي الموسم، فكان له ذلك؛ لما بدله من جهد في طاعته وإراحته من كل تعب.
اجتمع شمل الأسرة التي ازدانت بمولود ذكر، وانتشر خبر عودة "عائدة" إلى بيت أهلها وشاع بين القبائل؛ حتى وصل إلى زوجها المختطفها، فكان الخبر صاعقة حلت بقلبه ولم يستحملها؛ فسقط صريع الموت بعقر داره لما لم يجدها به.
اضطرت "عائدة" للعودة إلى بيت زوجها؛ للإشراف على مراسم الجنازة، وعاشت تحت كنف والديها الذين توليا رعاية إرث ابنتهما؛ التي ربحت حريتها فيما خسر "رابح" حياته.



hg,al (2) hg,.k


نور الأدب (تعليقات الفيسبوك)
ليلى مرجان غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 12 / 03 / 2020, 36 : 11 AM   رقم المشاركة : [2]
رشيد الميموني
أديب وقاص ومترجم أدبي ويعمل في هيئة التدريس -عضو الهيئة الإدارية / مشرف عام على المنتديات والأقسام / نائب رئيس رابطة نور الأدب


 الصورة الرمزية رشيد الميموني
 





رشيد الميموني has a reputation beyond reputeرشيد الميموني has a reputation beyond reputeرشيد الميموني has a reputation beyond reputeرشيد الميموني has a reputation beyond reputeرشيد الميموني has a reputation beyond reputeرشيد الميموني has a reputation beyond reputeرشيد الميموني has a reputation beyond reputeرشيد الميموني has a reputation beyond reputeرشيد الميموني has a reputation beyond reputeرشيد الميموني has a reputation beyond reputeرشيد الميموني has a reputation beyond repute

بيانات موقعي

اصدار المنتدى: المغرب

رد: الوشم (2)

شدتني تفاصيل الحكاية إلى النهاية بهذا التشويق الذي منح للسرد نكهة خاصة امتزجت فيه الأسطورة وكأني بأغنية "كان يا ما كان" تصاحب الأحداث بإيقاع جميل .
أحييك ليلى على هذا الإمتاع وأشكرك لأن نصك حملني بعيدا لأعيش هذه الأسطورة .
مودتي وتقديري
رشيد الميموني غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 13 / 03 / 2020, 43 : 01 AM   رقم المشاركة : [3]
ليلى مرجان
موظفة إدارية-قطاع التعليم العالي-حاصلة على الإجازة في الأدب العربي

 الصورة الرمزية ليلى مرجان
 





ليلى مرجان is on a distinguished road

بيانات موقعي

اصدار المنتدى: المغرب

رد: الوشم (2)

شكرا لك أستاذ رشيد على تجاوبك مع نصي وتشجيعك لحرفي
تحياتي
ليلى مرجان غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
الوزن


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 56 : 04 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.
Tranz By Almuhajir *:*:* تطوير ضيف المهاجر
Ads Organizer 3.0.3 by Analytics - Distance Education

الآراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الإدارة وتمثل رأي كاتبها فقط
جميع حقوق النشر والتوزيع محفوظة لمؤسسة نور الأدب والأديبة هدى نورالدين الخطيب © ®
لا يجوز نشر أو نسخ أي من المواد الواردة في الموقع دون إذن من الأديبة هدى الخطيب
مؤسسة نور الأدب مؤسسة دولية غير ربحية مرخصة وفقاً لقوانين المؤسسات الدولية غير الربحية

خدمة Rss ||  خدمة Rss2 || أرشيف المنتدى "خريطة المنتدى" || خريطة المنتدى للمواضيع || أقسام المنتدى

|